LOGINالتقطت مفاتيحها بسرعة واستدارت لتغادر، لكنه لحق بها فورًا.
"إيما!"
تسارعت خطواتها أكثر حتى دخلت المصعد بسرعة، لكن الباب لم يغلق، امتدت يد جون تمنعه قبل أن يدخل معها، تراجعت للخلف تلقائيًا حين اقترب.
"كنتِ تتنصتين علينا؟"
"لم أفعل" خرج صوتها مرتبكًا أكثر مما أرادت
"إذًا ما الذي كنتِ تفعلينه هناك؟"
"عدت لأحضر هاتفي" ظل يحدق بها بصمت جعل توترها يزداد، كان قريبًا للغاية لدرجة أنها استطاعت ملاحظة تلك الندبة الصغيرة قرب فكه، ورائحة عطره الثقيلة التي امتزجت برائحة المطر بالخارج.
"أنتِ متوترة جدًا بالنسبة لشخص بريء"
رفعت عينيها نحوه أخيرًا "لأنك تتصرف كمجرم"
كاد يبتسم رغمًا عنه وفجأة..
انطفأت أضواء المصعد بالكامل، شهقت إيما بخفوت بينما ارتطم ظهرها بالجدار المعدني خلفها، أما جون فقد كان قريبًا للغاية.
قريبًا للدرجة التي جعلته يسمع اضطراب أنفاسها بوضوح.
ولأول مرة..
لم تبدُ إيما ڤان باردة كما ظن.
"تبًا! " خرجت الهمسة من بين شفتي إيما بالكاد بينما ظلت عيناها معلقتين بالظلام المحيط بهما داخل المصعد للحظة شعرت وكأن الهواء أصبح أثقل من اللازم وكأن الجدران المعدنية تضيق تدريجيًا حولها.
أضاء جون كشاف هاتفه أخيرًا فانشق الظلام بخيط أبيض باهت انعكس فوق ملامحه الحادة، كانت الإضاءة الضعيفة تمنحه هيئة أكثر خطورة خاصة مع تلك النظرة الثابتة التي لم يرفعها عنها منذ انطفأت الكهرباء.
ابتلعت ريقها بصعوبة وهي تبعد خصلات شعرها خلف أذنها محاولة إخفاء ارتباكها، لاحظ جون ذلك فورًا.
لاحظ أصابعها المرتجفة قليلًا، والطريقة التي كانت تتجنب بها النظر مباشرة إلى الجدران المغلقة حولها
"أنتِ خائفة فعلًا"
قالها بهدوء مفاجئ جعلها تنظر نحوه بسرعة
"لست خائفة" انكرت سريعًا وكأنه اتهمها بجريمة قتل.
رفع حاجبه ببطء بينما يوجه ضوء الهاتف نحو اللافتة المعلقة بجانب المصعد
"هناك تصليحات بالطابق، يبدو أن الكهرباء ستعود بعد ساعة أو اثنتين على الاكثر"
ثم أعاد نظره إليها مجددًا قبل أن يضيف
"وهذا يُسمى خوفًا بالمناسبة، ولا يقلل من شأنكِ أبدًا" زفرت بضيق وهي تشيح بوجهها بعيدًا
"هذا يُسمى كره الأماكن المظلمة فقط، كلمة خوف كبيرة للغاية" ضحك بخفة قصيرة أربكتها أكثر من سخريته المعتادة لقد نجح حقًا في جعلها تنسى الظلام الذي حولها.
كان غريبًا أن يبدو أقل استفزازًا وسط الظلام، أو ربما لأنها للمرة الأولى تراه بعيدًا عن ضوضاء الشركة والناس المحيطين به دائمًا.
تحرك جون أخيرًا خارج المصعد بعدما لاحظ أن أبوابه لن تعمل قريبًا، فأضاء الممر الطويل أمامهما، كان الطابق مظلمًا تمامًا وصامتًا بطريقة جعلت إيما تشعر بعدم الارتياح.
"هاتفك في قسم المالية، صحيح؟" سأل بشك فأومأت بصمت "إذن هيا" ترددت للحظة قبل أن تسير خلفه بخطوات حذرة، راقبها من طرف عينه دون أن يعلق، كانت تضم ذراعيها حول نفسها كأنها تحاول الاحتماء من شيء غير مرئي، بينما يتحرك نظرها بين الزوايا المظلمة بتوتر واضح.
ولسبب لم يفهمه شعر فجأة برغبة غريبة في طمأنتها، الأمر أزعجه.
دخل الاثنان القسم أخيرًا، وأضاء جون المكان بكشاف هاتفه بينما بدأت إيما تبحث فوق مكتبها بسرعة "أنتِ كثيرة التوتر" قالها فجأة وهو يتكئ على أحد المكاتب.
"وأنت كثير التدخل" اتسعت ابتسامته قليلًا
"إذن لديكِ لسان حاد أيضًا، ظننتك مجرد فتاة صامتة تقضي حياتها مع الملفات" لم ترد عليه كانت منشغلة بتفتيش الأدراج حتى تنهدت بضيق.
"ليس هنا" اقترب جون ببطء حتى أصبح يقف بجانبها مباشرة "أعطني رقمك، سأتصل به"رفعت نظرها نحوه فورًا
"رقمي؟" سألت باستغراب بالغ.
"لا تنظري إليّ هكذا " قال ساخرًا
"لن أستخدمه لمطاردتك" ترددت للحظات قبل أن تملي له الرقم أخيرًا، بينما كان هو يراقب تعابيرها بانتباه غريب.
بعد ثوانٍ، انطلق صوت رنين خافت من زاوية بعيدة قرب الأريكة الصغيرة الموجودة آخر القسم، تقدمت إيما بسرعة والتقطت الهاتف قبل أن تلتفت نحوه بانتصار خفيف.
"هل صدقت الآن؟"
حدق بها لثوانٍ ثم قال بهدوء أربكها
"الآن فقط صدقت" كان هناك شيء غريب في طريقته بالنظر إليها، شيء جعل معدتها تنقبض دون سبب واضح، ابتعدت سريعًا وهي تضم الهاتف إلى صدرها.
"جيد، إذًا يمكنني الذهاب الآن" تحركت نحو المصعد لكنه أوقفها صوته قبل أن تصل "إيما"
التفتت نحوه بحذر، اقترب ببطء حتى توقف أمامها مباشرة ثم قال بنبرة منخفضة جعلت القشعريرة تسري في جسدها
"إذا عرفتُ أن أحدًا داخل الشركة سمع شيئًا عما حدث الليلة، فلن يعجبك ما سيحدث ابدًا"
انعقد حاجباها بضيق "أنا لا أهتم بأسرارك أصلًا" قالت بانفعال
"لكن يبدو أنكِ سمعتي الكثير منها"
تنهدت بضجر قبل أن تجيبه بحدة خافتة
"لن أخبر أحدًا، ليس خوفًا منك، بل لأنني لست حقيرة كما تظن" ظلت عينا جون معلقتين بها للحظة طويلة قبل أن يبتعد أخيرًا دون تعليق.
لكن شيئًا ما داخل رأسه أخبره بأنها لم تكن تكذب
في تلك الليلة لم تستطع إيما النوم.
كانت مستلقية فوق فراشها تحدق بالسقف بينما تدور أفكارها حول ذلك الرجل المزعج الذي اقتحم حياتها فجأة بكل تلك الفوضى.
جون لم يكن يشبه الرجال الذين اعتادت تجاهلهم بسهولة، امتلك حضورًا مستفزًا كأنه يدخل أي مكان متأكدًا أن الجميع سينظر إليه، والأسوأ من ذلك أنها فهمت الآن لماذا كانت فتيات الشركة يتحدثن عنه طوال الوقت.
تنهدت وهي تغطي وجهها بالوسادة "يا إلهي!! هل أصفه بالوسيم فعلًا؟" نهضت بسرعة وكأنها تحاول الهروب من أفكارها ثم اتجهت نحو مكتبها الصغير وأمسكت كتابها المفضل.
"نجومك أنت"
مررت أصابعها فوق الغلاف بابتسامة خافتة، كانت تحب ذلك الكاتب المجهول بطريقة غريبة تشعر أحيانًا وكأنه يكتب أفكارها هي.
فتحت الصفحة الأولى تقرأ بصمت
"في تلك السماء الحالكة المليئة بالنجوم، لا شيء يضيء حقًا سوى الأشياء التي تعلمت النجاة داخل الظلام" أغلقت الكتاب للحظة وهي تزفر ببطء ثم نظرت نحو الساعة.
تجاوزت منتصف الليل وآنا لم تعد للمنزل بعد، عبست بقلق وهي تمسك هاتفها لتتصل بها لكن دون رد.
"اللعنة عليكِ يا آنا "
نهضت بتوتر واضح وهي تبدأ بالسير ذهابًا وإيابًا داخل الشقة، كانت تعرف جيدًا كيف تتصرف صديقتها حين تشرب وتعرف أكثر أنها تثق بالناس بسهولة مخيفة، رن جرس الباب أخيرًا اندفعت نحوه بسرعة قبل أن تتجمد مكانها.
كان هارولد يقف أمامها يحمل آنا بين ذراعيه بينما تبدو فاقدة الوعي تمامًا "أعتذر على التأخير" قال بابتسامة متعبة قليلًا.
"لقد شربت أكثر مما ينبغي"
"أوه، لقد مضى وقت طويل منذ آخر مرة أتيت فيها." قال الشاب الأشقر وهو يبتسم لجون بالألمانية ابتسم جون وحك مؤخرة رأسه."أجل، أعلم كنت مشغولًا"انتقلت نظرات الشاب إلى إيما، فتأملها للحظات قبل أن يقول شيئًا آخر بالألمانية.لم تفهم إيما كلمة واحدة، لكنها شعرت أنه يتحدث عنها خصوصًا مع نظراته التي انتقلت بينها وبين جون.فجأة أمسك جون بيدها وسحبها لتقف إلى جواره، قال الشاب الأشقر بابتسامة ذات مغزى"إنها المرة الأولى التي تحضر فيها رفيقة معك يبدو أنها مميزة"لم تفهم إيما شيئًا مما قيل، لكنها حدقت في جون وكأنها تنتظر ترجمة فورية لما يحدث حولها.أجاب جون دون تردد:"أجل، إنها فتاة مميزة بالنسبة لي."توقفت إيما للحظة، رغم أنها لم تفهم الكلمات، إلا أن نبرة جون جعلت قلبها يخفق بطريقة غريبة.ثم التفت الشاب إليها وقال:"صباح الخير، سيدتي."نظرت إليه إيما بحيرة فأمال جون رأسه نحوها وهمس"إنه يقول صباح الخير"ابتسمت إيما، ثم كررت الكلمة التي سمعتها منه بالألمانية، اتسعت ابتسامة جون."أنتِ تتعلم
مرت تلك الليلة ثقيلة على الجميع، وكأن النوم قرر أن يبتعد عن غرفهم جميعًا.كانت بيلا أكثرهم قلقًا، كلمات ويليم أرعبتها حقًا فهو لم يتصرف معها بهذه الطريقة من قبل، لطالما كان يقف إلى جانبها، ويتحمل رفضها ومراوغتها، ولم يهددها يومًا بأنه سيتوقف عن ملاحقتها أو عن حبها.لكن ما أخافها أكثر من كلماته هو معرفتها بأن ويليم لا يتحدث عبثًا؛ فعندما يتخذ قرارًا، ينفذه.أما إيما فقد قضت جزءًا كبيرًا من الليل تفكر في هدية مناسبة لجون، كانت تريد أن تختار له شيئًا مميزًا لعيد ميلاده، وربما هدية أخرى للعام الجديد.لم تكن تعرف لماذا أصبح الأمر مهمًا لها إلى هذه الدرجة، لكنها أرادت بشدة أن ترى ابتسامته مجددًا.كانت سعادة جون محببة إلى قلبها بشكل غريب، وتمنت ولو للحظة أن تراه سعيدًا لبقية حياته.استيقظ جون مبكرًا للغاية مع أول خيوط الشمس، كان متحمسًا بصورة لم يشعر بها منذ وقت طويل.أراد أن يقضي يومًا مختلفًا مع إيما يومًا يجعلها تضحك من قلبها وينسيها كل ما مرّت به مؤخرًا.لم يكن قد سامح نفسه حتى الآن لأنه تسبب في ألمها مرتين، و
دخلت إيما الغرفة وهي تغلي من الغضب، وما إن أُغلق الباب خلفهما حتى التفتت إلى جون."واللعنة يا جون، لا تورطني في أمورك اللعينة مجددًا!" قالت بغضب، رفع جون حاجبه بهدوء وكأنه لا يرى سببًا لكل ذلك الانفعال."ماذا؟ أليس من الأفضل أن يظنوا أننا نتواعد؟ ليس من المنطقي بقاء رجل وامرأة في غرفة واحدة من دون علاقة عاطفية تربطهما، كما أنني لن أشارك الغرفة مع جينا أبدًا" حاول تبرير موقفه.عقدت إيما ذراعيها أمام صدرها وقالت بغيظ:"بالضبط، هذا ما أتحدث عنه! لذا جد غرفة أخرى تنام فيها"لكن جون لم يهتم كثيرًا، بل تمدد على الفراش ببرود وأغمض عينيه"أنا متعب حقًا"حدقت به إيما لثوانٍ غير مصدقة لمدى بروده."حسنًا، سأذهب إلى غرفة آنا، لا يمكنني البقاء معك هنا" صفق جون بضع مرات بكسل وهو ما يزال مستلقيًا."هذا حل جيد إيما" اتسعت عيناها من شدة الغيظ."هناك حل أفضل! ما رأيك أن تأخذ أغراضك اللعينة وتذهب إلى غرفة هارولد؟" تنهد جون ونهض من الفراش وهو يلتقط حقيبته."واللعنة، أنا لا أقدم هذه الخدمات مجانًا أيتها الفتاة"ثم خرج من
نزلت إيما إلى الأسفل ثم وقفت أمام جون وهي تتصنع الغضب قدر استطاعتها.لأول مرة في حياتها كان هناك شخص يراقبها فقط ليتأكد من أنها نامت جيدًا، كان الأمر لطيفًا... ودافئًا بطريقة لم تعتدها لكنها لم تكن تريد أن يستمر.هي لن تقع في الحب.ولا تريد أن تتألم.كان جون أول شخص في حياتها في أشياء كثيرة؛ أول صديق حقيقي، أول وغد استطاع استفزازها إلى هذا الحد، أول شخص غير متوقع على الإطلاق، وأول شخص خذلها مرتين وسامحته في المرتين.في العادة، كانت إيما تراقب الناس من حولها بصمت. لم تكن تكوّن الكثير من الصداقات، ولذلك اعتادت مراقبة الجميع وتحليل تصرفاتهم حتى أصبحت قادرة على التنبؤ بردود أفعال معظم من حولها.ربما كانت تلك مجرد آلية دفاع، طريقة تحمي بها نفسها من الخذلان لكن جون كان مختلفًا تمامًا.لم تستطع توقعه ولو لمرة واحدة، كان دائمًا يفاجئها بردود أفعاله الغريبة تجاه المواقف والأشخاص وكأنه الشخص الوحيد الذي لا تستطيع قراءته مهما حاولت، لقد كان صادمًا بكل معنى الكلمة.وبينما كانت غارقة في أفكارها شعرت فجأة بشيء دافئ يحيط برقبت
في اليوم التالي لم تستطع إيما التركيز في العمل كما ينبغي، فقد قضت الليل كله تقريبًا تتقلب في فراشها بسبب جون، وكلماته التي ظلت عالقة في رأسها حتى بعد أن أغلقت عينيها.جلست آنا إلى جوارها في المكتب ثم ألقت عليها نظرة فاحصة قبل أن تهمس"لماذا تبدين كدب الباندا هكذا؟" تنهدت إيما وقالت وهي تفرك عينيها "لم أستطع النوم أمس"ضيقت آنا عينيها وسألت مجددًا"أهذا بسبب جون؟" أجابتها إيما بسرعة"أجـ... لا، ليس كذلك"ابتسمت آنا بسخرية وقالت"إنه بسببه، حالتك تُرثى لها."تجاهلتها إيما وعادت إلى عملها، محاولة إقناع نفسها بأن آنا مخطئة لكن الحقيقة أنها كانت تعرف جيدًا أن نومها لم يكن ليضطرب لولا ذلك الرجل وكلماته الغامضة.لم يمر وقت طويل حتى قطع الصمت المحيط بالمكان صوت المديرة جينا التي وقفت أمام الموظفين وهي تبتسم."لدي خبر مهم لكم يا رفاق"رفعت جينا صوتها قليلًا لتلفت انتباه الجميع ثم تابعت"لقد قررت الشركة منحنا رحلة مدفوعة التكاليف لمدة ثلاثة أيام إلى سويسرا، تقديرًا لعملنا الجاد على المنتج الجديد"
كان شعر إيما المبلل يلتصق بوجهها، بينما انعكست خضراوتها تحت قطرات المطر المتساقطة، وكانت رموشها البنية تزداد قتامة بسبب البلل.ظل جون يحدق بها للحظات، وشعر بقلبه يخفق بجنون وكأنه يرفض الاستماع إلى أي منطق.قال بهدوء، محاولًا أن يشرح ما عجز عن قوله من قبل"أنا آسف... لقد قلتِ إنه ليس من السهل أن تثقي بشخص وهو لا يبادلك الثقة، أليس كذلك؟ هكذا كنت أفكر أنا أيضًا في ذلك اليوم، كنت أثق بك لكن ليلة الحفل، وبسبب سوء الفهم شعرت أنني فقدت تلك الثقة، وشعرت أنكِ لا تثقين بي لذلك أتمنى منك أن تتفهمي ما حدث، أنا لا أبرر تصرفاتي الحمقاء لكنني أردت فقط أن أخبرك أنني تألمت أنا أيضًا، لأنني ظننت أنكِ أنتِ من خذلتني، لم أكن لأتألم بهذا الشكل لو كان شخصًا آخر لأنني في النهاية أتوقع الخذلان من الجميع... عداكِ"ظل ينظر إلى عينيها الخضراوين دون أن يستطيع إبعاد نظره عنهما وكأن شيئًا بداخله يجبره على التحديق بها.كان الثلج يهطل بغزارة من حولهما وسرعان ما بدأت المدينة بأكملها تتغطى باللون الأبيض.نظرت إيما من نافذة السيارة وقالت بصوت خافت"أنت حقًا غريب... وتج







