Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الرابع

Share

البارت الرابع

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-19 00:05:40

تجمّدت ابتسامة ندى قليلًا. لم تفهم النبرة، ولا سبب الاستعجال، لكنها لم تجادل. أغلقت الباب بهدوء، واتجهت إلى غرفة النوم حيث كان أيمن لا يزال مستغرقًا في نومه.

اقتربت منه وهزّته برفق

— أيمن… يا أيمن، قوم. أمك عاوزاك تحت.

ما إن سمع كلمة أمي حتى فتح عينيه ونهض دفعة واحدة، وكأن النوم تبخّر فجأة.

-  أمي؟ في إيه؟

تمددت ندى مكانها من جديد، وقالت بنبرة حاولت أن تبدو عادية

-  مش عارفة… أختك جت دلوقتي وبتقول إنها عاوزاك.

لم ينتظر أيمن أكثر. نهض من على الفراش سريعًا، وهو يرتدي ملابسه على عجل، ثم قال وهو يهمّ بالخروج

-  طيب… قومي حضّري الفطار على ما أنزل أشوفها عاوزة إيه.

بقيت ندى مكانها للحظة، تحدّق في الفراغ، تشعر بأن شيئًا ما تبدّل دون مقدمات. لم تكن هذه الطرقات كغيرها، ولم يكن هذا الصباح كالأيام السابقة. كان في الهواء إحساس غريب، كأن الجنة التي عاشت فيها أربعة أيام فقط… بدأت تتشقّق بصمت.

نزل أيمن مهرولًا إلى الطابق السفلي، خطواته سريعة لكنها مترددة، كأن قدميه تسبقانه بينما قلبه يحاول التراجع. وجد والدته تجلس على مقعدها المعتاد، ظهرها مستقيم، وملامحها مشدودة، وعيناها متأهبتان كمن كان في انتظار لحظة الهجوم.

توقف أمامها، وقال بنبرة حاول أن يجعلها عادية

-  خير يا أما؟ في إيه؟

هزّت فاطمة رأسها ببطء، زفرة ساخرة خرجت من صدرها، ثم قالت بنبرة تهكم لم تُخفِ ما تحتها

-  إيه؟ مش كفاية كده عالغندورة؟ ولا إيه؟ ما تنزل تشوف هنعمل إيه في البيت والأكل

جلس أيمن إلى جوارها، مرّر يده على وجهه كمن يحاول أن يصحو من إرهاقٍ أعمق من السهر، وأخذ نفسًا طويلًا قبل أن يرد

-  يا أمي، إحنا حتى ما سبعناش… سيبينا كمان كام يوم.

ما إن أنهى جملته حتى اعتدلت فاطمة في جلستها، وضعت يديها على خصرها، وتبدّل وجهها إلى ملامح الهجوم الصريح

-  كام يوم إيه يا حبيبي؟ إنت هتعودها على الدلع من دلوقتي؟

ثم تابعت بصوت أعلى قليلًا

-  يلا يا محروس، نزلها. إحنا هنطبخ طبختين في بيت واحد؟ ولا إيه؟

وقف أيمن ببطء، كتفاه انخفضا دون أن يشعر، كأن ثقل الكلمات هبط عليه فجأة. لم يجد ما يقوله، لم يجد القوة ليجادل، فاكتفى بهز رأسه قائلًا بصوت خافت

-  حاضر يا أما… هطلع أقولها.

تحرك نحو السلم، وخطواته هذه المرة لم تكن مهرولة، بل مثقلة، مترددة. تابعته فاطمة بعينيها حتى اختفى عن الأنظار، نظرة رضا باردة استقرت على ملامحها، كأن معركة صغيرة قد حُسمت.

وما إن غاب أيمن حتى خرجت سمر من الداخل، وجهها يلمع بابتسامة انتصار واضحة، وقالت بمرح خبيث

-  أيوه كده يا أما… اديها على دماغها من أول يوم، عشان تفهم

لم ترد فاطمة، اكتفت بنظرة جانبية، لكن صمتها كان أبلغ من الكلام.

ففي ذلك البيت، كانت القواعد تُرسَم…

وكان على ندى أن تتعلمها، دون أن تُسأل إن كانت تريد أم لا.

صعد أيمن الدرج ببطء، يحاول في طريقه أن يرتّب كلماته، أن يختار جملة لا تجرح، ولا تثير جدلًا، ولا تُظهر ما حدث في الأسفل. كان يشعر أن كل كلمة ينطق بها ستكشف ضعفه، لذلك كان الصمت أسهل… إلى أن دخل الشقة.

وجد ندى في المطبخ، ترتّب الأطباق على الطاولة الصغيرة، تتحرك بخفة ورضا، وكأنها ما زالت تعيش نشوة الأيام الأولى. رفعت رأسها نحوه وابتسمت قائلة

-  يلا عشان نفطر.

توقف أيمن عند الباب لحظة، ثم تقدّم خطوة، حكّ رأسه بحركة لا إرادية، وحاول أن يجعل نبرته عادية قدر الإمكان

-  إيه رأيك نفطر تحت مع أمي؟ وبالمرة كده تشوفي الدنيا تحت وتتعودي عليهم.

توقفت ندى عن الحركة فجأة. بقيت واقفة لثوانٍ، تحدّق إليه وكأنها تحاول استيعاب ما سمعته، ثم قالت باستنكار خفيف لم تستطع إخفاءه

-  مش بدري قوي على النزول؟

ابتسم أيمن ابتسامة باهتة، حاول أن يُفرغ الأمر من ثقله، وقال وهو يلوّح بيده بلا مبالاة مصطنعة

-  إحنا عندنا إيه تحت؟ كلها ساعة وهتطلعي. إنتِ عارفة أمي بقى… أنا ابنها الوحيد، ونفسها تفرح بلمّتنا حواليها.

وصلت الكلمات إلى قلب ندى لا إلى أذنها فقط. شعرت بشيء ينكسر ببطء داخلها، كأن سعادتها تُدفَع خطوة إلى الخلف دون أن يُسأل رأيها. نظرت إلى الأطباق المرتبة أمامها، ثم إليه، ثم قالت بصوت خافت يحمل استسلامًا واضحًا

-  حاضر يا أيمن… هغيّر وأنزل.

استدار أيمن وهو يشعر براحة مؤقتة، بينما بقيت ندى واقفة مكانها للحظة أطول من اللازم. لم تكن غاضبة، ولا معترضة…كانت فقط تتعلّم أول درس في الزواج:

أن الحب وحده… لا يكفي دائمًا

نزلت ندى الدرج خلف أيمن، خطواتها مترددة، كأن كل درجة تُنقص من خفّتها شيئًا. كانت ترتدي ثوبًا بسيطًا، شعرها مرفوع بعناية، وتحاول أن تُقنع نفسها أن ما يحدث طبيعي، وأنها فقط تنتقل من بيتٍ إلى بيت.

ما إن وصلت إلى أسفل حتى اصطدمت عيناها بفاطمة الجالسة على رأس الطاولة، ظهرها مستقيم، يداها متشابكتان، ونظرتها ثابتة لا ترمش. إلى جوارها جلست سمر، تراقب المشهد بفضولٍ مشوب بشيءٍ من التشفّي.

قالت فاطمة دون أن تنهض، وبنبرة خالية من الترحيب

-  اتفضلي.

جلست ندى في المقعد المقابل، وضعت يديها في حجرها، وألقت نظرة سريعة على الطاولة. كان الفطار معدًّا بالكامل، أطباق مرتّبة، وكأن وجودها لم يكن مطلوبًا أصلًا.

تحرك أيمن وجلس إلى جوار والدته، تناول رغيف الخبز وقال محاولًا تلطيف الجو

-  صباح الخير يا ماما

ردّت فاطمة دون أن تنظر إليه

-  صباح النور يا حبيبتى

ثم رفعت عينيها إلى ندى، تأملتها لثوانٍ طويلة، وقالت بنبرة تقييم واضحة

- انتوا فى بيتكوا بتصحوا متأخر كده

ارتبكت ندى، وابتسمت ابتسامة صغيرة قبل أن ترد

-  لا والله… بس إحنا نزلنا بدري على ما

قاطعتها سمر وهي تضحك بخفة مصطنعة

-  بدري؟ دا إحنا خلصنا شغل البيت كله.

خفضت ندى عينيها، وشعرت بحرارة تسري في وجهها. مدت يدها نحو طبق الجبن، لكنها سحبتها سريعًا حين لاحظت نظرة فاطمة الثابتة.

قالت فاطمة وهي تقطّع قطعة خبز ببطء

-  بعد كده تنزلى من بدرى سمر خلاص هتروح بيتها هى وعيالها كفاية عليها كده.

توقفت يد ندى في الهواء. التفتت لا إراديًا نحو أيمن، تنتظر كلمة، ابتسامة، أي إشارة، لكنه كان منشغلًا بالطعام، كأن الجملة لم تُقال.

قالت ندى بصوت خافت محاولة التماسك

-  إن شاء الله… هبقى أنزل بدري.

رفعت فاطمة حاجبها وقالت ببرود

-  مش إن شاء الله… هتنزلى بدرى الشغلانه البدرية منسية .

ساد صمت ثقيل. لم يُسمع سوى صوت الملاعق. شعرت ندى بأن الطعام يثقل في فمها، وأن كل لقمة تُبتلع بصعوبة، ليس لأنها لا تشتهيها، بل لأن شيئًا في داخلها كان يرفض الموقف كله.

انتهى الفطار، ونهضت فاطمة أولًا وقالت وهي تشير بيدها نحو المطبخ

-  بعد كده فطار وغدا وعشا تحت

أومأت ندى برأسها، لم تعد تجد كلمات. نهض أيمن بعدها، ابتسم لها ابتسامة سريعة وقال

-  معلش… هى طيبة

لكن ندى، وهي تصعد السلم من جديد، كانت تعرف في قرارة نفسها أن بعض الفترات… لا تمرّ.

بل تترك أثرًا،يبدأ خفيفًا،ثم يتحول مع الوقت…

إلى ظلّ بارد يسكن القلب.

منذ أن دخلت ندى المطبخ، بدا وكأن اليوم قد كُتب عليها سلفًا. لم تجلس، لم تُسأل إن كانت متعبة، ولم يُترك لها خيار. كانت فاطمة تنتقل بين الغرف بنبرة آمرة، تطلب، وتعيد الطلب، وتعلّق، وتراقب، بينما كانت سمر تتابع من بعيد، ترمي كلمة هنا، ونظرة هناك، كمن يستمتع بمشهدٍ طال انتظاره.

تنقلت ندى بين الموقد والحوض، بين تنظيفٍ لم يرضِ، وترتيبٍ أعيد من جديد، وطعامٍ قيل عنه

- كويس بس كان ينفع أحسن

كانت يدها تتحرك تلقائيًا، بينما عقلها يحاول التماسك، يحصي الساعات، ويقنع قلبها أن هذا مجرد يوم عابر.

لم تصعد إلى شقتها إلا قليلًا، وكلما همّت بالجلوس جاءها صوت فاطمة من أسفل

-  ندى.... ندى… تعالي شوفي.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثالث والتسعون والأخير

    أشرقت شمس ذلك اليوم وكأنها تغزل خيوطًا من نورٍ خالص لتزفّ للكون عهدًا جديدًا. كان هواء المساء يحمل أنفاس الفرح الموعود، والقاعة الكبرى قد تزيّنت بالورود البيضاء والشموع الدافئة، لتبدو كجنةٍ صغيرة تليق بليلةٍ انتظرها الجميع طويلاً. في وسط القاعة، كان يزن يقف بثوب زفافه الأسود الأنيق، شامخًا كالنخل، يافعًا، يفيض رجولةً وجاذبية. كانت دقات قلبه تتسارع مع كل خطوة تقترب بها عروسه نحو المنصة، وعيناه تلتمعان ببريقٍ جارف من السعادة والانتصار. لم يكن فرحه الليلة مجرد فرحة عريسٍ بنصفه الآخر، بل كان إعلانًا لنجاته، وتتويجًا لرحلة شابٍ شبّ عزيزًا، مكرمًا، محاطًا بحصنٍ من الحب بدّد من أمامه أشباح اليتم والوحشة. التفت حوله المهنئون، لكن عينيه كانت تفتشان في الوجوه عن ذوي الفضل، عن أمانه الحقيقي. وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف كملكةٍ حانية، ترتدي ثوبًا مخمليًا رائعًا يبرز حسنها الفاتن الذي لم تزدْه السنون إلا نضجًا وبهاءً. كانت عيناها العسليتان تسبحان في بحرٍ من دموع الفرح الدافئة، وهي تنظر إلى يزن... طفل أختها الذي ضمته إلى صدرها يوماً خشية الضياع، تراه الآن رجلاً يشار إليه بالبنان، يؤسس بيتاً

  • ظل بارد    البارت الثانى والتسعون

    في اليوم التالي، دلف يزن من الباب الخارجي في الموعد المحدد تمامًا، والترقب ينهش صدره. كان أمجد يجلس في الصالة بوقاره المعهود، وما إن وقعت عيناه على يزن حتى ابتسم له ابتسامة أبوية هادئة، وأشار برأسه نحو الممر الداخلي قائلًا بنبرة رجولية دافئة - ادخل يا حبيبى.. ماما ليلى مستنياك جوة في أوضتها . خطا يزن خطواته بقلبٍ يخفق، ودلف إلى الغرفة بخفة؛ ليجد ليلى تجلس فوق الفراش الدافئ، محاطة بمجموعة من الأوراق الرسمية المنسقة، وإلى جوارها صندوق خشبي مخملي قديم ينبعث منه عطر عتيق. لكن ما خطف أنفاسه ولفت نظره بشدة، كانت تلك الصورة القريبة التي تمسكها ليلى بين كفيها بعناية وشغف... إنها صورة والدته الراحلة ندى، بوجهها البشوش النضر الذي لم يره سوى في الأحلام. رفعت ليلى عينيها الفاتنتين اللتين تلألأ فيهما الدمع، ونظرت إلى يزن بابتسامة رقيقة تذوب عذوبة، ثم وجهت نظرتها إلى الصورة وهمست بنبرة مخنوقة من فرط التأثر - تعالى يا يزن.. تعالى يا قلب خالتك. شفتِ يا ندى؟ شفتِ يزن كبر وبقى راجل وملو هدومه وبقى عريس زي الورد؟ أنا متأكدة يا حبيبتي إنك حاسة بينا الليلة دي، ومبسوطة وطايرة من الفرحة عشانه في مكانك.

  • ظل بارد    البارت الحادى والتسعون

    مضت السنوات، وتوالت الفصول لتدور عجلة الزمن وتضع كل ذي حقّ في مكانه الصحيح، ولتثبت الأيام أن غراس القلوب لا تثمر إلا بما سُقيت به؛ فمن زرع الجفاء حصد الخيبة، ومن تمسّك بالوفاء نال السكينة والعوض. في تلك الشقة التي طالما ضجّت بالصخب وبُنيت جدرانها على التحكّم، صار أيمن يدلف إليها كل ليلة مستسلمًا لصمتٍ موحش كفن أرواق عمره. صار وحيدًا، منكسرًا، يعاقره الندم على ما فرّط في شبابه وفي حق أخت ليلى الراحلة. استبد به الحزن الثقيل بعدما رحلت والدته فاطمة؛ تلك المرأة التي قاست سكرات المرض الطويل وواجهت منيتها وحيدة، تلتفت يمنة ويسرة فلا تجد حول فراشها إلا الفراغ، لتموت في غرفتها معزولة عن دنيا طالما أرادت امتلاكها، تاركة لأيمن إرثًا مرًا من ذكريات بيته الخاوي، حتى غدا غريبًا بين جدرانه، حزينًا على ماضٍ لن يعود. أما سمر، فقد مضت في طريق الاختيارات التي ظنتها طوق نجاة، لتجد نفسها حبيسة زواجٍ بارد من رجلٍ عجوز طاعن في السن؛ رجل لم تشأ الاقتران به عن عاطفة بل كان مجرد صفقة لتأمين نفقات حياتها المادية ومتطلبات رفاهيتها. ورغم كل الأموال التي تحيط بها، كانت تشعر بفقر الروح، مدركة أن بريق الذهب لا يم

  • ظل بارد    البارت التسعون

    بين حُطام العواصف وسكون المرافئ، تولد حكاياتٌ لم تكتبها الأقلام، بل حفرتها النبضات على جدار الزمن. ​ثمة قلوبٌ كزجاجِ النوافذ في ليل الشتاء؛ تضربها رياح القهر، ويغسلها مطر الخذلان، وتوشك على الانكسار تحت وطأة البرد. امرأةٌ كانت أثرًا من معركة، تلملم ما تبقى من أنوثتها المذبوحة، وتبحث في عيون العابرين عن "وطنٍ" لا يخون، وعن يدٍ تمتد لتداوي لا لتجرح. ​وعلى الضفة الأخرى... يقف "هو"؛ كالجبل في وجه الريح، يحمل في صدره قلبًا لا يعرف الانحناء، وفي عينيه لهيبٌ قادر على إحراق ماضيها العقيم. رجلٌ لم يأتِ ليكون قاضيًا أو عابرًا، بل جاء ليكون السند، والحصن، والملاذ الدافئ. ​حين يلتقي الصدق بالانكسار، تذوب قسوة الدنيا في فضاء العناق. ​الليلة... يسقط القناع عن وجه الخوف. الليلة... تتوقف الحروب، وتُوضع الأسلحة جانباً، لتبدأ معركة من نوعٍ آخر؛ معركةٌ وقودها الشغف، وسلاحها العهد الأبدين ورايتها دقات قلبٍ تعلن الاستسلام المطلق داخل حصن الأمان. ​بين ضوء القمر الفضي وفراشٍ يشتعل بالدفء، تُكتب شهادة ميلادٍ جديدة لأنثى عَمّرت الدموع مآقيها، ولرجلٍ صانَ فاستحق أن يملك الكون في كفٍّ صغيرة ناعمة. إنه الع

  • ظل بارد    البارت التاسع والثمانين

    قطت جملة أمجد الأخيرة وحلفه الصادق على أرجاء المكان كقذيفةٍ ثقيلة خربت صمت الغرفة، وكحجر ضخم أُلقي بعنف في ماء راكد. تجمدت الأم في مكانها للحظة بذهول عارم؛ لم تصدق بأي حال أن ابنها، حبيبهما، قد لوّح بصريح العبارة بالرحيل والهجر من أجل هذه المرأة. ثم التقطت أطراف عباءتها السوداء بعنفٍ وغل، وهرولت خارجة من باب الشقة وهي لا تزال تتمتم وتنفث في الفضاء بكلمات لازعة، تخلط فيها الدعاء بالشر واللوم، والوجع بالعناد الأعمى. وانغلق الباب خلفها أخيرًا بـدوّي شديد. وساد في المكان صمتٌ ثقيل، غارق في الإرهاق والتوتر العاطفي. أرادت ليلى في تلك اللحظة أن تهرب من أمامه، أن تواري خجلها وانكسار كرامتها؛ أرادت أن تنسحب سريعًا إلى المطبخ أو إلى غرفتها المظلمة، إلى أي زاوية لا يراها فيها زوجها وحبيبها منكسرة الملامح ومجروحة الكبرياء بسبب أهله. لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة للفرار، مدّ أمجد ذراعه القوية الواثقة، وبحركةٍ مباغتة وجاذبة، شدّ جسدها اللدن إليه بعنفٍ حانٍ. جذبها إلى أحضانه بقوة وجوع رجلٍ تعب من الكلام ومن مصارعة الدنيا، فلم يجد أصدق ولا أطهر من هذا الاحتواء الجسدي ليقول كل شيء. تصلب جسد ليلى للحظ

  • ظل بارد    البارت الثامن والثمانين

    كانت ليلى تقف في جوف المطبخ تُعدّ طعام الغداء بمهارةٍ دافئة، تتحرك بخفةٍ ورشاقة بين الأواني الفخارية والمقالي، بينما كانت رائحة التوابل الزكية والأبخرة المتصاعدة تملأ فضاء الشقة وتمنحها روحًا أسرية حانية ومحببة. من حينٍ لآخر، كانت تلتفت بوجهها المشرق، وترتسم على شفتيها الكرزيتين ابتساماتٌ عذبة نحو الصالة، حيث كان يتعالى صوت ضحكات الأطفال الصافية. في الصالة، كان يزن يجلس على السجادة الدافئة إلى جوار ابنها الصغير، يلهوان معًا بمكعباتهما الصغيرة في انسجامٍ طفولي ساحر. وبالرغم من أن يزن يعيش أغلب الوقت في كنف جدته سعاد، فإنه كان يعشق المجيء إلى بيت خالته ليلى؛ كان يجد في عتباتها ما يفتقده في أماكن كثيرة: دفء الأمومة البديلة، والحنان الخالص، ومساحةً رحبة يضحك فيها بملء فيه دون خوفٍ من زجر أو نهر. كانت ليلى ترى في ملامحه الصغيرة البريئة بقايا من طيف أختها الراحلة وعطرها، لذلك كانت تحيطه دائمًا بعاطفةٍ جياشة وأحضانٍ لا تنقص رقتها يومًا. وفجأة… تبدد ذلك السلام الأنثوي؛ إذ دوّت على الخشب الخارجي طرقاتٌ عنيفة، متلاحقة، وشرسة، كأن الطارق لا يطلب إذنًا للدخول… بل يقتحم ويهدم السكون. تجمدت ليلى

  • ظل بارد    البارت التاسع

    انتهى اليوم الدراسي، وتفرّق الطلاب في الشارع الضيق أمام المدرسة. كانت ليلى تسير بخطواتها المعتادة، حقيبتها تتأرجح على كتفها، وعيناها تسبقانها إلى نفس النقطة كل يوم.كان هناك.يقف عند ناصية الشارع، كما يفعل دائمًا. لا يقترب، لا يلوّح، فقط ينظر. نظرة ثابتة تلاحقها حتى تختفي بين المارة. اعتادت وجوده،

  • ظل بارد    البارت الثامن

    مرّ يوم، ثم يومان، ثم ثلاثة، ولم يأتِ ذكر أيمن. لم يتصل، لم يسأل، ولم يحاول أن يطمئن. كانت ندى تتابع الأيام وهي مستلقية في بيت أبيها، تتعافى جسديًا ببطء، بينما يزداد ثِقل الصمت داخلها. حتى الأسبوع اكتمل، وكأنها لم تكن يومًا زوجته، أو أم طفله القادم.في صباح ذلك اليوم، سمعت أصواتًا مرتفعة في الخارج.

  • ظل بارد    البارت السابع

    رفع رأسه إليها هذه المرة، وقد بدا الانزعاج جليًا على ملامحه.- دكتور ليه؟ إنتى أول ولا آخر واحدة تحملى... بطلى دلع شعرت ندى بشيء ينكسر بداخلها، لكنها حاولت ألا تفقد هدوءها.- أنا مش بطلب حاجة مستحيلة، أنا بطلب أرتاح شوية وأطمن على نفسي.... أكشف زى أى واحدة حامل وقف أيمن من مكانه، وصار صوته أعلى.

  • ظل بارد    البارت السادس

    خرجت ليلى من بوابة المدرسة، حقيبتها معلّقة على ظهرها، وخطواتها خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. ابتسامة حالمة استقرت على شفتيها دون وعي، وخصلة متمردة من شعرها انسلت تداعب خدّها مع نسمات العصر، فبدت كأنها تحمل أحلامًا أكبر من سنواتها.وخزتها منار بمرفقها وهي تميل عليها، تردد بابتسامة ماكرة- أيوه يا سِت

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status