Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الاول

Share

ظل بارد
ظل بارد
Author: Faten Aly

البارت الاول

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-16 07:34:14

ليس كل من مات دُفن،

وليس كل من عاش… كان حيًّا.

هناك موتٌ لا يُعلن،

يتسلّل إلى الجسد قطرةً قطرة،

يبدأ من الإرهاق،

ويمرّ بالصمت،

وينتهي حين يتواطأ الحب مع العجز.

في البيوت التي تُغلَق نوافذها باسم الطاعة،

يُربّى الظلم كطفلٍ مدلّل،

ويكبر دون أن يصرخ،

حتى يملأ المكان برودًا.

كان هناك ظلّ،

لم يرفع يده،

ولم ينطق بكلمة،

لكنه وقف طويلًا…

حتى سقطت امرأة.

ومن ذلك السقوط،

لم يولد الندم،

بل وُلد حسابٌ مؤجّل،

تحمله امرأة أخرى،

تعرف أن بعض الدماء

لا تُغسَل…

بل تُستعاد كحق.

هذه ليست حكاية موت،

بل حكاية صمتٍ طال أكثر مما ينبغي.

وهنا…

يبدأ البرد.

ومن هنا نبدأ أحداث روايتنا

🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹🌹

كان البيت في ذلك اليوم يبدو كأنه استيقظ قبل أهله.

الجدران غُسلت بعناية، لا من الغبار فقط، بل من التعب،

والأرضية تفوح منها رائحة ماءٍ ممزوج بالصابون،

رائحة نظافةٍ صادقة، تشبه تلك التي تسبق الأعياد أو استقبال الغائبين بعد طول انتظار.

الستائر مرفوعة قليلًا، تسمح للشمس أن تدخل بحياء،

والضوء ينتشر في المكان لا ليكشفه،بل ليحتفي به.

حتى الأصوات كانت مختلفة؛الهمسات أكثر نعومة،

الضحكات أقل صخبًا،وكأن الجميع يخاف أن يوقظ القلق المختبئ في الزوايا.

العيون كانت تلمع..... لمعانٌ خالص، نادر،

لم تلوثه تجربة، ولم تخدشه خيبة.

في الداخل، جلست ندى..... لم تكن تجلس بقدر ما كانت تنتظر..... جسدها مستقيم، لكن روحها منحنية بخجلٍ جميل..... فستانها الأبيض ينساب حولها بهدوء، بلا بهرجة، بلا تطريزٍ زائد،كأنه صُنع ليشبهها،لا ليغطيها.

يدها ترتجف ارتجافة خفيفة وهي تعبث بطرف القماش،

قلبها يخفق بسرعة لا تحاول إخفاءها،وعيناها…كانتا تلمعان بتلك السعادة التي لا تعرف كيف تحمي نفسها.

كانت ترى أيمن من بعيد..... يجلس بجوار والدها،

قريبًا منه أكثر مما كان في أي وقتٍ مضى.

ذلك القرب جعلها تشعر بشيءٍ يشبه الطمأنينة؛

فها هو الرجل الذي أحبّته،صار جزءًا من بيتها،

من أمانها الأول.

لم تفكر كثيرًا..... الحب أحيانًا لا يترك مساحة للتفكير،

بل يطالبك بالتصديق فقط.

تنحنح أيمن..... حركة بسيطة، لكنها بدت كمن يُحضّر نفسه لاعترافٍ كبير... نبرة صوته خرجت ثابتة، محترمة، لكنها تحمل رجفة خفيفة

-  قولت إيه يا عمي؟

سؤال قصير،لكنه يحمل مستقبلًا كاملًا.... قبل أن يأتي الرد،تحرّكت فاطمة في مكانها.... لم تكن بحاجة لأن يُفسَح لها الطريق،فهي تجيد الدخول إلى المشهد وكأنه خُلق لها.

جلست بثقة، ظهرها مستقيم، نظرتها ثابتة،

وقالت بصوتٍ ممتلئ، لا يعرف التردد

-  إحنا عنينا لست العرايس دي… هتبقى بنتي قبل ما تبقى مرات ابني، واللي تأمر بيه ست البنات يا حاج.

كان كلامها دافئًا،لكن دفئه يشبه دفء الشتاء داخل بيتٍ مغلق النوافذ؛آمن…ومُربك.

ندى ابتسمت.... لم ترَ في الكلمات سوى وعدٍ بالأمان.

لم تنتبه لنبرة الامتلاك المختبئة خلف الحنان.

بعض القلوب لا تعرف أن تفرّق بين الاحتواء والسيطرة.

الحاج محمد كان ينظر إلى المشهد بقلب أبٍ أنهكه القلق طويلًا.... ابنته الكبرى…التي ربّاها على مهل،وحمل عنها خوفه أكثر مما حملت هي عن نفسها.كان يرى فستانها الأبيض،ويرى في عينيها مستقبلًا يتمنى أن يكون رحيمًا.

قال بعد صمتٍ قصير، صمت رجلٍ يسلّم ابنته للحياة

- على خيرة الله… نتفق بقى.

ضحكت فاطمة ضحكةً عالية،ضحكة واثقة،ثم نهضت فجأة،واحتضنت ندى بقوةٍ أربكتها قليلًا، وقالت

- نقرا الفاتحة يا حاج محمد… وأنا عنيا لست العرايس.

في تلك اللحظة،شعرت ندى بشيءٍ يشبه الدفء.

لم تعرف لماذا انقبض قلبها للحظة،ثم طمأنته سريعًا

- ده فرح… مفيش داعي للقلق.

بعض الإشارات لا نفهمها إلا بعد فوات الأوان.

تعالت الزغاريد،وامتلأ البيت بالصوت،وتراقصت القلوب قبل الأجساد،وكانت السعادة حقيقية…حقيقية لدرجة أنها لم تشك في نفسها.

لكن في ركنٍ بعيد،في مساحةٍ لا تراها العيون حين تكون مشغولة بالفرح،كان هناك ظل.

لم يتكلم.... لم يعترض..... لم يفسد اللحظة.

اكتفى بأن يقف.... باردًا..... ينتظر دوره.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨✨

كان التجمع في محل المجوهرات مزدحمًا، وجوه كثيرة وأصوات متداخلة، لكن مركز المشهد كان واضحًا. وقفت ندى في المنتصف، والخجل يعلو وجهها كستار شفاف يزيدها رقة. يداها متشابكتان أمامها وعيناها تتحركان بتردد بين الواجهات الزجاجية التي تعكس بريق الذهب، كأنها تخشى أن تختار أكثر مما يحق لها.

إلى جوارها وقف أيمن، ينظر إليها بسعادة صافية، شعور رجل يعتقد أن الأمور تسير كما ينبغي وأن الحب كافٍ ليجعل كل شيء بسيطًا. كان يشعر بالفخر وبالامتنان، ولا يرى ما وراء المشهد.

الأهل يلتفون حولهما، دوائر من الفضول ومن التعليقات التي تُقال بنية حسنة وتترك أثرًا غير حسن.

أخرج البائع القطع الذهبية واحدة تلو الأخرى، أساور، خواتم، أطقم تلمع تحت الإضاءة البيضاء. فقال

- اتفضلي يا عروسة… شوفي اللي يعجبك.

مدّت ندى يدها بتردد، التقطت قطعة ثم أعادتها مكانها، وكأنها تخشى أن تختار أكثر مما يُسمح لها. التفتت إلى ليلى، أختها الأقرب، نظرتها تحمل سؤالًا غير منطوق

- إيه رأيك؟

قبل أن تأتي الإجابة، انفتح باب المحل ودخلت فاطمة. دخولها لم يكن صاخبًا، لكنه كان واثقًا كأن المكان يعرفها ويفسح لها الطريق دون طلب، بيدها ابنتها سمر، تدفعها قليلًا للأمام وتقول

- ادخلي يا بت يا سمر… اختاري مع أخوكي.

توقّف الهواء لحظة. ندى سحبت يدها ببطء، ابتسامتها تجمّدت، وعيناها هبطتا إلى الأرض، كأنها تذكّرت فجأة أنها ليست وحدها صاحبة القرار.

سهام، والدة ندى، كانت تراقب المشهد من بعيد. لم تتكلم، لكن شفتيها توتت لا إراديًا، وفي سرّها خرجت الكلمات كدعاء موجوع

- الله يكون في عونك يا بنتي.

ليلى كانت الوحيدة التي شعرت أن شيئًا ما انكسر. لاحظت كيف تقدمت فاطمة، كيف أمسكت بالقطع، كيف بدأت تشير وتعلّق وتقرّر وكأن الأمر يخصّها وحدها. سمر إلى جوارها تتحرك بثقة وتضحك وتضع رأيها كأمر واقع

- لا ده تقيل…ودي حلوة أكتر…الطقم ده يليق علينا أكتر.

الكلمة علينا سقطت في أذن ليلى كحجر. نظرت إلى ندى ووجدتها واقفة صامتة تبتسم بابتسامة صغيرة وتكتفي بالإيماء. لم تحتمل، انسحبت بهدوء، خرجت من المحل دون أن يلاحظها أحد، كأن وجودها لم يكن ضروريًا من البداية.

في الخارج وقفت تحاول التقاط أنفاسها، الهواء بدا أثقل من اللازم، وصدرها ضاق فجأة، ليس غيرة بل خوفً

-الله يكون فى عونك يا ندى شكلك داخلة على سواد.... صدقاللى قال مراية الحب عامية

في الداخل، كانت فاطمة وابنتها قد استولتا على المكان، البائع يبتسم لهما، وأيمن صامت، وذهب ندى يُختار من دونها. والظل، مرة أخرى، لم يكن بعيدًا، كان واقفًا بين الواجهات الزجاجية، ينعكس ببرودة على الذهب اللامع، ويعد الأيام القادمة بهدوء

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت السابع

    رفع رأسه إليها هذه المرة، وقد بدا الانزعاج جليًا على ملامحه.- دكتور ليه؟ إنتى أول ولا آخر واحدة تحملى... بطلى دلع شعرت ندى بشيء ينكسر بداخلها، لكنها حاولت ألا تفقد هدوءها.- أنا مش بطلب حاجة مستحيلة، أنا بطلب أرتاح شوية وأطمن على نفسي.... أكشف زى أى واحدة حامل وقف أيمن من مكانه، وصار صوته أعلى.- وإحنا نعمل إيه يعني؟ تسيبي البيت؟ردّت، وقد بدأت نبرتها تهتز- أنا من ساعة ما حملت وأنا شغّالة أكتر من الأول، لا ارتحت ولا حد حس بيا.قال بنفاد صبر- إنتِ بتكبّري الموضوع على الفاضي، ده بيتك.نظرت إليه نظرة مباشرة وقالت بمرارة- لا... ده بيتهم، وأنا فيه خدامة.كانت تلك الجملة كافية لإشعال غضبه. اقترب منها بعصبية، حاولت أن تتراجع خطوة، لكن جسدها لم يسعفها. ارتفعت يده دون تفكير، وصفعها صفعة واحدة، لكنها كانت كافية لتسقطها أرضًا.جلست ندى للحظة على البلاط البارد، تشعر بطنين في أذنيها وحرقة في خدها. لم تبكِ، بل رفعت يدها ببطء إلى بطنها، وتنفست بصعوبة. نظرت إليه بعينين ثابتتين، وقالت بصوت هادئ مخيف- اضربني أنا... بس ما تضربش أم ابنك.وقف أيمن في مكانه مرتبكًا، يحاول أن يقول شيئًا، لكنها لم تنت

  • ظل بارد    البارت السادس

    خرجت ليلى من بوابة المدرسة، حقيبتها معلّقة على ظهرها، وخطواتها خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. ابتسامة حالمة استقرت على شفتيها دون وعي، وخصلة متمردة من شعرها انسلت تداعب خدّها مع نسمات العصر، فبدت كأنها تحمل أحلامًا أكبر من سنواتها.وخزتها منار بمرفقها وهي تميل عليها، تردد بابتسامة ماكرة- أيوه يا سِتّي… آخر سنة بقى، وتحصّلي أختك وتتجوزي.توقفت ليلى فجأة، والتفتت إليها بدهشة صادقة- طب ما إنتِ آخر سنة برضه يا فالحةضحكت منار، ثم أخذت نفسًا عميقًا كأنها تحمل سرًّا ثقيلًا- آه آخر سنة… بس قدّامي اتنين لسه.سارتا بضع خطوات في صمت، قبل أن تميل منار برأسها قليلًا وتقول بنبرة خافتة- أقولك على سر؟قالت ليلى بنفاد صبر مصطنع- قولي يا فالحة.ابتسمت منار، واقتربت منها أكثر- أنا شاكّة إن الواد أمجد، أخويا… عينه منك وعايز يتجوزك.توقفت ليلى مرة أخرى، واتسعت عيناها وهي تتأمل صديقتها كأنها تحاول قراءة ملامحها- إيه؟ إيه إيه؟ثم هزّت رأسها سريعًا- لا يا سِتّي… إنتِ حربوءة زي سمر أخت أيمن.لوّحت منار بيدها باستخفاف- يا أختي إنتِ تطولي…ثم أضافت بجدية خفيفة- وبعدين إحنا عندنا مرات أخويا الك

  • ظل بارد    البارت الخامس

    كانت تستجيب في صمت، تمسح يديها في طرف ثوبها، وتنزل من جديد، تحمل فوق كتفيها أكثر مما تحتمل جسدًا وروحًا.مع غروب الشمس، شعرت أن طاقتها قد نُزعت منها نزعًا. ثقلت خطواتها، وأصبحت الأنفاس أقصر، وكأن الهواء نفسه صار عبئًا. جلست أخيرًا على طرف الكرسي في المطبخ، للحظة قصيرة، قبل أن تعاود النهوض، خوفًا من أن تُتهم بالكسل.في نهاية اليوم، حين صعدت إلى شقتها، كانت قد فقدت الإحساس بالزمن. لم تعد تشعر بقدميها، ولا بيديها، فقط ذلك الفراغ الذي يسكن الجسد حين يُستنزف حتى آخره. نظرت إلى المرآة، فلم ترَ العروس التي ابتسمت صباحًا، بل امرأة بعينين متعبتين، ووجهٍ شاحب، وحلمٍ بدأ يفقد بريقه.كان ذلك أول يوم كامل…تعرفت فيه ندى على معنى التعب بلا تقدير،والعطاء بلا مقابل،والحب… حين يُترَك وحيدًا في مواجهة القسوة.أغلقت ندى باب شقتها خلفها بهدوء، ذلك الهدوء الذي يشبه الفراغ. لم تستند إلى الباب كما تفعل الشخصيات في الحكايات، لم تبكِ فورًا، ولم تتنهد. فقط وقفت لثوانٍ، تحدّق في المساحة أمامها، كأنها دخلت مكانًا لا تعرفه.خلعت حذاءها ببطء، وضعته جانبًا، ثم سارت نحو غرفة النوم بخطوات ثقيلة. جلست على طرف الفراش، و

  • ظل بارد    البارت الرابع

    تجمّدت ابتسامة ندى قليلًا. لم تفهم النبرة، ولا سبب الاستعجال، لكنها لم تجادل. أغلقت الباب بهدوء، واتجهت إلى غرفة النوم حيث كان أيمن لا يزال مستغرقًا في نومه.اقتربت منه وهزّته برفق— أيمن… يا أيمن، قوم. أمك عاوزاك تحت.ما إن سمع كلمة أمي حتى فتح عينيه ونهض دفعة واحدة، وكأن النوم تبخّر فجأة.- أمي؟ في إيه؟تمددت ندى مكانها من جديد، وقالت بنبرة حاولت أن تبدو عادية- مش عارفة… أختك جت دلوقتي وبتقول إنها عاوزاك.لم ينتظر أيمن أكثر. نهض من على الفراش سريعًا، وهو يرتدي ملابسه على عجل، ثم قال وهو يهمّ بالخروج- طيب… قومي حضّري الفطار على ما أنزل أشوفها عاوزة إيه.بقيت ندى مكانها للحظة، تحدّق في الفراغ، تشعر بأن شيئًا ما تبدّل دون مقدمات. لم تكن هذه الطرقات كغيرها، ولم يكن هذا الصباح كالأيام السابقة. كان في الهواء إحساس غريب، كأن الجنة التي عاشت فيها أربعة أيام فقط… بدأت تتشقّق بصمت.نزل أيمن مهرولًا إلى الطابق السفلي، خطواته سريعة لكنها مترددة، كأن قدميه تسبقانه بينما قلبه يحاول التراجع. وجد والدته تجلس على مقعدها المعتاد، ظهرها مستقيم، وملامحها مشدودة، وعيناها متأهبتان كمن كان في انتظار

  • ظل بارد    البارت الثالث

    وقف أيمن لثوانٍ أمام الباب، كأن الطرقات لا تضرب الخشب فقط، بل تضرب صدره هو. نظر إلى ندى نظرة سريعة، فيها اعتذار غير منطوق، ثم مد يده وفتح الباب. كانت فاطمة تقف في الخارج. لم تكن وحدها. سمر إلى جوارها، نصف ابتسامة على شفتيها، وعيناها تجولان في الشقة بفضولٍ وقح، كأن الباب فُتح لهما منذ زمن، لا منذ لحظة. قالت فاطمة بنبرة هادئة، لكنها حاسمة كحد السكين - قلنا نطمن عليكوا… ونشوف العروسة. تراجعت ندى خطوة إلى الخلف دون وعي، شدّت طرف روبها بين أصابعها، شعور مفاجئ بالانكشاف تسلل إليها. لم تكن مستعدة لعيونٍ أخرى في تلك اللحظة، ولا لوجودٍ يقتحم دفئها الوليد. فتح أيمن الباب أكثر وقال بتردد خفيف - ادخلوا يا أما..... ادخلى يا سمر … دخلتا. بدخولهما، تبدل الهواء. كأن الشقة فقدت دفئها فجأة، كأن الجدران انكمشت، وكأن المساحة التي حلمت بها ندى كملاذ آمن تقلصت إلى زاوية ضيقة. نظرت فاطمة حولها نظرة فاحصة، عيناها تمسحان المكان بدقة، لا تترك تفصيلة دون تعليق داخلي. اقتربت خطوة من ندى، حدّقت فيها من أعلى لأسفل، ثم قالت بنبرة بدت كمدح لكنها حملت وخزًا خفيًا - ألف مبروك يا عروسة…... انا قولت نيجى

  • ظل بارد    البارت الثانى

    انتهت الخطبة بعد ساعاتٍ ثقيلة، لم يكن الجميع يتحدث عنها بوصفها مناسبة فرح خالصة، بل بوصفها أول مشهدٍ كاشف لسطوة تلك السيدة، فاطمة، وحضور ابنتها الطاغي، حيث بدا لمن يراقب عن قرب أن القرار لم يكن يومًا بيد العريس وحده، وأن نبرة التحكم كانت أعلى من الزغاريد.ما إن غادر آخر الضيوف، حتى سكن البيت فجأة، كأن الجدران أطلقت زفرة ارتياحٍ طويلة بعد صخبٍ مرهق. خفتت الأصوات، وبقيت رائحة العطور مختلطة برائحة الشاي وبقايا الفرح المعلّق.جلست ندى أمام المرآة، تخلع زينتها ببطء، تمرر قطعة القطن على وجهها وكأنها تزيل أثر يومٍ كامل، لا مجرد مساحيق. كانت ملامحها هادئة، مبتسمة، لكن عينيها لمحتا انعكاس ليلى خلفها، جالسةً في صمتٍ غير معتاد، شاردة كأنها غائبة عن الغرفة كلها.التفتت ندى قليلًا وقالت بنبرة خفيفة، تحاول كسر الصمت- مالك يا ليلى؟ سرحانة كده ليه؟ أوعى تكوني زعلانة إني همشي… ولا إيه؟ تكوني عاوزة تتجوزي إنتِ كمان؟لم تبتسم ليلى. تحركت وجلست متربعة على طرف الفراش، ورفعت عينيها نحو أختها بنظرة مترددة، قبل أن تسأل بصوت خافت لكنه محمّل بالقلق- إنتِ متأكدة إنك هتقدري تعيشي مع أم أيمن دي… ومع أخته؟توق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status