تسجيل الدخولفي الطابق السفلي المعزول لنادي (الماس الأسود)، وراء ممرات ضيقة لا تصلها أضواء النيون الصاخبة ولا الموسيقى الصادمة، كان يقع المكتب الخاص بالمدير التنفيذي للنادي "جيرارد". كان جيرارد رجلاً أربعينياً ذو ملامح تعلوها الحيرة والجشع، يجلس وراء مكتبه الضخم وهو يمسح حبات العرق البارد عن جبينه بأصابع طويلة مرتعشة. لم يكن جيرارد مجرد مدير عادي، بل كان رجلاً غارقاً حتى أذنيه في ديون القمار لجهات خطيرة و مشبوهة والشخص الوحيد الذي كان يملك رقبته ويحميه من الموت في السوق المخملية هو والد سيلين.
انفتح الباب الخشبي للمكتب بقوة ودون استئذان، ليدخل إعصار من الغرور والنفوذ. دخلت "سيلين" بكامل أناقتها الفاحشة، تسبقها رائحة عطرها الباريسي النفاذ الذي ملأ الغرفة في ثوانٍ. التفتت بكبرياء نحو مساعدها الخاص "جيمس" وأشارت له بحركة سريعة من يدها بالبقاء عند الباب لحراسته ومنع أي حد من الاقتراب، ثم تقدمت بخطوات واثقة ونظرات باردة، وجلست على المقعد المخملي المقابل للمدير المرتعب. "آنسة سيلين..." وقف جيرارد بسرعة من مكانه، محاولاً رسم ابتسامة منافقة تخفي رعب جوارحه، "أهلاً بكِ في النادي. لقد رتبت كل شيء في الجناح الملكي رقم 7 بناءً على أوامركِ الصارمة، وقمت بإبعاد الحراس الشخصيين بحجة تأمين المستثمرين الألمان..و لكن أرجوكِ، ألكسندر كينغستون ليس رجلاً عادياً يمكن الاستهانة به. إذا اكتشف الليلة أنني تواطأت معكِ في شيء كهذا، فسيكون موتي على يده أرحم بآلاف المرات من عقابه وجبروته." نظرت إليه سيلين بنظرة احتقار شديد ورفعت حاجبها الأيمن بسخرية: "الزم حدودك يا جيرارد، ولا تذكر اسمه على لسانك بهذه الطريقة. أليكس سيكون زوجي وشريك حياتي قريباً جداً، وما أفعله الليلة هو مجرد تسريع وتوجيه بسيط للأمور التي يرفض عقله البارد استيعابها. كل ما عليك فعله الآن هو تنفيذ التعليمات بدقة متناهية، وسأضمن لك شخصياً أن يمسح والدي كاع الديون الفلكية التي تلاحقك في غضون أسبوع واحد. هل هذا مفهوم؟" بلع جيرارد ريقه بصعوبة وأومأ برأسه مجبراً تحت وطأة التهديد والحاجة: "مفهوم.. مفهوم تماماً يا آنسة سيلين. ما هي الخطوة التالية؟" فتحت سيلين حقيبتها الجلدية الصغيرة الفاخرة، وأخرجت بأصابعها المزيّنة بطلاء أظافر لامع تلك القنينة الزجاجية الصغيرة الغامضة التي تحتوي على السائل الشفاف بلا رائحة أو طعم. وضعتها على الطاولة الزجاجية بحذر شديد وقالت بنبرة خافتة ومليئة بالشر الماكر: "هذا السائل سيتم وضع بضع قطرات منه في كأس النبيذ الخاص بأليكس. بعد عشر دقائق فقط من شربه، سيبدأ مفعوله السحري؛ سيشعر بحرارة شديدة تجتاح جسده وعروقه، وتصبح حواسه كلها مشوشة ورغبته هائجة لا يمكن السيطرة عليها، دون أن يعي تماماً ما يدور حوله أو من يلمسه.. سيعتقد في الصباح، تحت تأثير الصور الضبابية، أنه كان مجرد تأثير مفرط ومفاجئ للكحول." تابعت سيلين وهي تبتسم بابتسامة ثقة عمياء كادت تلامس السماء: "أليكس الآن في اجتماع مغلق مع المستثمرين الألمان في الجناح رقم 7. الاجتماع سينتهي بعد قليل، وسيغادر المستثمرون ويطلب أليكس من حراسه البقاء في الأسفل ليرتاح بمفرده قليلاً كعادته الصارمة قبل المغادرة. في تلك اللحظة بالذات، قم بإرسال الكأس إليه عبر نادلة موثوقة، وبعدها بدقائق سأدخل أنا إلى الغرفة لأقوم بالباقي وأصنع ليلتنا. تأكد أن لا يدخل أي حد آخر إلى الجناح بعد ذلك، وأغلق الممر تماماً." أخذ جيرارد القنينة بيده المرتجفة وعيناه تترقبان الزجاج الصغير: "سأشرف على هذا الأمر بنفسي يا آنسة سيلين. سأحرص على وضع القطرات في الكأس المخصص له وتوجيهه عبر النادلة المكلفة بالطابق العلوي فوراً." "ممتاز،" وقفت سيلين وعدلت فستانها الأسود الحريري أمام المرآة وهي تشعر بنشوة النصر المسبق، "أليكس العزيز.. لقد حانت نهايتك كرجل بارد لا يقهر، والليلة ستصبح ملكاً لي ولنفوذي للأبد." خرجت سيلين من المكتب لتنتظر في الجناح الجانبي الفاخر، بينما أخذ جيرارد نفساً عميقاً يملأه التوتر، وخرج متوجهاً نحو بار المشروبات الخاص بطابق الـ VIP. أخرج القنينة بسرعة وبيد حذرة قطر بضع قطرات في كأس كريستالي فاخر وثمين، ثم سكَب المشروب فوقه بعناية حتى اختفى الأثر تماماً وامتزج السائل السام بالخديعة. في هذه الأثناء، كان الاجتماع الطويل في الجناح رقم 7 قد انتهى بالفعل، وخرج المستثمرون الألمان يرافقهم حراس أليكس الشخصيون لتأمين طريقهم إلى السيارات في الخارج، تاركين ألكسندر بمفرده في الداخل يستلقي على الأريكة الجلدية الضخمة بإنهاك، وقد فك عقدة عنقه قليلاً وهو يشعر بإرهاق شديد بعد يوم عمل شاق ومستمر في صراعات البورصة. التفت المدير جيرارد حوله في ممر الـ VIP يبحث عن نادلة ترسل الكأس، فرأى نادلة جديدة تقف بارتباك واضح وتشد على صينية فضية خالية، ولم تكن سوى "إيلينا" التي كانت تحاول التقاط أنفاسها. نادى عليها جيرارد بصوت صارم وحاد: "أنتِ! خذي هذا الكأس فوراً وتوجهي به إلى السيد ألكسندر في الجناح الملكي رقم 7.. ضعي الكأس أمامه على الطاولة واخرجي فوراً دون إحداث أي صوت أو إثارة انتباهه، هل فهمتِ؟" نظرت إيلينا إلى الكأس الثمين واللمعان الكريستالي، ثم أومأت برأسها بخوف ووجل: "حاضر يا سيدي.. سأفعل ذلك الآن." أمسكت إيلينا بالصينية الفضية التي وُضع عليها الكأس المسموم بنيران هوس سيلين، وتحركت بخطوات بطيئة ونبضات قلبها تقرع في صدرها كأنه طبول الحرب. لم تكن تعلم وهي تتقدم في ذلك الممر المخملي المظلم، أن مدير النادي وسيلين كانا ينتظران ضحيتهما بشغف.. لكن الضحية هذه المرة لن تكون أليكس وحده، بل إن الصدفة الشيطانية والقدر القاسي سيقذفان بإيلينا البريئة لتكون هي من يفتح ذلك الباب الملعون أولاً وتدفع الثمن الكلي.كانت شوارع نيويورك في تلك الساعة من الليل تبدو باهتة وقاسية، وكأنها تعكس الخراب الذي حل بقلب إيلينا. الهواء البارد كان يلفح وجهها الشاحب، يمر عبر خصلات شعرها الممتزجة بدموعها الجافة، لكنها لم تكن تشعر ببرودة الطقس؛ فقد كان الصقيع الذي يجمد أطرافها نابعاً من داخلها، من صدمة تلك الليلة المشؤومة في جناح ذلك الإمبراطور. خرجت إيلينا من الباب الخلفي للملهى بخطوات ثقيلة ومترددة، تكاد ساقاها العاجزتان لا تحملانها. كانت تلتفت وراءها بين الحين والآخر بذعر، يخيّل إليها أن حراس ألكسندر كينغستون يقتفون أثرها في الظلام. أنفاسها المتسارعة كانت تخرج كبخار أبيض في الهواء، ممتزجة بشهقات مكتومة تحاول حبسها في صدرها. وفي الجهة المقابلة من الزقاق المظلم، تحت إنارة عمود الشارع الخافتة، كانت صوفيا واقفة ترتجف من البرد والخوف، وعيناها معلقتان بمخرج الملهى وهي تأكل أظافرها قلقاً على صديقتها. وفور المحها لجسد إيلينا النحيل وهو يخرج بتلك الطريقة المنكسرة، انتفضت صوفيا من مكانها وأسرعت نحوها والشكوك تأكل قلبها. لم تكد صوفيا تصل إليها وتلمس كتفها، حتى تراجعت خطوة إلى الوراء من شدة الصدمة. أمامها، كانت إيلي
بدأت خيوط الفجر الأولى تتسلل ببرود وبطء شديد عبر الستائر الشفافة للجناح الملكي رقم 7، كاشفة عن بقايا ليلة عاصفة ومريرة هزت أركان المكان وغيرت مصير شخصين للأبد. ومع تراجع عتمة الليل وانقشاع سوادها، بدأت "إيلينا" تفتح عينيها العسليتين ببطء وألم حاد. شعرت بثقل رهيب يجثم على صدرها، ووجع جسدي ونفسي لا يطاق يمزق أوصالها بالكامل كأن قطاراً مدراً قد مر فوق جسدها النحيل.التفتت بجانبها بذعر وقلق عارم، لتجد ألكسندر مستغرقاً في نوم عميق وثقيل جداً بجانبها. كان وجهه الحاد والوسيم يبدو هادئاً على غير العادة بعد انقشاع مفعول المخدر الخبيث وتراجعه، وشعره الأسود الفاحم مبعثراً بجنون فوق الوسادة البيضاء.استرجعت إيلينا شريط الأحداث المؤلمة للليلة الماضية؛ صرخات توسلها المبحوحة، يده القوية التي منعتها من الهرب، وقسوته الغائبة عن الوعي والعقل.. فتدفقت الدموع الساخنة واللاذعة على وجنتيها الشاحبتين بكثافة. نظرت إلى قميصها الأسود الحريري الممزق بالكامل، وإلى بقع الدم القانية والنقية التي صبغت السرير المخملي الفاخر، فشعرت بغصة ذل، وانكسار، ومهانة لا يمكن لوصف في هذا العالم أن يعبر عنها. كانت هذه ليلتها ال
أحكمت يد ألكسندر القوية كالقيد الحديدي على معصم إيلينا النحيل، وجذبتها نحو صدره العريض والساخن بقوة جارفة جعلت أنفاسها تتوقف وعظامها تكاد تتداخل من شدة الضغطة. حاولت إيلينا التراجع والهرب بكل ما أوتيت من قوة، لكن جسد أليكس الضخم والرياضي كان مثل جدار إسمنتي عازل يحاصرها من كل الجهات، ويمنع عنها أي مفر. كانت عيناه الرماديتان اللتان تحولتا إلى جمرتين مشتعلتين بنيران المخدر تنظران إليها دون إدراك، أو وعي بالواقع، أو معرفة بهوية الفتاة التي يقبض عليها."سـ.. سيدي! أرجوك، اتركني.. أنت لست في وعيك! هناك خطأ ما!" صرخت إيلينا بصوت مخنوق ومرتعد وهي تضع يديها الصغيرتين على صدره العاري محاولة دفعه بعيداً عنها، لكن محاولاتها كانت كمن يحاول إيقاف قطار مندفع بيدين عاريتين.لكن ألكسندر لم يكن يسمع شيئاً في تلك اللحظة؛ فالمخدر الخبيث الذي وضعت سيلين قطراته في كأسه كان قد تملك حواسه بالكامل، وعطل مراكز عقله الصارم. جعلته نيران المادة الشامة يرى في ملامح إيلينا الملائكية الطاهرة الملاذ الوحيد والواحة الباردة لإطفاء الجحيم اللافح الذي يحرق عروقه ويسري في دمائه. انحنى نحوها وضغط على جسدها الرقيق فوق ال
تجرع ألكسندر المشروب دفعة واحدة ليروي جفاف حلقه اللافح، ووضع الكأس الكريستالي فوق الطاولة الزجاجية بعنف خفيف أحدث رنيناً صادماً في أرجاء الجناح الملكي رقم 7. عاد برأسه إلى الخلف، وأغلق عينيه الرماديتين محاولاً استعادة هدوئه وطرْد طيف تلك الفتاة ذات العيون العسلية التي غادرت المكان قبل قليل. لكن، لم تمر سوى دقائق معدودة حتى شعر أليكس بأن هناك خطأً رهيباً يحدث في جسده. بدأت حرارة مفاجئة ولافحة تسري في عروقه كالنار المستعرة، ونبضات قلبه تسارعت بشكل جنوني وغير طبيعي حتى كادت تخترق صدره. شعر باختناق شديد وضيق في التنفس، فمد يده المرتجفة ومزق ربطة عنقه كلياً ورماها أرضاً، ثم فتح المزيد من أزرار قميصه الأبيض وهو يحاول التقاط أنفاسه المقطوعة. لم يكن هذا تأثيراً عادياً للإرهاق، أو التعب، أو حتى الكحول؛ كان جسده يشتعل بالكامل، ورؤيته بدأت تشوش وتتحول إلى ضباب مهتز ومضطرب، بينما تملكت حواسه رغبة عارمة ومبهمة أفقدته القدرة على التفكير العقلاني أو اتخاذ أي قرار منطقي. "تباً... ما الذي... يحدث لي؟" زمجر أليكس بصوت مبحوح، ثقيل ومخيف وهو يحاول الوقوف على قدميه، لكن ركبتيه خانتاه ليعود ساقطاً عل
دفعت إيلينا الباب الخشبي الضخم والمنقوش للجناح الملكي رقم 7 بكتفها المرتجف، وتسللت إلى الداخل بخطوات حذرة للغاية وهي تحمل الصينية الفضية بين يديها كمن يحمل قنبلة موقوتة. كان الجناح غارقاً في إضاءة خافتة وساحرة مائلة للون الذهبي والأزرق الداكن، وتفوح في أرجائه الفسيحة رائحة عطر رجلي فاخر ومهيب، ممزوج بنكهة سيجار كوبي غالي الثمن كان قد غادر صاحبه الغرفة للتو. كان الصمت الذي يلف الغرفة عميقاً ومطبقاً، كافياً لتسمع إيلينا دقات قلبها المتسارعة التي كانت تقرع في صدرها بقوة غريبة.على الأريكة الجلدية الضخمة المصنوعة من الجلد الإيطالي الأسود في منتصف الجناح، كان يستلقي "ألكسندر كينغستون" بمفرده. كان قد نزع سترته الرسمية الفاخرة ورماها بإهمال جانباً، وفك الأزرار الأولى لقميصه الأبيض الأنيق، كاشفاً عن عضلات صدره القوية وبشرته السمراء، بينما كانت يده اليمنى ذات الأصابع الطويلة تستقر فوق جبهته بإنهاك شديد وضغط واضح، محاولاً طرد بقايا يوم عمل طويل وشاق في صراعات البورصة والشركات.سارت إيلينا فوق السجاد المخملي السميك الداكن الذي كان يكتم صوت حذائها ذو الكعب المتوسط، وتقربت من الطاولة الزجاجية ال
في الطابق السفلي المعزول لنادي (الماس الأسود)، وراء ممرات ضيقة لا تصلها أضواء النيون الصاخبة ولا الموسيقى الصادمة، كان يقع المكتب الخاص بالمدير التنفيذي للنادي "جيرارد". كان جيرارد رجلاً أربعينياً ذو ملامح تعلوها الحيرة والجشع، يجلس وراء مكتبه الضخم وهو يمسح حبات العرق البارد عن جبينه بأصابع طويلة مرتعشة. لم يكن جيرارد مجرد مدير عادي، بل كان رجلاً غارقاً حتى أذنيه في ديون القمار لجهات خطيرة و مشبوهة والشخص الوحيد الذي كان يملك رقبته ويحميه من الموت في السوق المخملية هو والد سيلين. انفتح الباب الخشبي للمكتب بقوة ودون استئذان، ليدخل إعصار من الغرور والنفوذ. دخلت "سيلين" بكامل أناقتها الفاحشة، تسبقها رائحة عطرها الباريسي النفاذ الذي ملأ الغرفة في ثوانٍ. التفتت بكبرياء نحو مساعدها الخاص "جيمس" وأشارت له بحركة سريعة من يدها بالبقاء عند الباب لحراسته ومنع أي حد من الاقتراب، ثم تقدمت بخطوات واثقة ونظرات باردة، وجلست على المقعد المخملي المقابل للمدير المرتعب. "آنسة سيلين..." وقف جيرارد بسرعة من مكانه، محاولاً رسم ابتسامة منافقة تخفي رعب جوارحه، "أهلاً بكِ في النادي. لقد رتبت كل شيء في الج







