Beranda / الرومانسية / ظل بارد / البارت السادس عشر

Share

البارت السادس عشر

Penulis: Faten Aly
last update Tanggal publikasi: 2026-05-23 12:47:10

اليوم هو آخر أيام الامتحان.

اليوم الذي يترقبه الجميع بقلوبٍ تقفز فرحًا وانعتاقًا، لم تنتظره ليلى بابتهاج، بل بارتباكٍ لزج يشبه غصّة الوداع القسري.

خرجت من بوابة المدرسة بوهن، بخطوات متثاقلة تحصي وتعدّ ما تبقّى لها من هذا المكان. كانت نظرتها شاردة، غائبة في تلافيف جدرانٍ إسمنتية شهدت ضحكاتٍ قديمة تلاشت، ودموعًا خجولة طواها الوقت، وأحلامًا كانت تظنها في ماضيها بسيطة وفي متناول اليد، فإذا بها اليوم جبالٌ رصاصية تثقل كاهلها.

تأمّلت السلم الحجري الذي صعدته وهبطته آلاف المرات، والمقاعد الخشبية المحفورة بذكريات التلميذات حيث جلست يوماً تحلم بمستقبلٍ آمن ووادع، والفناء الواسع الذي طالما صخب بالأصوات والركض.. اليوم بدا لها الفناء واجمًا، صامتًا، كأنما ارتدى الحداد ليشاطرها مأتمها الداخلي. مرّت أصابعها على سور البوابة الحديدي البارد في حركة لا إرادية، كأنها تودع هذا الحديد، أو بالأحرى تودّع نفسها القديمة، تلك الفتاة البريئة التي ستترك جثتها خلفها هنا، وتخرج بديلة عنها. تنفست بعمق، واستنشقت هواءً غصّ بالغبار؛ لم يكن هذا مجرد انتهاء عام دراسي، بل كان إعلان وفاة لمرحلة كاملة من العمر.

قطع حبل شرودها صوت سلمى، التي اندفعت قبالتها وفجأة فتحت ذراعيها لتطوقها بعناقٍ عنيف وقاسٍ، كأنها تخشى إن أرخت قبضتها أن تتلاشى ليلى من الوجود.

ترقرقت الدموع في عيني سلمى، وسالت حارة وهي تقول بصوتٍ مكسور أضناه الخوف من القادم

- هتوحشيني يا ليلى… خلّينا دايمًا على اتصال، أرجوكي ما تغيبيش عني.

بادلتها ليلى العناق بآلية بليدة في البداية، ثم شدّت عليها فجأة وكأنها تتشبث بآخر مأوى دافئ في عالم استحال إلى صقيع. حين تراجعت، مسحت ليلى دمعة فرّت من حصار جفونها بطرف كفها، وابتلعت غصّة كادت أن تخنق حنجرتها، ثم قالت متصنعة تماسكًا واهيًا يوشك على الانهيار

- أكيد طبعًا… إزاي يعني هغيب؟

كانت كلماتٍ بروتوكولية، ليلى تعرف يقينًا أن بعض الوعود لا تُقال إلا لتهدئة روع القلوب الوجلة، لا لأنها تملك رصيدًا من الواقع. وقبل أن تخطو خطوتها المغادرة، اصطدمت عيناها بمنار، التي كانت تقف على بُعد خطوات قليلة، تترقبها بنظرة حزينة امتزجت فيها الشفقة بالعتاب المرّ. أخذت ليلى نفسًا عميقًا لترميم شتاتها، متهيأة لمواجهةٍ علمت أنها مؤجلة لا محالة، ثم سارت نحوها بخطوات ثبتت ظاهرها رغم الارتجاف الذي زلزل قلبها من الداخل. توقفت أمامها، واجترت ابتسامة باهتة لا حياة فيها وقالت

- هتوحشيني يا منار.

لم تحرك منار شفتيها بابتسامة، بل غرزت في وجه ليلى عينين مُثقَلَتين بعتبٍ مكبوت وكلام مؤجل منذ دهر، وقالت بصدقٍ يغرس نصله في اللحم

- نفسي موحشكيش يا ليلى… فات على موت ندى، الله يرحمها، ست شهور كاملة… وما هديتيش، ولا رجعتي خطوة واحدة عن اللي في دماغك

انخفضت نظرة ليلى نحو الأرض للحظة كمن يداري عورة ضعفه، ثم رفعتها بزفرة ألم حارقة، وقالت بحزمٍ حديدي يخفي وراءه هشاشة زجاجية قابلة للتهشم

- ده قرار يا منار… قرار نهائي، متخلّينيش أندم إني وثقت فيكي وحكيتلك.

مدّت منار يدها، ووضعتها على كتف ليلى برفقٍ فيه من حنان الأمهات الكثير، وقالت بنبرة كسيرة مشحونة بالمحبة

- ربنا يوفّقك للخير يا صديقتي… بس خليكِ فاكرة، ودايمًا فاكرة، إنك مش لوحدك في الدنيا دي.

هزّت ليلى رأسها بإيماءة خفيفة، وارتسمت على شفتيها زاوية شكرٍ صامتة، ثم استدارت وغادرت دون أن تلتفت وراءها ولو لالتفاتة واحدة؛ كانت تدرك أن الالتفات الآن كفيل بهدم كل قلاع الصلابة المزيفة التي قضت شهورًا في تشييدها.

ابتعدت خطواتها عن أسوار المدرسة، لكن المكان بكل تفاصيله ظلّ مشدودًا إلى ظهرها بحبال وثيقة، كأن جسدها يتقدم بينما روحها تخلف وراءها ولم تلحق بها بعد. كانت تسير والضجيج القادم من الباعة والسيارات وصراخ الطلاب يبدو لها باهتًا، منخفض التردد، كأن الوجوه تمرّ من حولها طيوفًا بلا ملامح، كأن العالم تواطأ ليمنحها صمتًا عقابيًا موجعًا بدل سبل المواساة.

داخلها، في أعمق زوايا ذاتها، كان الحزن يجلس متربعًا فوق عرش القلب، لا يصرخ، لا يولول، ولا يذرف الدموع… فقط كان يحدّق ببلادة مرعبة. حزنٌ أصابه الإعياء، أدرك متأخرًا أن البكاء في عالم الظالمين لم يعد يُجدي نفعًا، وأن قنوات الدموع قد جفت واستُهلكت تمامًا في ليالٍ غاب عنها النوم واستوطنها السهد.

تساءلت في سرّها بنبرة خائفة

- هو أنا كده بقيت أقسى؟ ولا بس تعبت

كانت تشعر في مسيرها بأنها تطأ أرضًا هشة من الصلصال غير الثابت، وأن خطوة واحدة طائشة كفيلة بأن تخسف بها الأرض لتعيدها إلى قاع تلك اللحظة.. لحظة سماع اسمها، لحظة انطلاق الصرخة من حنجرتها، لحظة الإدراك البشع بأن الموت جبار لا يستأذن أحدًا.

كل وداع اختبرته اليوم في المدرسة كان في حقيقته يُشبه إعادة إنتاج لوداع ندى الأول. كل باب صفٍّ يُغلق خلفها بقوة كان يطرق إسفينًا في ذاكرتها ليذكّرها بذاك الباب الذي أُغلق في وجه الحياة إلى الأبد. مدّت يدها تتحسس قفصها الصدري بذعر، كأنها تفتش عن قلبها إن كان ما زال مكانه. كان هناك، يرتجف خلف العظام، لكنّه لم يعد ينبض بتلك الحماسة والشغف الطفولي القديم؛ بل غدا ينبض بالخوف، بالحذر الشديد، وبسؤالٍ ينهش وجودها

- لو اتعلّقت بحاجة تاني في الدنيا دي، هتضيع هي كمان وتفر من بين إيديا؟

لهذا السبب تحديدًا كانت قراراتها حادّة كالمقصلة. لهذا السبب بترت حبل وصلها بأمجد وانسحبت. لهذا السبب قررت الرحيل الكلي قبل أن تُجبر على خوض غمار وداعٍ جديد يُدمي ما تبقى من كبريائها. لم تكن ليلى تهرب من مواجهة الحياة… بل كانت في ذروة محاولاتها المستميتة للنجاة مما تبقى منها.

تذكّرت في ومضة نظرة أمها الزجاجية وهي تتأرجح في مشفاها بين الغيبوبة والصحو، وتذكّرت وجه أختها ندى وهي تتحول في غمرة ثوانٍ من حلمٍ نابض بالدماء إلى مجرد ذكرى موجعة تحت جنح التراب. وشعرت فجأة بوطأة ذنب ثقيل، ذنب "الناجية"؛ ذلك الشعور الخبيث الذي يجلدها لأنها ما زالت تتنفس وتأكل وتمشي، بينما شقيقتها التي تكبر بأعوام قليلة قد ووريت الثرى.

- ليه أنا اللي فضلت؟

سؤال أسود لم تكن تنتظر له إجابة من فم القدر. مسحت وجهها بحدة وبكفّ جافة حين شعرت بدمعة متمردة ساخنة تشق طريقها كالنهر على وجنتها الشاحبة.. لا، ليس الآن، وليس هنا في وضح الطريق. اليوم ليس لاستدرار الدموع، اليوم حُجز للثبات الصلب.

رفعت رأسها، وشدّت كتفيها بصلابة انتحارية، وتابعت مسيرها وسط العاصفة. كانت تعلم، بيقين لا يخالطه شك، أن الأيام القادمة لن تفتح لها ذراعيها بالورود ولن تكون أسهل بكثير، لكنها أيقنت شيئًا واحدًا لا بديل عنه: أنها إن لم تُمسك بزمام نفسها الآن وتجبر كسرها بيدها، ستضيع وتذوب في غياهب التلاشي إلى الأبد.

ووسط هذا الخراب الداخلي الشامل، ومن بين أنقاض روحها المهدومة، وُلد وعدٌ صامت، وثيق وقاطع.. أن تمشي، حتى لو كانت الطريق أمامها مظلمة ومحفوفة بالخوف، وأن تعيش وتواجه، حتى لو كان القلب في صدرها مثقوبًا بنصل الفقد.

Lanjutkan membaca buku ini secara gratis
Pindai kode untuk mengunduh Aplikasi

Bab terbaru

  • ظل بارد    البارت الخمسون

    كان الجو داخل شقة فاطمة مشحونًا، لزجًا وكأنه غرفة خنق ضاقت بأنفاس قاطنيها. كانت شهقات سمر المتقطعة، الهستيرية، تملأ الفراغ وتصطدم بالجدران العارية، تختلط بنحيبٍ حادّ، قابع في عمق حلقها، يخرج من صدرها المنهك كأنما يُنتزع منها انتزاعًا مع كل زفير. دموعها كانت تنهمر بلا وابل أو توقف، تسيل بغزارة تحرق وجنتيها المحمرتين وتهبط لتُبلل ثوبها المرتجف عند الياقة. كانت منكمشة على نفسها فوق الأريكة، تلملم أطرافها وتضم ركبتيها إلى صدرها كأنها تحتمي بضعفها من قسوة العالم الذي انقضّ عليها فجأة، بينما صوتها يعلو ويخفت في نوبات بكاء متتابعة، كل شهقة منه تحمل وجع الخديعة والمذلة. جلست فاطمة قبالتها على المقعد الخشبي، وجهها متيبّس كالصخر، وعروق رقبتها ناتئة زرقاء، بينما عيناها تقدحان شررًا وحقدًا أعمى. خرج صوتها حادًا، قاطعًا كالسهم المسموم وهي تواجه ابنتها المنكسرة - البت دي... الحرباية دي متدخلش تاني هنا يا سمر، ولا تعتب البيت ده تاتى طول ما أنا عايشة ثم ضربت فاطمة فخذها بكفها الغليظة ضربة موجوعة، مدوية، كأن الغضب الأسود الذي يغلي في أحشائها لم يجد مخرجًا يفجر شحنته إلا عبر جسدها المتعب. نهضت واقف

  • ظل بارد    البارت التاسع والأربعون

    يرحل الجميع واحدًا تلو الآخر، ينسحب الجيران بخطى متوجسة من ممر البناية كأنهم يفرّون من مسرح جريمة مشهودة بعد أن أدّوا أدوارهم الثانوية كاملة، ليبقى الصمت ثقيلًا، لزجًا، وخانقًا، يهبط على ردهات الشقة كغطاء كثيف من رماد بركاني. في منتصف الصالة، يقف أيمن كالمصلوب؛ كتفاه العريضان متهدلتان بوهنٍ سحيق، وعيناه الزائغتان المحتقنتان بالدم لا تستقران على شيء، تدوران في الفراغ كأنهما تبحثان عن بقايا رجولته ونفسه التي ضاعت منه لتوّها وسط ذهوله. في ملامحه المخطوفة انكسار صريح، عارٍ، وغير مُتقَن؛ انكسار رجل سُحقت اختياراته، وتناثر كبرياؤه تحت أقدام نساء العائلة، فلا زوجة استطاع حمايتها وصون عرضها، ولا أختًا قَدَرَ على ردّها عن غيها، ولا بيتًا بقي له عتبة ملجأ. وعلى الطرف الآخر من المشهد، تجلس ليلى على الأرض الباردة، تسند ظهرها المنحني إلى حافة الأريكة؛ جسدها منكمش على نفسه كعصفور بلله المطر، ودموعها تنساب في خطوط صامتة، دافئة، وبتوقيت محسوب بدقة متناهية. ضعفها يبدو حقيقيًا، طاغيًا ومزلزلاً لمن يراه، لكنه في جوهره ضعف مُدرَّس، لغة جسد مسيطر عليها بأعلى درجات المكر؛ تعرف متى تخفض عينيها لتثير الشفق

  • ظل بارد    البارت الثامن والأربعون

    كانت ليلى تقف في الشرفة، مستندةً بذراعيها النحيلتين إلى السور الحديدي البارد، تتابع حركة الشارع الرتيبة في خمولٍ ظاهر. لم تكن عيناها المعلقتان بالأجساد العابرة والوجوه الشاحبة مشغولتين بهمٍّ حقيقي أو شفقة، بل كان عقلها الداهية يعمل في الخفاء كآلةٍ جهنمية، ينسج الاحتمالات، ويرتب النقلات بهدوء قاتل. كانت تُعيد شريط المشهد الأخير في رأسها مرارًا وتكرارًا: ملامح خالد المخطوفة، غضبه الرجولي المكبوت، ونبرة صوته الممزقة وهو يستمع إلى كذبتها المتقنة عن الذهب والحرير والجنين المفقود. لقد ألقت الكلمات في طريقه كطُعمٍ محسوب بدقة صياد يعرف متى يشد الخيط. والآن، لم يبقَ سوى الانتظار؛ فهل ستؤتي النيران ثمارها؟ هل ستصل إلى وجهتها وتلتهم شجرة عائلة فاطمة من جذورها؟ ومع مرور الدقائق وتأخر النتيجة، تسلّل الملل البارد إلى أطرافها. زفرت بضيق، وارتخى كتفاها مستسلمة ليأسٍ مصطنع، وتمتمت في نفسها بنبرة متهكمة - أكيد البت سمر قالت له أي حاجة وصدقها كالعادة... الرجال صنف مغفل. خلاص بقى، أدخل أنا أشوف ورايا إيه. استدارت بجسدها لتغلق باب الشرفة الزجاجي، لكن جلبة غير معتادة وحركة مضطربة في الشارع استوقفتها فج

  • ظل بارد    البارت السابع والأربعون

    لم يمهلها أيمن لتكمل جملتها القاتلة التي ضربت عقله. اقترب منها سريعًا بلهفة وخوف عارم من الفقد، ووضع كفه الغليظة المرتجفة فوق فمها ليخرس كلماتها، وخرج صوته مبحوحًا، ضعيفًا وخاضعاً بالكامل لسطوتها - بس... طلاق إيه وسيرة زفت إيه اللي بتقوليها دي؟ أنا استحالة في دنيتي أقدر أستغنى عنك أو أعيش من غيرك يا ليلى في عتمة أحشائها وداخل عقلها الداهية، ارتفعت ضحكة صامتة، مجلجلة بالانتصار الساحق؛ لكن وجهها الخارجي ظل محافظاً على ملامح الانكسار والوجع. أخرجت يدها النحيلة من تحت كفه ببطء ودلال، واقتربت منه أكثر حتى تلاقت الأنفاس، وهمست برقة محسوبة اخترقت كل حصونه - يعني… هتشوف لنا شقة نأجرها ونمشي من هنا يا إيموني؟ ونعيش في أمان بعيد عن الغل ده؟ نظر أيمن إلى الفراغ المحيط به ببصيرة مطفأة، كأن قراره وإرادته يُسحبان من وجدانه دون أدنى مقاومة، وقال باستسلام ثقيل وخضوع تام - ربنا يسهل يا ليلى... هشوف الموضوع ده في أسرع وقت. وخلف دموعها التي لا تزال عالقة بجفونها، كانت عيناها الكحيلتان تلمعان في العتمة… لا بالحزن أو الأسى، بل ببريق الانتصار الأسود، فقد تملكته تماماً وصار الخاتم في إصبعها الصغير.

  • ظل بارد    البارت السادس والأربعون

    جلست سلمى تُحدّق في صديقتها بملامح مشدوهة، فاغرة فاها، وقد خرج الاستنكار من بين شفتيها دفعة واحدة بلا مواربة أو تجميل - يعني كل التمثيل والدموع وبصل المنديل والمكياج اللي عملناه ده راح عالفاضي؟ كل ده عشان يقولك هبقى أشوف الموضوع؟ رفعت ليلى حاجبها ببطء شديد، تلك الحركة الصغيرة، الخبيثة التي تسبق العواصف المدمرة في قاموسها دائمًا، وأسندت ظهرها إلى مقعدها الخشبي بثقة مفرطة، ثقة مَن يعرف يقينًا أن اللعبة لم تنتهِ بعد، بل بدأت فصولها الأكثر إثارة. ارتسمت على شفتيها ابتسامة خفيفة، غامضة؛ لا هي سخرية كاملة ولا اطمئنان صريح، وجاء ردها بنبرة حاسمة كقطع النصل - لا يا غبية… استحالة يكون كل ده عالفاضي. أنا ليلى، ومفيش خطوة بخطيها بره حساباتي. أنا محضّرة كذا لغم في السكة، ولازم أخرج من البيت ده وابعده أهله، بس على مهلي… الطبخة لما تستوي على نار هادية بتطلع مظبوطة. مالت سلمى بجسدها للأمام بكامل ثقلها، والدهشة تشق طريقها إلى عينيها الزائغتين كأنها تستمع لشيطان يُملي تعاويذه - آه يا داهية؟ وهتعملي إيه بقى بعد ما ريّحك بكلمتين ووعدك بهبقى أشوف؟ سكنت ليلى لحظة، وتجمدت ملامحها الجميلة، بينما انغر

  • ظل بارد    البارت الخامس والأربعون

    في صباح اليوم التالي، عاد أيمن ليعيد ليلى إلى المنزل، لكن الطريق الذي مشى فيه لم يكن ممهدًا أو مفرشًا بالطيب كما ظن في عودته. كانت ليلى وسلمى قد سبقتاه بخطوة ذكية؛ شحنتا والدة سلمى بكلمات مسمومة صُبّت في أذنيها بعناية، وحكايات مُفتعلة طُرّزت بخيوط المظلومية والتهويل الشديد، حتى تحولت تلك المرأة العجوز الهادئة بطبعها إلى سورٍ من نار وحصنٍ منيع يقف في وجهه عند العتبة. استقبلته فاطمة بنبرة قاسية، جافة، تنهره بلومٍ لاذع، وتصف ما تعيشه ليلى في كنفه بالجحيم الحقيقي، وكأن البيت الذي خرجت منه ليلى غارقة بدمائها المزعومة لم يكن مأوى بل سجنًا موحشاً، وكأن إعادتها إليه اليوم حكمٌ جائر لا شفقة فيه ولا أمان. وسط تلك العاصفة، جلست ليلى صامتة تمامًا، تؤدي دورها المرسوم بإتقانٍ بارع يحسدها عليه كبار المحترفين؛ خفضت عينيها نحو الأرض بانكسار، وتركت دموعها تنساب ببطء وبلا صوت على وجنتيها الشاحبتين، لا تملك في جعبتها دفاعًا ولا هجومًا، فقط كان انكساراً محسوبًا بالمسطرة، يعرف جيدًا كيف يضرب ويخترق أعمق نقطة ضعف وعار داخل رجولة أيمن. كان مشهدها المتهالك كافيًا ليُشعر أيمن بأنه المتهم الأوحد والجاني الحق

Bab Lainnya
Jelajahi dan baca novel bagus secara gratis
Akses gratis ke berbagai novel bagus di aplikasi GoodNovel. Unduh buku yang kamu suka dan baca di mana saja & kapan saja.
Baca buku gratis di Aplikasi
Pindai kode untuk membaca di Aplikasi
DMCA.com Protection Status