Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الخامس والثلاثون

Share

البارت الخامس والثلاثون

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-06-02 12:16:05

جاءها صوت والدتها سعاد سريعًا، مرحبًا بلهفة مشوبة بالحرج، كأن الأمر طبيعي ولا غبار عليه

- أهي ليلى جات بالسلامة أهي... تعالى يا ليلى، ادخلي يا بنتي... ادخل يا أيمن واقفين ليه؟

دخل أيمن خلف زوجته، وكانت عيناه معلقتين بوجه والدته بذهول حقيقي ودهشة شلت تفكيره؛ فلم يكن مستوعبًا كيف وصلت أمه إلى هنا، ولا متى سبقتهم لتشتكيه لصهره بعدما كسره أمامها بتغيير الكالون. اندفع أيمن يسأل بوجل

- إيه اللي جابك هنا يا أُمّا؟ وفي إيه لده كله؟

لم يمهله الحاج محمد فرصة للاسترسال أو التبرير؛ إذ خرج صوته من صدره حاسمًا، جهوريًا وقاطعًا كالرعد

- إيه الكلام اللي بتقوله ده يا أيمن؟ دي تيجي في الوقت اللي تعوزه وتنورنا، ده بيتها ومطرحها قبل ما يكون بيتنا.... وده كلام يا ابنى

ثم استدار الحاج محمد بجسده الضخم نحو ابنته ليلى، ونظراته الثقيلة الحادة محملة بسلطة الأب القاسي أكثر من حنان الأب المستوعب، وقال بلهجة جافة لا تحتمل جدالاً

- إيه يا ليلى؟ مزعّلة حماتك ليه ومقومة جوزك عليها؟ مش بتنزلي تشوفي طلبات الست الكبيرة كل يوم ليه وتخدميها؟ ليه متبقيش تحت رجليها ليل نهار وتطييعها دى اصول يا بنتى

أغلقت ليلى عينيها بقوة للحظة واحدة فقط. في تلك العتمة القصيرة خلف جفونها، رأت كل خططها الذكية وكبريائها يتساقطون كأوراق شجر جافة في مهب عاصفة واحدة غادرة. كل ما نسجته بذكاء ودلال وألم ألماظ انهار دفعة واحدة أمام هذا المشهد العائلي المرعب والمعد بإحكام خلف ظهرها.

فتحت عينيها، وخرج صوتها مخنوقًا، ضعيفًا وهشًا على غير العادة لتبين عذرها

- ما هو أنا يا بابا... مش هقدر على خدمتها تحت وفوق في نفس الوقت... إنت عارف ظروفي والبيت والواد...

لم تدعها تكمل كلماتها؛ إذ جاء صوت فاطمة ناعمًا، رخيمًا ومغموسًا بدموع العطف والطيبة المصطنعة، كأنه نصل سكين مسموم ملفوف بطبقات من القطن الناعم

- وهو أنا عندي إيه تحت يا بنتي عشان يتعمل؟ ده أنا كنت بقول إيدي في إيدك ونشيل بعض.. دا أنا ست وحدانية في شقتي، وماليش في الدنيا غيركم... كنت عاوزاكم تاكلوا معايا لقمة، وتونسوني بس وخلاص دا انتوا وولادكم تحويشة العمر.

انقبض صدر ليلى بعنف، وشعرت بروحها تختنق؛ ثار في داخلها غضب قديم، مرارة متراكمة من تسلط هذه المرأة، فخرجت كلماتها من بين شفتيها حادة، قاطعة ومباشرة بلا أدنى تفكير في العواقب

- ما بنتك عندك يا طنط على طول ومونساكي.. اشمعنى أنا يعني؟هى اولى تشوف طلباتك

ساد صمت ثقيل، غليظ ومخيف في الصالة. ثم... وكأنها إشارة البدء، سقطت دمعتان دافئتان من عيني فاطمة، محسوبتان بالملي وبدقة متناهية، لكنهما كانتا كافيتين لقلب الطاولة تمامًا. انتحبت فاطمة وقالت

- بنتي بتيجي تطلّ عليّا وتمشي... أصلها غلبانة ووحدانية في بيتها زيّي... وجوزها خلاص نازل ومش هتفضى لي.. لا هتيجي ولا هتروح بعد كده.

اقتربت سعاد من فاطمة سريعًا بقلب الأم الطيب المنخدع، وجلست جوارها على المقعد، وراحت تربت على كتفها بحنان بالذات في حضور أيمن

- متزعليش يا أم أيمن يا حبيبتي وحدي الله... ليلى بنتي وهتنزلك من نجمة الصبح وتشوف كل طلباتك وتخدمك برموش عينيها.

مسحت فاطمة دموعها بطرف شالها، وتنهدت بانكسار ومذلة مدروسة يقطع القلوب، ثم ألقت بالجملة القاتلة التي كانت بمثابة الرصاصة التي أصابت كبرياء ليلى في مقتل

- لا يا أم ليلى... مفيش شبه خالص، فرق كبير أوي بينها وبين ندى الله يرحمها ويحسن إليها... ندى دي كانت بنتي مش مرات ابني، كانت تنزلي من صباحية ربنا نفطر سوا... ونقعد طول اليوم ضحك ولعب وشغل.. الله يرحمها... كانت دايما تقولي الناس بتحسدني عليكي يا أُمّا من كتر طيبتك وحنيتك معايا.

تمتمت سعاد بحزن صادق وهزت رأسها

- الله يرحمها ويجعل مثواها الجنة.. كانت طيبة وغلبانة

هنا، اعتدل الحاج محمد في جلسته، واستقام ظهره الغليظ، وصوته خرج كالأمر العسكري الذي لا يقبل مراجعة أو رداً

- اسمعي يا بت.. من بكرة الصبح من نجمة الصبح، تنزلي لشقة حماتك... وتعمليلها كل حاجة تطلبها وتخدميها ورجلك فوق رقبتك، مفهوم؟

وقفت ليلى فجأة بنفضة قوية هزت أركان جسدها المرتعش... وقفت وكأن كبرياءها وكل شيء جميل انكسر للأبد داخلها بفعل هذه المقارنة المهينة مع الزوجة الراحلة. رفعت رأسها، ونظرت في وجوههم جميعًا بعينين تشتعلان بكرامة جريحة، وتكلمت بجرأة غير محسوبة عواقبها، لكنها كانت صادقة وحارقة

- أنا مش نازلة لـحد... ومش هخدم حد... كفاية عليّا بيتي وجوزي وابني

لم يمهلها والدها لتكمل تمردها...... صفعة مدوية، قاسية وعنيفة شقت هواء الصالة الثقيل، واستقرت بكل ثقل كف الحاج محمد على وجنتها الناعمة النابضة بالأنوثة..... أحدثت الصفعة صوتًا كان أعلى من أي كلمة اعتراض، وأقوى من أي كبرياء تنادي به...... تجمد الزمن في تلك الثانية...... وسكنت كل حركة في الكون. حتى أنفاسهم المتلاحقة توقفت تمامًا عن الدوران.

وقفت ليلى في مكانها مذهولة، رأسها مائل إلى الجانب بفعل قوة الضربة، خدها الأيمن يحترق ويزداد احمرارًا، أذناها تطنان بطنين متواصل، وعيناها مفتوحتان على اتساعهما بصدمة بالغة... لكنها، وبقوة داخلية رهيبة، لم تبكِ ولم تنزل دمعة واحدة. الهواء في الغرفة بدا وكأنه تجمد خجلاً من بشاعة تلك الحركة.

وفي تلك اللحظة تحديدًا... لم تنكسر ليلى كما تمنى الحاضرون.

بل ولدت ليلى أخرى... تغيرت وتبدلت ملامح روحها إلى الأبد.

وضعت ليلى كفها الرقيقة على وجنتها المحترقة ببطء شديد، كأنها تتحسس أثر الصدمة النفسية وشرخ كرامتها أكثر مما تتحسس الألم الجسدي للضربة. لم تصرخ، ولم تبكِ، فقط حدقت أمامها في الفراغ بعينين متسعتين تحملان دهشة جارحة واستنكارًا صامتًا ومخيفًا. خرج صوتها هادئًا، جافًا ومستقرًا على غير المتوقع، لكنه كان أثقل وأقسى من أعتى الصراخ

- انت بتضربني بالقلم يا بابا؟ وعشان مين؟

سحبت نفسًا عميقًا، طويلًا وحارقًا كأنها تعيد ترتيب جزيئات الهواء الملوث في صدرها، ثم أغمضت عينيها للحظة قصيرة حاسمة، قبل أن تستدير بجسدها كله نحو زوجها أيمن الذي وقف كالصنم لم يدافع عنها. نظرتها إليه هذه المرة كانت حادة كالموس، قاطعة، خالية تمامًا من أي دموع أو توسل أنثوي، وقالت بجمود وصخرية لا تعرف التراجع

- أنا مش راجعة معاك الشقة دي تاني يا أيمن.... عشان امك تتبسط بقى... خربتها وارتاحت

ثم أدارت ظهرها للجميع بكبرياء يطاول السحاب. لم تنتظر ردًا من والدها، لم تسمع نداء أمها، ولم تلتفت لصوت أيمن الواهن وهو ينادي اسمها بقلق وخوف من ضياعها. دخلت إلى غرفتها القديمة بالمنزل، وأغلقت الباب خلفها بقوة وإحكام، وكأنها أغلقت فصلًا كاملًا من حياتها مع أيمن، فصلًا مشحونًا بالمسكنة لم يعد يصلح أبداً للترميم أو الغفران.

في الصالة، شعرت فاطمة في اللحظات الأولى بلذة خفية، شريرة وسامة تسري في عروق صدرها؛ لذة انتصار مرير طال انتظاره، كأن هذه الصفعة المدوية لم تكن على وجه ليلى وحدها، بل كانت بمثابة إعلان رسمي وعنيف بأنها ما زالت الست الكبيرة وصاحبة الكلمة العليا واليد الطولى في حياة ابنها. تسارعت دقات قلب العجوز بنشوة صامتة طاغية، وكأن موسيقى نصر حربي تعزف في أعماق روحها المظلمة.

لكن السحر الأسود لم يدم سوى ثوانٍ معدودة.

التفتت فاطمة بجانبها فرأت ابنها أيمن؛ رأت معالم انكسار وجهه وضياع رجولته، عينيه المليئتين بالحيرة والخذلان، وتلهفه المرعوب وهو يتقدم بخطى متعثرة ليطرق باب غرفة ليلى المغلق، وصوته المختنق الباكي وهو ينادي اسمها بلا جدوى. رأت قطعة من قلبها وجسدها يضيع ويتحطم بين رغبتها في السيطرة وبين كرامة زوجته التي دِيست بالنعال أمام عينيه.

وفجأة... انقلبت نظرة أيمن تمامًا؛ تلاشت ملامح الضعف واشتعل في عينيه غضب بركاني أعمى، لم يكن موجهًا هذه المرة لليلى أو لوالدها، بل كان مصوبًا بالكامل نحو أمه فاطمة! خرج صوته جهوريًا، مرعبًا، ومشنوقًا بألم وقهر لم تعرفه منه طوال حياتها، وزأر في وجهها أمام الجميع

- خربتي بيتي وضيعتي مراتي من إيدي... يارب تكوني ارتحتي كده وبردتي نارك يا اما

ثم استدار بعنف ونفض كفيه، وغادر المنزل كالمجنون يجر أذيال خيبته وغضبه، تاركًا خلفه في الصالة صمتًا ثقيلاً كالقبر، وصدى كلماته القاسية ينهش ويفتت نياط قلب أمه......

وقفت فاطمة وحدها وسط ذهول الحاج محمد وسعاد.

تلاشى الانتصار، واختفت الموسيقى، ولم تبقَ أي لذة في جوفها

فقط فراغ بارد، مرعب، وإحساس مرير بأن الصفعة القاسية لم تكن لليلى وحدها... بل ارتدت لتلطم وجه فاطمة أضعافًا مضاعفة، وتفتح أبواب قطيعة أبدية مع ابنها الأوحد.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status