Beranda / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثالث

Share

البارت الثالث

Penulis: Faten Aly
last update Tanggal publikasi: 2026-05-16 07:36:09

وقف أيمن لثوانٍ أمام الباب، كأن الطرقات لا تضرب الخشب فقط، بل تضرب صدره هو. نظر إلى ندى نظرة سريعة، فيها اعتذار غير منطوق، ثم مد يده وفتح الباب.

كانت فاطمة تقف في الخارج.

لم تكن وحدها. سمر إلى جوارها، نصف ابتسامة على شفتيها، وعيناها تجولان في الشقة بفضولٍ وقح، كأن الباب فُتح لهما منذ زمن، لا منذ لحظة.

قالت فاطمة بنبرة هادئة، لكنها حاسمة كحد السكين

- قلنا نطمن عليكوا… ونشوف العروسة.

تراجعت ندى خطوة إلى الخلف دون وعي، شدّت طرف روبها بين أصابعها، شعور مفاجئ بالانكشاف تسلل إليها. لم تكن مستعدة لعيونٍ أخرى في تلك اللحظة، ولا لوجودٍ يقتحم دفئها الوليد.

فتح أيمن الباب أكثر وقال بتردد خفيف

- ادخلوا يا أما..... ادخلى يا سمر …

دخلتا.

بدخولهما، تبدل الهواء. كأن الشقة فقدت دفئها فجأة، كأن الجدران انكمشت، وكأن المساحة التي حلمت بها ندى كملاذ آمن تقلصت إلى زاوية ضيقة.

نظرت فاطمة حولها نظرة فاحصة، عيناها تمسحان المكان بدقة، لا تترك تفصيلة دون تعليق داخلي. اقتربت خطوة من ندى، حدّقت فيها من أعلى لأسفل، ثم قالت بنبرة بدت كمدح لكنها حملت وخزًا خفيًا

- ألف مبروك يا عروسة…... انا قولت نيجى كده نطمنك ونشوفك لو عاوزة حاجة

ابتسمت ندى ابتسامة مهذبة، متيبسة، وردّت بصوت خافت

- الله يبارك في حضرتك..... تسلميلى

تقدمت سمر، مرّت بجوار أيمن، وربتت على كتفه بخفة، ثم التفتت إلى ندى وقالت وكأنها تنصحها

— خدي بالك من أخويا… متتعبيهوش.... أيمن نفسه قصير

لم تفهم ندى الجملة، لكنها شعرت بثقلها. نظرت إلى أيمن، تنتظر ردًا، أي جملة تطمئنها، لكنه اكتفى بابتسامة صغيرة وصمتٍ أطول من اللازم.

جلست فاطمة على الأريكة دون أن تُدعَى، وضعت حقيبتها إلى جوارها، ثم قالت وكأن الأمر بديهي

- إحنا مش هنطوّل… بس قلت أشوفكم كده وبالمرة أطمن إن عروستنا مش ناقصها حاجة

كانت ندى واقفة، لا تعرف هل تجلس أم تبقى حيث هي. شعرت أن الشقة لم تعد تخصها، وأن أول ليلة لها في بيتها بدأت وكأنها تحت المراقبة.

اقترب أيمن منها أخيرًا وقال محاولًا تلطيف الجو

- تحبي أعملك حاجة تشربيها يا أما؟

رفعت فاطمة يدها بإشارة مقتضبة

— لا… إحنا جاين نطمن بس.

ثم نظرت إلى ندى نظرة طويلة، ثابتة، وقالت ببطء

- أنا هسيبكم براحتكوا أربع أيام وبعد كده الأكل والشرب تحت..... ماشى يا ندى.... متخافيش انا ايدى بإيدك... واحنا معندناش شغل

سقطت الجملة في قلب ندى كحجرٍ بارد.

ابتلعت ريقها، وأومأت برأسها دون كلام، بينما كانت تشعر أن شيئًا ما قد انكسر في داخلها، دون صوت.

في تلك الليلة، لم يكن الباب هو الوحيد الذي فُتح.

كان هناك باب آخر…

فُتح على ظلٍّ بارد، قرر أن يسكن المكان من أول خطوة

غادرت فاطمة وسمر الشقة أخيرًا، وأُغلق الباب خلفهما، لكن أثر وجودهما ظل معلقًا في الهواء، كأنه لم يخرج معهما. وقفت ندى في مكانها لثوانٍ، تحاول أن تستجمع أنفاسها، تحاول أن ترتب ملامح وجهها كي تبدو طبيعية، غير أن تلك الندبة الصغيرة التي حفرتها الكلمات في قلبها أبت أن تختفي سريعًا.

لاحظ أيمن شرودها، اقترب منها بخطوات هادئة، وعلى شفتيه ابتسامة دافئة يحاول بها ترميم اللحظة. مال عليها قليلًا وقال بنبرة خفيفة

- إيه يا عروسة؟ متخافيش من أمي… دي قلبها أبيض، عصبية شوية بس، بتنزل على مفيش. بكرة لما تعاشريها هتحبيها.

هزّت ندى رأسها ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها. كلماته كانت مطمئنة، نعم، لكنها لم تنجح في طرد ذلك الإحساس الثقيل الذي استقر في صدرها. شعرت أن الخوف لا يأتي من صوته، بل من شيء أعمق، من تصرفٍ لا تفسير له.

قالت بصوت خافت، متردد

- بس… أنا أول مرة أشوف أم العريس طالعة وراه يوم الفرح.

ضحك أيمن محاولًا كسر حدّة الموقف، وكأن الضحكة ستبدد ما عجزت الكلمات عن إزالته. اقترب أكثر وقال

- حبيبتي دي طالعة تطمن عليكِ… هتلاقيها خايفة تكوني بتعيطي ولا متضايقة

ثم أمسك بيديها وأدارها نحوه، وعيناه تلمعان بحماس صادق، حماس رجل لا يرى إلا بداية حلم طال انتظاره

- يلا بقى، ادخلي غيري عشان تجهزي لنا العشا. نتعشى ونبدأ حياتنا.

ابتسمت ندى بخجل، تلك الابتسامة التي تعلمتها منذ زمن لتخفي ما لا تريد الإفصاح عنه. أومأت برأسها في صمت، ثم انسحبت إلى الداخل بخطوات بطيئة، بينما ظل قلبها خلفها، عالقًا عند بابٍ أُغلق… لكنه لم يغلق ما فتحه.

✨✨✨✨✨✨✨✨

استيقظت ندى في صباح اليوم التالي على أصوات الزغاريد تتسلل إلى أذنها، متداخلة مع ضوء الشمس الذي تسلل خجولًا عبر النافذة. فتحت عينيها ببطء، ثم التفتت حولها، وكأنها تستعيد ذاكرتها قطعة قطعة، إلى أن تذكرت فجأة… أنها أصبحت زوجة الآن، زوجة حلم عمرها.

ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيها، ابتسامة امرأة تصحو على واقعٍ كانت تدعو الله به طويلًا. تمطّت بخفة، نهضت من فراشها بنشاطٍ لم تعهده في نفسها من قبل، وبدّلت ملابسها وهي تشعر بسعادة غامرة، سعادة لا تعرف سببها بقدر ما تحسّها تسري في عروقها.

لم تمضِ سوى لحظات حتى دوّت طرقات متتابعة على الباب. نهض أيمن مسرعًا، فتح الباب ليُستقبل بسيلٍ من التهاني والمباركات، وجوه مبتسمة، كلمات متداخلة، ضحكات وزغاريد، في مشهدٍ صاخب يُعرف بـ«الصباحية»، يحمل في ظاهره الفرح، وفي باطنه عيونًا تراقب وتُقيّم.

وبعد أن خفّت الأصوات قليلًا، انفردت سعاد وليلى بندى داخل الغرفة. جلست سعاد قبالتها، ولم تُمهلها فرصة لالتقاط أنفاسها، إذ اندفعت بالسؤال ولهفة الأم تسبق كلماتها

- طمنيني… إيه الأخبار يا ندى؟

تورد وجه ندى بحمرة خجلٍ واضح، وترددت الكلمات على شفتيها، قبل أن تسبقها ليلى بضحكة مداعبة، محاولة إنقاذ أختها من الموقف

- متكسفيهاش يا ماما… ما البت وشها منوّر أهو

ضحكت ندى بخجل وضربت ليلى بخفة على كتفها، فتجعد وجه ليلى وهي تمثل التأفف، ثم قالت بصوتٍ منخفض يحمل سخرية غير بريئة

- ربنا يعينك على جوز البوم اللي تحت دول… حماتك قاعدة تحت متمسكنة وتقول أنا مش عاوزة حاجة، طلعوا الحاجة فوق، وبنتها قاعدة تبص من تحت لتحت، ولما ماما تقولها اطلعي معانا تقول لا مش قادرة

لم تُكمل ليلى جملتها حتى بادرتها سعاد بضربة خفيفة على ذراعها، وقالت بنبرة حازمة تخفي قلقًا دفينًا

- اطلعي يا بت إنتِ، مفيش فيكِ إلا لسان! مالكش دعوة بيهم يا ندى، ربنا يهدّي سرك.

جلست ندى صامتة، تبتسم ابتسامة صغيرة، بينما كانت الكلمات تتسلل إلى قلبها بهدوء. حاولت أن تطرد الأفكار، أن تتمسك بسعادتها، لكن ظلًا خفيفًا مرّ بداخلها، ظل لم تفهمه بعد… ولم تعلم أنه لن يكون عابرًا.

.

✨✨✨✨✨✨✨

مضت أربعة أيام أخرى، كانت ندى خلالها تعيش ما يشبه الجنة الصغيرة. أيام قصيرة، لكنها مفعمة بالضحك والهمس والاطمئنان، كانت تشعر فيها أنها أخيرًا في مأمن، في عشٍّ صنعته بيديها مع أيمن، بعيدًا عن كل ما يقلقها. كانت تستيقظ على صوته، وتنام على وعده، وتصدّق بكل طيبة أن السعادة يمكن أن تكون بسيطة إلى هذا الحد.

حتى جاء صباح اليوم الرابع.

استيقظت ندى على طرقاتٍ ملحّة، متتابعة، لا تشبه طرقات الودّ، بل أقرب إلى أوامر لا تنتظر إذنًا. فتحت عينيها بتثاقل، واتجهت نحو الباب، لتتفاجأ بسمر تقف أمامها، ملامحها جامدة، ونظرتها تحمل تهكمًا واضحًا.

قالت بصوتٍ خالٍ من المجاملة

-  هو إنتِ لسه نايمة؟

ابتسمت ندى ابتسامة وادعة، لا تزال بقايا النعاس عالقة في عينيها، وقالت بلطف

-  إحنا لسه بدري… اتفضلي ادخلي.

لكن سمر لم تتحرك. اكتفت بنظرة باردة، مسحت بها ندى من أعلى لأسفل، ثم قالت بسخرية لاذعة

-  بدري؟ بدري من عمرك يا حبيبتى.... صحّي المحروس جوزك… أمي عاوزاه

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ظل بارد    البارت الثالث والتسعون والأخير

    أشرقت شمس ذلك اليوم وكأنها تغزل خيوطًا من نورٍ خالص لتزفّ للكون عهدًا جديدًا. كان هواء المساء يحمل أنفاس الفرح الموعود، والقاعة الكبرى قد تزيّنت بالورود البيضاء والشموع الدافئة، لتبدو كجنةٍ صغيرة تليق بليلةٍ انتظرها الجميع طويلاً. في وسط القاعة، كان يزن يقف بثوب زفافه الأسود الأنيق، شامخًا كالنخل، يافعًا، يفيض رجولةً وجاذبية. كانت دقات قلبه تتسارع مع كل خطوة تقترب بها عروسه نحو المنصة، وعيناه تلتمعان ببريقٍ جارف من السعادة والانتصار. لم يكن فرحه الليلة مجرد فرحة عريسٍ بنصفه الآخر، بل كان إعلانًا لنجاته، وتتويجًا لرحلة شابٍ شبّ عزيزًا، مكرمًا، محاطًا بحصنٍ من الحب بدّد من أمامه أشباح اليتم والوحشة. التفت حوله المهنئون، لكن عينيه كانت تفتشان في الوجوه عن ذوي الفضل، عن أمانه الحقيقي. وعلى الجانب الآخر، كانت ليلى تقف كملكةٍ حانية، ترتدي ثوبًا مخمليًا رائعًا يبرز حسنها الفاتن الذي لم تزدْه السنون إلا نضجًا وبهاءً. كانت عيناها العسليتان تسبحان في بحرٍ من دموع الفرح الدافئة، وهي تنظر إلى يزن... طفل أختها الذي ضمته إلى صدرها يوماً خشية الضياع، تراه الآن رجلاً يشار إليه بالبنان، يؤسس بيتاً

  • ظل بارد    البارت الثانى والتسعون

    في اليوم التالي، دلف يزن من الباب الخارجي في الموعد المحدد تمامًا، والترقب ينهش صدره. كان أمجد يجلس في الصالة بوقاره المعهود، وما إن وقعت عيناه على يزن حتى ابتسم له ابتسامة أبوية هادئة، وأشار برأسه نحو الممر الداخلي قائلًا بنبرة رجولية دافئة - ادخل يا حبيبى.. ماما ليلى مستنياك جوة في أوضتها . خطا يزن خطواته بقلبٍ يخفق، ودلف إلى الغرفة بخفة؛ ليجد ليلى تجلس فوق الفراش الدافئ، محاطة بمجموعة من الأوراق الرسمية المنسقة، وإلى جوارها صندوق خشبي مخملي قديم ينبعث منه عطر عتيق. لكن ما خطف أنفاسه ولفت نظره بشدة، كانت تلك الصورة القريبة التي تمسكها ليلى بين كفيها بعناية وشغف... إنها صورة والدته الراحلة ندى، بوجهها البشوش النضر الذي لم يره سوى في الأحلام. رفعت ليلى عينيها الفاتنتين اللتين تلألأ فيهما الدمع، ونظرت إلى يزن بابتسامة رقيقة تذوب عذوبة، ثم وجهت نظرتها إلى الصورة وهمست بنبرة مخنوقة من فرط التأثر - تعالى يا يزن.. تعالى يا قلب خالتك. شفتِ يا ندى؟ شفتِ يزن كبر وبقى راجل وملو هدومه وبقى عريس زي الورد؟ أنا متأكدة يا حبيبتي إنك حاسة بينا الليلة دي، ومبسوطة وطايرة من الفرحة عشانه في مكانك.

  • ظل بارد    البارت الحادى والتسعون

    مضت السنوات، وتوالت الفصول لتدور عجلة الزمن وتضع كل ذي حقّ في مكانه الصحيح، ولتثبت الأيام أن غراس القلوب لا تثمر إلا بما سُقيت به؛ فمن زرع الجفاء حصد الخيبة، ومن تمسّك بالوفاء نال السكينة والعوض. في تلك الشقة التي طالما ضجّت بالصخب وبُنيت جدرانها على التحكّم، صار أيمن يدلف إليها كل ليلة مستسلمًا لصمتٍ موحش كفن أرواق عمره. صار وحيدًا، منكسرًا، يعاقره الندم على ما فرّط في شبابه وفي حق أخت ليلى الراحلة. استبد به الحزن الثقيل بعدما رحلت والدته فاطمة؛ تلك المرأة التي قاست سكرات المرض الطويل وواجهت منيتها وحيدة، تلتفت يمنة ويسرة فلا تجد حول فراشها إلا الفراغ، لتموت في غرفتها معزولة عن دنيا طالما أرادت امتلاكها، تاركة لأيمن إرثًا مرًا من ذكريات بيته الخاوي، حتى غدا غريبًا بين جدرانه، حزينًا على ماضٍ لن يعود. أما سمر، فقد مضت في طريق الاختيارات التي ظنتها طوق نجاة، لتجد نفسها حبيسة زواجٍ بارد من رجلٍ عجوز طاعن في السن؛ رجل لم تشأ الاقتران به عن عاطفة بل كان مجرد صفقة لتأمين نفقات حياتها المادية ومتطلبات رفاهيتها. ورغم كل الأموال التي تحيط بها، كانت تشعر بفقر الروح، مدركة أن بريق الذهب لا يم

  • ظل بارد    البارت التسعون

    بين حُطام العواصف وسكون المرافئ، تولد حكاياتٌ لم تكتبها الأقلام، بل حفرتها النبضات على جدار الزمن. ​ثمة قلوبٌ كزجاجِ النوافذ في ليل الشتاء؛ تضربها رياح القهر، ويغسلها مطر الخذلان، وتوشك على الانكسار تحت وطأة البرد. امرأةٌ كانت أثرًا من معركة، تلملم ما تبقى من أنوثتها المذبوحة، وتبحث في عيون العابرين عن "وطنٍ" لا يخون، وعن يدٍ تمتد لتداوي لا لتجرح. ​وعلى الضفة الأخرى... يقف "هو"؛ كالجبل في وجه الريح، يحمل في صدره قلبًا لا يعرف الانحناء، وفي عينيه لهيبٌ قادر على إحراق ماضيها العقيم. رجلٌ لم يأتِ ليكون قاضيًا أو عابرًا، بل جاء ليكون السند، والحصن، والملاذ الدافئ. ​حين يلتقي الصدق بالانكسار، تذوب قسوة الدنيا في فضاء العناق. ​الليلة... يسقط القناع عن وجه الخوف. الليلة... تتوقف الحروب، وتُوضع الأسلحة جانباً، لتبدأ معركة من نوعٍ آخر؛ معركةٌ وقودها الشغف، وسلاحها العهد الأبدين ورايتها دقات قلبٍ تعلن الاستسلام المطلق داخل حصن الأمان. ​بين ضوء القمر الفضي وفراشٍ يشتعل بالدفء، تُكتب شهادة ميلادٍ جديدة لأنثى عَمّرت الدموع مآقيها، ولرجلٍ صانَ فاستحق أن يملك الكون في كفٍّ صغيرة ناعمة. إنه الع

  • ظل بارد    البارت التاسع والثمانين

    قطت جملة أمجد الأخيرة وحلفه الصادق على أرجاء المكان كقذيفةٍ ثقيلة خربت صمت الغرفة، وكحجر ضخم أُلقي بعنف في ماء راكد. تجمدت الأم في مكانها للحظة بذهول عارم؛ لم تصدق بأي حال أن ابنها، حبيبهما، قد لوّح بصريح العبارة بالرحيل والهجر من أجل هذه المرأة. ثم التقطت أطراف عباءتها السوداء بعنفٍ وغل، وهرولت خارجة من باب الشقة وهي لا تزال تتمتم وتنفث في الفضاء بكلمات لازعة، تخلط فيها الدعاء بالشر واللوم، والوجع بالعناد الأعمى. وانغلق الباب خلفها أخيرًا بـدوّي شديد. وساد في المكان صمتٌ ثقيل، غارق في الإرهاق والتوتر العاطفي. أرادت ليلى في تلك اللحظة أن تهرب من أمامه، أن تواري خجلها وانكسار كرامتها؛ أرادت أن تنسحب سريعًا إلى المطبخ أو إلى غرفتها المظلمة، إلى أي زاوية لا يراها فيها زوجها وحبيبها منكسرة الملامح ومجروحة الكبرياء بسبب أهله. لكن قبل أن تخطو خطوة واحدة للفرار، مدّ أمجد ذراعه القوية الواثقة، وبحركةٍ مباغتة وجاذبة، شدّ جسدها اللدن إليه بعنفٍ حانٍ. جذبها إلى أحضانه بقوة وجوع رجلٍ تعب من الكلام ومن مصارعة الدنيا، فلم يجد أصدق ولا أطهر من هذا الاحتواء الجسدي ليقول كل شيء. تصلب جسد ليلى للحظ

  • ظل بارد    البارت الثامن والثمانين

    كانت ليلى تقف في جوف المطبخ تُعدّ طعام الغداء بمهارةٍ دافئة، تتحرك بخفةٍ ورشاقة بين الأواني الفخارية والمقالي، بينما كانت رائحة التوابل الزكية والأبخرة المتصاعدة تملأ فضاء الشقة وتمنحها روحًا أسرية حانية ومحببة. من حينٍ لآخر، كانت تلتفت بوجهها المشرق، وترتسم على شفتيها الكرزيتين ابتساماتٌ عذبة نحو الصالة، حيث كان يتعالى صوت ضحكات الأطفال الصافية. في الصالة، كان يزن يجلس على السجادة الدافئة إلى جوار ابنها الصغير، يلهوان معًا بمكعباتهما الصغيرة في انسجامٍ طفولي ساحر. وبالرغم من أن يزن يعيش أغلب الوقت في كنف جدته سعاد، فإنه كان يعشق المجيء إلى بيت خالته ليلى؛ كان يجد في عتباتها ما يفتقده في أماكن كثيرة: دفء الأمومة البديلة، والحنان الخالص، ومساحةً رحبة يضحك فيها بملء فيه دون خوفٍ من زجر أو نهر. كانت ليلى ترى في ملامحه الصغيرة البريئة بقايا من طيف أختها الراحلة وعطرها، لذلك كانت تحيطه دائمًا بعاطفةٍ جياشة وأحضانٍ لا تنقص رقتها يومًا. وفجأة… تبدد ذلك السلام الأنثوي؛ إذ دوّت على الخشب الخارجي طرقاتٌ عنيفة، متلاحقة، وشرسة، كأن الطارق لا يطلب إذنًا للدخول… بل يقتحم ويهدم السكون. تجمدت ليلى

  • ظل بارد    البارت التاسع

    انتهى اليوم الدراسي، وتفرّق الطلاب في الشارع الضيق أمام المدرسة. كانت ليلى تسير بخطواتها المعتادة، حقيبتها تتأرجح على كتفها، وعيناها تسبقانها إلى نفس النقطة كل يوم.كان هناك.يقف عند ناصية الشارع، كما يفعل دائمًا. لا يقترب، لا يلوّح، فقط ينظر. نظرة ثابتة تلاحقها حتى تختفي بين المارة. اعتادت وجوده،

  • ظل بارد    البارت الثامن

    مرّ يوم، ثم يومان، ثم ثلاثة، ولم يأتِ ذكر أيمن. لم يتصل، لم يسأل، ولم يحاول أن يطمئن. كانت ندى تتابع الأيام وهي مستلقية في بيت أبيها، تتعافى جسديًا ببطء، بينما يزداد ثِقل الصمت داخلها. حتى الأسبوع اكتمل، وكأنها لم تكن يومًا زوجته، أو أم طفله القادم.في صباح ذلك اليوم، سمعت أصواتًا مرتفعة في الخارج.

  • ظل بارد    البارت السابع

    رفع رأسه إليها هذه المرة، وقد بدا الانزعاج جليًا على ملامحه.- دكتور ليه؟ إنتى أول ولا آخر واحدة تحملى... بطلى دلع شعرت ندى بشيء ينكسر بداخلها، لكنها حاولت ألا تفقد هدوءها.- أنا مش بطلب حاجة مستحيلة، أنا بطلب أرتاح شوية وأطمن على نفسي.... أكشف زى أى واحدة حامل وقف أيمن من مكانه، وصار صوته أعلى.

  • ظل بارد    البارت السادس

    خرجت ليلى من بوابة المدرسة، حقيبتها معلّقة على ظهرها، وخطواتها خفيفة كأنها لا تلامس الأرض. ابتسامة حالمة استقرت على شفتيها دون وعي، وخصلة متمردة من شعرها انسلت تداعب خدّها مع نسمات العصر، فبدت كأنها تحمل أحلامًا أكبر من سنواتها.وخزتها منار بمرفقها وهي تميل عليها، تردد بابتسامة ماكرة- أيوه يا سِت

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status