Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثانى

Share

البارت الثانى

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-16 07:35:00

انتهت الخطبة بعد ساعاتٍ ثقيلة، لم يكن الجميع يتحدث عنها بوصفها مناسبة فرح خالصة، بل بوصفها أول مشهدٍ كاشف لسطوة تلك السيدة، فاطمة، وحضور ابنتها الطاغي، حيث بدا لمن يراقب عن قرب أن القرار لم يكن يومًا بيد العريس وحده، وأن نبرة التحكم كانت أعلى من الزغاريد.

ما إن غادر آخر الضيوف، حتى سكن البيت فجأة، كأن الجدران أطلقت زفرة ارتياحٍ طويلة بعد صخبٍ مرهق. خفتت الأصوات، وبقيت رائحة العطور مختلطة برائحة الشاي وبقايا الفرح المعلّق.

جلست ندى أمام المرآة، تخلع زينتها ببطء، تمرر قطعة القطن على وجهها وكأنها تزيل أثر يومٍ كامل، لا مجرد مساحيق. كانت ملامحها هادئة، مبتسمة، لكن عينيها لمحتا انعكاس ليلى خلفها، جالسةً في صمتٍ غير معتاد، شاردة كأنها غائبة عن الغرفة كلها.

التفتت ندى قليلًا وقالت بنبرة خفيفة، تحاول كسر الصمت

-  مالك يا ليلى؟ سرحانة كده ليه؟ أوعى تكوني زعلانة إني همشي… ولا إيه؟ تكوني عاوزة تتجوزي إنتِ كمان؟

لم تبتسم ليلى. تحركت وجلست متربعة على طرف الفراش، ورفعت عينيها نحو أختها بنظرة مترددة، قبل أن تسأل بصوت خافت لكنه محمّل بالقلق

-  إنتِ متأكدة إنك هتقدري تعيشي مع أم أيمن دي… ومع أخته؟

توقفت يد ندى لحظة، ثم استدارت إليها بابتسامة حالمة، وكأن السؤال لا يستحق القلق. تنهدت براحة، وقالت بثقةٍ يغلفها العشق

-  أنا مالي ومال أمه ولا أخته؟ المهم عندي أيمن. وأنا متأكدة إن أيمن بيحبني… وطالما هو معايا، كل حاجة تهون.

في تلك اللحظة، دخلت والدتهما سعاد، تحمل بعض الملابس وتبدأ في طيّها بيدين اعتادتا العمل أكثر من التعبير. توقفت قليلًا، وقالت بنبرة جادة

-  مالها يعني أمه وأخته؟

شعرت ليلى بضيقٍ يضغط صدرها، وقالت دون تردد

-  مش عارفة يا ماما… بحسهم صاعبين أوي. وأيمن كده… مش عارفة، بحسه بيسمع كلامهم أوي.

جلست سعاد على الكرسي، تواصل طيّ الملابس كأنها تحكي قصة قديمة مألوفة، وقالت بنبرة خبرة لا تخلو من الحسم

- أمال يسمع كلام مين يعني؟ دي أمه. وبعدين لا صاعبين ولا حاجة. هي الحما والعمة كده. مش هيجوا ربع اللي أنا شوفته زمان على إيد ستك وعماتك. وأدينّي أهو… عشت.

تسلل القلق إلى قلب ندى رغم محاولتها تجاهله، فالتفتت إليهما وقالت بصوتٍ أقرب للطفولة

-  إنتوا كده بتخوفوني ليه؟

رفعت سعاد رأسها، ونظرت إليها نظرة حاسمة، وقالت

-  ما تنشفي يا بت كده. وبعدين هما هيعملوا إيه فيكِ يعني؟ سمر دي في بيتها مع جوزها، وأمه… هيجيلها يوم وتتهد

عادت ندى إلى المرآة، تستذكر ابتسامتها، وتحاول أن تطرد الكلمات التي تسللت إلى قلبها دون استئذان. استأنفت إزالة ما تبقى من زينتها، وأقنعت نفسها أن الحب كافٍ، وأن الخطبة كانت بداية حياة لا مكان فيها للخوف.

لكن شيئًا خفيًا، كظلٍ بارد، مرّ سريعًا في أعماقها… قبل أن تُغلق عليه بابتسامةٍ متفائلة، وتستسلم لفكرة أن الغد سيكون أجمل.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨

تمضي الأيام تباعًا، ثقيلة على ندى وخفيفة على فاطمة. كانت الأخيرة تتعجل الزفاف بشغفٍ لا يخلو من أنانية، وكأنها لا تنتظر زوجة لابنها بقدر ما تنتظر امتلاكًا جديدًا يضاف إلى قائمة سيطرتها. لم يشغلها كيف يتم تجهيز العروس، ولا ما إن كان والدها قادرًا على مجاراة طلباتها المتزايدة، فكل ما يهمها أن تنتقي أجود الأشياء، وأن يتم كل شيء وفق ما تراه هي لائقًا باسمها ومكانتها.

ورغم ثقل الحمل وقسوة الظروف، استطاع والد ندى أن يفي بما عليه. أنهكته الديون، وأتعبه السهر والتفكير، لكنه لم يسمح أن يُقال يومًا إن ابنته دخلت بيت زوجها ناقصة. كان يفعل ذلك بصمت، كمن يدفع مهر قلبه لا مهر ابنته.

حتى جاء اليوم الذي انتظره الجميع…

يوم زفاف ندى.

تألقت العروس في زي فرحتها تألقًا هادئًا، يشبهها تمامًا. ارتدت فستانًا أبيض بسيطًا، بلا بهرجة زائدة، ينسدل على جسدها برقة، وكأنه خُلق ليحتوي خجلها لا ليكشفه. شعرها انسدل ناعمًا على كتفيها، وعيناها كانتا تلمعان بدمعةٍ معلّقة بين الفرح والرهبة. لم تكن جميلة فقط، بل كانت نقية، كأنها تدخل الحياة من بابٍ جديد بقلبٍ مفتوح أكثر مما ينبغي.

كان الزفاف بسيطًا وجميلًا، لا صخب فيه ولا استعراض، ضحكات صادقة، وتهاني تخرج من القلوب قبل الألسنة. الجميع يبارك، والجميع يدعو، وكأنهم يشعرون في قرارة أنفسهم أن هذه الفتاة تحتاج الدعاء أكثر من التهنئة.

وقفت ليلى بعيدًا قليلًا، تراقب أختها بعينٍ لا تفارقها. كانت تبتسم للناس، لكنها في داخلها كانت ترتجف. رفعت كفّيها بالدعاء وهمست

- يارب… احميها. ابعد عنها شر العقربتين.

ألقت نظرة سريعة نحو فاطمة وسمر، اللتين كانتا تقفان بالقرب من أيمن، تحيطانه من الجانبين، وكأنهما حارسان شخصيان، لا تتركان له مساحة يتحرك فيها أو يتنفس بعيدًا عنهما. بدا المشهد لليلى غريبًا، مزعجًا، كأن العريس ليس ملك نفسه في يومه.

انتهى الزفاف، وانفض الجمع، وصعدت ندى إلى شقتها الجديدة. قلبها يخفق بقوة، خطواتها مترددة، وكأنها تعبر عتبة حياة لا تعرف ما ينتظرها خلف بابها.

ما إن أغلق أيمن الباب خلفهما، حتى جذبها إلى صدره بشوقٍ صادق، احتواها بين ذراعيه كمن وجد أخيرًا ملاذه.

قال بصوتٍ مليء بالفرح

-  أخيرًا يا ندى… أخيرًا بقينا في بيت واحد.

ابتسمت ندى بخجل، ووضعت يدها على صدره تحاول أن تُبعده قليلًا، وقالت بنبرة مرتبكة

-  بس بقى يا أيمن… متكسفنيش.

ضحك بخفة، ورفع وجهها إليه، يتأملها بعينين تلمعان بالسعادة، ثم قال

-  إيه القمر ده؟ يلا تعالى نغير الهدوم دي ونتعشى، وبعدها عندي كلام كتير عاوز أقولهولك.

كانت على وشك أن ترد، أن تبتسم، أن تشعر أخيرًا بالأمان…

لكن الطرقات الملحّة على الباب قطعت اللحظة فجأة.

طرقات قوية، متتابعة، لا تعرف الانتظار.

تجمدت ندى في مكانها، ونظرت إلى أيمن بدهشة ممزوجة بقلق، بينما اختفى الدفء من عينيه للحظة، وكأنهما أدركا معًا أن الباب لم يُغلق بعد على العالم كما ظنّا.

وكان ذلك أول اقتحام…

في بيتٍ لم يبدأ دفئه بعد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثالث والتسعون والأخير

    أشرقت شمس ذلك اليوم وكأنها تغزل خيوطًا من نورٍ خالص لتزفّ للكون عهدًا جديدًا. كان هواء المساء يحمل أنفاس الفرح الموعود، والقاعة الكبرى قد تزيّنت بالورود البيضاء والشموع الدافئة، لتبدو كجنةٍ صغيرة تليق بليلةٍ انتظرها الجميع طويلاً. في وسط القاعة، كان يزن يقف بثوب زفافه الأسود الأنيق، شامخًا كالنخل، يافعًا، يفيض رجولةً وجاذبية. كانت دقات قلبه تتسارع مع كل خطوة تقترب بها عروسه نحو المنصة، وعيناه تلتمعان ببريقٍ جارف من السعادة والانتصار. لم يكن فرحه الليلة مجرد فرحة عريسٍ بنصفه الآخر، بل كان إعلانًا لنجاته، وتتويجًا لرحلة شابٍ شبّ عزيزًا، مكرمًا، محاطًا بحصنٍ من الحب بدّد من أمامه أشباح اليتم والوحشة. التفت حوله المهنئون، لكن عينيه كانت تفتشان في الوجوه عن ذوي الفضل، عن أمانه الحقيقي. وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف كملكةٍ حانية، ترتدي ثوبًا مخمليًا رائعًا يبرز حسنها الفاتن الذي لم تزدْه السنون إلا نضجًا وبهاءً. كانت عيناها العسليتان تسبحان في بحرٍ من دموع الفرح الدافئة، وهي تنظر إلى يزن... طفل أختها الذي ضمته إلى صدرها يوماً خشية الضياع، تراه الآن رجلاً يشار إليه بالبنان، يؤسس بيتاً

  • ظل بارد    البارت الثانى والتسعون

    في اليوم التالي، دلف يزن من الباب الخارجي في الموعد المحدد تمامًا، والترقب ينهش صدره. كان أمجد يجلس في الصالة بوقاره المعهود، وما إن وقعت عيناه على يزن حتى ابتسم له ابتسامة أبوية هادئة، وأشار برأسه نحو الممر الداخلي قائلًا بنبرة رجولية دافئة - ادخل يا حبيبى.. ماما ليلى مستنياك جوة في أوضتها . خطا يزن خطواته بقلبٍ يخفق، ودلف إلى الغرفة بخفة؛ ليجد ليلى تجلس فوق الفراش الدافئ، محاطة بمجموعة من الأوراق الرسمية المنسقة، وإلى جوارها صندوق خشبي مخملي قديم ينبعث منه عطر عتيق. لكن ما خطف أنفاسه ولفت نظره بشدة، كانت تلك الصورة القريبة التي تمسكها ليلى بين كفيها بعناية وشغف... إنها صورة والدته الراحلة ندى، بوجهها البشوش النضر الذي لم يره سوى في الأحلام. رفعت ليلى عينيها الفاتنتين اللتين تلألأ فيهما الدمع، ونظرت إلى يزن بابتسامة رقيقة تذوب عذوبة، ثم وجهت نظرتها إلى الصورة وهمست بنبرة مخنوقة من فرط التأثر - تعالى يا يزن.. تعالى يا قلب خالتك. شفتِ يا ندى؟ شفتِ يزن كبر وبقى راجل وملو هدومه وبقى عريس زي الورد؟ أنا متأكدة يا حبيبتي إنك حاسة بينا الليلة دي، ومبسوطة وطايرة من الفرحة عشانه في مكانك.

  • ظل بارد    البارت الحادى والتسعون

    مضت السنوات، وتوالت الفصول لتدور عجلة الزمن وتضع كل ذي حقّ في مكانه الصحيح، ولتثبت الأيام أن غراس القلوب لا تثمر إلا بما سُقيت به؛ فمن زرع الجفاء حصد الخيبة، ومن تمسّك بالوفاء نال السكينة والعوض. في تلك الشقة التي طالما ضجّت بالصخب وبُنيت جدرانها على التحكّم، صار أيمن يدلف إليها كل ليلة مستسلمًا لصمتٍ موحش كفن أرواق عمره. صار وحيدًا، منكسرًا، يعاقره الندم على ما فرّط في شبابه وفي حق أخت ليلى الراحلة. استبد به الحزن الثقيل بعدما رحلت والدته فاطمة؛ تلك المرأة التي قاست سكرات المرض الطويل وواجهت منيتها وحيدة، تلتفت يمنة ويسرة فلا تجد حول فراشها إلا الفراغ، لتموت في غرفتها معزولة عن دنيا طالما أرادت امتلاكها، تاركة لأيمن إرثًا مرًا من ذكريات بيته الخاوي، حتى غدا غريبًا بين جدرانه، حزينًا على ماضٍ لن يعود. أما سمر، فقد مضت في طريق الاختيارات التي ظنتها طوق نجاة، لتجد نفسها حبيسة زواجٍ بارد من رجلٍ عجوز طاعن في السن؛ رجل لم تشأ الاقتران به عن عاطفة بل كان مجرد صفقة لتأمين نفقات حياتها المادية ومتطلبات رفاهيتها. ورغم كل الأموال التي تحيط بها، كانت تشعر بفقر الروح، مدركة أن بريق الذهب لا يم

  • ظل بارد    البارت التسعون

    بين حُطام العواصف وسكون المرافئ، تولد حكاياتٌ لم تكتبها الأقلام، بل حفرتها النبضات على جدار الزمن. ​ثمة قلوبٌ كزجاجِ النوافذ في ليل الشتاء؛ تضربها رياح القهر، ويغسلها مطر الخذلان، وتوشك على الانكسار تحت وطأة البرد. امرأةٌ كانت أثرًا من معركة، تلملم ما تبقى من أنوثتها المذبوحة، وتبحث في عيون العابرين عن "وطنٍ" لا يخون، وعن يدٍ تمتد لتداوي لا لتجرح. ​وعلى الضفة الأخرى... يقف "هو"؛ كالجبل في وجه الريح، يحمل في صدره قلبًا لا يعرف الانحناء، وفي عينيه لهيبٌ قادر على إحراق ماضيها العقيم. رجلٌ لم يأتِ ليكون قاضيًا أو عابرًا، بل جاء ليكون السند، والحصن، والملاذ الدافئ. ​حين يلتقي الصدق بالانكسار، تذوب قسوة الدنيا في فضاء العناق. ​الليلة... يسقط القناع عن وجه الخوف. الليلة... تتوقف الحروب، وتُوضع الأسلحة جانباً، لتبدأ معركة من نوعٍ آخر؛ معركةٌ وقودها الشغف، وسلاحها العهد الأبدين ورايتها دقات قلبٍ تعلن الاستسلام المطلق داخل حصن الأمان. ​بين ضوء القمر الفضي وفراشٍ يشتعل بالدفء، تُكتب شهادة ميلادٍ جديدة لأنثى عَمّرت الدموع مآقيها، ولرجلٍ صانَ فاستحق أن يملك الكون في كفٍّ صغيرة ناعمة. إنه الع

  • ظل بارد    البارت التاسع والثمانين

    قطت جملة أمجد الأخيرة وحلفه الصادق على أرجاء المكان كقذيفةٍ ثقيلة خربت صمت الغرفة، وكحجر ضخم أُلقي بعنف في ماء راكد. تجمدت الأم في مكانها للحظة بذهول عارم؛ لم تصدق بأي حال أن ابنها، حبيبهما، قد لوّح بصريح العبارة بالرحيل والهجر من أجل هذه المرأة. ثم التقطت أطراف عباءتها السوداء بعنفٍ وغل، وهرولت خارجة من باب الشقة وهي لا تزال تتمتم وتنفث في الفضاء بكلمات لازعة، تخلط فيها الدعاء بالشر واللوم، والوجع بالعناد الأعمى. وانغلق الباب خلفها أخيرًا بـدوّي شديد. وساد في المكان صمتٌ ثقيل، غارق في الإرهاق والتوتر العاطفي. أرادت ليلى في تلك اللحظة أن تهرب من أمامه، أن تواري خجلها وانكسار كرامتها؛ أرادت أن تنسحب سريعًا إلى المطبخ أو إلى غرفتها المظلمة، إلى أي زاوية لا يراها فيها زوجها وحبيبها منكسرة الملامح ومجروحة الكبرياء بسبب أهله. لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة للفرار، مدّ أمجد ذراعه القوية الواثقة، وبحركةٍ مباغتة وجاذبة، شدّ جسدها اللدن إليه بعنفٍ حانٍ. جذبها إلى أحضانه بقوة وجوع رجلٍ تعب من الكلام ومن مصارعة الدنيا، فلم يجد أصدق ولا أطهر من هذا الاحتواء الجسدي ليقول كل شيء. تصلب جسد ليلى للحظ

  • ظل بارد    البارت الثامن والثمانين

    كانت ليلى تقف في جوف المطبخ تُعدّ طعام الغداء بمهارةٍ دافئة، تتحرك بخفةٍ ورشاقة بين الأواني الفخارية والمقالي، بينما كانت رائحة التوابل الزكية والأبخرة المتصاعدة تملأ فضاء الشقة وتمنحها روحًا أسرية حانية ومحببة. من حينٍ لآخر، كانت تلتفت بوجهها المشرق، وترتسم على شفتيها الكرزيتين ابتساماتٌ عذبة نحو الصالة، حيث كان يتعالى صوت ضحكات الأطفال الصافية. في الصالة، كان يزن يجلس على السجادة الدافئة إلى جوار ابنها الصغير، يلهوان معًا بمكعباتهما الصغيرة في انسجامٍ طفولي ساحر. وبالرغم من أن يزن يعيش أغلب الوقت في كنف جدته سعاد، فإنه كان يعشق المجيء إلى بيت خالته ليلى؛ كان يجد في عتباتها ما يفتقده في أماكن كثيرة: دفء الأمومة البديلة، والحنان الخالص، ومساحةً رحبة يضحك فيها بملء فيه دون خوفٍ من زجر أو نهر. كانت ليلى ترى في ملامحه الصغيرة البريئة بقايا من طيف أختها الراحلة وعطرها، لذلك كانت تحيطه دائمًا بعاطفةٍ جياشة وأحضانٍ لا تنقص رقتها يومًا. وفجأة… تبدد ذلك السلام الأنثوي؛ إذ دوّت على الخشب الخارجي طرقاتٌ عنيفة، متلاحقة، وشرسة، كأن الطارق لا يطلب إذنًا للدخول… بل يقتحم ويهدم السكون. تجمدت ليلى

  • ظل بارد    البارت الخامس

    كانت تستجيب في صمت، تمسح يديها في طرف ثوبها، وتنزل من جديد، تحمل فوق كتفيها أكثر مما تحتمل جسدًا وروحًا.مع غروب الشمس، شعرت أن طاقتها قد نُزعت منها نزعًا. ثقلت خطواتها، وأصبحت الأنفاس أقصر، وكأن الهواء نفسه صار عبئًا. جلست أخيرًا على طرف الكرسي في المطبخ، للحظة قصيرة، قبل أن تعاود النهوض، خوفًا من

  • ظل بارد    البارت الرابع

    تجمّدت ابتسامة ندى قليلًا. لم تفهم النبرة، ولا سبب الاستعجال، لكنها لم تجادل. أغلقت الباب بهدوء، واتجهت إلى غرفة النوم حيث كان أيمن لا يزال مستغرقًا في نومه.اقتربت منه وهزّته برفق— أيمن… يا أيمن، قوم. أمك عاوزاك تحت.ما إن سمع كلمة أمي حتى فتح عينيه ونهض دفعة واحدة، وكأن النوم تبخّر فجأة.- أمي؟

  • ظل بارد    البارت الثالث

    وقف أيمن لثوانٍ أمام الباب، كأن الطرقات لا تضرب الخشب فقط، بل تضرب صدره هو. نظر إلى ندى نظرة سريعة، فيها اعتذار غير منطوق، ثم مد يده وفتح الباب. كانت فاطمة تقف في الخارج. لم تكن وحدها. سمر إلى جوارها، نصف ابتسامة على شفتيها، وعيناها تجولان في الشقة بفضولٍ وقح، كأن الباب فُتح لهما منذ زمن، لا منذ

  • ظل بارد    البارت الاول

    ليس كل من مات دُفن،وليس كل من عاش… كان حيًّا.هناك موتٌ لا يُعلن،يتسلّل إلى الجسد قطرةً قطرة،يبدأ من الإرهاق،ويمرّ بالصمت،وينتهي حين يتواطأ الحب مع العجز.في البيوت التي تُغلَق نوافذها باسم الطاعة،يُربّى الظلم كطفلٍ مدلّل،ويكبر دون أن يصرخ،حتى يملأ المكان برودًا.كان هناك ظلّ،لم يرفع يده،

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status