Share

الفصل الثالث

last update publish date: 2026-08-07 00:14:57

امرأة أعلن العالم موتها

لم يكن الألم هو أول ما شعرت به...

بل الصمت.

صمتٌ ثقيل، خانق، كأن العالم كله اختفى فجأة، ولم يبقَ سوى ذلك الفراغ المظلم الذي يحيط بها من كل جانب.

حاولت لارين أن تفتح عينيها، لكن جفنيها كانا أثقل من أن يستجيبا لها.

كان جسدها غارقًا في عجز غريب، وكأن أطرافها لم تعد تنتمي إليها.

تسللت إلى أنفها رائحة حادة...

رائحة احتراق.

ثم تلتها رائحة المطهرات النفاذة.

حاولت أن تتذكر أين هي.

المحكمة...

الانفجار...

النار...

آسر...

لكن الأفكار كانت متقطعة، كصور ممزقة تتطاير داخل رأسها.

أدركت أنها ليست داخل المحكمة.

لكنها لم تعرف أين هي.

حاولت تحريك يدها، فخرج منها أنين خافت، قبل أن تشعر بأصابع دافئة تضغط برفق على كفها.

قال صوت رجولي هادئ:

— لا تحاولي الحركة... ما زلتِ في خطر.

فتحت عينيها بصعوبة.

في البداية لم ترَ سوى سقف أبيض، وضوء مصباح قوي يكاد يعميها.

ثم بدأت الرؤية تستقر تدريجيًا.

ظهر أمامها رجل تجاوز الخمسين، يرتدي معطفًا طبيًا، إلا أن هيبته لم تكن تشبه هيبة الأطباء المعتادين.

كانت في ملامحه صرامة رجل اعتاد اتخاذ قرارات تغير مصائر البشر.

حاولت الكلام.

لكن حلقها كان جافًا، وصوتها خرج هامسًا:

— أين... أنا؟

نظر إليها الرجل طويلًا.

كانت عيناه تراقبان حالتها بعناية، وكأنه يحاول التأكد من أنها أصبحت قادرة على استيعاب ما سيقوله.

ثم قال:

— في مكان لا يستطيع أحد الوصول إليه.

ارتبكت.

حاولت رفع رأسها، لكن الألم أجبرها على الاستلقاء مجددًا.

— المحكمة...

انفجرت...

أومأ برأسه.

— نعم.

أغمضت عينيها فجأة.

وتدفقت الصور إلى عقلها دفعة واحدة.

لهيب...

زجاج متناثر...

صرخات...

رائحة الدخان...

ثم...

ابتسامة ذلك الرجل الغامض قبل أن يبتلعها الدخان.

فتحت عينيها مذعورة.

— آسر!

ساد الصمت.

خفض الرجل بصره للحظة، ثم قال:

— لا تفكري فيه الآن.

لكنها أمسكت بطرف غطائها بكل ما تبقى لديها من قوة.

كان الخوف على مصير آسر أقوى من ألم جسدها.

— هل... هو بخير؟

نظر إليها باستغراب.

حتى وهي بين الحياة والموت...

كان أول سؤال خرج من قلبها يخص الرجل الذي تخلى عنها.

تنهد وقال:

— نعم... نجا.

أغمضت عينيها براحة لم تستطع إخفاءها.

تراخت أصابعها فوق الغطاء، وكأن تلك الإجابة وحدها منحت قلبها الإذن بأن يهدأ للحظة.

راقبها الرجل بصمت.

ثم تمتم بصوت يكاد لا يُسمع:

— ما زلتِ تحبينه...

---

في الوقت نفسه...

كانت سيارات الإسعاف تملأ محيط المحكمة.

الأضواء الحمراء والزرقاء تنعكس على الحطام المتناثر، بينما كان رجال الإنقاذ يتحركون بين الأنقاض بحثًا عن الناجين.

ارتفعت أعمدة الدخان في سماء المدينة.

وكانت رائحة الحريق لا تزال عالقة في الهواء.

وقف آسر النويري وسط الأنقاض.

ملابسه امتلأت بالغبار، وشعره الذي كان مرتبًا بعناية أصبح مبعثرًا، بينما كانت يده تنزف من أثر الزجاج الذي حطمه وهو يبحث بين الركام.

لم يكن يسمع أصوات رجال الإنقاذ حوله.

كان يبحث بعينيه في كل مكان.

عنها.

عن لارين.

رغم كل ما حدث...

رغم كراهيته لها...

ورغم أنه أقنع نفسه بأنها تستحق العقاب...

إلا أن شيئًا داخله كان يرفض فكرة أن تموت بهذه الطريقة.

اقترب قائد فريق الإنقاذ.

تردد قبل أن يتكلم.

— سيدي...

التفت إليه آسر بعينين حمراوين من الدخان.

— ماذا؟

ابتلع الرجل ريقه.

ثم أشار نحو نقالة غُطيت بملاءة بيضاء.

— وجدنا... جثة امرأة بالقرب من قفص الاتهام.

توقفت أنفاس آسر.

ظل واقفًا للحظات دون حركة.

ثم تقدم بخطوات بطيئة.

كانت خطواته ثقيلة، وكأن كل خطوة تقوده نحو حقيقة لا يريد مواجهتها.

مد يده.

وأزاح الملاءة.

ساد الصمت.

لم تكن الملامح واضحة.

النيران التهمت معظم الوجه.

لكن...

الخاتم الفضي في إصبعها...

كان كافيًا.

الخاتم الذي ألبسها إياه يوم زفافهما.

توقفت عيناه عليه طويلًا.

لم يمد يده إليه.

لم يحتج إلى ذلك.

كان يعرفه.

حفظ تفاصيله يوم اختاره بنفسه لها.

ظل ينظر إليه دون أن يتحرك.

ولم ينطق بكلمة.

مرت ثوانٍ طويلة.

ثم أعاد تغطية الجثة بنفسه.

استقام ببطء.

كانت ملامحه جامدة، لكن شيئًا عميقًا انكسر خلف عينيه.

ثم استدار.

قال قائد الحراسة بحذر:

— سيدي...

هل نبلغ الصحافة؟

أجاب بصوت جامد:

— أبلغوا الجميع...

أن المتهمة لارين...

ماتت في الانفجار.

ورحل.

لكن أحدًا لم يلاحظ...

أن قبضته كانت ترتجف.

---

بعد ساعات...

عادت لارين إلى وعيها مرة أخرى.

هذه المرة كان الألم أكثر وضوحًا.

شعرت بحرارة تلتهم وجهها، وبألم حاد يمتد من جانب رأسها إلى عنقها.

حاولت تحريك يدها ببطء.

ثم رفعتها بعفوية نحو وجهها.

لكن الطبيب أمسك معصمها بسرعة.

— لا.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل المئة وسبعة وثلاثون

    تردد الرجل للحظة، وكأنه كان يبحث عن الطريقة المناسبة لشرح الأمر دون أن يزيد من قلقها، ثم قال:— مستندات تتعلق بتعديل بعض البنود المالية والفنية في المشروع.اتسعت عيناها قليلًا، وشدت أصابعها حول الهاتف.— أنا لم أوافق على أي تعديل من هذا النوع.جاء صوته أكثر توترًا، وكأنه يعرف أن الأمر تجاوز مجرد خطأ إداري:— هذا ما يجعل الأمر خطيرًا. الموافقات مسجلة باسمكِ، والتعديل تسبب في خسارة كبيرة للشركة وعرّضها لخرق بعض بنود العقد.رفعت إيلين رأسها، وبدأت تحاول استيعاب ما تسمعه دون أن تستسلم للارتباك.— ومن قال إنني أنا من أجريت هذه التعديلات؟— النظام يُظهر أن الموافقات صدرت من حسابكِ.ساد صمت قصير، بينما راحت إيلين تفكر بسرعة في كيفية الوصول إلى حقيقة ما حدث.ثم قالت بحزم:— حسابي لا يعني أنني من استخدمه. أريد معرفة كل من كان لديه صلاحية الوصول إليه.تنهد الرجل قبل أن يجيب، وكأن ما سيقوله لم يكن سهلًا:— الإدارة اجتمعت بالفعل، وهناك قرار مبدئي…تغيرت ملامح إيلين، وسألته فورًا:— أي قرار؟جاءها الرد بعد لحظة صمت:— تم إيقافكِ عن العمل فورًا إلى حين انتهاء التحقيق، وهناك اتجاه لإنهاء تعاقدكِ وتح

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل المئة وستة وثلاثون

    ما إن غادر نادر المكتب وأغلق الباب خلفه، حتى لمح إيلين في الممر وهي تتجه نحو مكتب آسر. توقفت عيناه عليها للحظة، وتبادلا نظرة قصيرة لم تستطع أن تقرأها، قبل أن يتابع طريقه من دون أن ينطق بكلمة. لكن ملامحه الجامدة أوحت بأن وجودها لم يكن بعيدًا عن الأفكار التي تدور في رأسه.توقفت إيلين أمام الباب، وطرقت عليه بخفة، ثم فتحته ودخلت.كان آسر واقفًا خلف مكتبه، وقد بدا التوتر واضحًا على ملامحه. وما إن رآها حتى رفع عينيه إليها، بينما أغلقت الباب خلفها واقتربت منه بضع خطوات.— ماذا حدث؟ رأيت والدك يخرج من هنا، وكان غاضبًا جدًا.زفر آسر ببطء، ثم مرر يده على وجهه قبل أن يستند إلى حافة مكتبه.— جاء يتحدث معي عن الشراكة مع السيد عزيز.راقبته إيلين باهتمام، ثم سألت وهي تقترب أكثر:— وماذا قال؟رفع آسر عينيه إليها، وكانت نبرته تحمل ضيقًا واضحًا.— قال إنني السبب في كل ما حدث.انعقد حاجباها، وقد بدأت تفهم إلى أين اتجه الحديث.— بسبب رفضك الزواج من تالا؟أومأ آسر دون تردد.— نعم. أخبرته مرة أخرى أنني لم أطلب من السيد عزيز إنهاء الشراكة، وأن الزواج أمر شخصي لا علاقة له بالعمل، لكنه لم يكن مستعدًا لسماع أي

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل المئة وخمسة وثلاثون

    لم يكد آسر يستقر في مكتبه حتى فُتح الباب بعنف، ودخل نادر بخطواتٍ سريعة، وقد بدت علامات الغضب واضحة على وجهه.رفع آسر رأسه عن الملفات التي أمامه، وما إن رأى ملامح والده حتى أدرك أن الأمر يتعلق بما حدث مع السيد عزيز، لكنه لم يفهم بعد سبب هذا الغضب كله.قال نادر بحدة، وهو يتقدم نحوه:— ماذا سنفعل الآن في الكارثة التي حدثت؟اعتدل آسر في جلسته، وأبعد بعض الأوراق أمامه، ثم نظر إلى والده باستغراب.— لا أفهم… ما الذي تقصده؟اقترب نادر من مكتبه، ووضع يديه على سطحه، ثم قال بانفعال:— ما حدث مع السيد عزيز! هل تعتقد أنني سأتجاهل أن شراكتنا معه انتهت بهذه الطريقة؟اتسعت عينا آسر قليلًا، ثم نهض من مقعده ببطء.— وأنا أيضًا لا أفهم كيف وصل الأمر إلى هذا الحد. ذهبت إلى تالا لأعرف ما الذي حدث، ولم تكن تتوقع أن يتخذ والدها هذا القرار بهذه السرعة.حدق نادر فيه لحظات، وكأن ما قاله ابنه زاد غضبه بدلًا من أن يهدئه.— لا تتحدث وكأنك لا علاقة لك بما حدث.عقد آسر حاجبيه، وقد بدأ الضيق يظهر في ملامحه.— أنا لم أقل إنني لا علاقة لي بالأمر، لكنني لا أفهم لماذا تتحدث معي وكأنني أنا من اتخذ القرار.ضرب نادر بيده عل

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل المئة وأربعة وثلاثون

    أخفضت تالا عينيها قليلًا، قبل أن تجيبه: — بدأ يسألني عن السبب. توقفت لحظة، ثم تابعت بصوتٍ أكثر انخفاضًا: — وضغط عليّ في الكلام، فعرف أنك أيضًا لا تريد الزواج مني. عقد آسر حاجبيه، ثم ابتعد عن مكتبها بضع خطوات، وكأنه يحاول ترتيب أفكاره قبل أن يتحدث. — وهل فهمتِ من ذلك أن قراركِ أنتِ هو الذي جعل والدكِ يفضّ الشراكة مع المجموعة؟ هزت تالا رأسها سريعًا، وقد ظهر القلق في عينيها. — لا، بالطبع لا. أنا لم أطلب منه أن ينهي الشراكة. التفت إليها آسر، وقال بحدة: — لكنكِ أعطيته سببًا ليفهم أن المشكلة من جهتنا. خفضت تالا عينيها مرة أخرى، ولم تجد ردًا مناسبًا على كلماته. لاحظ آسر صمتها، فاقترب منها قليلًا، وتحدث هذه المرة بنبرة أهدأ، لكنها كانت أشد وقعًا: — أنتِ لم تخطئي فقط لأنكِ تحدثتِ مع والدكِ. أنتِ أخطأتِ لأنكِ اتخذتِ قرارًا يتعلق بحياتي وبعملي دون أن تسأليني. رفعت تالا عينيها إليه، وقد بدأ الندم يظهر في ملامحها. — لم أقصد أن أضرّ بك. لم يتردد آسر في الرد، وظلت نظراته ثابتة عليها. — لكنكِ فعلتِ. ساد الصمت بينهما من جديد. تحركت تالا في مقعدها بتوتر، بينما نظر آسر إلى الملفات المتن

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل المئة وثلاثة وثلاثون

    وصل آسر إلى الشركة بخطواتٍ سريعة، وقد ظلّ قرار السيد عزيز بفضّ الشراكة يثير داخله غضبًا لم يستطع تهدئته طوال الطريق. لم يكن يفهم كيف يمكن أن يتخذ رجلٌ بمكانة السيد عزيز قرارًا بهذه الخطورة بهذه السرعة، ولا لماذا اختار هذا التوقيت تحديدًا.اتجه مباشرةً إلى مكتب تالا، وما إن وصل حتى طرق الباب طرقًا قصيرًا، ثم فتحه دون انتظار طويل.رفعت تالا رأسها عن الأوراق أمامها، وبدا الارتباك واضحًا في ملامحها فور أن رأته. لم تكن تتوقع أن يأتي إليها آسر بهذه السرعة، ولا أن يكون أول شخص يواجهها بعد قرار والدها.قال آسر بنبرةٍ حادة، وهو يتقدم إلى الداخل:— ما الذي حدث؟ترددت تالا لحظة، وراحت عيناها تتحركان بين ملامحه المتوترة والملفات أمامها، قبل أن تجيبه:— ماذا تقصد؟أغلق آسر الباب خلفه، ثم التفت إليها بنظرةٍ مباشرة، وقد بدا أنه لم يأتِ ليسمع إجابة مراوغة.— لا تفعلي هذا يا تالا. أنتِ تعرفين ما أقصده. ما الذي حدث بين والدكِ والمجموعة؟اضطربت ملامحها أكثر، وحاولت أن تبدو هادئة رغم التوتر الذي بدأ يظهر في صوتها.— أنا… لم أكن أتوقع أن يتخذ والدي هذا القرار بهذه السرعة.اقترب آسر من مكتبها، ووضع يديه عل

  • عدت باسم لا يعرفه... ليقع في حبي من جديد   الفصل المئة واثنان وثلاثون

    ظلّت إيلين صامتة، وعيناها معلقتان بآسر، بينما كانت كلماته الأخيرة لا تزال تتردد في ذهنها.راقب ترددها للحظات، ثم اقترب منها قليلًا، وكأنه لم يكتفِ بما حصل عليه من صمتها.— إيلين… سألتكِ سؤالًا.رفعت عينيها إليه، وقد شعرت بأن إصراره على معرفة الإجابة لا يسمح لها بالمراوغة.— ماذا؟ثبت آسر نظره عليها، ثم كرر سؤاله بنبرة أكثر هدوءًا، لكنها لم تخلُ من القلق.— هل أنتِ متمسكة بي أم لا؟شعرت إيلين بقلبها يخفق بقوة.كان السؤال بسيطًا، لكن إجابته بالنسبة إليها لم تكن كذلك. ومع ذلك، لم تعد ترغب في تركه مع الشك الذي ظهر في عينيه قبل قليل.ابتلعت ترددها، ثم أخذت نفسًا عميقًا وقالت:— نعم.اقتربت منه خطوة أخرى، وكأنها اتخذت قرارها بالفعل.ثم أضافت بصوت صادق:— أنا أريدك في حياتي… ولا أريدك أن تبتعد عني أبدًا.ظهرت الراحة في ملامح آسر فور سماعه كلماتها، وكأن شيئًا كان يثقله انزاح عن صدره.لم تقل إيلين شيئًا آخر، بل اقتربت منه أكثر وأحاطت ذراعيها به، وأسندت رأسها إلى صدره.توقف آسر للحظة، ثم ضمها إليه بقوة، وكأنه كان ينتظر منها هذه الخطوة منذ بداية الحديث.خفض رأسه قليلًا، وقال بهدوء:— وأنا أيضًا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status