首頁 / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثانى عشر

分享

البارت الثانى عشر

作者: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-22 15:25:33

في صباح اليوم التالي، كانت ندى ترقد كأنها حطام معركة خاضتها وحدها في عتمة الليل. جسدها الممدد فوق الفراش لم يكن نائمًا، بل كان يغرق؛ ثقيلًا، هامدًا، ومستسلمًا لجاذبية مرعبة. عرق بارد ولزج يتصبب من جبينها، يمتزج بشحوب وجهها الذي استحال إلى لون رمادي كأنه طُمس من الحياة. صدرها يعلو ويهبط بجهدٍ جهيد، يشهق الهواء كمن ينازع الغرق، فصار النفس الذي يمنحه الله بالمجان للجميع عبئًا يهد جدران صدرها. حاولت أن ترفع يدها، أن تُشير إلى حنجرتها المخنوقة، لكن أطرافها كانت قد أعلنت العصيان الكامل، واكتفت بروحٍ تنسحب ببطء وهدوء مرعبين، يخبو وهجها مع كل أنين خافت يعجز عن تجاوز شفتيها.

اقترب أيمن منها، وخطواته التي كانت تحمل دائمًا غطرسة البيت الواثق تباطأت. ثمة هواء بارد لفح وجهه حين دنا من الفراش. شيء ما في عينيها الغائرتين أفزعه، فراغٌ غريب لم يألفه فيهما. مد يده ليلمس جبينها، فارتدت يده تلقائيًا في هلع وكأنه لمس جمرة؛ كانت حرارتها تلفح الغرفة، بينما شفتيها ترتجفان بزُرقة خفيفة بدأت تزحف على أطرافهما. تلاشت في تلك اللحظة كل ظنونه السيئة، وابتلع اتهاماته الجاهزة بالتمثيل وهو يهتف باهتزاز

- مالك يا ندى؟ حاسة بإيه؟ أجيبلك تشربي؟

جمعت ندى آخر بقايا الرماد في روحها، جاهدت لتدفع بالكلمات من حنجرة جافة كالحجر، فخرج صوتها مكسورًا، واهنًا، كأنه يأتِ من بئرٍ عميق

-  أنا… تعبانة قوي… عاوزة دكتور.

ضرب الارتباك أوصال أيمن؛ المشهد أكبر من قدرته على الاستيعاب، الملامح ذاوية، والأنفاس المتلاحقة لا يمكن تزييفها. هرول هابطًا الدرج، يسبقه صوته المتحشرج بالخوف

-  أما… يا أما

نهضت فاطمة من مجلسها، وتصنعت فزعًا لم يبلغ عينيها الباردتين

-  مالك يا ولا؟ في إيه؟

-  ندى شكلها تعبانة قوي.

ضاقت عينا فاطمة، ودارت في رأسها طواحين المكر والشك المتأصل. تمتمت في سرها بنفور: "هتمثل التعب عشان ما تنزلش وتتهرب من الشغل"، ثم ارتدت قناع الهدوء المصطنع وقالت ببرود وهي تشير بوهن مزيف إلى صدرها

-  والده يا ابني، والده.. تلاقيه شوية مغص. روح أنت شغلك وأنا هطلع لها أشوف مالها.

حدّق فيها أيمن بنفور مستنكر، وقد استيقظت في داخله وخزة ضمير مفاجئة

-  أروح إزاي وأسيبها كده؟! وأنتوا محدش فيكوا هيسأل فيها ولا هيعبرها

تغيرت ملامح فاطمة في لمحة، تجحظت عيناها وارتفع صوتها حادًا جهوريًا لتقطع الشك باليقين وتفرض سلطتها

-  خلاص يا ولا روح شغلك قولتلك أنا طالعة.. كل ده تمثيل ودلع بنات يا حبيبي، أنا حافظة حركات البنات دول كويس

تردد أيمن، دارت عينيه بين الباب والسلم، لكن سطوة أمه كانت أقوى؛ فغادر يجر أقدامه الثقيلة خلفه. بقيت فاطمة وحدها في الصالة، جلست من جديد على الأريكة ببرود، ترتب طرف جلبابها بهدوء وهي تبتسم بوعيد مكتوم

-  ماشي يا ست ندى… اتقلي عليا بس، شوية وهطلع أجيبك من شعرك وأوريكي التمثيل على أصوله.

مرّ الوقت ثقيلًا، خانقًا، كأن الساعات حبر أسود يسيل ببطء. وقبل أن تتحرك فاطمة من مكانها، طرقت ليلى الباب خبطات خفيفة متلاحقة، ودخلت دون أن تنتظر إذنًا، مدفوعة بنغزة قوية في قلبها لم تهدأ منذ الصباح

-  بعد إذنك يا طنط… هطلع أشوف ندى.

لم تلتفت لتسمع الرد، شقت طريقها نحو السلم بخطوات متسارعة، أنفاسها تضيق مع كل درجة تصعدها، وقلبها يدق طبول الخطر. دفعت باب الغرفة برفق، ثم في ثانية واحدة، تمزق سكون البيت بصرخة مدوية.. صرخة حادة، مشروخة، اخترقت الجدران كطعنة سكين مباغتة.

في ثوانٍ معدودة، تجمع الجيران وصعدت فاطمة وخلفها الوجوه المذعورة. انفتح الباب على مشهدٍ تجمدت له الدماء في العروق: ليلى جاثية على الأرض، تحتضن جسد ندى، تسند رأس أختها إلى صدرها وتصرخ باسمها بهستيريا، تهز كتفيها بلا وعي كمن تحاول إيقاظ شخص يغرق في حلم بعيد.

لكن ندى كانت في عالم آخر… ساكنة تمامًا، سكونًا مهيبًا لا رجعة فيه. عيناها نصف مفتوحتين تنظران إلى الفراغ بنظرة عتاب أخيرة، شفتيها اللتان طالما كتمتا الوجع استحالتا إلى زُرقة داكنة، وجسدها صار باردًا كالحجر، خاليًا من أي دثار دافئ. لقد انسحبت الحياة من ذلك الجسد النحيل بلا ضجيج، تاركة خلفها جثة هامدة، وبيتًا يغرق في ندمٍ لا ينفع معه بكاء.

لم تسمع ليلى الأصوات الصاخبة التي تلاطمت حولها، تلاشت وجوه الناس المتزاحمة، وتبخرت الأيدي التي امتدت تلحّ عليها لتسحبها بعيدًا. انكمش الكون الفسيح في حدقتين غائرتين، وضاق الزمن ليصبح لقطة واحدة سرمدية: جسد شقيقتها البارد بين ذراعيها.

احتضنت ندى بكل ما أوتيت من عزم، طوقتها بقسوة المحب الذي يحاول إعادتها إلى الحياة بالدفع والقوة، كأن دفء صدرها الصغير قادر على مباغتة الموت وخداعه. ضغطت على كتفيها، وهزتها رجاءً لا عنفًا، رجاءً يائسًا يقطع نياط القلب، وشفتيها ترتجفان باسمها في صمتٍ مخرس. كان وجه ندى قريبًا منها، القريب الذي طالما احتمى به قلب ليلى من عواصف الدنيا، لكنه الآن بلا لون، بلا احتجاج، بلا عتاب.. وكأن ندى استعذبت الصمت أخيرًا، فآثرت غيابًا أبديًا لا رجعة فيه.

في تلك اللحظة، شعرت ليلى بشيء ينكسر في أعماقها؛ لم يكن كسرًا مفاجئًا كضربة فأس، بل شرخًا ممتدًا، طويلًا وغائرًا، زحف من قاع قلبها وصعد صعودًا حادًا إلى حلقها، حابسًا أنفاسها حتى كادت تختنق. تذكرت كل مرة نظرت فيها إلى أختها المجهدة وابتلعت كلماتها، كل مرة آثرت فيها السلامة وصدّقت ادعاءات الآخرين، كل مرة غادرت فيها هذا البيت وهي تمنّي نفسها بالوهم

-  ندى كويسة وهتقوم دى بتحب الحياة هتقوم ندى

الآن فقط، تجلت لها الحقيقة عارية بوجعٍ حارق الصبر لم يكن فضيلة، الصبر كان سكينًا مسنونة، وهم جميعًا بلا استثناء أمسكوا بمقبضها، وتركوا النصل يغوص في لحم ندى وحدها. أرادت أن تصرخ، ليس بصوتٍ مألوف تسمعه الآذان، بل بصرخة كونية تمزق رداء الزمن، صرخة تعود بها بالزمن إلى الوراء، إلى صباحٍ قديم، إلى ثانية واحدة فارقة تقبض فيها على يد ندى وتهرب بها بعيدًا عن هذا الجحيم. لكن الصوت ارتد حبيسًا في صدرها، ثقيلًا كالصخر، حتى خُيل إليها أن عظام صدرها تصرخ نيابة عنها.

كانت تدرك، بوعيٍ مرير لا يحتاج إلى تسميات، أن ندى لم تمت بغتة؛ ندى ماتت بالتدريج، قُتلت على قطرات متتابعة، يومًا بعد يوم. ماتت تحت أطباق لم تنتهِ، وتلال غسيل لم ترحم ضعفها، وألم صامت نُبذ في زاوية الإهمال. ماتت تحت نظرات كانت تصم تعبها بالدلع، ووجعها بالرفاهية. ماتت لأنها أيقنت ألا كتف سيحمل عنها العبء، ولأن الجميع استمرأوا وجودها كواجبٍ مفروغ منه لا يستحق الثناء أو الشكر.

ارتعشت ليلى وهي تقبّل جبين أختها، وشعرت لأول مرة بالوزن الساحق لكلمة "أختي"؛ لم تكن الكلمة صلة قرابة فحسب، بل كانت أمانة ومسؤولية.. وهي اليوم تقف شاهدة على إخفاقها. انكسر في روحها شيء استحال رتقه، وكأن جزءًا من شبابها وعمرها قد دُفن مع ندى في تلك اللحظة. وحين أُجبرت أخيرًا وانتُزعت من بين ذراعيها، لم تبكِ ليلى بكاء الثكالى، ولم تندب أو تصرخ؛ بل شقّت الفراغ بعينين متسعتين، جافتين، وكأن روحها آثرت أن تغادر الجسد مؤقتًا لتنجو من هول الصدمة، تاركة الغلاف الخارجي يتلقى بقايا الكارثة.

منذ تلك اللحظة، انطفأت ليلى القديمة.. شيء ما مات بداخلها مع ندى، وشيء آخر غريب وُلد من رحم الفاجعة، شيء موحش.. لم يكن بريئًا أبدًا.

خرج الجثمان ملفوفًا في كفنه الأبيض الناصع، كان هادئًا هدوءًا مستفزًا، كأن ندى نالت أخيرًا في موتها السلام والراحة اللذين استُكثروا عليها في حياتها. تحرك المشيعون بخطوات وئيدة ثقيلة، تتداخل خبطات أقدامهم مع همسات مستنكرة وآهات مكتومة، بينما استقرت الشمس في كبد السماء بلا رحمة، شاهدًا لاهبًا على مأساة صامتة.

وما إن استقر النعش فوق الأكتاف، حتى تمزق الفضاء بصوت صراخ حاد؛ عويلٌ شق حجب الصمت، اندلع من حنجرة فاطمة كأنه كان ينتظر هذه اللحظة اللائقة بالاستعراض. ضربت صدرها بقسوة، ولطمت وجنتيها، وانحنت بجسدها إلى الأمام وهي تطلق الولولة تلو الولولة

-  يا ضنايااا… يا بنتي يا ندى… يا حبيبتي! ليه كده؟ سيبتينا لمين؟ وابنك يا حبيبتي سايباه لمين يا حبة عيني؟.. ده أنتِ كنتِ أكتر من بنتي

在 APP 繼續免費閱讀本書
掃碼下載 APP

最新章節

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

  • ظل بارد    البارت الرابع والأربعون

    دخلت سلمى بخطوات واثقة، سريعة، وأغلقت الباب بإحكام بالترباس، ثم صفّقت فجأة بكفيها صفقة حادة، رنانة كسرت صمت الموت الزائف. في اللحظة نفسها، انتفضت ليلى ونهضت من فوق الفراش بنشاط وخفة كمن أُلقي عنه ثقلٌ وسحر زائف، وصفّقت هي الأخرى بكفيها بانتصار، ثم قفزت فوق السجادة بخفة ومرح طفولي، وانفلتت ضحكتها الرنانة القاتلة دون قيود أو حدود، وكأن الألم والنزيف والشحوب الذي كان يملأ أركان المكان منذ دقائق لم يكن سوى قناع درامي أُتقن صنعه وارتداؤه بميزان من ذهب. اقتربت منها سلمى، وتفرست في وجهها بإعجاب صريح، ورأسها يهتز ذهولاً وهي تبتسم ابتسامة مشوبة بالدهشة والوجل من مكرها - يخربيت عقلك يا ليلى..... دي الحكاية دخلتِ عليه بالملي، والراجل طالع من هنا مهدود ومتأثر، وعينيه مليانه عياط والذنب بيوجع فيه كانت نبرة سلمى توليفة من الإعجاب المطلق والتسليم الكامل بقدرة صديقتها على السيطرة وتسيير الرجال كالعرايس، بينما ليلى توقفت فجأة عن الضحك والمرح، وتجمدت ملامحها، واتجه بصرها الكحيل إلى الفراغ الصامت؛ حدقت أمامها بعينين قاسيتين، متقدتين بشرر الانتقام، وقالت بحدة باردة كالموت - هو لسه شاف حاجة؟ ده أنا

  • ظل بارد    البارت الثالث والأربعون

    وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس. كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط - يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انس

更多章節
探索並免費閱讀 優質小說
GoodNovel APP 免費暢讀海量優秀小說,下載喜歡的書籍,隨時隨地閱讀。
在 APP 免費閱讀書籍
掃碼在 APP 閱讀
DMCA.com Protection Status