LOGINدفعت إيلينا الباب الخشبي الضخم والمنقوش للجناح الملكي رقم 7 بكتفها المرتجف، وتسللت إلى الداخل بخطوات حذرة للغاية وهي تحمل الصينية الفضية بين يديها كمن يحمل قنبلة موقوتة. كان الجناح غارقاً في إضاءة خافتة وساحرة مائلة للون الذهبي والأزرق الداكن، وتفوح في أرجائه الفسيحة رائحة عطر رجلي فاخر ومهيب، ممزوج بنكهة سيجار كوبي غالي الثمن كان قد غادر صاحبه الغرفة للتو. كان الصمت الذي يلف الغرفة عميقاً ومطبقاً، كافياً لتسمع إيلينا دقات قلبها المتسارعة التي كانت تقرع في صدرها بقوة غريبة.
على الأريكة الجلدية الضخمة المصنوعة من الجلد الإيطالي الأسود في منتصف الجناح، كان يستلقي "ألكسندر كينغستون" بمفرده. كان قد نزع سترته الرسمية الفاخرة ورماها بإهمال جانباً، وفك الأزرار الأولى لقميصه الأبيض الأنيق، كاشفاً عن عضلات صدره القوية وبشرته السمراء، بينما كانت يده اليمنى ذات الأصابع الطويلة تستقر فوق جبهته بإنهاك شديد وضغط واضح، محاولاً طرد بقايا يوم عمل طويل وشاق في صراعات البورصة والشركات. سارت إيلينا فوق السجاد المخملي السميك الداكن الذي كان يكتم صوت حذائها ذو الكعب المتوسط، وتقربت من الطاولة الزجاجية المصقولة التي تتوسط الغرفة أمام الأريكة. وضعت الصينية ببطء شديد، ومدت يدها المرتجفة لتأخذ الكأس الكريستالي الفاخر – المسموم بقطرات هوس سيلين دون علمها – وتضعه فوق الطاولة بحذر. في تلك اللحظة بالذات، وبسبب التوتر القاتل الذي كان يسري في أوصالها، تملكتها رعشة مفاجئة، ليعلو كم قميصها الحريري الأسود ويصطدم بحافة حامل الشموع المعدني الصغير الموضوع على الطاولة، محدثاً صوت رنين زجاجي خفيف وصاخب في آن واحد، كسر صمت الغرفة المهيب في ثانية. جفل ألكسندر بحدة، ورفع رأسه عن الأريكة بسرعة لم تكن متوقعة من رجل مرهق. فتح عينيه الرماديتين الباردتين والقاسيتين كجليد الشتاء، ووجه نظراته الحادة والثاقبة كالسيف مباشرة نحو مصدر الصوت الصغير.. نحو "إيلينا". تسمرت إيلينا في مكانها كأن صاعقة ضربتها، وشعرت وكأن الأكسجين انقطع عن رئتيها تماماً وعجزت عن التراجع خطوة واحدة للوراء. التقت عيناها العسليتان الواسعتان المليئتان بالبراءة، والوجل، والطفولة، بعينيه الرماديتين النافذتين اللتين كانتا كفيلتين بإرعاب أكبر حيتان المال ورجال الأعمال في المدينة. لم يسبق لإيلينا طوال حياتها البسيطة في الريف أن رأت رجلاً بهذه الوسامة الطاغية والكاريزما المرعبة؛ ملامحه الحادة، وفكه العريض القوي، ونظراته القاسية المحملة بالسلطة والنفوذ جعلتها تشعر بصغر حجمها وضعفها الشديد أمام هذا الإمبراطور الجليدي. أما ألكسندر، فرغم إرهاقه الشديد والغضب العارم الذي كان يتملكه عادة عند مقاطعة خلوته أو كسر قوانينه الصارمة، تملكته دهشة مفاجئة وصدمة صامتة لم يظهر منها أي أثر على وجهه الرخامي الصارم. تفرّس بدقة متناهية في ملامح الفتاة الواقفة أمامه تحت الضوء الخافت؛ لم تكن تشبه أبداً النساء اللواتي يحيطن به في مجتمعه المخملي، واللواتي يضعن أطنان الماكياج ويتصنعن الحركات والنظرات لجذب انتباهه. هذه الفتاة كانت مختلفة تماماً، كأنها نبتة ريفية طاهرة سقطت في مستنقع مظلم. بشرتها البيضاء الناعمة، ملامحها الملائكية الطاهرة، وعيناها العسليتان اللتان تشعان بالبراءة والخوف الحقيقي، أحدثتا هزة خفيفة وغير مفهومة في جدار جليده السميك الذي بناه لسنوات. "من سمح لكِ بالدخول إلى هنا؟" خرج صوت ألكسندر عميقاً، رخامياً، وبارداً كقرقرة الرعد في ليلة شتوية، أرسل قشعريرة هزت عمود إيلينا الفقري وجسدها النحيل بالكامل. بلعت ريقها بصعوبة، وأنزلت عينيها العسليتين نحو الأرض بسرعة وهي تشد بقوة على الصينية الفضية الخالية أمام صدرها كأنها تتخذها درعاً لحمايتها، وقالت بنبرة متهدجة وخائفة بالكاد تُسمع من بين شفتيها المرتجفتين: "عـ.. عذراً يا سيدي. المدير التنفيذي هو من طلب مني إحضار هذا المشروب الخاص لك فوراً.. لم أكن أقصد إزعاجك أو مقاطعة خلوتك، أعتذر بشدة." تأمل أليكس بنظراته الثاقبة الشارة المعدنية الفضية الصغيرة التي تلمع فوق صدرها وتحمل اسم (Elena). شعر بنوع من الجاذبية الغريبة والغموض نحو نبرة صوتها الخائفة والنقية التي تختلف عن زيف المدينة، لكن كبرياءه وبروده العصامي سرعان ما استعادا السيطرة الكاملة على تصرفاته. أشار بيده ذات الأصابع الطويلة بنبرة آمرة، جافة وخالية من أي نقاش أو تراجع: هيا ضعي الكأس.. واخرجي فوراً من الغرفة." "حاضر يا سيدي،" قالتها إيلينا وهي تتراجع للخلف بخطوات سريعة ومتعثرة، والشعور بالراحة يغمر روحها الخائفة لأنها ستخرج أخيراً من هذا العرين المخيف دون مشاكل. طأطأت رأسها وتحركت نحو الباب، بينما عاد ألكسندر برأسه إلى الخلف على الأريكة، وعيناه الرماديتان لا تزالان تلاحقان طيفها البريئ وثوبها الأسود حتى أغلقت الباب الخشبي وراءها بهدوء. تنفس أليكس بعمق، وشعر فجأة بجفاف شديد ولافح في حلقه نتيجة التفكير والإرهاق. مد يده الطويلة نحو الطاولة الزجاجية، وأمسك بالكأس الكريستالي الفاخر والثمين دون أن يعلم أن هذا الكأس بالذات سيقلب حياته وإمبراطوريته رأساً على عقب، وقربه من شفتيه ليجرع المحتوى دفعة واحدة.. ليفتح الباب على مصراعيه أمام العاصفة والمؤامرة.كانت شوارع نيويورك في تلك الساعة من الليل تبدو باهتة وقاسية، وكأنها تعكس الخراب الذي حل بقلب إيلينا. الهواء البارد كان يلفح وجهها الشاحب، يمر عبر خصلات شعرها الممتزجة بدموعها الجافة، لكنها لم تكن تشعر ببرودة الطقس؛ فقد كان الصقيع الذي يجمد أطرافها نابعاً من داخلها، من صدمة تلك الليلة المشؤومة في جناح ذلك الإمبراطور. خرجت إيلينا من الباب الخلفي للملهى بخطوات ثقيلة ومترددة، تكاد ساقاها العاجزتان لا تحملانها. كانت تلتفت وراءها بين الحين والآخر بذعر، يخيّل إليها أن حراس ألكسندر كينغستون يقتفون أثرها في الظلام. أنفاسها المتسارعة كانت تخرج كبخار أبيض في الهواء، ممتزجة بشهقات مكتومة تحاول حبسها في صدرها. وفي الجهة المقابلة من الزقاق المظلم، تحت إنارة عمود الشارع الخافتة، كانت صوفيا واقفة ترتجف من البرد والخوف، وعيناها معلقتان بمخرج الملهى وهي تأكل أظافرها قلقاً على صديقتها. وفور المحها لجسد إيلينا النحيل وهو يخرج بتلك الطريقة المنكسرة، انتفضت صوفيا من مكانها وأسرعت نحوها والشكوك تأكل قلبها. لم تكد صوفيا تصل إليها وتلمس كتفها، حتى تراجعت خطوة إلى الوراء من شدة الصدمة. أمامها، كانت إيلي
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببرود وبطء شديد عبر الستائر الشفافة للجناح الملكي رقم 7، كاشفة عن بقايا ليلة عاصفة ومريرة هزت أركان المكان وغيرت مصير شخصين للأبد. ومع تراجع عتمة الليل وانقشاع سوادها، بدأت "إيلينا" تفتح عينيها العسليتين ببطء وألم حاد. شعرت بثقل رهيب يجثم على صدرها، ووجع جسدي ونفسي لا يطاق يمزق أوصالها بالكامل كأن قطاراً مدراً قد مر فوق جسدها النحيل.التفتت بجانبها بذعر وقلق عارم، لتجد ألكسندر مستغرقاً في نوم عميق وثقيل جداً بجانبها. كان وجهه الحاد والوسيم يبدو هادئاً على غير العادة بعد انقشاع مفعول المخدر الخبيث وتراجعه، وشعره الأسود الفاحم مبعثراً بجنون فوق الوسادة البيضاء.استرجعت إيلينا شريط الأحداث المؤلمة للليلة الماضية؛ صرخات توسلها المبحوحة، يده القوية التي منعتها من الهرب، وقسوته الغائبة عن الوعي والعقل.. فتدفقت الدموع الساخنة واللاذعة على وجنتيها الشاحبتين بكثافة. نظرت إلى قميصها الأسود الحريري الممزق بالكامل، وإلى بقع الدم القانية والنقية التي صبغت السرير المخملي الفاخر، فشعرت بغصة ذل، وانكسار، ومهانة لا يمكن لوصف في هذا العالم أن يعبر عنها. كانت هذه ليلتها ال
أحكمت يد ألكسندر القوية كالقيد الحديدي على معصم إيلينا النحيل، وجذبتها نحو صدره العريض والساخن بقوة جارفة جعلت أنفاسها تتوقف وعظامها تكاد تتداخل من شدة الضغطة. حاولت إيلينا التراجع والهرب بكل ما أوتيت من قوة، لكن جسد أليكس الضخم والرياضي كان مثل جدار إسمنتي عازل يحاصرها من كل الجهات، ويمنع عنها أي مفر. كانت عيناه الرماديتان اللتان تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين بنيران المخدر تنظران إليها دون إدراك، أو وعي بالواقع، أو معرفة بهوية الفتاة التي يقبض عليها."سـ.. سيدي! أرجوك، اتركني.. أنت لست في وعيك! هناك خطأ ما!" صرخت إيلينا بصوت مخنوق ومرتعد وهي تضع يديها الصغيرتين على صدره العاري محاولة دفعه بعيداً عنها، لكن محاولاتها كانت كمن يحاول إيقاف قطار مندفع بيدين عاريتين.لكن ألكسندر لم يكن يسمع شيئاً في تلك اللحظة؛ فالمخدر الخبيث الذي وضعت سيلين قطراته في كأسه كان قد تملك حواسه بالكامل، وعطل مراكز عقله الصارم. جعلته نيران المادة الشامة يرى في ملامح إيلينا الملائكية الطاهرة الملاذ الوحيد والواحة الباردة لإطفاء الجحيم اللافح الذي يحرق عروقه ويسري في دمائه. انحنى نحوها وضغط على جسدها الرقيق فوق ال
تجرع ألكسندر المشروب دفعة واحدة ليروي جفاف حلقه اللافح، ووضع الكأس الكريستالي فوق الطاولة الزجاجية بعنف خفيف أحدث رنيناً صادماً في أرجاء الجناح الملكي رقم 7. عاد برأسه إلى الخلف، وأغلق عينيه الرماديتين محاولاً استعادة هدوئه وطرْد طيف تلك الفتاة ذات العيون العسلية التي غادرت المكان قبل قليل. لكن، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى شعر أليكس بأن هناك خطأً رهيباً يحدث في جسده. بدأت حرارة مفاجئة ولافحة تسري في عروقه كالنار المستعرة، ونبضات قلبه تسارعت بشكل جنوني وغير طبيعي حتى كادت تخترق صدره. شعر باختناق شديد وضيق في التنفس، فمد يده المرتجفة ومزق ربطة عنقه كلياً ورماها أرضاً، ثم فتح المزيد من أزرار قميصه الأبيض وهو يحاول التقاط أنفاسه المقطوعة. لم يكن هذا تأثيراً عادياً للإرهاق، أو التعب، أو حتى الكحول؛ كان جسده يشتعل بالكامل، ورؤيته بدأت تشوش وتتحول إلى ضباب مهتز ومضطرب، بينما تملكت حواسه رغبة عارمة ومبهمة أفقدته القدرة على التفكير العقلاني أو اتخاذ أي قرار منطقي. "تباً... ما الذي... يحدث لي؟" زمجر أليكس بصوت مبحوح، ثقيل ومخيف وهو يحاول الوقوف على قدميه، لكن ركبتيه خانتاه ليعود ساقطاً عل
دفعت إيلينا الباب الخشبي الضخم والمنقوش للجناح الملكي رقم 7 بكتفها المرتجف، وتسللت إلى الداخل بخطوات حذرة للغاية وهي تحمل الصينية الفضية بين يديها كمن يحمل قنبلة موقوتة. كان الجناح غارقاً في إضاءة خافتة وساحرة مائلة للون الذهبي والأزرق الداكن، وتفوح في أرجائه الفسيحة رائحة عطر رجلي فاخر ومهيب، ممزوج بنكهة سيجار كوبي غالي الثمن كان قد غادر صاحبه الغرفة للتو. كان الصمت الذي يلف الغرفة عميقاً ومطبقاً، كافياً لتسمع إيلينا دقات قلبها المتسارعة التي كانت تقرع في صدرها بقوة غريبة.على الأريكة الجلدية الضخمة المصنوعة من الجلد الإيطالي الأسود في منتصف الجناح، كان يستلقي "ألكسندر كينغستون" بمفرده. كان قد نزع سترته الرسمية الفاخرة ورماها بإهمال جانباً، وفك الأزرار الأولى لقميصه الأبيض الأنيق، كاشفاً عن عضلات صدره القوية وبشرته السمراء، بينما كانت يده اليمنى ذات الأصابع الطويلة تستقر فوق جبهته بإنهاك شديد وضغط واضح، محاولاً طرد بقايا يوم عمل طويل وشاق في صراعات البورصة والشركات.سارت إيلينا فوق السجاد المخملي السميك الداكن الذي كان يكتم صوت حذائها ذو الكعب المتوسط، وتقربت من الطاولة الزجاجية ال
في الطابق السفلي المعزول لنادي (الماس الأسود)، وراء ممرات ضيقة لا تصلها أضواء النيون الصاخبة ولا الموسيقى الصادمة، كان يقع المكتب الخاص بالمدير التنفيذي للنادي "جيرارد". كان جيرارد رجلاً أربعينياً ذو ملامح تعلوها الحيرة والجشع، يجلس وراء مكتبه الضخم وهو يمسح حبات العرق البارد عن جبينه بأصابع طويلة مرتعشة. لم يكن جيرارد مجرد مدير عادي، بل كان رجلاً غارقاً حتى أذنيه في ديون القمار لجهات خطيرة و مشبوهة والشخص الوحيد الذي كان يملك رقبته ويحميه من الموت في السوق المخملية هو والد سيلين. انفتح الباب الخشبي للمكتب بقوة ودون استئذان، ليدخل إعصار من الغرور والنفوذ. دخلت "سيلين" بكامل أناقتها الفاحشة، تسبقها رائحة عطرها الباريسي النفاذ الذي ملأ الغرفة في ثوانٍ. التفتت بكبرياء نحو مساعدها الخاص "جيمس" وأشارت له بحركة سريعة من يدها بالبقاء عند الباب لحراسته ومنع أي حد من الاقتراب، ثم تقدمت بخطوات واثقة ونظرات باردة، وجلست على المقعد المخملي المقابل للمدير المرتعب. "آنسة سيلين..." وقف جيرارد بسرعة من مكانه، محاولاً رسم ابتسامة منافقة تخفي رعب جوارحه، "أهلاً بكِ في النادي. لقد رتبت كل شيء في الج







