Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الحادى عشر

Share

البارت الحادى عشر

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-21 15:55:50

منذ أن فتحت سعاد عينيها ذلك الصباح، شعرت بأن صدرها ليس كما اعتادت؛ ضيقٌ ثقيل، كأن حجرًا وُضع فوق قلبها، لا يزول بتغيير الوضع ولا يلين مع الأنفاس العميقة. حاولت أن تُقنع نفسها أن الأمر إرهاق، خوف عابر قبل العملية، لكن الإحساس كان أعمق من ذلك، كان حدس أمٍّ يعرف أن شيئًا ما ليس على ما يرام.

التفتت إلى ليلى الجالسة بجوارها، كانت شاردة، تحدّق في الأرض وتضغط أصابعها بعضها ببعض، وكأنها تُمسك خوفها حتى لا ينفلت. قالت سعاد بصوتٍ خرج واهيًا رغم محاولتها التماسك

-  ما تقومي يا ليلى تروحي لأختك؟

رفعت ليلى رأسها فجأة، فالتقت عيناها بعيني أمها، ورأت فيهما ذلك القلق الذي لا يحتاج إلى شرح. ترددت لحظة قبل أن تجيب، وكأن الكلمات ثقيلة على لسانها

-  عدّيت عليها قبل ما أروح البيت…

توقفت قليلًا، ثم تابعت بصوت أخفض

-  حماتها قابلتني، إنتِ عارفة المدخل من عندهم… قالتلي فيه واحدة والدة، هتصحى بدري، تعالى لما أمك تعمل العملية طمنيها

لم تُجب سعاد فورًا. أخذت نفسًا عميقًا، لكنه خرج متقطعًا، وأسندت رأسها إلى ظهر الكرسي، وضغطت بيدها على صدرها، كأنها تحاول تهدئة ذلك الاضطراب الداخلي. قالت أخيرًا، بصوتٍ مكسور لا تخطئه أذن

-  مش عارفة يا بت يا ليلى… قلبي مقبوض ليه كده؟

سكتت لحظة، ثم أردفت بنبرةٍ امتزج فيها الخوف بالاستسلام

-  حاسة إن فيه حاجة غلط… شكلي يا بت هموت في العملية دي.

شهقت ليلى بخفة، وكأن الكلمات طعنتها، فانحنت نحو أمها بسرعة، أمسكت بيدها بكلتا يديها، وضغطت عليها بقوة محاولة بث الطمأنينة

-  بعد الشر عليكِ يا ماما، إيه الكلام ده بس؟

رفعت صوتها قليلًا، وكأنها تُقنع نفسها قبل أن تُقنع أمها

-  الدكتور قاللي الموضوع بسيط، مش هيكمل ساعة… شريحة ومسمارين وخلاص، إنتِ قوية، طول عمرك أقوى من أي وجع.

ابتسمت سعاد ابتسامة واهنة لم تصل إلى عينيها، نظرت إلى وجه ابنتها طويلًا، وكأنها تحفظ ملامحه، ثم رفعت بصرها إلى السقف الأبيض البارد، حيث تتعلّق الأدعية أكثر مما تتعلّق الآمال. خرجت تنهيدة طويلة من صدرها، حملت معها خوفها، وحنينها، وكل ما لم تقله، ثم همست بصوتٍ خافت بالكاد يُسمع

-  يارب…

سكن المكان بعدها، لكن القلق ظل معلقًا في الهواء، ثقيلًا، ينتظر ما ستكشفه الساعات القادمة، بين أمٍ تستعد للدخول إلى غرفة العمليات، وابنةٍ بعيدة تتألّم في صمت، ولا أحد يعلم أي الوجعين سيكون أقسى.

✨✨✨✨✨✨✨✨

تنزل ندى الدرج خطوةً تلو الأخرى، متحاملة على جسدٍ يصرخ بالألم، وجرحٍ لم يجف بعد، وكل حركة منها كأنها سكين تُغرس في لحمها. ما إن تطأ أرض الشقة حتى تستقبلها فاطمة بابتسامة واسعة، ابتسامة لا تمتّ للرحمة بصلة.

-  أهلا أهلا حبيب ستو…

تمد يدها سريعًا، تنتزع الطفل من ذراعي أمه قبل أن تنبس ندى بحرف، ثم تهزه بخفة زائفة وتضيف بنبرة آمرة تخفيها خلف الدلال: — هاتي عنك الواد، وادخلي إنتِ يالا المطبخ.

تتابع بابتسامة باردة

-  واعملي حسابك، طول ما إنتِ هنا حبيب ستو ده هيبقى معايا.

تتطلع لها ندى لحظة، نظرة خاوية بلا اعتراض، بلا قوة، وكأن الكلمات ماتت في حلقها، فلا تجد سوى أن تنادي في سرّها يارب…

تسير خطوتين متثاقلتين، ثم تتوقف وتسأل بصوتٍ خافت بالكاد يخرج

-  هطبخ إيه؟

تأتيها الإجابة بلا اكتراث، وكأنها تطلب منها كوب ماء

-  عندي الفراخ جوه، اسلقيها واعملي أي خضار جنبها… وابقى اغسلي شوية الغسيل اللي عندك.

تتجمد ندى مكانها

-  غسيل…؟

لم تنتظر ردًا، فقد أدارت فاطمة ظهرها وانتهى الأمر.

تدخل ندى المطبخ، فتقابلها الفوضى كاملة؛ أوانٍ متراكمة كأنها لم تُغسل منذ أيام، وروائح مختلطة تثقل الرأس، وعلى الجانب الآخر أكوام من الملابس، ملابس زوجها، وحماتها، وسمر، وأطفالها… كومة تكفي يومًا كاملًا من العمل، لا جسد امرأة خرجت من عملية قيصرية منذ ساعات.

تمر الساعات بطيئة خانقة، ما بين وقوف طويل عند الحوض، وانحناء مؤلم، وحرارة الموقد، ويدٍ تمسك بالبطن كلما اشتد الوجع، ولا أحد يسأل، ولا أحد يرى. ألم الجرح يتضاعف، وألم النفس أشد، لكن الصمت هو الرد الوحيد.

مع حلول المساء، تتمدد ندى فوق الفراش كجسدٍ أُفرغت منه الروح، أنفاسها متقطعة، ودموعها حبيسة لا تجد طريقًا للخروج.

يدخل أيمن، يتطلع إليها باستنكار

-  إنتِ اتدلّعتي قوي يا ندى… سايبة الواد تحت لأمي ونايمة هنا؟

ثم يضيف ببرود

-  حضريلي العشا.

تحاول أن تتكلم، أن تشرح، أن تصرخ، لكن الكلمات تخذلها، فلا تجد إلا أن تشد الغطاء فوق رأسها وتغمض عينيها، منهكة، مكسورة.

يخرج صوته ساخرًا

-  ماشي يا ندى، أنزل لأمي تأكلني… شكلك خدتي عالراحة.

كانت كلماته كافية لتطعن ما تبقى منها، فهو لا يرى إلا ما سمعه من أمه

أن زوجته نامت طوال اليوم، وأن أمه هي من خدمت، وأن ندى لم تكن سوى امرأة مدللة أخذت حقها من الراحة… بينما الحقيقة كانت مدفونة تحت صمتها وألمها.

✨✨✨✨✨✨✨✨✨

خرجت سعاد من غرفة العمليات أخيرًا، شاحبة الوجه لكنها سالمة، تتنفس ببطء وكأنها عادت من حافة بعيدة. لم تبرح ليلى جوارها، ظلت تراقب ارتفاع صدرها وانخفاضه، تنتظر أن تفتح عينيها، أن تنطق باسمها، حتى تطمئن تمامًا أن الخطر قد مرّ. وحين استقرت حالتها قليلًا، واستسلمت سعاد لنومٍ ثقيل بفعل المسكنات، لم تحتمل ليلى الانتظار أكثر؛ قلبها كان عند أختها، يسبق خطواتها.

سارت إلى بيت ندى بخطى مترددة، يسبقها القلق، وتطرق باب الشقة التي باتت تكره بابها. فتحت فاطمة سريعًا، كأنها كانت تنتظر الطَرْق.

-  أمك عاملة إيه يا ليلى؟

ارتسمت ابتسامة مهذبة على وجه ليلى، تلك الابتسامة التي تعلمتها قسرًا

-  الحمد لله، لسه خارجة من العمليات، قولت أعدّي أطمن على ندى.

اتسعت ابتسامة فاطمة أكثر، ابتسامة مطمئنة مصنوعة بإتقان

-  متقلقوش على ندى يا حبيبتي… دي في عيني.

ثم تابعت بسرعة وكأنها تسرد فضائل

-  أنا عملتلها الأكل، وحمّيتها، وغيرتلها، وأكلتها، ونامت. وخدت الواد منها عشان تعرف تنام شوية، وقولت لأيمن ينزل ياخده.

وقفت ليلى مكانها، الكلمات تصطدم بأذنيها دون أن تجد طريقها لقلبها. كانت تريد أن ترى أختها، أن تطمئن بعينيها لا بكلمات مُعلّبة، لكن فاطمة لم تترك لها فرصة للتفكير، قاطعتها بنبرة حانية

-  تعالي يا حبيبتي أعملك حاجة تشربيها؟ ولا أعملك عشا

هنا فقط فهمت ليلى الرسالة غير المنطوقة. وجودها غير مرغوب فيه… الآن على الأقل. ابتلعت غصتها، وردّت بصوت منخفض

-  شكرًا يا طنط… وشكرًا على تعبك مع ندى. أنا هجيلها بكرة الصبح.

أغلقت الباب خلفها وهي تشعر بأن قلبها أثقل مما كان عليه حين جاءت. لم تبتعد خطوات حتى صادفت إحدى الجارات تقف عند مدخل العمارة، تتطلع إليها بنظرة مشفقة.

-  إيه يا ليلى؟ ينفع كده تسيبوا ندى كده؟

توقفت ليلى فجأة، بدهشة صادقة

-  نسيبها إزاي؟ مش فاهمة.

اقتربت المرأة منها، وصوتها يحمل غضبًا مكتومًا

-  البِت يا حبة عيني كانت بتنشر الهدوم وهي بتتلوى من الوجع، وتنضيف وطبيخ… هاتوها عندي وأنا أخدمها بعيني لحد ما سعاد تقوم بالسلامة.

شحب وجه ليلى، وكأن أحدهم سكب عليها ماءً باردًا

-  بس… حماتها قالتلي إنها هي اللي عملتلها كل حاجة

لوَت المرأة شفتيها بأسف، وقالت وهي تدير ظهرها

-  أنا شايفاها بعينيّ دول… بتنشر عجايب.

ثم أضافت قبل أن تغادر

- وأنا هكدب ليه؟

وقفت ليلى وحدها، الكلمات تتردد في رأسها كصدى موجِع، الحقيقة انكشفت فجأة، قاسية، عارية، لتتركها بين نارين أخت تُسحق في صمت، وأبواب تُغلق في وجه من يحاول إنقاذها

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

  • ظل بارد    البارت الرابع والأربعون

    دخلت سلمى بخطوات واثقة، سريعة، وأغلقت الباب بإحكام بالترباس، ثم صفّقت فجأة بكفيها صفقة حادة، رنانة كسرت صمت الموت الزائف. في اللحظة نفسها، انتفضت ليلى ونهضت من فوق الفراش بنشاط وخفة كمن أُلقي عنه ثقلٌ وسحر زائف، وصفّقت هي الأخرى بكفيها بانتصار، ثم قفزت فوق السجادة بخفة ومرح طفولي، وانفلتت ضحكتها الرنانة القاتلة دون قيود أو حدود، وكأن الألم والنزيف والشحوب الذي كان يملأ أركان المكان منذ دقائق لم يكن سوى قناع درامي أُتقن صنعه وارتداؤه بميزان من ذهب. اقتربت منها سلمى، وتفرست في وجهها بإعجاب صريح، ورأسها يهتز ذهولاً وهي تبتسم ابتسامة مشوبة بالدهشة والوجل من مكرها - يخربيت عقلك يا ليلى..... دي الحكاية دخلتِ عليه بالملي، والراجل طالع من هنا مهدود ومتأثر، وعينيه مليانه عياط والذنب بيوجع فيه كانت نبرة سلمى توليفة من الإعجاب المطلق والتسليم الكامل بقدرة صديقتها على السيطرة وتسيير الرجال كالعرايس، بينما ليلى توقفت فجأة عن الضحك والمرح، وتجمدت ملامحها، واتجه بصرها الكحيل إلى الفراغ الصامت؛ حدقت أمامها بعينين قاسيتين، متقدتين بشرر الانتقام، وقالت بحدة باردة كالموت - هو لسه شاف حاجة؟ ده أنا

  • ظل بارد    البارت الثالث والأربعون

    وبعد وقتٍ قليل من الفرار الهستيري، كان أيمن يجلس في صالة البيت أمام والدة سلمى؛ منكّس الرأس بوهن، وعيناه الزائغتان معلّقتان بالأرض الخشبية كطفلٍ صغار ضُبط متلبسًا بذنبٍ وعار لا يعرف كيف يبررهما أو يداري سوأتهما. كان الخجل ينهش ملامحه المخطوفة، ويثقّل كتفيه العريضين كأنه يحمل صخرة الوجود، بينما كانت كلمات العجوز تنهمر فوق رأسه قاسية، لا تعرف الرحمة أو المواربة، كأنها تُفرغ في جوفه كل ما اختزنته روحها من غضب وخوف على بنات الناس. كانت المرأة تتحدث بعصبية واضحة جفّت معها شفاها، تلوّح بوجعٍ بيمينها وتضرب بيسارها على فخذها بحرقة، وصوتها الأجش يعلو ويهبط في ردهات المكان لكنه لا يلين قط - يا بني كده مينفعش ولا يرضي ربنا خالص... إزاي مراتك تكون ساكنة في بيتك وسط عيلتك، وأختك تطلع لها لحد شقتها تضربها بالشكل ده وتحلف بـِميت يمين إنها لازم تسقطها.... لولا بتي سلمى سمعت الصريخ ولحقتها من تحت إيد أختك كانت زمان البنية ماتت في ايدها..... حرام عليكوا، ذنبه العيل اللى راح ده، ده مش ابنهم ولحمهم كلمة ماتت سقطت على أذنه كطلقة رصاص طائشة استقرت في شغاف قلبه. فجأة، لم يعد يسمع بقية الحديث المتدفق؛ انس

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status