بيت / التشويق / الإثارة / عرش النيل والقلوب / الفصل الأول: نسر وعيون الغزالة

مشاركة

عرش النيل والقلوب
عرش النيل والقلوب
مؤلف: Ahmed Habib

الفصل الأول: نسر وعيون الغزالة

مؤلف: Ahmed Habib
last update تاريخ النشر: 2026-06-04 20:58:18

كانت الشمس تجر أذيالها الذهبية خلف تلال غرب طيبة، صابغة مياه النيل العظيم بلون الذهب القاني المخلوط بحمرة الدم. على ضفتي النهر الخالد، امتدت الزوارق الملكية المزدانة بجلود الفهود والحرير المطرز المستورد من بلاد بونت، بينما كانت أصوات الصنوج والنقارات وطبول الحرب تصدح في الأفق، معلنة بدء "عيد الأوبت" السنوي. كانت طيبة الليلة لا تنام؛ رائحة البخور الفاخر تتصاعد من المباخر البرونزية الكبيرة لتزكم الأنوف، وأصوات ترانيم الكهنة تتداخل مع ضحكات العامة وهتافاتهم لفرعون العظيم.

وسط هذا الصخب الأسطوري، وبعيدًا عن أعين المحتفلين، كان القائد الشاب آني يقف فوق ربوة صخرية مرتفعة تشرف على البوابة الجنوبية لمعبد الأقصر. كان جسده الممشوق، المصقول بسنوات من التدريب الشاق في الصحراء، يرتدي ملابس الحرس الملكي البيضاء المصنوعة من أجود أنواع الكتان، بينما يعكس درعه النحاسي المثبت فوق صدره آخر أشعة للشمس الراحلة. لم تكن عيناه الصقريتان الحادتان تتابع الراقصين أو عازفي القيثار، بل كانت تمسح الوجوه بدقة وريبة. ثمة همس جرى في ثكنات الجيش قبل ساعات عن نية بعض المأجورين، ربما بدفع من أطراف داخل القصر، لتعكير صفو الاحتفال الملكي وإحراج الحرس أمام فرعون.

"أنت شديد التوتر يا صديقي، خذ رشفة من نبيذ الجنوب ودع الآلهة تدبر أمر هذه الليلة،" قالها خوفو، رفيق سلاحه المخلص، وهو يربت على كتف آني بيده الضخمة التي تشبه مضرب القتال.

لم يلتفت آني، بل ظل ممسكًا بقبضة سيفه المقوس (الخوبش) المعلق في حزامه الجلدي، وقال بصوت منخفض وحازم: "الآلهة لا تحمي من ينام وقت الحراسة يا خوفو. انظر هناك.. عند المدخل الجانبي للمعبد، تلك الحركة ليست طبيعية. الحراس هناك تم استبدالهم قبل ساعة بدون أمر مني."

في تلك اللحظة بالذات، انفتحت البوابات الخشبية الضخمة للمعبد الداخلي، وخرج موكب كاهنات الإله آمون. وفي مقدمة الموكب، تسير فتاة خطفت أنفاس كل من نظر إليها، ولم يكن جمالها عاديًا. كانت نفر، ابنة الكاهن الأكبر. كانت ترتدي ثوبًا ناصع البياض يلتف حول جسدها كالغزالة البرية، ويزين عنقها طوق عريض من الفيروز واللازورد والذهب الخالص. شعرها الأسود الداكن المسدول على كتفيها كان يلمع تحت ضوء المشاعل التي بدأت تُنار. لكن ما جذب آني وشل حركته لثوانٍ لم يكن التاج الصغير الذي يزين رأسها، بل عيناها الواسعتان الكاحلتان. لم تكن عيون فتاة تحتفل، بل كانت عيوناً تفيض برعب مكتوم، وكأنها طائر حبس في قفص من الذهب ويدرك أن الصياد يقترب.

التفتت نفر يمنة ويسرة، والتقت عيناها بعيني آني الواقف بعيدًا فوق الربوة. ساد صمت غريب في عقلهما لدقيقة، رأت فيه نفر في عيني الشاب أمانًا لم تعهده في قصر والدها، ورأى هو في عينيها نداء استغاثة صامت هز أعماق قلبه.

وفجأة، انقطع حبل الصمت الميتافيزيقي. انشقت الأرض من بين الأعمدة الضخمة للمعبد عن ثلاثة رجال ملثمين، يرتدون أسمالاً داكنة، ويحملون في أيديهم خناجر برونزية قصيرة ومسمومة. اندفعوا بسرعة البرق متجاوزين صفوف الكاهنات المذعورات.. وتحديداً نحو نفر!

تعالت الصرخات، وصاحت صديقتها ميريت برعب وهي تحاول جذبها للخلف، وتراجع حراس المعبد بارتباك مقصود أو غبي. المسافة كانت عائقاً، والوقت كان يتلاشى كحبات الرمل.

لم يفكر آني لكسر من الثانية. لم ينتظر أمرًا، ولم يحسب عواقب اندفاعه نحو حامية المعبد المقدسة. استل سيفه المقوس الذي أحدث صريرًا حادًا في الليل، وقفز من فوق السور المرتفع هابطًا كالنسر الجارح وسط الساحة المزدحمة. شق طريقه بقوة وعنفوان بين الحشود، دافعًا كل من يقف في طريقه، وعيناه مثبتتان على الخنجر الذي كان يرتفع في الهواء ليغرس في صدر الفتاة التي سرقت قلبه في لمحة عين.

استمر في قراءة هذا الكتاب مجانا
امسح الكود لتنزيل التطبيق

أحدث فصل

  • عرش النيل والقلوب   98

    قوافل الموت الكنعانية والمواجهة الصامتة عند أسوار طيبة لم تكن خريطة الفلك المشفرة بالدماء التي عُثر عليها في مستنقعات البرلس مجرد إنذار عابر، بل كانت تجسيداً لأبشع طعنة إستراتيجية استهدفت إبادة العاصمة طيبة من الخلف. استغلت قوافل الجمال الكنعانية المتنكرة، المحملة بجِرار الفخار الضخمة المعبأة بغاز "أنفاس الموت الأسود"، انشغال الملك آني وفيالقه الذهبية في الجبهة الساحلية الشمالية، لتخترق دروب سيناء الوعرة كالأفاعي الرملية الصامتة. كانت الخديعة تقتضي دخول هذه القوافل إلى الأسواق المركزية لطيبة تحت غطاء تجارة التوابل والزيوت الشرقية، ثم تفجير الصمامات النحاسية المخفية لتطلق سحابة الموت الأصفر الخانق، محولةً مهد السلالة إلى مقبرة جماعية صامتة قبل أن يرتد الجيش من الشمال. داخل ردهات قصر طيبة، حيث ركنت السكينة مؤقتاً، انقلبت الأجواء إلى غليان عسكري واستخباراتي لا يرحم فور وصول طيور الزاجل السريعة. وقفت المليكة نفر في قاعة العرش، وجلال أنوثتها الكبرياء يتحول إلى درع من الفولاذ الصقيل؛ ورغم تعافيها الحديث، إلا أن عينيها الكاحلتين الواسعتين كانتا تطلقان شرارات الذكاء والدهاء الصارم. لم تنتظر

  • عرش النيل والقلوب   97

    أنفاس الموت الأسود واقتحام حصن الغاز السام لم يكن تفجير القنوات النحاسية لقاذفات الموج الأتلانتية لينهي صراع الفناء العالمي؛ بل كان القشرة الخارجية لمكيدة كيميائية صامتة استهدفت إبادة عرق الفراعنة بأكمله. نجح بقايا سحرة البحار السبعة في تهريب "تابوت الإله الغارق" سراً نحو شواطئ الدلتا الطينية الوعرة، وهو صندوق برونزي محكم الإغلاق يحوي مادة زئبقية كبريتية سامة تُعرف بـ "أنفاس الموت الأسود"؛ غاز خانق أصفر اللون وثقيل الوزن يزحف فوق الأرض كالضباب، بمجرد فتح صماماته الميكانيكية ينتشر في الهواء ليمزق رئات كل كائن حي يتنفس داخل المقاطعات، محولاً الحواضر الفرعونية الصاخبة إلى مقابر صامتة تذروها الرياح المسمومة قبل أن ترتد الجيوش من الجبهة البحرية. داخل غرفة العمليات العسكرية بحصن الإسكندرية، كان الترقب الاستخباري يغلي كالحمم الباردة. وقف الملك آني بجسده الرياضي الشاهق وقامته النحاسية الصخرية، وعضلات صدره العريضة البارزة تتحرك بأنفاس لاهثة مشحونة بحنق مرعب؛ قبض على سيفه المقوس "الخوبش" وعيناه الصقريتان تشتعلان بنور الغضب المقدس والامتلاك المطلق، فكل نبضة في عروقه النحاسية كانت مدفوعة بلوعة

  • عرش النيل والقلوب   96

    عاصفة أتلانتس والموجة العظمى على ثغور الإسكندرية لم تكن الأساطير التي تداولها بحارة المشرق عن "إمبراطورية أتلانتس وسحرة البحار السبعة" مجرد خرافات تروى في الحانات، بل كانت الحقيقة الأكثر رعباً وقرباً من بوابات مصر الشمالية. كشفت الألواح الحديدية المصادرة من الفرنجة أن فلول الشمال المكسور قد استدعوا قوة عظمى غامضة تمتلك سفناً سوداء عملاقة مصنوعة من خشب "الأرز الممغنط"، ومسلحة بـ "قاذفات الموج التدميرية"—وهي آلات ميكانيكية ضخمة تعتمد على سحب التيارات المائية وضغطها عبر قنوات نحاسية ضيقة ثم تفجيرها دفعة واحدة لتبني أمواجاً اصطناعية عاتية (تسونامي) قادرة على تحطيم أسوار الموانئ وإغراق الدلتا بأكملها تحت مياه البحر المالحة. كان الأسطول الأتلانتي الأسود قد بدأ بالفعل في الاقتراب من ثغر الإسكندرية، مغلفاً الأفق بضباب دائم وضغط جوي منذر بالفناء. داخل قاعة الحرب الكبرى في حصن الإسكندرية الشامخ، وقف الملك آني بجسده الرياضي الشاهق وقامته النحاسية المصقولة، وعضلات صدره العريضة البارزة تتحرك بأنفاس لاهثة وساخنة تفيض بحنق عسكري هائل. كان سيفه المقوس "الخوبش" مشرعاً في يده، وعيناه الصقريتان تلمعان

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الخامس والتسعين: محرقة النيران الزرقاء وجمر المخدع الوقائي الفاتن

    لم تكن "قاذفات الرعد النارية الخفية" التي جلبها عمالقة الفرنجة وشعوب الشمال البربري مجرد سلاح عسكري إضافي، بل كانت تجسيداً لجنون العلم الأسود المأخوذ من كهوف السحر في أقاصي الأرض؛ آلات حديدية ضخمة مصممة برافيعات هيدروليكية بدائية تقذف كرات صخرية مغلفة بالفوسفور الزيتي والمغنيسيوم، لتنفجر بنيران زرقاء مرعبة لا يمكن للماء أن يطفئها، بل يزيدها توهجاً وعنفواناً، وقادرة على إذابة الدروع البرونزية للمقاتلين وحرق الأخضر واليابس. كانت التقارير الاستخباراتية تفيد بأن برابرة الشمال يستعدون لنشر هذه القاذفات على طول ضفاف ملاحات الدلتا، لإحراق محاصيل القمح الشاسعة وتجويع شعب مصر، وتهديم حصون الشمال فوق رؤوس ساكنيها.داخل قاعة المشورة العسكرية التي انتقلت مؤقتاً إلى حصن "ثغور شمال الدلتا" لتأمين خطوط الدفاع، وقف الملك آني بجسده الرياضي الشاهق، وعضلات صدره العريضة النحاسية البارزة تلتمع بصلابة صخور الغرانيت الأسود، وعيناه الصقريتان تحدقان في الرموز الجيولوجية ومواقع القاذفات بحنق عسكري عارم. وإلى جانبه، كانت المليكة نفر تدرس الوثيقة بذكاء حاد يسبق الزمن؛ فرغم جلال أنوثتها الطاغية وتعافيها الكامل ال

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الرابع والتسعين: فؤوس الشمال على الثغور وفوران المخدع المظفر

    لم تكن خيانة الأمير أحمس المنشق إلا القشرة الخارجية لمرجل دولي يغلي بأطماع الأمم؛ إذ كشفت وثيقة التحالف السرية المتروكة في الأنفاق عن تحرك القوة الأكثر وحشية وبطشاً في العالم القديم: "أساطيل الفرنجة وشعوب الشمال البربري العظمى". هؤلاء المقاتلون العمالقة، ذوو اللحى الكثيفة والدروع المصنوعة من صفائح الفولاذ وعظام الحيتان، بدأت مئات من سفنهم ذات الرؤوس التنينية تلوح في الأفق الغربي للبحر المتوسط، مستغلين إنهاك فيالق الفراعنة بعد معركة الخليج، ومسلحين بفؤوس حرب ضخمة قادرة على شق الدروع البرونزية بنقرة واحدة، بهدف فرض إنزال بري كاسح يلتهم الساحل الشمالي ويزحف مباشرة نحو طيبة.داخل قاعة المشورة العسكرية الكبرى التي امتدت فيها الخرائط الجلدية الشاسعة، وقف الملك آني بقامته الشاهقة وبنيته الرياضية الصخرية العريضة التي لم يزدها غبار المعارك إلا صلابة وهيبة؛ قبض بكفه الفولاذية الخشنة على مقبض سيفه المقوس "الخوبش"، وعضلات صدره العريضة تتحرك بأنفاس لاهثة لشدة الحنق العسكري العارم الذي يسري في شرايينه النحاسية. كانت عيناه الصقريتان تلمعان بنور الالتصاق والامتلاك المقدّس لمليكته ونجم حياته نفر؛ فخوف

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الثالث والتسعين: خيانة الدماء الملكية ومعركة الخليج المستعر

    لم يكن وقع خبر عودة "الأمير أحمس المنشق" ليقع على مسامع البلاط الفرعوني كصاعقة عادية؛ بل كان طعنة في صميم الشرف العسكري والعائلي للأسرة الحاكمة. الأخ الأكبر للملك آني، الذي ظن الجميع أن جثته قد ووريت الثرى في مناجم النحاس القديمة، عاد مرتدياً وشاح الخيانة الأكبر، ليقود بنفسه ثلاثمائة ألف مقاتل من حلف المقاطعات السبع. لم يكن هدفه مجرد إسقاط التاج، بل كان مدفوعاً بحقد دفين ورغبة عارمة في انتزاع كل ما يملكه شقيقه الأصغر؛ عرشه، إمبراطوريته، والملكة الفاتنة نفر التي كان يراها الجائزة الكبرى التي سيتوج بها انتصاره المزعوم.في مياه "خليج العرب" الضحلة، حيث رتبت نفر كمينها الإستراتيجي، اندلعت المواجهة البحرية الأضخم. وقف الملك آني بجسده الرياضي الشاهق وقامته النحاسية الصخرية، يعتلي متن سفينته الحربية "نسر الجنوب". كانت عضلات صدره العريضة المشدودة كالفولاذ تنتفض بغيظ عاصف وحنق عائلي حارق، وعيناه الصقريتان تلمعان بنور الغضب المقدّس؛ قبض على مقبض سيفه المقوس "الخوبش" وزأر بصوت رخيم عميق هز أرجاء البحر: "دماء أسرتي بريئة من خيانتك يا أحمس! أقسم بنور الشمس، لأجعلن من مياه هذا الخليج مقبرة لأطماعك،

فصول أخرى
استكشاف وقراءة روايات جيدة مجانية
الوصول المجاني إلى عدد كبير من الروايات الجيدة على تطبيق GoodNovel. تنزيل الكتب التي تحبها وقراءتها كلما وأينما أردت
اقرأ الكتب مجانا في التطبيق
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status