Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثامن والثلاثون

Share

البارت الثامن والثلاثون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-03 12:21:04

أغلقت الخط فورًا بعدما تأكدت من النبرة والإيقاع؛ لم يعد للشك مكان في جوفها، فذلك التردد الخفيف والبطء في حركة المفتاح داخل الكالون الجديد لا يمكن أن تخطئه أذنها أو يضل عنه قلبها. اقتربت ليلى من الباب بخطوات وئيدة، حذرة، وأذناها مشدودتان لاستراق السمع كأنهما تلتقطان ذبذبات الموت والحياة، بينما جسدها كله متصلّب، متشنج كوتر مشدود على آخره وينتظر لحظة الانفجار.

جاءها صوته بوضوح تام من وراء الخشب السميك؛ كان صوت أيمن واهنًا، متهدجًا، ومكسورًا على غير عادته، يحمل رجاءً مستسلمًا واستعطافًا أكثر مما يحمل كلمات رجل يدافع عن كرامة زوجته

- حقك عليّا يا حاج محمد… أنا جيتلك لحد بيتك ب وهبوس إيدك وراسك، وأوعدك أمي مش هتعرض لها تاني، ولا هتحصل حاجة تانية

ابتلعت ليلى غصّتها المرة التي وقفت في حنجرتها كشفرة حادة. لم يكن الاعتذار موجهًا إليها كزوجة دِيست كرامتها وأُهينت أنوثتها، بل كان صك استسلام موجهًا إلى سلطة ذكورية تعرفها جيدًا؛ سلطة أبوية عقيمة لا ترى في كل هذا الخراب سوى أمر واحد ومقدس (رجوع البنت لبيت جوزها وطاعته).

والحاج محمد، كما توقعت داهيتها، لم يكن بحاجة إلى وعود غليظة أو ضمانات مكتوبة؛ كان يريد النتيجة التي تحفظ ماء وجهه كرجل أمام صهره وحسب. خرج صوته من صدره الثقيل ثابتًا، حاسمًا، وقاطعًا كأنه يغلق ملف قضية تافهة لا مستقبل ابنته

- أمك على راسنا من فوق يا ابني.... والست الكبيرة مهما عملت ومهما كانت، دي أمك وست بركة في البيت

انفرج صدر أيمن دفعة واحدة، وتصاعدت أنفاسه بارتياح عارم كمن نجا لتوّه من الغرق في بحر محقّق. اقترب خطوة إضافية من الحاج محمد، وتحولت نبرته فجأة إلى راحة طفل صغير صُفح عنه وسُمح له أخيرًا بالعودة إلى لعبته المفضلة

- ربنا يخليك لينا يا حاج وما يحرمنا منك... طب نادى بقى على ليلى عشان نروح سوا.. الشقة ظلمة ووحشة أوي من غيرها والواد يزن عمال يعيط هناك.

في غرفتها المظلمة، وقفت ليلى تغلي كمرجل، ودمها يفور في عروقها بحنق جارف؛ كانت كلمات والدها كالمعول الثقيل، تهدم في ثوانٍ معدودة كل ما بنته بصبر، ودهاء، ودلال طوال الأيام الماضية. سمعت صوت أبيها يجهر باسمها ويناديها للامتثال، فارتدت على الفور قناع الحزن المنكسر بإتقان درامي تحسدها عليه المحترفات. فتحت الباب وخرجت متهادية بخطوات بطيئة ومحسوبة بالمليمتر.

نظر إليها أيمن بنظرة اشتياق صادق، نهمة وملهوفة؛ تلك النظرة الضعيفة التي تجيد ليلى التقاطها، وتعرف كيف تلوّح بصاحبها يمينًا ويسارًا، وتلهب خياله بها دون أن تسمح له بالاقتراب شبرًا واحدًا. سألها بصوت متهدج

- عاملة إيه دلوقتي يا ليلى؟

مرّت عليه بنظرة عابرة، باردة كالصقيع، وجلست بعيدًا وهي تخرج صوتها خافتًا، أجوف، لا دفء فيه يطمئنه ولا خصام صريح يدفعه للدفاع

- الحمد لله… إنت عامل إيه؟

لم يحتمل برودها القاتل الذي جمد الدماء في عروقه، فنهض من مقعده فورًا وتقدم نحوها كأن الوقوف بالقرب منها يمنحه صك أمان إضافي

- أنا مش حلو خالص من غيرك يا قلبى… يالا بينا نروح بيتنا وكفاية لحد كده.

التفتت ليلى إلى والدها، وأرسلت إليه نظرة عتاب وسؤال صامت يفيض بالمرارة، فجاءها الرد من الحاج محمد أقسى وأعنف مما توقعت بكثير، محمولًا على نبرة الأمر الجاف والموعظة الدينية الزائفة

- يالا يا بت.. ادخلي غيري هدومك دي وتعالي روحي مع جوزك بيتك. ملكيش بركة في الدنيا دي غيره وهو سترك وغطاك... والست مش هتششم ريحة الجنة غير بإذن جوزها ورضاه. اتعلمي من أمك يا ليلى وخليكي نسخة منها عشان تعيشي وتعمري

انكفأت ليلى إلى داخل الغرفة تارة أخرى، وكانت تمتم بكلمات حانقة، كالمذبوحة التي تكتم أنفاسها؛ كلمات لم تُسمَع للآخرين لكنها كانت تحرق صدرها وتكوي أضلعها: "زيها… زيها! عاوزني أبقى جارية وممسحة لرجلين الستات والرجالة زيها!" بدّلت ملابسها بيدين ترتجفان بعنف، لا من خوف رابض في روحها، بل من طاقة غضب مكتوم، أسود، يتأهب لافتراس الجميع في الوقت المناسب.

بعد قليل، كانت خطواتهما تطأ أرض الشقة مجددًا. المكان الذي كان قبل ساعات قليلة ساحة معركة حامية الوطيس، تكسرت فيها الكوالين والدروع النفسية، تحول فجأة بفعل عودتها إلى مسرح مصالحة مؤقت.

حاول أيمن بكل ما أوتي من شغف ملهوف وجسد متعب أن يلتقط حبل ودّها المفقود؛ اندفع يعتذر منها مرارًا وتكرارًا، يقبل يديها، ويغدق عليها بالوعود القاطعة بأن يكون لها السند الحقيقي والدرع الحامي من تسلط والدته، وأن يضع حدًا حاسمًا لكل ما حدث في الماضي.

كانت ليلى تستمع إليه بجسد مسترخٍ وعقل يقظ لا ينام؛ مرة تبتسم له بدلال خفيف، ساحر، يذيب ما بقي من وقاره، ومرة أخرى تعاند بصمت صخري، ترفع حاجبها الأيمن في وجهه بغموض مثير، أو تدير وجهها الناعم إلى الجهة الأخرى، تتركه يتقدّم نحو أحضانها خطوة، ثم تسحب البساط من تحت قدميه بذكاء مفرط ليتعلق في الهواء.

كانت ليلى تدرك قواعد اللعبة الخفية بين الرجل والمرأة جيدًا؛ تعرف متى تُلين لتمتص غضبه ورغبته، ومتى تقسو لتثير في داخله لوعة الخوف من فقدها، ومتى تتركه يظن واهمًا أنه انتصر وفرض كلمته بركوعها لقرارات عائلته... بينما كانت هي، بمنتهى الهدوء، والبراعة، والبرود السام، قد أحكمت قيود الأسر على قلبه، وقبضت على مفاتيح إرادته من جديد، ليكون سلاحها الأقوى في المعركة المؤجلة مع أمه.

✨✨✨✨✨✨✨

قالتها سلمى وهي تتطلع إليها بدهشة حقيقية، عيناها تتفرسان في تفاصيل وجهها كأنها تحاول العثور على ليلى القديمة، الفتاة البسيطة التي كانت تعرفها، بين ثنايا هذه الملامح الجديدة القاسية والمحسوبة. سألتها بنبرة يملؤها التعجب

- يعني جه لحد عندك وصالحِك؟ بالسرعة دي؟

ارتسمت على شفتي ليلى ابتسامة متعالية، باردة، ومدروسة بعناية أمام المرآة، كأنها تتذوق طعم نصرٍ مؤقت وتصرّ على استحلابه والاستمتاع به حتى القطرة الأخيرة. مالت بجسدها قليلًا إلى الأمام، ورفعت ذقنها بثقة مصطنعة تكاد تلامس الغرور وهي ترد بحرفية

- وقعد طول الليل يعتذر ويوعد، ويبوس على دماغي كمان… أمال إيه يا بنتي؟ إحنا بنلعب؟ امال انا كنت بعمل ايه الايام اللى فاتت دى بقى زى الخاتم فى صباعى

هزّت سلمى رأسها بيأس ملموس، ذلك اليأس الصامت الذي يولد في نفس الصديق حين يدرك أن النصيحة الصادقة لن تجد طريقها إلى قلبٍ أعمته الرغبة في الانتقام، وقالت بصوت مخلوط بالشفقة والرجاء

- مفيش فايدة فيكِ أبدًا… الراجل شاري وخير، وطلع كويس وابن حلال أهو، وشكله دايب في حبك وبيموت فيكي. خلاص بقى يا ليلى، صفي نيتك وكمّلي معاه بالمعروف، وربّي يزن ابن أختك الله يرحمها وخلاص، عيشي حياتك... وسيبك من الوسيلة واللعَب دي، وهاتي حتت عيل منه يربطكم ببعض ويملى عليكي دنيتك.

في تلك اللحظة بالذات، انمحت ملامح ليلى كليًا كأن قناع الخفة قد سقط فجأة. اختفت الابتسامة اللعوب، وانسحبت النبرة المنتصرة من عينيها، ليحلّ مكانها شيء أقسى، أعمق، كأنه حجر صلب صُقِل بمرارة الخذلان القديم. أطلقت تنهيدة ثائرة، حارة، خرجت من صدرها المخنوق محمّلة بكل الوجع الذي كتمته، ثم قالت بنبرة حادة، مسنونة لا تحتمل جدلًا أو مراجعة

- هو مش بيحبني يا سلمى… بلاش توهمي نفسك وتوهميني. هو بيحب جسمي، بيحب الشكل الحلو والدلع، بيحب اللعبة اللي لعبتها عليه وأتقنتها. بيبقى واقف قدامي زي العيل الصغير، ملهوف ومسحور... أيمن لقى معايا وجه مختلف خالص، غير النكد، والهم، والزهق اللي كانت عايشة فيهم ندى أختي من قرف أمه لحد ما ماتت بحسرتها.

توقفت لحظة، كأنها تزن كلماتها بميزان من ذهب، ثم أضافت ببرود جارح يقطر فهمًا مشوهًا للواقع

- وده مش حب حقيقي يضمن الأمان… ده ليه اسم تاني خالص في قاموس الرجالة، اسم أول ما بيشبع منه بيقلب وشه.

ساد صمت ثقيل وواجم بين الصديقتين، كأن الهواء قد تجمد في المكان. علقت عينا ليلى في الفراغ، نظرتها شاردة وبعيدة، كأنها ترى طريقًا مظلمًا لا يراه غيرها، وتصر على السير فيه حتى النهاية. همست لنفسها بصوت منخفض، كأنه فحيح دافئ، لكنه حاسم ولا رجعة فيه

- لازم اللي بدأته أكمّله للاخر… مفيش رجوع، ومفيش خطوة واحدة لورا.

ثم التفتت فجأة نحو سلمى، وكأنها عادت لتوها من رحلة داخلية طويلة في دهاليز خططها، وسألت بنبرة عادية، جافة، لا تشبه في عمقها ما دار قبل ثوانٍ

- ها… جبتي الحاجة اللي قولتلك عليها؟

مدّت سلمى يدها بصمت مريب، تقدم لها الشيء الصغير بوجل ودون أي تعليق، وعيناها الواسعتان لا تخفيان حجم القلق والريبة مما تنوي ليلى فعله. التقطته ليلى منها بسرعة، وعلى شفتيها ارتسمت ابتسامة جديدة، غامضة، وأخطر بكثير من سابقتها، بينما لمع بريق خافت وشرير في حدقتيها. نظرت إليها وقالت باقتضاب

- شكراً يا سلمى..... عُمري ما هنسى وقفتك جنبي دي أبدًا.

كانت كلمة بسيطة، شكر عابر، لكن ما خلفها من نيات ومكائد كان أثقل وأخطر من أن يُقال أو يُفصح عنه.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status