Masukتجرع ألكسندر المشروب دفعة واحدة ليروي جفاف حلقه اللافح، ووضع الكأس الكريستالي فوق الطاولة الزجاجية بعنف خفيف أحدث رنيناً صادماً في أرجاء الجناح الملكي رقم 7. عاد برأسه إلى الخلف، وأغلق عينيه الرماديتين محاولاً استعادة هدوئه وطرْد طيف تلك الفتاة ذات العيون العسلية التي غادرت المكان قبل قليل.
لكن، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى شعر أليكس بأن هناك خطأً رهيباً يحدث في جسده. بدأت حرارة مفاجئة ولافحة تسري في عروقه كالنار المستعرة، ونبضات قلبه تسارعت بشكل جنوني وغير طبيعي حتى كادت تخترق صدره. شعر باختناق شديد وضيق في التنفس، فمد يده المرتجفة ومزق ربطة عنقه كلياً ورماها أرضاً، ثم فتح المزيد من أزرار قميصه الأبيض وهو يحاول التقاط أنفاسه المقطوعة. لم يكن هذا تأثيراً عادياً للإرهاق، أو التعب، أو حتى الكحول؛ كان جسده يشتعل بالكامل، ورؤيته بدأت تشوش وتتحول إلى ضباب مهتز ومضطرب، بينما تملكت حواسه رغبة عارمة ومبهمة أفقدته القدرة على التفكير العقلاني أو اتخاذ أي قرار منطقي. "تباً... ما الذي... يحدث لي؟" زمجر أليكس بصوت مبحوح، ثقيل ومخيف وهو يحاول الوقوف على قدميه، لكن ركبتيه خانتاه ليعود ساقطاً على الأريكة الجلدية، وعقله يغرق ببطء في ظلام دامس وضباب مشوش، يفصل بينه وبين الواقع تماماً ويتركه تحت رحمة الغريزة والمؤامرة. في هذه الأثناء، عند نهاية الممر العلوي المعزول لطبقة الـ VIP، كانت "سيلين" تقف خلف الجدار المخملي وهي تنظر إلى ساعة يدها بترقب، وجشع، وقلق عارم. كانت تتأكد من خلو الممر من الحراس بناءً على اتفاقها السري مع مدير النادي جيرارد. وقفت تعد الثواني والدقائق المتبقية ليبدأ المخدر مفعوله الكامل في جسد الإمبراطور، مستعدة للدخول لتبدأ مسرحيتها الخبيثة وتصطاده في شباكها الحريرية. لكن القدر كان ينسج خيوطاً أخرى تماماً في تلك اللحظة بالذات، خيوطاً لم تكن في حسبان أحد. كانت إيلينا قد نزلت إلى الطابق السفلي المخصص للعاملين وهي تتنفس الصعداء، وتظن أن ليلتها الأولى والصعبة في الخدمة قد مرت بسلام وأمان. لكنها فجأة، وهي تضع الصينية الفضية على الرف، تلمست عنقها بذعر شديد وصدمة ألجمت لسانها. شعرت بفراغ قاتل؛ السلسلة الفضية الرقيقة التي كانت تحمل ساعة يد جدتها الراحلة والقديمة، والتي تعتبرها تميمتها الوحيدة وذكرى عائلتها الغالية التي لا تقدر بثمن، لم تكن موجودة حول عنقها! "سلسلتي! أين اختفت؟" همست إيلينا برعب حقيقي وعيناها تتسعان بذهول وهي تتذكر اللحظة التي اصطدم فيها كم قميصها بحامل الشموع في الجناح رقم 7. لا بد أنها سقطت هناك فوق السجاد المخملي السميك عندما جفلت من نظرات ألكسندر المرعبة وانكسر قفلها الرقيق. دون تفكير عقلاني، وبتأثير الخوف الشديد من فقدان أغلى ما تملك في هذه الحياة، ركضت إيلينا عائدة إلى الطابق العلوي بخطوات سريعة ومتعثرة. تجاوزت الممر بسرعة، وبسبب ذعرها لم تلحظ سيلين الواقفة في الزاوية المظلمة الأخرى تنتظر المساعد ليجلب لها مفتاح الطوارئ الخاص بالجناح. وصلت إيلينا أمام الباب الخشبي الضخم للجناح رقم 7، ويدها ترتجف بشدة كأوراق الخريف. وضعت أصابعها النحيلة على المقبض الذهبي، ودفعته ببطء وهدوء شديد وهي تدعو في سرها وتتوسل ألا يكون ذلك الإمبراطور القاسي قد انتبه لوجود السلسلة، أو أن يكون قد غادر الغرفة بالفعل لتدخل تأخذها وتخرج في صمت ودون أن يشعر بها أحد. فتحت الباب وتسللت إلى الداخل بخطوات خفيفة كطيف هارب، وأغلقته وراءها بعناية فائقة لكي لا تصدر أي صوت. كانت الغرفة شبه مظلمة إلا من أنوار نيويورك الباهرة والباردة التي تخترق الستائر الشفافة. انحنت إيلينا على الأرض وبدأت تبحث بعينيها العسليتين الشاحبتين فوق السجاد بجانب الطاولة الزجاجية... وفجأة، وقبل أن تلمح السلسلة، سمعت صوت أنفاس ثقيلة، لافحة وحارقة، تليها زمجرة رجولية مكتومة وقريبة جداً خلف ظهرها. التفتت إيلينا برعب حقيقي تجمعت فيه كاع آلام العالم، لتجد ألكسندر واقفاً بجسده الضخم والقوي أمامها كالإعصار المدمر. عيناه الرماديتان اللتان كانتا باردتين كالموت قبل قليل، تحولتا الآن إلى جمرتين مشتعلتين بنيران رغبة هائجة، مخيفة وخارجة عن السيطرة تحت تأثير المخدر. كان قميصه الأبيض مفتوحاً كلياً، وجسده الرياضي يتصبب عرقاً، وملامحه الحادة الصارمة تحمل مزيجاً مرعباً من الضياع، الشراسة، وغياب الوعي التام. قبل أن تنطق إيلينا بكلمة واحدة، أو تطلق صرخة استغاثة تنجدها من هذا الموقف، امتدت يد أليكس القوية كالقيد الحديدي، وقبضت على معصمها النحيل بحدة وقسوة، وجذبتها نحو صدره العريض والساخن بقوة جارفة جعلت الصينية الفضية تسقط من يدها لتحدث رنيناً صاخباً وضخماً ضاع وسط أجواء الليلة العاصفة وصوت المطر الخارجي.كانت شوارع نيويورك في تلك الساعة من الليل تبدو باهتة وقاسية، وكأنها تعكس الخراب الذي حل بقلب إيلينا. الهواء البارد كان يلفح وجهها الشاحب، يمر عبر خصلات شعرها الممتزجة بدموعها الجافة، لكنها لم تكن تشعر ببرودة الطقس؛ فقد كان الصقيع الذي يجمد أطرافها نابعاً من داخلها، من صدمة تلك الليلة المشؤومة في جناح ذلك الإمبراطور. خرجت إيلينا من الباب الخلفي للملهى بخطوات ثقيلة ومترددة، تكاد ساقاها العاجزتان لا تحملانها. كانت تلتفت وراءها بين الحين والآخر بذعر، يخيّل إليها أن حراس ألكسندر كينغستون يقتفون أثرها في الظلام. أنفاسها المتسارعة كانت تخرج كبخار أبيض في الهواء، ممتزجة بشهقات مكتومة تحاول حبسها في صدرها. وفي الجهة المقابلة من الزقاق المظلم، تحت إنارة عمود الشارع الخافتة، كانت صوفيا واقفة ترتجف من البرد والخوف، وعيناها معلقتان بمخرج الملهى وهي تأكل أظافرها قلقاً على صديقتها. وفور المحها لجسد إيلينا النحيل وهو يخرج بتلك الطريقة المنكسرة، انتفضت صوفيا من مكانها وأسرعت نحوها والشكوك تأكل قلبها. لم تكد صوفيا تصل إليها وتلمس كتفها، حتى تراجعت خطوة إلى الوراء من شدة الصدمة. أمامها، كانت إيلي
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببرود وبطء شديد عبر الستائر الشفافة للجناح الملكي رقم 7، كاشفة عن بقايا ليلة عاصفة ومريرة هزت أركان المكان وغيرت مصير شخصين للأبد. ومع تراجع عتمة الليل وانقشاع سوادها، بدأت "إيلينا" تفتح عينيها العسليتين ببطء وألم حاد. شعرت بثقل رهيب يجثم على صدرها، ووجع جسدي ونفسي لا يطاق يمزق أوصالها بالكامل كأن قطاراً مدراً قد مر فوق جسدها النحيل.التفتت بجانبها بذعر وقلق عارم، لتجد ألكسندر مستغرقاً في نوم عميق وثقيل جداً بجانبها. كان وجهه الحاد والوسيم يبدو هادئاً على غير العادة بعد انقشاع مفعول المخدر الخبيث وتراجعه، وشعره الأسود الفاحم مبعثراً بجنون فوق الوسادة البيضاء.استرجعت إيلينا شريط الأحداث المؤلمة للليلة الماضية؛ صرخات توسلها المبحوحة، يده القوية التي منعتها من الهرب، وقسوته الغائبة عن الوعي والعقل.. فتدفقت الدموع الساخنة واللاذعة على وجنتيها الشاحبتين بكثافة. نظرت إلى قميصها الأسود الحريري الممزق بالكامل، وإلى بقع الدم القانية والنقية التي صبغت السرير المخملي الفاخر، فشعرت بغصة ذل، وانكسار، ومهانة لا يمكن لوصف في هذا العالم أن يعبر عنها. كانت هذه ليلتها ال
أحكمت يد ألكسندر القوية كالقيد الحديدي على معصم إيلينا النحيل، وجذبتها نحو صدره العريض والساخن بقوة جارفة جعلت أنفاسها تتوقف وعظامها تكاد تتداخل من شدة الضغطة. حاولت إيلينا التراجع والهرب بكل ما أوتيت من قوة، لكن جسد أليكس الضخم والرياضي كان مثل جدار إسمنتي عازل يحاصرها من كل الجهات، ويمنع عنها أي مفر. كانت عيناه الرماديتان اللتان تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين بنيران المخدر تنظران إليها دون إدراك، أو وعي بالواقع، أو معرفة بهوية الفتاة التي يقبض عليها."سـ.. سيدي! أرجوك، اتركني.. أنت لست في وعيك! هناك خطأ ما!" صرخت إيلينا بصوت مخنوق ومرتعد وهي تضع يديها الصغيرتين على صدره العاري محاولة دفعه بعيداً عنها، لكن محاولاتها كانت كمن يحاول إيقاف قطار مندفع بيدين عاريتين.لكن ألكسندر لم يكن يسمع شيئاً في تلك اللحظة؛ فالمخدر الخبيث الذي وضعت سيلين قطراته في كأسه كان قد تملك حواسه بالكامل، وعطل مراكز عقله الصارم. جعلته نيران المادة الشامة يرى في ملامح إيلينا الملائكية الطاهرة الملاذ الوحيد والواحة الباردة لإطفاء الجحيم اللافح الذي يحرق عروقه ويسري في دمائه. انحنى نحوها وضغط على جسدها الرقيق فوق ال
تجرع ألكسندر المشروب دفعة واحدة ليروي جفاف حلقه اللافح، ووضع الكأس الكريستالي فوق الطاولة الزجاجية بعنف خفيف أحدث رنيناً صادماً في أرجاء الجناح الملكي رقم 7. عاد برأسه إلى الخلف، وأغلق عينيه الرماديتين محاولاً استعادة هدوئه وطرْد طيف تلك الفتاة ذات العيون العسلية التي غادرت المكان قبل قليل. لكن، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى شعر أليكس بأن هناك خطأً رهيباً يحدث في جسده. بدأت حرارة مفاجئة ولافحة تسري في عروقه كالنار المستعرة، ونبضات قلبه تسارعت بشكل جنوني وغير طبيعي حتى كادت تخترق صدره. شعر باختناق شديد وضيق في التنفس، فمد يده المرتجفة ومزق ربطة عنقه كلياً ورماها أرضاً، ثم فتح المزيد من أزرار قميصه الأبيض وهو يحاول التقاط أنفاسه المقطوعة. لم يكن هذا تأثيراً عادياً للإرهاق، أو التعب، أو حتى الكحول؛ كان جسده يشتعل بالكامل، ورؤيته بدأت تشوش وتتحول إلى ضباب مهتز ومضطرب، بينما تملكت حواسه رغبة عارمة ومبهمة أفقدته القدرة على التفكير العقلاني أو اتخاذ أي قرار منطقي. "تباً... ما الذي... يحدث لي؟" زمجر أليكس بصوت مبحوح، ثقيل ومخيف وهو يحاول الوقوف على قدميه، لكن ركبتيه خانتاه ليعود ساقطاً عل
دفعت إيلينا الباب الخشبي الضخم والمنقوش للجناح الملكي رقم 7 بكتفها المرتجف، وتسللت إلى الداخل بخطوات حذرة للغاية وهي تحمل الصينية الفضية بين يديها كمن يحمل قنبلة موقوتة. كان الجناح غارقاً في إضاءة خافتة وساحرة مائلة للون الذهبي والأزرق الداكن، وتفوح في أرجائه الفسيحة رائحة عطر رجلي فاخر ومهيب، ممزوج بنكهة سيجار كوبي غالي الثمن كان قد غادر صاحبه الغرفة للتو. كان الصمت الذي يلف الغرفة عميقاً ومطبقاً، كافياً لتسمع إيلينا دقات قلبها المتسارعة التي كانت تقرع في صدرها بقوة غريبة.على الأريكة الجلدية الضخمة المصنوعة من الجلد الإيطالي الأسود في منتصف الجناح، كان يستلقي "ألكسندر كينغستون" بمفرده. كان قد نزع سترته الرسمية الفاخرة ورماها بإهمال جانباً، وفك الأزرار الأولى لقميصه الأبيض الأنيق، كاشفاً عن عضلات صدره القوية وبشرته السمراء، بينما كانت يده اليمنى ذات الأصابع الطويلة تستقر فوق جبهته بإنهاك شديد وضغط واضح، محاولاً طرد بقايا يوم عمل طويل وشاق في صراعات البورصة والشركات.سارت إيلينا فوق السجاد المخملي السميك الداكن الذي كان يكتم صوت حذائها ذو الكعب المتوسط، وتقربت من الطاولة الزجاجية ال
في الطابق السفلي المعزول لنادي (الماس الأسود)، وراء ممرات ضيقة لا تصلها أضواء النيون الصاخبة ولا الموسيقى الصادمة، كان يقع المكتب الخاص بالمدير التنفيذي للنادي "جيرارد". كان جيرارد رجلاً أربعينياً ذو ملامح تعلوها الحيرة والجشع، يجلس وراء مكتبه الضخم وهو يمسح حبات العرق البارد عن جبينه بأصابع طويلة مرتعشة. لم يكن جيرارد مجرد مدير عادي، بل كان رجلاً غارقاً حتى أذنيه في ديون القمار لجهات خطيرة و مشبوهة والشخص الوحيد الذي كان يملك رقبته ويحميه من الموت في السوق المخملية هو والد سيلين. انفتح الباب الخشبي للمكتب بقوة ودون استئذان، ليدخل إعصار من الغرور والنفوذ. دخلت "سيلين" بكامل أناقتها الفاحشة، تسبقها رائحة عطرها الباريسي النفاذ الذي ملأ الغرفة في ثوانٍ. التفتت بكبرياء نحو مساعدها الخاص "جيمس" وأشارت له بحركة سريعة من يدها بالبقاء عند الباب لحراسته ومنع أي حد من الاقتراب، ثم تقدمت بخطوات واثقة ونظرات باردة، وجلست على المقعد المخملي المقابل للمدير المرتعب. "آنسة سيلين..." وقف جيرارد بسرعة من مكانه، محاولاً رسم ابتسامة منافقة تخفي رعب جوارحه، "أهلاً بكِ في النادي. لقد رتبت كل شيء في الج







