Home / الرومانسية / ظل بارد / البارت الثامن عشر

Share

البارت الثامن عشر

Author: Faten Aly
last update publish date: 2026-05-24 12:26:30

نهضت فاطمة بدورها، وما زال الطفل مستكينًا بين ذراعيها، خطت نحوه بخطوات واثقة تنضح بالسلطة، ونبرة صوتها تحمل خبثًا ناعمًا كالحرير ومسمومًا كالأفاعي

- يا خايب.. دي هتوافق وتبوس إيدها وش وضهر عشان تربي ابن أختها اللحم والدم، أحسن ما تجيب واحدة غريبة تيجى تبهدل الواد وتوريه النجوم في عز الظهر. ومن ناحية الفلوس؟ متشيلش هم قرش واحد، دي هتتجوز على حاجة أختها وفرشها.. مش هنغرم مليم.

تراجع أيمن خطوة للخلف كمن تلقى صفعة، ثم انهار جالسًا على المقعد مرة أخرى، وكأن ثقل التعب والندم قد باغته دفعة واحدة. انهمك في غياهب تفكيره، وأطبق جفنيه، فلم يتبدّ له من ركام أفكاره سوى وجه ليلى بابتسامتها الآسرة العذبة. لم يعد يعرف إن كانت تلك الابتسامة تجذبه لأنها تذكره بفقيدته ندى، أم أن روحه قد تعلّقت بليلى نفسها وشخصها دون أن يشعر بمرور الوقت. لكن السؤال الذي نبت كالشوك وظل يطارده بإلحاح هل يمكن لليلى، بنظرتها الحادة الحازمة، أن تقبل به زوجًا؟

قطع استرساله صوت والدته الحاسم والقاطع، نبرة جافة لا تقبل النقاش أو التراجع

- خلاص.. خلص الكلام. بكره نروح لبيتهم ونتكلم مع أمها. وافقوا؟ يبقى خير وبركة ولمينا شملنا. ما وافقوش؟ أجوزك ست ستها وواحدة تانية تعيش على فرش بنتهم، ويبقوا يقابلوني بقى لو حلموا يشوفوا ضفر الواد ده تاني.

حمل أيمن رأسه المثقل بين كفّيه الساخنتين، وشعر بعظامه تكاد تتفتت. لم يعد الأمر مجرد فكرة عابرة يمكن تناسيها، ولا اقتراحًا خبيثًا من أمه يمكن إلقاؤه وراء الظهر؛ بل صار طريقًا وعرًا يُفتح أمامه بقوة وعنوة، وكلما حاول التراجع وإغلاق الباب... وجد نفسه مصلوبًا في منتصفه، ينتظر ريح القدر.

✨✨✨✨✨✨✨✨

في اليوم التالي، ووِفقًا لسيناريو خطّته نوايا ملتفة لا تعرف الاستقامة، جاءت فاطمة. لم تطرق الباب مستأذنة، بل اقتحمت ردهة البيت بصلفٍ مغلف بهدوء خادع، كأفعى تنساب بين العشب بلا جرس.

كانت دقات قلب البيت تتباطأ مع كل خطوة تخطوها. تحمل على ذراعها الصغير يزن؛ ذلك الجسد الغض المستكين، وعيناه النصف مفتوحتين ترقبان السقف ببراءة بكر، كأن الأقدار شاءت أن تزج بهذا الرضيع كشاهد زور في مؤامرة دنيا لا ناقة له فيها ولا جمل. وإلى جوارها، خطا أيمن بخطوات وئيدة، مدروسة، ونظرات حذرة تسبق كلماته المبتورة؛ كان يتقدم بعينين جائعتين، كمن جاء ينتزع حقًا مكتسبًا شرعه له مجتمع يرى في أخت الزوجة الراحلة امتدادًا طبيعيًا لآلة الخدمة. جلست فاطمة أولًا دون أن تنتظر دعوة، فرضت حيز ثوبها الداكن على الأريكة، وجلس أيمن إلى جوارها مطأطأ الرأس، يخفي وراء صمته ارتباكًا محمومًا.

انقبضت أسارير الصالة، فاندفع نادر، الأخ الأصغر لليلى، ليتلقف يزن من ذراعي فاطمة؛ حمله بحنوٍ خالص، وبدأ يداعبه بأنامل مرتعشة، محاولًا إطلاق ضحكات الصغير لعل رنينها يشرخ كثافة الجو الخانق الذي استقر فوق الرؤوس كغيوم الرصاص. وعلى الجهة المقابلة، جلست سعاد ومحمد؛ تشابكت نظراتهما في حوار صامت، متوجس، تلاطمت فيه علامات الاستفهام وهي تتنقل بين وجه فاطمة الجامد وبكاء الطفل الصامت ونظرات أيمن الزائغة. كان الصمت بينهما أبلغ من أي عتاب، يدركان بغريزة الآباء المفجوعين أن هذه الخطوات لم تُسق إلى بيتهما لمجرد صلة الرحم، وأن خلف الأقنعة ما خلفها.

ارتدت فاطمة لعباءتها الداكنة، كانت قماشتها مرصعة بنقوش حلزونية متداخلة تشبه جلود الثعابين في تقلبها والتوائها، تمامًا كالأفكار التي تمور في عقلها العتيق. افترّ ثغرها عن ابتسامة ناعمة، مصطنعة حتى النخاع، لكنها حملت في زواياها حدّة باردة كشفرة موسى دُثرت بالمخمل. بدأت تدير حبل الكلام بمقدمات طويلة، سفسطائية، عبارات مجاملة مكرورة تلوكها الألسن في المآتم والموالد، متبوعة بسؤال لزج عن الصحة والأحوال، قبل أن تعرج بترحم ثقيل ومفتعل على ندى، ناطقة باسمها ببطء شديد، كمن يغرس إصبعه عميقًا في جرح غض لم يبرأ بعد

- الله يرحمها ويحسن إليها… كانت زي القمر ونوّارة العيلة، دي كانت عندي أغلى من سمر بنتي، وربنا وحده يعلم قلبي بيتقطع عليها إزاي كل ما أشوف حتة اللحمة الحمرا اللي سابتها دي.

ارتجفت يد سعاد، ولسعت الكلمات كبرياءها، لكنها لجمت غيظها بكف مقبوضة. أما محمد فظل كأبي الهول، صمته ثقيل، غائر، وأنفاسه مسموعة تخرج كحمم مكتومة. عدّلت فاطمة جلستها، فاعتدلت في مقعدها بزهو، وربتت بيدك الجافة على فخذ الصغير يزن الذي يداعبه نادر، مستخدمة إياه كدرع بشري أخير لشرعنة غايتها، وقالت بنبرة قطعت حبل الظنون بثقة عمياء

- إحنا بقى مش غُرب، وجايين النهارده لبيت الكرم علشان نطلب إيد ليلى لأيمن ابنها.

تجمّد الهواء في عروق الغرفة، وتوقفت أنفاس الجدران لثانية دهور؛ تلاقت الأعين بذهول شلّ الألسن، وقبل أن تمنح فاطمة أحدًا ثغرة للاعتراض أو الصياح، تابعت بصلابة لا تلين

- ليلى هي أولى واحدة بالولا ده، خالتو وأمّو التانية اللي هتحنّ عليه وتربيه، والدم بيحنّ يا جماعة.. والشرع والوجوب بيقولوا كده، واللي إنتوا تطلبوه وتتمنوه، إحنا باصمين عليه بالعشرة وموافقين.

نزلت الكلمات كصاعقة من سماء صافية، ضربت كبرياء الأمومة في الصدر. نهضت سعاد فجأة كمن لُسعت بنار، وجهها استحال إلى حمرة قانية، وصدرها المريض يعلو ويهبط بعنف تشهق معه الهواء بجهد جهيد، محاولة بكل ما أوتيت من رمق أن تواري بركان الغضب وراء ستار الواجب

- أنا… أنا هقوم أجيبلكوا حاجة تشربوها.

لم تنتظر تعقيبًا من أحد؛ استدارت متجهة نحو المطبخ بخطوات متسارعة، تكاد تتعثر بأذيال ثوبها، وهي تهمهم بأنفاس مشروخة بكلمات غاضبة تكسرت تحت أسنانها، تحمل في طياتها مرارة السنين وعجز القلة.

في عتمة المطبخ، لم تكن ليلى بمعزل عن المأساة؛ كانت تقف مستندة إلى الجدار الخرساني البارد، تستمع إلى كل حرف وكل شهقة بآذان صاغية وقلب لم يعد ينبض بالخوف. اقتربت منها سعاد والدموع تقف حائرة في محجريها، وعيناها تشعان بعاصفة مكتومة من القهر

- مالك يا ماما؟ متضايقة كده ليه

أجابت سعاد بصوت متحشرج، خافت كالهسيس لكنه محمل بسم الغضب والندم

- الست البجحة… الحية الحرباية... مكفهاش اللي عملته في أختك ندى، مكفهاش إنها قطفت زهرة شبابها بالإهمال والذل لحد ما ماتت مكسورة، جاية دلوقتي بكل عين قوية وبجاحة تطلب إيدك للبرنس ابنها

جلست ليلى ببطء على مقعد خشبي صغير، حركة هادئة اتسمت ببرود غريب، كأنها تستمرئ تفاصيل هذه اللحظة الدرامية وتتذوق مرارتها بمتعة خاصة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، التوت في زواياها مسحة خفية من خبث دفين، ورفعت يدها تعبث بخصلة من شعرها المنسدل، في حركة بدت عفوية ومستهترة في ظاهرها، لكنها كانت مدروسة بدقة متناهية خلف جدار عقلها.

كانت ليلى تعلم… تعلم علم اليقين أن هذه اللحظة آتية لا محالة، وأن جشع فاطمة وحيرة أيمن سيقودانهما إلى عتبة بيتها عاجلاً أم آجلاً؛ بل ربما كانت ترقب هذا اليوم وتنتظره في عتمة لياليها الست الماضية كصياد يرقب فريسته. رفعت عينيها المتسعتين نحو وجه أمها المذعور، وقالت بنبرة رخيمة، مستقرة، تحمل تحت ملمسها الناعم ما يكفي من السم الزعاف لقلب الموازين

- وأنا موافقة يا ماما… هتنزل معاهم وأقولهم إني موافقة.

توقفت لبرهة، تركت الكلمة تدوي في مسامع أمها الصاعقة وتتردد بين أواني المطبخ، ثم أضافت بعينين شاخصتين وثبات قاتل لا رجعة فيه

- بس… بشرط

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status