Share

الـــــفــــصل 06

Author: Eve
last update publish date: 2026-09-03 04:13:55

في تلك الليلة، لم تستطع فالنتينا النوم. جلست في غرفتها، أضواء الشاشة الزرقاء تنعكس على وجهها المتوتر، وهي تتنقل بين صفحات بحث لا تنتهي. الاسم الذي عثرت عليه بالصدفة بين أوراق ليوناردو المتناثرة على مكتبه — "فينتشنزو ماركيتي" — كان يقودها إلى شبكة معقدة من الشركات المنحلة والصفقات الغامضة.

وجدت أخيرًا مقالًا قديمًا في أرشيف صحيفة اقتصادية إيطالية، يعود لخمس سنوات مضت:

"انهيار مفاجئ لشركة "ماركيتي للاستثمارات" وسط اتهامات بالتلاعب المالي. الرئيس التنفيذي، فينتشنزو ماركيتي، اختفى عن الأنظار بعد إعلان إفلاس الشركة، تاركًا خلفه ديونًا بملايين اليوروهات ومحققين يبحثون عنه حتى اليوم."

كانت الصورة المرفقة بالمقال باهتة وقديمة، لكن ملامح الرجل فيها — عينان رماديتان هادئتان، فك حاد، قامة طويلة منتصبة — جعلت فالنتينا تجلس منتصبة فجأة، قلبها يخفق بسرعة.

"لا يمكن..." همست لنفسها، وهي تكبّر الصورة على الشاشة، تقارنها ذهنيًا بوجه ليوناردو الذي حفظته جيدًا خلال الأشهر الماضية. التشابه لم يكن مجرد صدفة. كان مذهلاً، شبه تام.

لكن كيف؟ إن كان ليوناردو هو فينتشنزو ماركيتي، فلماذا يعيش الآن تحت اسم مختلف تمامًا؟ ولماذا اختفى فجأة قبل خمس سنوات وسط اتهامات بالتلاعب المالي؟

ابتسمت فالنتينا ابتسامة مظلمة، وأغلقت الحاسوب المحمول ببطء. "بدا الأمر معقدًا جدًا بالنسبة لسائق سابق يرث أموالًا من عمه، أليس كذلك يا ليوناردو؟ أو يجب أن أناديك... فينتشنزو؟"

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت إيزابيلا تتناول فطورها في الشرفة المطلة على الحديقة، جلست فالنتينا أمامها بابتسامة مصطنعة لم تعتد إيزابيلا رؤيتها منذ زمن.

"صباح الخير يا إيزابيلا. أتعلمين، كنت أفكر البارحة في مدى حظك الكبير." قالتها بنبرة عذبة مسمومة. "زوج وسيم، غني بشكل مفاجئ، هادئ، مثقف... كل شيء يبدو مثاليًا جدًا، أليس كذلك؟ مثاليًا لدرجة تثير الشك أحيانًا."

نظرت إليها إيزابيلا بحذر. "ماذا تقصدين بالضبط، فالنتينا؟"

ابتسمت فالنتينا ابتسامة أوسع، وأخرجت هاتفها من حقيبتها ببطء متعمد. "لا شيء محدد بعد. فقط... أليس من الغريب أن رجلاً كان سائقًا بسيطًا حتى وقت قريب، يتحدث الآن أربع لغات، يدير صفقات بالملايين، ويتفاوض مثل من تدرّب على ذلك طوال حياته؟ أشخاص كهذا لا يظهرون من العدم يا عزيزتي."

شعرت إيزابيلا بقشعريرة باردة تسري في جسدها، رغم أنها حاولت ألا تُظهر ذلك. "ليوناردو أخبرني أنه استثمر أمواله بذكاء عبر السنوات. لا شيء غامض في الأمر."

"بالطبع، بالطبع." هزّت فالنتينا رأسها بتصنّع مبالغ فيه، ثم نهضت من مكانها استعدادًا للانصراف، لكنها توقفت فجأة وكأنها تذكرت شيئًا. "بالمناسبة، هل سمعتِ يومًا باسم فينتشنزو ماركيتي؟"

تجمّدت إيزابيلا للحظة، محاولة أن تتذكر إن كانت قد سمعت هذا الاسم من قبل. "لا... لماذا؟"

ابتسمت فالنتينا ابتسامة أخيرة غامضة. "لا شيء مهم. مجرد اسم عثرت عليه بالصدفة. ربما يستحق الأمر بعض البحث، من باب الفضول فقط." ثم انسحبت، تاركة إيزابيلا وحيدة مع قلق متصاعد بدأ يتسلل إلى صدرها دون أن تفهم سببه بعد.

بعد ظهر ذلك اليوم، دخلت إيزابيلا مكتب ليوناردو بهدوء، فوجدته منهمكًا في مكالمة هاتفية أخرى، لكن نبرة صوته هذه المرة كانت مختلفة — أكثر توترًا، أقل سيطرة من عادته.

"...أخبرتك أن هذا الملف يجب أن يبقى مغلقًا تمامًا. لا أريد أي إشارة إليه في أي مكان، مهما كلف الأمر. هل فهمت؟"

أغلق الهاتف بحدة أكبر من المعتاد، ثم لاحظ وجود إيزابيلا عند الباب. تغيرت ملامح وجهه فورًا، عاد القناع الهادئ المعتاد إلى مكانه بسرعة مثيرة للريبة.

"إيزابيلا. لم أسمعك تدخلين."

"من كنت تكلم؟" سألته، وقد بدأت كلمات فالنتينا الغامضة تتردد في ذهنها.

"مسألة عمل بسيطة، لا شيء يستحق القلق." ابتسم ابتسامته المعتادة، لكن إيزابيلا، التي بدأت تتعلم قراءة تفاصيل وجهه الدقيقة خلال الأسابيع الماضية، لاحظت توترًا خفيفًا في زاوية عينيه لم تره من قبل.

"ليوناردو،" قالت بحذر، تقترب خطوة نحوه. "هل هناك شيء تخفيه عني؟ شيء أكبر من مجرد ثروة سرية؟"

توقف قلبه للحظة — لاحظت إيزابيلا ذلك بوضوح هذه المرة، ارتجافة خفيفة في يده قبل أن يخفيها بسرعة خلف ظهره.

"كل إنسان لديه أسرار من ماضيه، إيزابيلا،" قال أخيرًا بصوت هادئ لكنه يحمل ثقلًا غريبًا. "السؤال الحقيقي هو... هل أنتِ مستعدة لمعرفة كل أسراري؟ حتى تلك التي قد تغيّر نظرتك إليّ تمامًا؟"

نظرت إليه طويلاً، قلبها يتنازعه الفضول والخوف معًا. "أعتقد أنني أستحق أن أعرف الحقيقة، مهما كانت."

ابتسم ليوناردو ابتسامة حزينة، بعيدة كل البعد عن هدوئه المعتاد. "قريبًا، إيزابيلا. أعدك، ستعرفين كل شيء قريبًا جدًا. لكن ليس بعد. ليس قبل أن أتأكد من أن كل شيء آمن... لأجلك أنتِ تحديدًا."

خرج من المكتب مسرعًا، تاركًا إيزابيلا وحيدة، محاطة بأسئلة أكثر من أي وقت مضى، وشعور غامض بأن العاصفة الحقيقية في حياتها لم تبدأ بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 60

    عادت إيزابيلا إلى المنزل بعد ظهر ذلك اليوم، ارتياح طفيف لا يزال يرافقها من زيارتها الدافئة لكيارا، وثقل خفي من رسالتها المرسلة لستيفانو ورده المقتضب المحايد الذي وصلها قبل دقائق قليلة وهي في طريقها. مشت عبر الممر الرئيسي، صوت ضحكات طفولية خافتة تصلها من اتجاه الحديقة الخلفية، فاتجهت تلقائيًا نحو هناك، ابتسامة تتشكل على وجهها عند توقع رؤية صوفيا. وجدت الطفلة الصغيرة جالسة وحيدة على أرجوحة بسيطة معلقة بين شجرتين، لا تتأرجح، فقط جالسة بصمت غير معتاد، نظرتها شاردة نحو الأرض أمامها. "صوفيا؟" اقتربت إيزابيلا بحذر، لاحظت فورًا شيئًا مختلفًا في وضعية الطفلة. "هل أنتِ بخير يا حبيبتي؟" رفعت صوفيا رأسها ببطء، عيناها الرماديتان الصغيرتان تحملان ثقلًا غريبًا لا يناسب طفلة في عمرها. "إيزا." جلست إيزابيلا على الأرجوحة المجاورة، تمسك بيد الطفلة. "ماذا حدث؟ تبدين حزينة." ترددت صوفيا للحظة، أصابعها الصغيرة تعبث بطرف فستانها بعصبية طفولية واضحة، وكأنها تحمل سرًا ثقيلًا لم تفصح عنه لأحد من قبل. "سمعت أبي وأمي يتكلمان اليوم." "متى؟ وماذا سمعتِ بالضبط؟" "كنت أختبئ خلف الباب، ألعب لعبة الاختباء مع ن

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 59

    كان ستيفانو يقف في صالة الانتظار بمطار المدينة الدولي، حقيبته الجلدية الفاخرة على كتفه، يستعد للصعود إلى رحلة عمل عاجلة إلى لندن كان قد أجّلها مرتين بالفعل بسبب كل الأحداث المتلاحقة خلال الأيام الأخيرة. وجهه لا يزال يحمل آثار الشجار، كدمة باهتة على خده، شفته العليا لا تزال متورمة قليلاً، لكنه حرص على ارتداء بدلة أنيقة ونظارات شمسية داكنة لإخفاء أي أثر إضافي قد يلفت انتباه زملاء العمل أو الصحافة الاقتصادية المتربصة دائمًا بأخباره. وقف قرب النافذة الزجاجية الواسعة، يراقب الطائرات تقلع وتهبط في صمت، أفكاره لا تزال مشتتة بين تفاصيل الصفقة التي سيناقشها في لندن، وبين ذكريات الليلة الماضية التي لم تفارق ذهنه للحظة واحدة منذ استيقاظه. اهتز هاتفه المحمول في جيب سترته فجأة، إشعار رسالة نصية واردة. أخرجه بحركة آلية، متوقعًا رسالة عمل عاجلة من ماتيو أو أحد مساعديه، لكن اسمًا واحدًا على الشاشة جعل قلبه يتوقف للحظة: إيزابيلا. توقف تمامًا في مكانه، وكأن الزمن تجمد حوله فجأة وسط ضجيج المطار المحيط، الإعلانات الصوتية المتكررة، أصوات عجلات الحقائب على الأرض الرخامية، كل ذلك تلاشى فجأة أمام تركيزه ا

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 58

    جلست إيزابيلا في سيارتها المتوقفة أمام مبنى كيارا، لم تشغّل المحرك بعد، ابتسامة خفيفة لا تزال عالقة على شفتيها من دفء الزيارة ومن خبر الحمل السعيد. بقيت لدقائق تستعيد تفاصيل اللقاء، ضحكات كيارا، حماسها الطفولي، شعور الفرح الصادق الذي غمرها رغم كل تعقيدات حياتها الخاصة. لكن وسط هذا الهدوء النادر، تسلل إلى ذهنها فجأة وجه آخر، صورة لم تستطع طردها بسهولة: ستيفانو، وآثار الشجار على وجهه، الدم الذي رأته تحت أنفه، الكدمة التي بدأت تتشكل على خده، يده المتورمة التي عالجتها بنفسها قبل أن تغادر منزله الريفي في الصباح الباكر. أخرجت هاتفها من حقيبتها ببطء، نظرت إلى الشاشة لثوانٍ طويلة دون أن تفتح أي تطبيق، أصابعها تتحرك فوق السطح الزجاجي البارد بتردد واضح. "هل يجب أن ان ارسل له رسالة" همست لنفسها بصوت خافت، تتحدث مع نفسها في صمت السيارة الفارغة. "فقط لأطمئن عليه، لا أكثر من ذلك." فتحت تطبيق الرسائل، كتبت اسمه، توقفت عند شاشة المحادثة الفارغة، أصابعها معلقة فوق لوحة المفاتيح دون أن تكتب شيئًا بعد. "ماذا لو أساء فهم الأمر؟" فكرت بقلق متزايد، تسحب يدها بعيدًا عن الشاشة للحظة. "بعد كل ما حدث

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 57

    في منتصف الفطور، وبينما كانت صوفيا تروي بحماس طفولي قصة طويلة عن فراشة رأتها في الحديقة صباحًا، اهتز هاتف إيزابيلا على الطاولة بإشعار اتصال وارد. نظرت إلى الشاشة، اسم كيارا يظهر عليها، فابتسمت تلقائيًا رغم كل ثقل اليوم والليلة التي سبقته، واعتذرت عن الطاولة للحظة، خارجة إلى الشرفة القريبة للرد بعيدًا عن ضجيج الفطور. "كيارا؟" أجابت وهي تغلق الباب الزجاجي خلفها بهدوء. "إيزابيلا!" جاء صوت كيارا عبر الهاتف مليئًا بحماس طفولي لا يمكن كبته بأي شكل، صوتها يكاد يطير من الفرح الطاغي. "يجب أن تأتي إلى هنا الآن! الآن بالضبط! لديّ خبر، خبر عظيم، ضخم، لا أستطيع أن أخبرك به عبر الهاتف أبدًا!" ابتسمت إيزابيلا رغمًا عنها عند سماع هذا الحماس المعدي، شيء دافئ حقيقي يتسلل إلى صدرها لأول مرة منذ وقت طويل. "كيارا، ماذا يجري؟ أخبريني الآن على الأقل جزءًا منه، فضولي سيقتلني!" "لا! لا أستطيع، يجب أن تري وجهي وأنا أقوله، هذا يستحق المشاهدة شخصيًا!" ضحكت كيارا بصوت عالٍ سعيد، ضحكة لم تسمعها إيزابيلا منها منذ أشهر طويلة من القلق والمحاولات المتكررة. "تعالي إلى بيتي، أرجوكِ، بأسرع وقت ممكن! أعددت حتى بعض

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 56

    استيقظت إيزابيلا عند الظهيرة، أشعة الشمس القوية تتسلل عبر الستائر نصف المغلقة، تضيء الغرفة بضوء دافئ أصفر يتباين بشكل غريب مع ثقل الليلة التي سبقتها. بقيت مستلقية لدقائق طويلة، لا ترغب في الحركة بعد، جسدها منهك تمامًا رغم ساعات النوم الطويلة، وعقلها لا يزال يعيد تشغيل أحداث الليلة الماضية ببطء ودقة مؤلمة: صورة ستيفانو وهو يلمس خدها برفق، صوته الحنون وهو يعترف لها بمشاعره القديمة، تلك اللحظة التي كادت شفتاهما تلتقيان قبل أن يقطعها بوق السيارة اللعين في اللحظة الأخيرة بالضبط. حدّقت في سقف الغرفة لوقت طويل، تستعيد كل تفصيل صغير، نبرة صوته، دفء لمسته، صدق عينيه حين قال إن مشاعره القديمة لم تمت يومًا. شعرت بخجل خفيف يتسلل إليها وهي تتذكر مدى استسلامها لتلك اللحظة، مدى الدفء الذي شعرت به بين ذراعيه، رغم كل الذنب الذي يفترض أن يرافق مثل هذه الذكريات بالنسبة لامرأة متزوجة. "ماذا أفعل بكل هذا؟" همست لنفسها بصوت خافت، يدها ترتفع لتغطي عينيها للحظة، محاولة طرد الأفكار المتضاربة التي لا تتوقف عن المطالبة باهتمامها. تنهدت أخيرًا بعمق، أدركت أن البقاء مستلقية هكذا لن يحل شيئًا، فنهضت ببطء، جسدها

  • ظل الرجل الذي احتقرته   الـــــفــــصل 55

    استند ستيفانو بظهره إلى الكرسي الخشبي القديم خلف مكتبه، الكحول يسري في دمه ببطء، يخلط بين الواقع والذكرى بطريقة غريبة، وأغمض عينيه أخيرًا، منهكًا من كل ثقل الليلة الطويلة. وفجأة، وجد نفسه هناك. لم يكن حلمًا عابرًا يتلاشى بسرعة، بل ذكرى حية بكل تفاصيلها، كأنه يعيشها من جديد بحواسه الخمس كاملة: رائحة العشب المقطوع حديثًا، حرارة الشمس الصيفية على كتفيه، صوت ضحكات الأطفال من بعيد في ذلك المخيم الخيري الصغير على أطراف المدينة. كان في العشرين من عمره، يرتدي قميصًا بسيطًا متسخًا قليلاً بالطين، يحمل صندوقًا ثقيلًا من مؤن غذائية متجهًا نحو إحدى الخيام، حين اصطدم فجأة بشخص آخر قادم من الاتجاه المعاكس، الصندوق يكاد يسقط من يديه. "آسفة جدًا!" جاء صوت فتاة شابة، تمسك بالصندوق من الجهة الأخرى بسرعة لمنعه من السقوط. "لم أكن أنظر إلى الطريق أمامي." رفع عينيه ليجد إيزابيلا كونتي، أصغر بكثير مما يتذكرها الآن، شعرها معقود بذيل حصان بسيط، وجنتاها محمرتان من حرارة الشمس والجهد، ترتدي قفازات عمل بسيطة لا تناسب إطلاقًا صورة الفتاة الثرية التي كان يتوقع رؤيتها بين متطوعي العائلات الراقية. "لا بأس،" قال

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status