Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت السابع عشر

Share

البارت السابع عشر

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-24 12:26:26

جلست ليلى على الأرض، وقد فرشت بساطًا قطنيًا صغيرًا فوق البلاط البارد، محاولةً خلق مساحة معزولة عن صقيع البيت الخاوي. تناثرت حولها ألعاب ملونة، كتل بلاستيكية وخشخيشات تُصدر أصواتًا خافتة مع كل إمالة، بينما كان الصغير يزن يجلس قبالتها متربعًا بوعي طفولي غض. كانت عيناه الواسعتان، اللتان تحملان ذات لمعة عيني أمه الراحلة، تفيضان ببراءة بكر تُربك القلوب المنهكة، وضحكته تتفجّر بين الحين والآخر عالية، صافية، كشلال ماء عذب لا يعرف من كدر الدنيا أو فجائعها شيئًا.

مدّت ليلى يدها تُداعبه بآلية بدأت جافة ثم ما لبثت أن لانت؛ ترفع اللعبة الورقية أمام وجهه ثم تُخفيها فجأة خلف ظهرها، فيشهق الصغير فرحًا وينطلق صوته بضحك متواصل، ضحكٌ كان يجلجل في فضاء الغرفة الضيقة، فيُعيد للحوائط المتصدعة نبضها الكامن، ويهب للبيت روحًا دافئة افتقدها منذ أن وُوريت ندى الثرى. كانت ليلى تنظر إليه وتستشعر في ملامحه طيف شقيقتها، فتتحول قسوتها الداخلية إلى رقة مفرطة خشية أن تخدش هذا النقاء.

في تلك اللحظة، انفتح الباب الخشبي بهدوء حذر، ودلف أيمن وهو يُلقي تحيته المعتادة بصوت أصابه الوجوم طوال الأشهر الماضية، لكن الكلمات خفتت في حنجرته وتلاشت تمامًا حين وقعت عيناه على هذا المشهد غير المتوقع.

تطلّعت إليه ليلى فورًا، وارتسمت على وجهها ابتسامة ناعمة صادقة، من تلك الابتسامات النادرة التي غابت عن محياها منذ الفاجعة ولا تقوى على تكلّفها، وهي ترفع يزن بين ذراعيها عالياً، قائلة بنبرةٍ مرحة مغسولة بحنان عميق

- وآدي بابا جه يا أستاذ يزن.. أهو نور البيت.

اقترب أيمن بخطوات متباطئة وجلس على مقربة منهما فوق البساط، وعيناه لم تفارقا ابنه لثانية واحدة. كان يزن بين يدي ليلى يبدو كأنه طفل آخر، طفل ينتمي للحياة لا للإهمال؛ ملابسه بيضاء نظيفة، تفوح منها رائحة الياسمين، شعره مرتب بعناية، وجهه مشرق بدموية دافئة، وابتسامته صافية تخطف القلب وتنتزع منه الهموم بلا استئذان.

لاحظ أيمن هذا التغير الجذري، شعر به يتغلغل في تفاصيل ابنه التي عجز هو عن رعايتها، فتسلّل إلى صدره إحساسٌ غريب معقد؛ مزيج مبهم من الامتنان الطاغي، والدهشة، وربما شيء أقرب للوخز اللطيف في ضميره المستيقظ. مدّ ذراعيه نحو الصغير وهو يقول بنبرة هادئة، حاول جاهدًا أن يجعلها خفيفة وخالية من الشجن

- تعالى يا يزن… زمانك زهقت خالتك وتعبتها معاك.

ناولته ليلى الطفل بحرص، وفي تلك اللحظة العابرة، الخاطفة وغير المقصودة، تلامست أطراف أصابعه الدافئة بأصابعها الباردة.

لم تكن سوى لمسة ثانية واحدة، لكنها كانت كافية لأن تُحدث هزة مباغتة ترج أركان قلبها المعزول. شعرت بحرارة مفاجئة تسري كتيار كهربائي في أطرافها، وكسى الخجل وجنتيها الشاحبتين بوجوم وردي مباغت، فخفضت عينيها سريعًا نحو البساط تتهرب من اتساع نظرته.

تنحنح أيمن بصلابة مصطنعة، كأنه يزيح بيده ثقل اللحظة التي تجمعت في الهواء، وقال بصوت خفيض

- أنا آسف.. مكانش قصدي.

نهضت ليلى برأس مرفوع، وما زالت تلك الابتسامة الهادئة المستكينة معلّقة على شفتيها، ابتسامة غامضة لا تُفصح أبدًا عمّا يمور في صدرها من حسابات أو مشاعر صامتة، وقالت وهي ترتب أطراف ثوبها

- ولا يهمك… ثواني وأحضرلك العشا، أكيد راجع من الشغل تعبان.

ضمّ أيمن يزن إلى صدره بقوة، والطفل الصغير يضحك بابتهاج ويعبث بأصابعه الصغيرة بأزرار قميص أبيه وجيبه العلوي، وقال بنبرة ممتنة يملؤها الحرج

- لا، بلاش ووالله ما تعبي نفسك.. كفاية عليكي تعب يزن طول النهار.

لكن ليلى كانت قد سبقت ممانعته بخطوات واسعة نحو عتبة المطبخ، والتفتت إليه بنصف وجه، قائلة بخفّة طائرة تحاول بها مواراة قرار داخلي صلب اتخذته في سرها

- تعب إيه بس؟ ده هو اللي بيسليني.. أنا خلاص أخدت الإجازة الكبيرة، هاته بقى كل يوم الصبح وأنت راجع وشيله من بالك خالص

لم يرد أيمن، ولم يجد في جعبته تعليقًا يناسب كرمها المفاجئ. اكتفى بأن يحكم قبضته على ابنه ويغادر شقتها هابطًا إلى مسكنه، لكن عقله لم يغادر تلك البقعة من البساط قط. كان مثقلاً بألف سؤال وسؤال، علامات استفهام تدور حول ليلى الجديدة… حول هذا الاطمئنان والسلام الذي يراه يشع من عيون ابنه فقط حين تكون هي على مقربة منه، وعن ذلك الارتباك الصامت الرهيب الذي شعر بصدق وعنف تيار ملامسته، دون أن يجرؤ حتى الآن.. على أن يجد له اسمًا أو تفسيرًا.

✨✨✨✨✨✨✨✨

عاد أيمن إلى منزله بجسدٍ حاضر وعقلٍ غائب، كمن يسير في حلمٍ ثقيل الوطأة. أغلق الباب الخشبي خلفه ببطءٍ شديد، متفاديًا أي صوت، وكأن أي نقرة قد تبدد الأطياف التي علقت في رأسه وجدران روحه منذ غادر عتبة ليلى.

كان حديثها الهادئ والرزين، رقتها الفطرية غير المتصنّعة، وتلك الابتسامة الشاحبة التي زانت ثغرها... حتى اللمسة العابرة والخاطفة التي وقعت بين أصابعهما حين ناولته يزن؛ كلها تفاصيل تآمرت عليه وعجز عن محوها من ذاكرته. كانت تلك الملامسة بالذات أشبه بكيٍّ خفيّ، حفرت وسمًا دافئًا في باطن كفه دون أن تستأذن حصونه. هزّ رأسه بعنف يائس، كمن ينفض عن ثيابه غبار فكرة آثمة، وتمتم بحدّة صامتة

- إيه يا أيمن؟ جرى في عقلك إيه؟ أنت اتجننت ولا إيه؟

وقبل أن يستعيد توازنه المفقود، تناهى إلى مسامعه من عمق الغرفة صوت يزن؛ ضحكة صغيرة رنانة، صافية ومبهجة كزقزقة طير في فجر شتوي. تجمد أيمن في مكانه، وارتد المشهد كاملًا يهاجم مخيلته بقسوة ليلى جالسة على البساط، تحتضن طفله بين ذراعيها، ووجه الصغير يضيء بابتسامة غامرة لم يره بها قط منذ أن فُجع بأمه.

خطا نحو الغرفة الداخلية، اقترب من فراش ابنه وتطلّع إلى ملامحه مليًا. كان يزن هادئًا على غير العادة، قسمات وجهه مسترخية ووديعة، كأن يدًا حانية قد مسحت عنه وعثاء اليتم قبل أن يدركه.

في تلك اللحظة، انشق سكون الغرفة بدخول فاطمة. وقفت عند عتبة الباب، وعيناها الضيقتان تراقبان باهتمام وجوم وجه ابنها وتقلب ملامحه، وسألت بنبرة مستكشفة

- مالك يا أيمن؟ في إيه يا ولا؟

انتبه لوجودها فجأة كمن ضُبط متلبسًا، فأجاب بجفاء وهو يشيح بوجهه عنها

- ولا حاجة يا أما.. مفيش.

تقدمت فاطمة بخطوات واسعة، ومدت يديها الغليظتين لتحمل يزن من مهده، وهتفت بضحكة عالية أصابت أذن أيمن بنفور

- أهلاً بحبيب ستو المعفن.. نور عيني.

خرجت من صدر أيمن زفرة، تلتها ضحكة مكتومة التوت على شفتيه رغماً عنه، وقال وهو ينظر لصغيره

- معفن إيه بس يا أما؟ دي خالته منضفاه ومخلياه ريحته ياسمين وزي الفل.. ده ناقصه بدلة ويبقى عريس.

جلست فاطمة على طرف الأريكة، راحت تداعب الطفل وتتمايل بجسدها يمنة ويسرة، لكن عينيها الثعلبيتين لم تفارقا وجه ابنها، ترصدان رجفة شفتيه وشروده. ساد صمت قصير، صمت ثقيل ومحسوب بدقة، كأنها تمهد للأرض قبل إلقاء بذور مكرها، ثم قذفت بجملتها المباغتة وكأنها حصيلة تفكير طويل وعميق

- إيه رأيك يا ولا... تتجوز ليلى وتربّي يزن؟

تجمّد الدم في عروق أيمن، وشعر كأن الغرفة تدور به. لم تكن الصدمة نابعة من غرابة الاقتراح الفج، بل من حقيقة مرعبة: أن أمه نطقت بصوتٍ عالٍ وواضح بذات الأفكار السرية والمخاوف التي لم يجرؤ هو نفسه على الهمس بها لقلبه. ظل صامتًا لعدة لحظات، يبتلع ذهوله ويحاول استيعاب كيف تمكنت هذه المرأة من قراءة سراديب عقله المظلمة. نهض فجأة من مجلسه، ملامحه متشنجة وصوته مشحون بتوتر فاضح

- لا يا أما.. إنتِ بتقولي إيه؟! أتجوز ليلى؟ ليلى مين؟ وبعدين هي دي أصلًا ممكن توافق عليا؟ وأنا هجيب منين مصاريف جوازة تانية ودخلة جديدة دلوقتي؟

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status