LOGINتجلس سمر على طرف الكرسي الخشبي المهترئ، ظهرها مائل قليلًا إلى الأمام بجسد متقاعس، وعيناها الزائغتان معلّقتان في الفراغ كأنها تخترق جدران المطبخ الضيقة المطموسة بالزيوت وترى ما هو أبعد. كان صوت تقليب الملعقة المعدنية في جوف الإناء رتيبًا، ثقيلًا، يُحدث قعقعة خافتة، لكنه كان كافيًا جدًا ليفضح حجم شرودها وضياعها في دوامة حساباتها الخاصة.
تلتفت فاطمة فجأة من أمام الموقد، تراقب ابنتها من طرف عينها بنظرة فاحصة دقيقة، ثم تقول بنبرة جافة معتادة لكنها تخفي خلفها قلقًا قديمًا ورغبة في استبيان الأمر - مالك يا بت يا سمر؟ قاعدة من ساعة ما جيتي كأنك واكله سد الحنك، في إيه؟ تنتفض سمر انتفاضة خفيفة، مرعوبة، كأنها كانت غارقة في عالم بعيد وعادت منه قسرًا على صوت أمها. تعتدل في جلستها بتوتر، تبتلع ريقها الجاف بصعوبة قبل أن تقذف بكلماتها - جوزي خالد كلّمني النهارده... … بيقول إنه نازل مصر خلاص وجاي على آخر الشهر ده. تتجمّد يد فاطمة في الهواء لثانية كاملة، وهي ممسكة بالملعقة، ثم تتركها فجأة وتستدير بكامل جسدها الضخم نحو ابنتها، وتنفرج ملامحها القاسية عن فرحة سريعة واشتياق ملهوف - والله؟ يوصل بالسلامة يا ضنايا وينور بيته… أمال مالك بقى مقلوبة وشايلة الهم ومكشرة كده ليه؟ ده يوم منىٰ جوزك يرجع تطلق سمر زفرة طويلة، حارة، تحمل مللًا وضيقًا وتعبًا مؤجلاً، وتلوّح بيدها بقلة حيلة - حاملة الهم يا أما… لسه ورايا هدد حيل، هشوف الشقة اللي مقفولة بقالها سنة دي وأنظفها، والفريزر اللي عاوز يتملا خير عشانه، ومصاريف وحاجات كتير تكسر الظهر وفجأة، كأن الفكرة لسعتها كعقرب في رأسها، تعتدل سمر بسرعة في جلستها، وتلمع عيناها بلهفة وجشع برزت معه عروق عنقها، وقالت بصوت خفيض مشحون - صحيح… إيه يا أما؟ فين الدهب؟ مش كنتِ قايلالي من كام يوم لما يتجوز والبت تتهد في شقتها هتحطي إيدك عليه وتجيبيهولي أتصرف فيه؟ ولا شُفتي حاجة ولا هتعملي إيه؟ عند هذه الكلمة، انكسرت ملامح فاطمة دفعة واحدة، ويهبط كتفاها بثقل واضح كأن جبلًا هبط عليهما، واشتعل وجهها بحمرة الغيظ المكبوت - ربنا يأخذها المخفية، الحرباية..... الواد أيمن تعمى في نظره وراح جابها امبارح ورجعها الشقة، وغير الكالون كمان ثم أضافت بصوت يقبض الصدر وسخط يقطر سمًا - والبت؟ متفرعنة،داخلة طالعة ولا على بالها حد ولا كأنها شافتني، ولا عاملة حساب لكبير ولا صغير. وراحت فاطمة تفرك كفيها ببعضهما بعصبية مفرطة، وكأنها تعصر الغضب والحقد الكامن في جوفها ضد ليلى - آه ياني ياما… الغل بياكل في صدري، نفسي بس أطولها وأجيبها من شعرها ده وأعلمها الأدب تحت رجليا. ضربت سمر كفًا بكف في فزع عارم، واتسعت عيناها بهلع حقيقي كاد يقذف بقلبها خارج صدرها، وقالت بصوت متهدج لاهث - يا لهوي يا أما... يا مصيبتي السودا! إنتِ عارفة ومأكدة عليكي إني قايلة لخالد في التليفون إني اشتريت الدهب من وراه وخدت الفلوس اللي بعتها وسيلتهم في البوسطة عشان أضمن قرشين... هقوله إيه دلوقتي لما ينزل ويقولي وريني الدهب أو هاتي الفلوس؟ أقوله استلفتهم؟ أقوله أمي ضحكت عليا؟! دي هتبقى خناقة بخراب بيوت عادت فاطمة لتلتقط الملعقة وتقلب الطعام بحركة آلية، خاوية وبلا أدنى تركيز، وعقلها يدور في طاحونة التفكير - أنا عارفة… يسود صمت ثقيل، خانق للحظات في المطبخ، لا يُسمع فيه سوى حفيف النار الخافتة وهي تنهش قاع الإناء...... ثم تتوقف فاطمة فجأة عن التقليب، ترفع رأسها ببطء، وفي عينيها الصغيرتين يشتعل بريق فكرة شرسة، داهية وشريرة نبتت في عقلها الملتوي - أقولك… إنتِ مالكيش دعوة بالخناقات دي. قولِي لأخوكي أيمن إنك مزنوقة وعاوزة شوية من الذهب بتاع ندى الله يرحمها تقابلي بيهم جوزك وتتزيني قدامه عشان منظرك، وخديهم في إيدك...... وبعد كده؟ لا ترجعيهم ولا حاجة، وخليه يشرب من البحر هو والحرباية بتاعته نظرت لها سمر بدهشة مشوبة بالشك والريبة من عواقب هذه الخطوة، ثم تقدمت ببطء ورفعت غطاء الإناء المتصاعد منه البخار لتتفقد الطعام، فلوت شفتيها بتهكم وازدراء - إيه ده يا أما؟ مفيش في الحلة حتة فرخة ولا حتى حتة لحمة؟ هنقضيها قرديحى كده لوت فاطمة شفتيها يمينًا ويسارًا بمرارة طاغية، ولوّحت بيديها الخشنتين في الهواء بأسى - منين يا حسرة؟ نجيب منين؟ أنا بقيت أشوفحاجة من أخوكي من يوم الحرباية دي ما دخلت هنا وقفلت عليه بابها وهو نسانى، كل حاجة بيكتبها ويحسبها بالورقة والقلم للست هانم أغلقت سمر غطاء الإناء ببطء، وأحدث الخشب المعدني صوتًا خافتًا كأنه يغلق معه آخر باب للأمان والاستقرار في هذه العائلة.... تنحى رأسها إلى الأسفل، وملامحها تجمع في توليفة مخيفة بين الرعب من قادم الأيام والغضب الساطع من ليلى… وفي قلبها سؤال واحد أسود لا تجرؤ على نطق شفتيها به من الذي سيدفع الثمن المرير في هذه اللعبة هذه المرة؟ أيمن... أم هي... أم أن ليلى ستطير بالجميع إلى الجحيم؟ ✨✨✨✨✨✨ تنسلُّ ليلى من غرفتها بملابس منامتها الحريرية التي تنساب على جسدها كأنها موجة من ضوء خافت، تخرج بخطوات وئيدة، مدروسة بعناية، يسبقها عطرها النفاذ الذي يغزو المكان في لحظة؛ عطرٌ ليس مجرد رائحة، بل هو تعويذة خفية تتسلل إلى الرئة فتربكها، وتستقر في القلب فتجعل نبضه يضطرب على غير عادته. كان هذا العطر يمثل حضورها الطاغي، إعلانًا غير منطوق بأنوثة تدرك تماماً كيف تفرض سيطرتها دون جهد أو صراخ. في تلك اللحظة، كان أيمن جالسًا على الأرض يداعب طفله يزن، يغمره بضحكات عفوية نسي معها كل ثقل الحياة وما يدور خارج هذه الغرفة. وفجأة، توقفت يداه عن الحركة، وتجمدت عيناه على تلك الحورية التي تجسدت أمامه في الممر. رفع رأسه ببطء، وكأن الزمن قد توقف في مكانه ليسمح له بامتصاص اللحظة بكل حواسه؛ بدا المشهد أمامه دافئًا، مغويًا، مشبعًا برغبة عارمة لا يعرف لها اسماً، وكأن شيئاً ما في قلبه قد انفتح ليغمره بهذا الحضور الأنثوي القاتل. وقفت ليلى في منتصف الصالة، تقضم ظفرها في حركة بدت لعينيه قمة في البراءة والدلال، وعيناها زائغتان بتمثيل بارع، تتقدم نحوه بخطوات واثقة في حذرها، ثم تقف أمامه وتميل بجسدها قليلًا لتهز كيانه بصوتٍ ناعمٍ كالحرير - أيموني… أنا شاكة في حاجة كده تقلصت ملامحه على الفور، انحصرت المسافة بين حاجبيه، ونهض من مكانه كمن أصابته صاعقة، ليقترب منها والقلق يسبق كلماته بلهفة - إيه يا ليلى؟ في إيه؟ حد زعلك؟ خايفة من إيه؟ نكست رأسها ببطء، ارتدت قناع الخجل المفتعل الذي يذيب صلابة أي رجل، وقالت بصوت منخفض يكاد يكون همسًا - شاكة كده… إني حامل. ثم رفعت عينيها إليه بتردد ممثل بإتقان - جبت اختبار حمل الصبح… بس خايفة أعمله تبدلت ملامح أيمن في طرفة عين، انزاح القلق عن وجهه ليحل محله سيل من الفرح البكر، الخالص، الذي لم يعرفه من قبل. التفت حوله بلهفة طفل، ثم عاد إليها بعينين تلمعان بدموع الفرح - خايفة ليه يا قلبي؟ ده لو حصل يبقى أحلى خبر في الدنيا! ادخلي اعمليه دلوقتي.. يلا بسرعة يا ليلى، قلبي هيقف من الفرحة استدارت ليلى نحوه الحمام، تخطو بخفة، بدلالٍ أنثوي يجيد اللعب على أوتار قلبه، واختفت خلف الباب لتترك أيمن في دقائق ثقيلة، خانقة، تمر عليه ببطء الدهر. وقف في مكانه، أنفاسه متلاحقة، وقلبه معلق خلف ذلك الباب الموصد، يترقب صرخة فرحٍ أو بشرى حياة. خرجت أخيرًا، ملامحها هادئة، وفي يدها اختبار الحمل الذي يحدد مصير هذه اللعبة. تقدم نحوها خطوة، صوته مبحوح من الترقب والحنين: * "ها… طمّنيني يا ليلى، قوليلي اللي في قلبي صح؟" توقفت أمامه، رفعت عينيها في عينيه، وارتسمت على شفتيها ابتسامة خجولة، وقالت بهدوء مقصود يضربه في مقتل - مبروك يا أيموني… أنا حامل. لم يمنحه الخبر فرصة واحدة للاستقرار أو التفكير؛ فقد قفز فرحًا، ضحك ضحكة عالية انطلقت من أعماق روحه، ثم حملها فجأة بين ذراعيه ودار بها في أرجاء الصالة، وكأن الأرض قد اتسعت لهما وحدهما. اختلطت ضحكاتها الراقصة بضحكته الصافية، وبدا البيت شاهدًا على لحظة احتفال عارمة، لحظة ظن فيها أيمن واهمًا أنه أمسك أخيرًا بزمام السعادة الأبدية... دون أن يدرك أن تلك الخيوط التي يظن أنها تربطه بالسعادة، هي في الحقيقة خيوط ليلى، التي كانت هي من تمسك بها بإحكام، لتحركه كما تشاء.كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف
يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق
كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج
لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.
جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر
في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق







