LOGINتراكضت النساء حولها، بعضهن يربتن على كتفها بأسى، وبعضهن يشاركنها العويل، بينما كانت فاطمة ترفع عقيرتها بالصياح، تتعمد أن تبلغ صرختها أبعد مدى، كأنما تسابق أصابع الاتهام التي لم تُرفع بعد، تريد أن تغرق الحقيقة العارية في طوفان من الدموع الكاذبة. كانت تقترب من النعش، تمسك بطرف الكفن، تقبله في تشهق مبالغ فيه، ثم ترتد لتضرب فخذيها وتصيح
- كنتِ في عيني… والله كنتِ في عيني.. ده أنا كنت مأكلاها ومشرّباها وكانت زي الفل.. وكانت بتقولي أنتِ أحسن من أمي.. ليه كده؟ إيه اللي حصل يا أولاد؟ على مسافة غير بعيدة، كانت ليلى تقف كتمثال من رخام، ترى المشهد بكامل تفاصيله الموجعة. لم تذرف دمعة واحدة. كانت عيناها جافتين كالقفر، مثبتتين على فاطمة بنظرة ثاقبة، كأنها تطالع مسرحية هزيلة رديئة الإخراج، تحفظ نصها المخزي عن ظهر قلب. كانت تسمع النواح الخارجي، لكن أذن قلبها كانت تسمع صمت ندى الطويل.. صمتها في المطبخ تحت وطأة الأوامر، صمتها في غرفتها المعتمة، صمتها في ليالي الألم التي لم يلتفت لها أحد. أما أيمن، فقد كان هائمًا كجسدٍ نزعت منه الروح. منذ اللحظة الأولى التي رأى فيها ندى مسجاة بلا حراك، انطفأ في داخله كل شيء. لم يصرخ ولم يتباكَ، بل ظل مسمرًا يحدق في الكفن وكأن عقله ينكر الواقعة برمتها. لكن، ما إن تحرك النعش وخطت ندى خطوتها الأولى والأخيرة خارج عالمه، خانته ركبتاه. انحنى فجأة كمن سُحب الأكسجين من رئتيه، وضع يديه فوق رأسه، ثم أطلق زفيرًا مكتومًا، صرخة متحجرة خرجت من أحشائه لا من حنجرته. سقط على الأرض بلا وعي، يضرب صدره بقبضة مرتجفة، ويتمتم باسمها بضياع كطفل فزع أضاع أمه في زحام المولد - ندى… ندى… استني… متسيبينيش حاول الرجال رفعه، لكن جسده كان أثقل من أن يُحمل، لم يكن ثقل لحم وعظم، بل ثقل الندم الذي هبط على كاهله دفعة واحدة. انفجر أخيرًا؛ شهقات متلاحقة، وبكاء مرير بلا ترتيب ولا تجميل، بكاء عارٍ من الخجل، كأن كل سياط الصمت التي جلد بها زوجته شهورًا قررت أن تخرج الآن فضيحة على الملأ. رأى في لحظة تجلٍّ مرعبة كل شيء: وجهها الشاحب، رجاءها بأن يأتي بطبيب، ونظرته القاسية لها حين زجرها قائلًا - قومي وصمتها الأخير الذي لا فكاك منه. أدرك، بعد فوات الأوان، أن الطاعة التي توهمها برًا بأمه لم تكن سوى خيانة لزوجته، وأن صمته وسلبيته كانا شراكة كاملة في الجريمة لمحت فاطمة انهياره، فزادت من حدة صراخها، واقتربت منه تندب وتنوح لتبعد عنه وعن نفسها شبهة الذنب - خلاص يا ضنايا… متعملش في نفسك كده… عشان ابنك حتة اللحمة الحمرا دي.. يا ضنايا يا ندى لكن أيمن كان قد صُم تمامًا عن صوت أمه وعن العالم. كان يرى ندى وحدها، يراها الآن بوضوح لم يره بها قط طوال حياتها؛ رأى زوجته وشريكة عمره، لا خادمة البيت المطيعة. رأى أم ابنه، لا العبء الإضافي. ومع هذا الإدراك المتأخر والقاتل، كان النعش قد توارى، وأُغلقت دون الحقيقة رتوج الأرض. انتهت الجنازة، ونفض الناس أيديهم من التراب وانصرفوا، وبقيت الأسئلة الثقيلة معلقة في فضاء القرية، لا يجرؤ أحد على النطق بها جهرا. أما ندى… فقد تحت التراب وأخذت معها كل الإجابات، تاركة خلفها وجوهًا تبكي بحرقة، لكن القليل منهم فقط.. كان يعلم حقًا على ماذا يبكي. ✨✨✨✨✨✨✨✨ عاد أيمن إلى المنزل في ساعة متأخرة من الليل؛ لم يكن الطريق طويلًا، لكن قدميه كانتا ترتدان إلى الخلف، ترفضان التقدم وكأنهما تقتربان من مقصلة. وقف أمام الباب الخشبي دهرًا، ثم أدار المفتاح ببطء شديد، فاستقبله الصمت... صمتٌ لزج، ثقيل، لا يشبه هدوء الليل المعتاد، بل يشبه الفراغ الموحش لبيتٍ جُرّدت جدرانه من الروح ونُبذ في العراء. خلع حذاءه بآلية بليدة دون أن ينتبه، وخطا نحو غرفتهما، الغرفة التي شهدت فصول المأساة الصامتة. توقف عند العتبة مسمرًا كأن حاجزًا غير مرئي يمنعه من الدخول. كان الفراش مرتبًا على نحوٍ قاسٍ ومستفز، خاليًا من تجاعيد جسدها النحيل، مسطحًا كأنه لم يحمل يومًا امرأة عانت عليه الأمرين. تبخرت رائحتها، وتلاشى صدى صوتها الخافت وهي تتأوه من الألم في عتمة الليالي. كل شيء في الغرفة كان مستقرًا في مكانه برتابة ميتة... كل شيء كان هناك، إلا ندى. تحرك بخطوات متعثرة ومترددة نحو المهد الخشبي الصغير القابع بجوار السرير. كان الطفل مستلقيًا في دثاره، عيناه مغمضتان، وأنفاسه الضعيفة المتلاحقة تصعد وتهبط كأنه ما زال يتعلم كيف يتنفس في هذا العالم الموحش. انهار أيمن على الأرض جوار المهد، لم يشعر بثقل جسده ولا ببرودة البلاط القاسية التي تسربت إلى عظامه. مدّ أصابعه المرتجفة ببطء، ولمس الأنامل الدقيقة لطفله، فانقبض قلبه بعنف هزّ أركانه. قبل ثلاثة أيام فقط... ثلاثة أيام لا غير، كانت ندى مستيقظة هنا، في البقعة ذاتها؛ ترضعه بوهن، وتتألم في صمت، وتبتسم بمرارة رغم جحيم جسدها... أما الآن، فقد صار هذا الكائن الصغير يتيمًا، وبقيت أنا حيًا، أتنفس هواءً لا أستحقه. حدّق في ملامح الرضيع طويلاً، كان يبحث بشغفٍ يائس عن أي أثر يربطه بالراقدة تحت التراب، فوجد ندى هناك؛ وجد عينين تحرسان الملامح حتى وهي مغلقة، نفس الانحناءة الدقيقة الحزينة حول الفم، ونفس الهدوء المستسلم الذي كانت تواجه به أوجاعها قبل أن تنطفئ. ابتلع ريقه الذي استحال علقمًا، وشعر بجدران الغرفة تضيق، تطبق على أنفاسه وتعتصر صدره حتى كاد يختنق. في تلك اللحظة، انفجرت دموعه بلا هوادة؛ سالت في البداية صامتة، غزيرة، قطرات ثقيلة تسقط على الأرض فتحدث فجوات في روحه، ثم ما لبثت أن تحولت إلى شهقات متلاحقة ممزقة... بكاء رجل تحطمت كبرياؤه الزائفة وانهزم أمام حقيقته العارية. غرس أصابعه في شعره، وأمسك رأسه بكلتا يديه، ينظر إلى الفراغ ويتمتم بصوت متحشرج خافت، وكأنه يخاطب طيفها المعلق في زوايا الغرفة - أنا السبب... أنا اللي قتلتك بسكوتي.. سيبتها وهي بتتحايل عليا وتقولي تعبانة، وصدقت أمي لما قالتلي بتدلع.. سيبتها تموت رفع نظره وعينيه المحمرتين نحو المهد مرة أخرى، وتابع والدموع تخنق حنجرته - سامحني يا ابني... سامحني يا حبيبي.. هتتربى من غير أم.. يتيم بسببي أنا. لم يتحرك الرضيع، لكنه أصدر حشرجة خافتة، أنينًا صغيرًا ينم عن ضيق، فاندفع أيمن نحوه برعب وارتباك. حمله بين ذراعيه بحذر شديد، كانت يداه ترتجفان خوفًا من أن يؤذيه، أو أن يسقط منه الصغير كما سقطت من يديه حياته وحياة أمه من قبل. ضمه إلى صدره بقوة، ولأول مرة شعر بمدى ضآلة هذا الكائن الصغير وضعفه، بحاجته الماسة إلى حميمية فُقدت، وبمسؤوليته الساحقة التي نضجت في قلبه متأخرة جدًا... متأخرة وموجعة إلى حد الموت. جلس هكذا لفرط ساعات طويله؛ طفل يتيم ينام وادعًا على صدر أبٍ منكسر ومحطم، وأبٍ يحدق في الفراغ بعينين غائبتين. كان يدرك الآن، بيقينٍ مرعب، أن البيت الذي سمح فيه بكسر قلب زوجته وإذلالها قد تحطم هو الآخر فوق رؤوسهم، وأن ندى حين غادرت مستورة بكفنها، لم تخرج وحدها... بل سحبت معها الدفء، والبركة، وصك الغفران، وكل فرصة ثانية للتكفير عن الذنب. بين تلك الجدران الصامتة الباردة، لم يبقَ في نهاية الليل سوى رضيعٍ غافل لا يدرك بعد أنه فقد أمه التي لن تعود، ورجلٍ مستيقظ ينهشه الندم، يعرف جيدًا أنه خسرها... وإلى الأبد.كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج
لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.
جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر
في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق
دخلت سلمى بخطوات واثقة، سريعة، وأغلقت الباب بإحكام بالترباس، ثم صفّقت فجأة بكفيها صفقة حادة، رنانة كسرت صمت الموت الزائف. في اللحظة نفسها، انتفضت ليلى ونهضت من فوق الفراش بنشاط وخفة كمن أُلقي عنه ثقلٌ وسحر زائف، وصفّقت هي الأخرى بكفيها بانتصار، ثم قفزت فوق السجادة بخفة ومرح طفولي، وانفلتت ضحكتها الرنانة القاتلة دون قيود أو حدود، وكأن الألم والنزيف والشحوب الذي كان يملأ أركان المكان منذ دقائق لم يكن سوى قناع درامي أُتقن صنعه وارتداؤه بميزان من ذهب. اقتربت منها سلمى، وتفرست في وجهها بإعجاب صريح، ورأسها يهتز ذهولاً وهي تبتسم ابتسامة مشوبة بالدهشة والوجل من مكرها - يخربيت عقلك يا ليلى..... دي الحكاية دخلتِ عليه بالملي، والراجل طالع من هنا مهدود ومتأثر، وعينيه مليانه عياط والذنب بيوجع فيه كانت نبرة سلمى توليفة من الإعجاب المطلق والتسليم الكامل بقدرة صديقتها على السيطرة وتسيير الرجال كالعرايس، بينما ليلى توقفت فجأة عن الضحك والمرح، وتجمدت ملامحها، واتجه بصرها الكحيل إلى الفراغ الصامت؛ حدقت أمامها بعينين قاسيتين، متقدتين بشرر الانتقام، وقالت بحدة باردة كالموت - هو لسه شاف حاجة؟ ده أنا
وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس. كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط - يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انس