Share

عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد
عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد
Author: شيماء مجدي

الفصل الأول

last update publish date: 2026-08-07 00:14:08

حكمٌ بالموت

لم يكن المطر يهطل بغزارة...

بل كان ينزل على المدينة قطرةً بعد أخرى، كأنه يشاركها الحداد.

كانت السماء ملبدة بغيوم رمادية ثقيلة، والهواء باردًا على نحوٍ جعل الناس يلتفون بمعاطفهم، بينما انعكست أضواء السيارات السوداء على الإسفلت المبتل أمام مبنى المحكمة العليا.

اصطفت عشرات السيارات أمام الدرجات الرخامية، وحاصرت الحواجز الأمنية المكان من كل جانب.

أضواء كاميرات الصحفيين تومض بلا توقف، كأنها ومضات برقٍ صغيرة وسط ذلك الصباح الكئيب.

وأصوات المراسلين تتعالى من كل اتجاه.

— المتهمة وصلت!

— إنها زوجة رئيس مجموعة "النويري"!

— يُقال إنها قتلت شقيق زوجها بيديها!

— هل سيحضر السيد آسر النويري بنفسه؟

لم يكد السؤال يُطرح...

حتى توقفت سيارة سوداء فارهة أمام درجات المحكمة.

ساد اضطراب بين الصحفيين.

التفتت عشرات الرؤوس نحو السيارة في اللحظة نفسها.

فُتح الباب الخلفي.

ترجل منه رجل طويل القامة، عريض الكتفين، يرتدي بدلة سوداء مفصلة بعناية، فوقها معطف أسود طويل انحدرت أطرافه مع خطواته الواثقة.

كان شعره الأسود مرتبًا بعناية، وملامحه حادة، جامدة إلى حد أثار رهبة الواقفين.

لم يكن في وجهه أي أثر للارتباك أو الحزن.

لكن عينيه...

كانتا تحملان شيئًا أكثر قسوة.

غضبًا مكتومًا.

وحزنًا تحول مع مرور الأيام إلى كراهية.

آسر النويري.

الرئيس التنفيذي لمجموعة "النويري".

أحد أصغر رجال الأعمال في الصين، والرجل الذي استطاع خلال سنوات قليلة أن يحول اسم عائلته إلى واحد من أكثر الأسماء نفوذًا في عالم المال والأعمال.

لكنه اليوم لم يكن رجل الأعمال الذي تتحدث عنه الصحف.

كان شقيقًا فقد أخاه...

وزوجًا يقف أمام المرأة التي اتهمها بخيانته وقتل شقيقه.

اندفع الصحفيون نحوه.

تلاحقت الأسئلة من كل جانب.

— سيد آسر! هل صحيح أن زوجتك هي من قتلت شقيقك؟

— هل ستتنازل عن الدعوى إذا أعلنت براءتها؟

— هل ما زلت تعتبرها زوجتك؟

توقف عن السير.

استدار ببطء.

تلاقت عيناه الباردتان مع عدسات الكاميرات.

ولثوانٍ...

لم يسمع أحد شيئًا سوى صوت المطر.

ثم قال جملةً واحدة فقط...

جعلت الصمت يبتلع المكان.

— زوجتي...

ماتت يوم قتلت أخي.

لم ينتظر سؤالًا آخر.

استدار وتابع صعود الدرج بخطوات ثابتة، بينما بقي الصحفيون للحظات عاجزين عن الكلام.

أما الكلمات...

فقد وصلت إلى أذن امرأة تجلس داخل سيارة الشرطة.

لارين.

أغمضت عينيها.

لم تبكِ.

كانت قد تجاوزت مرحلة الدموع منذ زمن.

لكن تلك الكلمات...

كانت أشد قسوة من القيود الحديدية التي طوقت معصميها.

وضعت رأسها للحظة على زجاج السيارة البارد، وأخذت نفسًا بطيئًا.

كان عليها أن تكون قوية.

ليس أمام الصحفيين.

ولا أمام القضاة.

ولا أمام آسر.

بل أمام نفسها.

فهي وحدها تعرف الحقيقة.

تعرف أنها لم تقتل أحدًا.

وتعرف أن الرجل الذي أحبته يومًا...

يقف الآن أمام العالم كله ليعلن أنها ماتت في اليوم الذي مات فيه أخوه.

---

قبل ستة أشهر...

كانت تقف في المطبخ تعد العشاء.

كانت رائحة الطعام الدافئ تملأ المكان، بينما انبعث ضوء أصفر هادئ من المصابيح فوق الرخام اللامع.

وكان آسر يقف خلفها، يلف ذراعيه حول خصرها.

ضحكت وهي تحاول إبعاده.

— اتركني... سيحترق الطعام.

اقترب من أذنها وهمس:

— ليحترق.

ما دام بإمكاني أن أسرق منك دقيقة أخرى.

التفتت نحوه مبتسمة.

كانت ابتسامتها يومها مختلفة.

بسيطة.

دافئة.

مطمئنة.

وكأنها لم تكن تعرف أن تلك اللحظة ستصبح يومًا ذكرى تؤلمها أكثر من أي شيء آخر.

— وماذا لو عدت متأخرًا الليلة أيضًا؟

رفع يدها.

وقبل خاتم زواجهما.

ثم نظر إليها بنظرة لم تكن تحمل أي شك في حبها.

— مهما تأخرت...

فسأعود إلى المكان الذي توجدين فيه.

أنتِ منزلي يا لارين.

...

فتحت عينيها بعنف.

واختفت الذكرى كما لو أنها لم تكن.

لم يعد هناك منزل.

ولا دفء.

ولا رجل يعدها بالحماية.

كل ما تبقى...

هو الاتهام.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل الرابع والعشرون

    جلست إلى جواره في السيارة. أغلق آسر الباب، ثم دار إلى الجهة الأخرى وجلس خلف المقود. ما إن أدار السيارة حتى امتلأت المساحة بينهما بصمت غريب. صمت لم يكن مريحًا تمامًا... ولا مزعجًا. بل كان يحمل شيئًا لا يستطيع أي منهما تفسيره. كانت إيلين تنظر من النافذة، تراقب أضواء المدينة وهي تمر أمامها، وتحاول أن تنشغل بأي شيء بعيد عنه. لكن وجوده إلى جوارها كان كافيًا ليجعلها تشعر بكل تفصيلة. رائحة عطره. صوته. حتى الطريقة التي يمسك بها المقود. كل شيء كان مألوفًا بصورة تؤلمها. بعد دقائق، قال آسر: — هل هذه أول مرة تذهبين فيها إلى ذلك المول؟ — تقريبًا. — انتقلتِ حديثًا؟ التفتت إليه. — نعم. — إلى شنغهاي؟ — إلى هذه المنطقة. أومأ. ثم عاد الصمت من جديد. لم يسألها عن سبب انتقالها. ولم تسأله لماذا يهتم. لكن كلاهما كان يفكر في الآخر أكثر مما ينبغي. ---ظل الصمت يخيم بينهما خاصة بعدما أصر على إيصالها إلى المنزل وهاتف السائق ليعيد سيارتها من المول.حتى لا يتركها بمفردها مع الكم الكبير من الأشياء التي طلبتها.ويتعذر عليها حملها أو الصعود بها. فجأة... بدأ صو

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل الثالث والعشرون

    لم يجبه.كانت إيلين تقف أمام متجر للأثاث المنزلي، تحاول حمل صندوق كبير إلى جانب عدة أكياس.رفعت الصندوق بصعوبة.حاولت تثبيته بين ذراعيها، لكنه بدا أثقل مما توقعت.راقبها آسر لثوانٍ.ثم قال للرجل دون أن يبعد عينيه عنها:— سنتابع الحديث لاحقًا.تفاجأ الرجل.— لكن الاجتماع...التفت إليه آسر بنظرة حاسمة.— قلت لاحقًا.ثم تحرك نحوها.ولم يكن يعرف لماذا شعر برغبة مفاجئة في مساعدتها.ربما لأن منظرها وهي تحاول حمل الصندوق وحدها ذكره بشيء لا يستطيع تحديده.أو ربما...لأنها ببساطة جعلته يتصرف بطريقة لم يعتدها مع الغرباء.---كانت إيلين قد نجحت أخيرًا في رفع الصندوق.تنفست براحة، ثم استدارت.وفي اللحظة التالية...اصطدمت بشيء صلب.أو بالأحرى...بشخص.تراجعت خطوة بسرعة، ورفعت عينيها.وتجمدت.آسر.كان يقف أمامها مرتديًا معطفًا داكنًا، ويداه في جيبيه، ونظرته ثابتة عليها.للحظة، شعرت إيلين أن المول كله اختفى.لم تعد تسمع الأصوات من حولها.ولا الموسيقى.ولا خطوات الناس.فقط هو.الرجل الذي كان قلبها يعرفه جيدًا، رغم أن عقلها يصر على أنه أصبح غريبًا.قال بهدوء:— يبدو أنني سأراكِ كثيرًا الفترة القادمة.

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل الثاني والعشرون

    لماذا حدث كل شيء بهذه الطريقة؟ من قتل يامن؟ ومن جعل الجميع يصدق أنها القاتلة؟ ومن سرق منها حياتها؟ قالت لنفسها بصوت ثابت: — لا ينبغي لي أن أضعف. شدت أصابعها حول حافة الطاولة. هذه المرة، لم تكن تحاول إقناع نفسها. كانت تصدر أمرًا لنفسها. — يجب أن أواصل. رفعت عينيها إلى انعكاسها. لم تعد ترى امرأة مكسورة. بل امرأة أمضت خمس سنوات في إعادة بناء نفسها من جديد. — يجب أن أثبت براءتي. ساد الصمت. ظلت تنظر إلى نفسها للحظات، ثم رفعت يدها ولمست انعكاسها في المرآة. في الماضي... كانت تنتظر أن ينقذها آسر. أما الآن... فلم تعد تنتظر أحدًا. ستصل إلى الحقيقة بنفسها. حتى لو قادتها الحقيقة في النهاية إلى الرجل الذي ما زالت تحبه. حتى لو اضطرت إلى الوقوف أمامه يومًا وكشف كل ما أخفته عنه. حتى لو اكتشفت أن الحقيقة ستدمر ما تبقى من مشاعرها تجاهه. فهي لم تعد تملك رفاهية الهروب. خمس سنوات مرت. خلالها ماتت لارين في نظر العالم. لكن الحقيقة... لم تمت. بل ظلت تنتظرها. وانتظرت معها اللحظة التي سيقف فيها آسر أمامها من جديد... لا كزوج وزوجة. ولا كعاشقين. بل كاثنين فرّقت بينهما جريمة لم تُ

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل الحادي والعشرون

    اقترب منها قليلًا.— لأنني اكتشفت شيئًا.ضحكت بخفة، وما زالت آثار النوم واضحة على ملامحها.— ماذا؟مد يده وأبعد خصلة شعر عن وجهها.— أنكِ أجمل عندما تستيقظين.احمر وجهها قليلًا.— أنت تكذب.ابتسم.— وهل أحتاج إلى الكذب على زوجتي؟ثم جذبها نحوه، فاستقرت رأسها على صدره.أغمضت عينيها.استمعت إلى نبضات قلبه الهادئة.ذلك الصوت الذي كانت تشعر معه بالأمان.في تلك اللحظة، لم تكن هناك أسرار.ولا اتهامات.ولا دماء.كان هناك فقط رجل تحبه، وبيت اعتقدت أنه سيكون مأواها إلى الأبد.مرر آسر يده على شعرها برفق.ثم قال بعد لحظات:— أتعلمين ما الذي أريده؟رفعت رأسها لتنظر إليه.— ماذا؟ابتسم.لكن ابتسامته هذه المرة كانت مختلفة.أكثر دفئًا.وكأن هناك أمنية ظل يحملها داخله طويلًا قبل أن يقرر أن يخبرها بها.— أريد طفلًا يشبهك.اتسعت عيناها.— طفل؟ضحك بخفة.— نعم.ثم لمس أنفها بطرف إصبعه.— فتاة صغيرة تمتلك عينيك وتزعجني طوال اليوم.ضحكت.— ولماذا فتاة؟— لأنني سأفسدها بالدلال.ثم أضاف:— وبعدها ربما يأتي ولد يشبهني.رفعت حاجبها.— وربما يشبهني أنا.— مستحيل.ضربته بخفة على صدره.فضحك، ثم أمسك يدها وقبّل أ

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل العشرون

    صمتت إيلين. كانت كلماته قاسية... لكنها تعرف أنه محق. لقد أمضت خمس سنوات وهي تتدرب على أن تكون شخصًا آخر. تعلمت كيف تتحكم في صوتها، ونظراتها، وردود أفعالها. تعلمت كيف تخفي خوفها. كيف تكذب دون أن ترتجف. وكيف تدخل أي غرفة وكأنها تملك السيطرة الكاملة على ما يحدث فيها. لكن أمام آسر... كان الأمر مختلفًا. يكفي أن يقترب منها قليلًا حتى تبدأ ذاكرتها في خيانتها. ويكفي أن تراه مع امرأة أخرى حتى تنسى للحظة كل القواعد التي وضعتها لنفسها. قالت بعد لحظة: — أنا فقط... توقفت. لم تجد ما تقوله. لأن الحقيقة التي عجزت عن الاعتراف بها حتى لنفسها كانت تقف أمامها بوضوح. ابتسم نديم ابتسامة خفيفة. — غرتِ. اتسعت عيناها. — لم... قاطعها فورًا: — لا تبرري. ثم فتح لها باب السيارة. — أنا لا ألومكِ. ترددت قبل أن تركب. ظلت واقفة للحظة، تنظر إليه وكأنها تريد أن تجادله، لكنها لم تجد حجة واحدة مقنعة. فقط خفضت عينيها. نظر إليها نديم وأضاف: — لكن إذا كنتِ تريدين إكمال ما عدتِ من أجله، فعليكِ أن تتذكري شيئًا واحدًا دائمًا. نظرت إليه. — ماذا؟ قال بجدية: — آسر يجب أن يراكِ إيلين... وليس المرأ

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل التاسع عشر

    ما إن أُغلق باب المصعد خلفهما، حتى وقفت إيلين أمام المرآة المعدنية، بينما ضغط نديم زر الطابق الأرضي.انطلق المصعد إلى الأسفل ببطء، وانعكس الاثنان في المرآة اللامعة أمامهما.هبط المصعد في صمت.لكن وجه إيلين لم يكن هادئًا.كانت ملامحها لا تزال تحمل أثر الضيق الذي حاولت إخفاءه أمامه، وعيناها ثابتتين أمامها، كأنها تحاول إقناع نفسها بأن المشهد الذي رأته قبل دقائق لم يكن يعنيها.لكنها كانت تعرف في أعماقها أن الأمر لم يكن بهذه البساطة.ما أن ظهرت تالا...وهي تشعر بشيء لم تستطع السيطرة عليه.اقتربت تالا من آسر.ثم قبلته على خده بكل عفوية.مجرد قبلة قصيرة...لكنها كانت كافية لإفساد هدوء إيلين بالكامل.لم يكن ما رأته مجرد قبلة.بل الطريقة التي استقبل بها آسر وجود تالا، والنبرة التي تحدث بها معها، والراحة الواضحة بينهما.كل ذلك يجعلها تفكر في حقيقة تود محوها من رأسها.آسر لم يتوقف عن الحياة بعد موتها.بينما هي...قضت خمس سنوات كاملة تحاول أن تتعلم كيف تعيش من جديد.شدت أصابعها حول الملف الذي تحمله، ثم أخذت نفسًا بطيئًا.كان عليها أن تتذكر سبب عودتها.الحقيقة.فقط الحقيقة.لاحظ نديم انعكاس وجهها

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status