LOGINلم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.
— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل. مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها. ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا. وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار. كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين. — هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه. انطلقنا. كان ريح مهري أشجع ما رأيت، لكنه مهر على أي حال وليس فرس حرب، وكان عليه أن يجري بكل ما يملك لكي يبقى قريبًا من فرس عاصم، وكان الملح يتطاير من تحت حوافرهما كحفنات من الثلج. العمود خلفنا يقترب. ثمانية عشر فارسًا، ثم عشرون، ثم أدركت أنني لا أستطيع العد. سهم صفر بجانب أذني. التفت عاصم في السرج دون أن يبطئ، وأطلق ثلاثة سهام متتالية بيد واحدة، فسقط اثنان وانحرف حصان الثالث، لكنهم كانوا كثيرين. كانوا كثيرين جدًا. — انظر أمامك! صاح عاصم. أثر فجر يمضي نحو الشق الأسود في الصخر! كان شقًّا داكنًا ضيّقًا في جدار صخري أبيض، يكاد يتسع لفارس واحد في كل مرة، ولم أرَ مدخلًا أشد منه رهبة. لكن لا وقت للتردد. دخلنا والغبار المالح يطاردنا، والصخر يضيق علينا من الجانبين. وفي اللحظة التي بلغنا فيها منتصف الممر، توقفت الحوافر خلفنا. كلها. دفعة واحدة. التفتُ فرأيتهم عند مدخل الشق، فرسان الرماد، صفًا عريضًا على خيولهم السوداء، يقفون على بعد مرمى سهم لا يقتربون. لا يوجّهون سهامًا ولا يرفعون سيوفًا. وكان خيولهم، تلك الخيول الضخمة التي لم أرَها تخاف أحدًا، ترتجف وتتراجع كلما ضغط فارسها عليها بالمهماز. وأمامهم على صخرة مرتفعة، كان هلال. لم أرَ وجهه من هذا البعد، لكنني رأيته يرفع يدًا واحدة، ثم ينزلها ببطء، ويدير حصانه. وانسحبوا كما جاؤوا، صامتين، منظمين، كأنهم لم يطاردونا قط، كأن هذا الشق هو المكان الوحيد في الأرض الذي لا يجرؤ أحد على دخوله. — أخبرني ما هذا المكان؟ همست. لم يجب عاصم. كان وجهه قد اكتسى بشحوب لم أره عليه منذ أن عرفته. — ما كان لنا أن ندخله، قال أخيرًا. حتى أنا لم أدخله قط. كان أهل الجبل يسمونه «وادي النائمين». ويقولون إن من يدخله يخرج منه وقد نسي شيئًا لا يعود. كان الذي لم أرَه يخاف شيئًا قط يقول هذا بصوت مرتجف. لكن أثر حوافر فجر كان يمضي أمامنا بعمق، وكان الخيار الوحيد أن نتبعه. مشينا ساعة كاملة بالخيل من اللجام، والصخور تضيق ثم تتسع، ثم انفتح الشق فجأة على وادٍ واسع تحيط به جدران من الملح الأبيض. وفي وسط الوادي كانت تقف قافلة. خيام كثيرة متراصّة، وجمال بركت حول النار، ونار مشتعلة لم تنطفئ بعد. لكن لا أحد في المكان يتحرك. كان أكثر من مائة رجل وامرأة وطفل ممددين على الأرض، نائمين نومًا عميقًا متساويًا، صدورهم تعلو وتهبط بهدوء واحد، كأنهم قلب واحد يتنفس. وفي منتصف الحلقة، عند النار، كانت فجر تقف ساكنة، رأسها منحنٍ نحو الأرض، وتحت حافرها الأمامي الأيمن كان ينبض ضوء أزرق. وبجانبها، على صخرة مسطحة، كانت تجلس عجوز نحيلة لا أعرفها، ملتحفة بدثار من صوف أسود، وشعرها الأبيض مضفور على كتفيها، وعلى ركبتيها حجر أسود بحجم قبضة طفل، تسري تحت سطحه عروق من ضوء أزرق. كانت الوحيدة المستيقظة في هذا الوادي كله. وحين رأتنا ابتسمت كمن انتظر ضيفًا طويلًا. — تأخرتما، قالت. تأخرتما كثيرًا يا ابن حدّاد السرو. انحنيتُ عن ريح وقلبي يخبط. ولم أسألها من هي ولا ما هذا المكان، بل سألتها السؤال الوحيد الذي كان يملأ رأسي: — لماذا أخذتِ فرسي وحجري؟ ضحكت ضحكة قصيرة جافة. — لم أأخذ شيئًا يا ولد. هي التي جاءتني. هي تعرفني منذ أن كنت شابة مثلك. أنا التي حملت هذا الحجر قبلك، قبل الانطفاء بعامين. ولم تدع لي فرصة لأن أنطق. مدّت يدها النحيلة نحو وجهي ولمست جبيني بأطراف أصابعها الباردة، وقالت بصوت لم أسمع أهدأ منه ولا أقسى: — أعرف ما أخذه منك أولاً. صوت أبيك، أليس كذلك؟ هذا هو البداية دائمًا. الحجر لا يعطي شيئًا بلا ثمن، وإنما يختار ثمنه بنفسه. سكتت لحظة ثم أضافت، وهي تنظر إلى ما خلف كتفي: — وهذا الثمن لا يتوقف عند الصوت. أنا لا أعرف اسمي الحقيقي منذ ثلاثين سنة، ولا وجوه أبنائي، ولا المكان الذي ولدت فيه. والذي ينادونني به هذا المكان هو «نَجود»، لأنني أنام أحلامهم كل ليلة وأمنع عنهم الخوف. ثم رفعت عينيها العمياوين إلى ما خلفي. — وأكثر ما يأخذه الحجر من حامله، قالت بهدوء، هو أحب ما فيه من ذكريات. وأنت لم تستعمله مرة واحدة بعد. فإن استعملته مرة ثانية، فسيأخذ منك التالي، وهو من يقف خلفك الآن. التفتُّ نحو عاصم. كان واقفًا عند مدخل الوادي، يده على قوسه، وعيناه الرماديتان مثبتتان على العجوز بنظرة لم أفهمها حينها، خليط من الرعب والمعرفة معًا. كان عاصم يعرف هذه المرأة. وكان يعرف منذ متى أنها لا تعرف نفسها.لم يقل عاصم شيئًا حتى أسرجنا الخيل. كان يشد الحزام على بطن حصانه بأصابع هادئة، كمن يعرف أن الانفعال ترف لا يملكه من يطارد شيئًا أسرع منه.— هي لم تمشِ كحصان هارب، قال أخيرًا وهو يحني ظهره على أثر الحافر الأبيض. انظر: خطوتها متساوية، لا تعجل ولا تتباطأ، والأثر أعمق مما ينبغي لفرس جريحة خفيفة. كأنها تحمل شيئًا ثقيلًا جدًا. أثقل من حجر بحجم قبضة طفل.مسكتُ صدري تلقائيًا. كان المكان الذي اعتاد أن ينبض فيه النور الأزرق باردًا كقبر مفتوح، وكنت أشعر به كما يشعر المرء بسن نخلت من فمه، لا تؤلم، لكنك لا تستطيع أن تكف عن لمس مكانها.ركضنا يومًا كاملًا شمالًا، على أرض بيضاء مالحة تلمع تحت الشمس حتى التهمت عيناي. وكان أثر فجر يتبدّل كل ساعة: يعمق ثم يخفّ، ينحرف أحيانًا ثم يعود، كأن الفرس تمشي فوق ما لا تراه عيوننا.وفي فجر اليوم التالي، رأى عاصم الغبار.كان عمودًا رماديًا ضخمًا يتصاعد خلفنا على بعد ميلين، وتحته نقاط سوداء تكبر مع كل نفس. عددتها فوجدتها أكثر من عشرة، ثم أكثر من عشرين.— هلال أحضر ما بقي من رجاله، قال عاصم بهدوء مخيف. والله أعلم كم من القبائل انضم إليه.انطلقنا.كان ريح مهري أشجع ما
غادرنا الواحة قبل أن تشرق الشمس، وكان كل أهلها واقفين على الطريق صامتين، لا يلوّح أحد ولا يبكي. حملوا إليّ أجرانًا مملوءة ماءً عذبًا، وتمرًا، وقطع لحم مجفف، ولم يقل أحد شيئًا حتى جاءت العجوز نجمة متكئة على حفيدتها ريما.كانت الطفلة قد عادت إلى الحياة كأن لا دم قد غادر وجهها، وخداها متورّدتان، وعيناها تلمعان بشيء لا تفهمه بعد. مدّت إليّ سوارًا ضعيفًا ضفرته من سعف النخيل.— خذه يا عمّي. لكي تعود إلينا حين تنتهي.أخذته ولم أجد ما أقوله. وحين انحنى العجوز نحو أذني وهمست: «كل ماء جارٍ في هذه الأرض مدين لك»، شعرت بثقل غريب في صدري، لا أدري أهو فخر أم خوف.ركبتُ ريحًا، مهري الأدهم الذي عاد من مهربه في الوادي بعد أيام، كما حكى لي عاصم، وكان قد جمعه مع حصانه في الطريق. لكن ذلك الصباح لم يكن فيه مكان لشيء سوى الهرب.مشينا ثلاث ساعات دون كلام، عاصم يركب حصانه أمامي، وفجر تمشي بجانبي بلا سرج ولا لجام، كأنها تعرف الطريق أكثر ممن يدلّها. وكان هذا وقتًا كافيًا لأن ألاحظ شيئًا لم أنتبه إليه من قبل.كنت أحاول أن أتذكّر صوت أبي.أعرف أنه علّمني ترويض الخيل. أعرف أنه كان يغنّي أثناء الطرق على السندان. أ
استيقظتُ على رائحة الأعشاب المغلية.كان السقف فوقي من سعف النخيل، وضوء الفجر يتسلل منه خيوطًا رمادية. حاولت أن أنهض فمزّقني الألم من كتفي حتى ضلوعي، فعدت إلى الفراش أتنفس بين أسناني. كانت أكتافي ملفوفة بخرق نظيفة تفوح منها رائحة الزعتر والعسل، وعلى صدري، تحت القماش، حجر دافئ ينبض بهدوء كأنه يحرسني.— لا تتحرك، قال صوت من الزاوية. الجرح عميق، وقد نزفت كثيرًا.التفتُّ ببطء.كان جالسًا على الأرض عند الباب، ظهره إلى الحائط وساقاه ممدودتان، وقوسه الطويلة على ركبتيه. شاب في مثل عمري، أسمر البشرة، بعينين رماديتين كلون الغبار الذي عبرناه، وشعر أسود مقصوص بخشونة كمن يقصّه بسكين. لا درع عليه ولا شعار، إلا سترة جلدية قديمة متآكلة الأطراف، وفي معصمه الأيسر خيط أحمر مجدول، تتدلى منه عقدة صغيرة أعرفها جيدًا.العقدة نفسها التي في عُرف الفرس.— من أنت؟ سألته، وصوتي مبحوح.— عاصم، قال ببساطة من اعتاد أن يُسأل. ومن أنت فأنا أعرفه منذ ثمانية أيام.— منذ ثمانية أيام؟— منذ فتحتُ الصندوق تحت شجرة السرو.تجمّد الدم في عروقي. تذكرت الخدوش البيضاء على الغطاء النحاسي، والعلامة الطرية على جذع الشجرة، وحفرتي ال
لم يكن لدينا غير ساعة واحدة قبل الغروب.علمتني حدادية أبي أن المعركة لا تبدأ حين يستلّ الناس سيوفهم، بل حين يتقرر أين يقفون. جمعتُ أهل الواحة عند البئر، وكانوا ثلاثمئة نفس منهم مائة طفل، ولم يكن معهم غير أربعة سيوف صدئة ومناجل ومعاول. لكنهم كانوا يعرفون شيئًا لا يعرفه فرسان الرماد: كل قناة وكل جدول وكل نقطة رطبة في أرضهم.— خلف النخيل تنحدر أرض منخفضة، قالت العجوز، وقد عادت إلى قامتها كأن الماء نفخ في عظامها شباباً جديدًا. إن فتحنا القنوات القديمة تحوّلت إلى وحل لا تنجو منه حوافر.أمرتها أن تفعل، وركض الصبية إلى القنوات كما تركض الغزلان إلى الغدير، يرفعون الألواح الحجرية التي أغلقت منذ أجيال، ويفتحون المجاري، ويدفعون التراب بأيديهم الصغيرة. وكان الماء يتبعهم كالكلب الوفي، يملأ كل حفرة منخفضة من حول الخليج النخلي.وعند غروب الشمس، حين صار الأفق كجمرة تحت الرماد، ظهروا.سبعة فرسان على خيول سوداء، يهبطون الكثيب بخطوات منتظمة كأنهم قطعة واحدة من حديد. لم يصرخوا، ولم يجردوا سيوفهم. وقفوا على بعد مرمى سهم من النخيل، وتقدّم منهم واحد أطولهم، على حصان أضخم من البقية، ورفع يدًا مفتوحة.— أنتم
في اليوم السادس بعد ملتقى الطرق، رأيتُ أول لون أخضر منذ أن غادرت وادي السرو. ظننته سرابًا، فقد علّمتني الصحراء أن العين تكذب حين يجوع الجسد. لكن الفرس أسرعت من تلقاء نفسها، وارتفعت أذناها، وخفّ تعبها كأن ريحًا خفية رفعت عنها حملًا ثقيلًا.كانت واحة صغيرة محاطة بنخيل نصف ميت وأشجار جُمَّيز عتيقة، جذوعها ضخمة كأعمدة معابد منسية، وبين الأشجار بيوت من طين وسعف تتكئ على بعضها كشيوخ أنهكهم الانتظار. ولا دخان يتصاعد من أي بيت، ولا صوت يتردد في الأزقة، إلا سعال متقطع يخرج من خلف الجدران.عند مدخل الواحة وقفتْ عجوز نحيلة تحمل جرّة فارغة، وحين رأتنا لم تفرح ولم تهرب، بل نظرت إلى فرسي طويلًا ثم قالت بصوت أجفّ من الرمل:— من أين جئتما؟ ومن أجل ماذا؟— من الغرب، قلت. نبحث عن ماء وظلّ ليلة واحدة.— الماء مات يا بُني. ماتت البئر قبل شهرين. وما بقي من ماء الجرار لا يكفي الأطفال إلى آخر الأسبوع.قادتني بين البيوت، وكل بيت أطلّ منه وجه شاحب أو عينان غائرتان. رأيت أمًّا تبلّل شفتي رضيعها بخرقة جافة، ورجلًا يرقد على عتبة بيته كأنه نسي كيف يقف، وصبية يلعقون الحجارة. ثم وصلنا إلى وسط الواحة، حيث كانت البئر
لم أعرف كم ركضنا. أيام أم ساعات، لم يعد الزمن يعني شيئًا حين يكون العدو خلفك والحزن أمامك. كنت أنحني على عنق الفرس وأترك لها الطريق، والرماد يتطاير من تحت حوافرها كدخان ناعم لا ينقطع، يلتصق بثيابي وشعري وجفوني حتى صرت أشبه تمثالًا مغبرًا يمتطي ظلًا أبيض.كانت صحراء الرماد، كما سيعلمني أحد المسافرين بعد أيام، أرضًا لا تشبه أي أرض عرفتها. ليست رملًا ولا حجرًا، بل بقايا شيء احترق منذ زمن بعيد حتى لم يبقَ منه إلا هذا الغبار الرمادي الناعم الذي يمتد إلى الأفق في كل اتجاه. لا شجرة ولا بئر ولا طير ولا ظل، إلا هياكل معدنية ضخمة نصف مدفونة، تبرز من الرماد كأضلاع حيتان ميتة، وفي بعضها بقايا زجاج ما زال يلتقط ضوء الشمس فيرميه في عيني كالسهام.عند الغروب أوقفتُ الفرس أخيرًا. كان زبد أبيض يغطي صدرها، وصدرها يعلو ويهبط بعنف، وجرحها القديم قد تفتح من جديد. نزلت وجلست على الأرض الرمادية، ولم أجد في جسدي قوة حتى للبكاء.أخرجت السيف الجديد من غمده الأسود وأسندته على ركبتي. كان نصله يعكس السماء كأنه قطعة من ليل صاف. لمسته بإصبعي، فشعرت ببرودة غريبة لا تشبه برودة الحديد، بل أقرب إلى سكون بئر عميقة. وقلت