Home / التشويق / الإثارة / عرش النيل والقلوب / الفصل الخامس: دموع النيل وقسم الرحيل

Share

الفصل الخامس: دموع النيل وقسم الرحيل

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-04 20:58:44

كانت ألسنة النيران البرتقالية تتراقص في مشاعل مرسى طيبة الحربي، حيث بدأت السفن الخشبية الضخمة المصنوعة من أرز لبنان تتأرجح فوق صفحة النيل، مستعدة لاستقبال جنود الفرقة الذهبية. أصوات الجنود، وصليل الدروع، وصهيل الخيول التي تُقاد إلى متن السفن، كل ذلك كان يصنع سيمفونية حرب مهيبة ومقبضة في آن واحد.

بعيداً عن صخب الرصيف الرئيسي، وفي زاوية مظلمة تحجبها شجيرات الجميز الكثيفة بالقرب من نهر النيل، كان آني يقف متدثراً بعباءته العسكرية الجلدية. كانت ملامحه حزينة وعيناه تراقبان الطريق المؤدي إلى قصر الكاهن الأكبر بقلق متزايد. أوشك وقت الإبحار على النفاذ، وجنوده ينتظرون إشارته.

"لقد ظننت أنني لن أراك ثانية،" جاء الصوت مخنوقاً بالعبرات من وراء ظهره.

التفت آني بسرعة ليجد نفر تقف أمامه. لم تكن ترتدي حليها الملكية، بل كُتاناً بسيطاً، ووجهها الشاحب يحمل آثار سهر ودموع لم تجف. خلفها ببضع خطوات، كانت صديقتها ميريت تقف حارسة ترقب المكان بعينين قلقتين.

خطا آني نحوها مسرعاً، وأمسك بيديها الباردتين اللتين كانت ترتجفان: "نفر! كيف خاطرتِ بالخروج في هذا الوقت؟ القصر محاصر بحراس كامس!".

"وكيف لا أخاطر وأنت ذاهب إلى الموت؟" قالتها بنبرة تفيض بالألم والتحدي، ونظرت في عينيه مباشرة. "لقد علمت بقرار فرعون في مجلسه اليوم. إنها مؤامرة يا آني! والدي وكامس أرسلوك إلى كوش لأنهم يعلمون أن الحرب هناك مستعرة، ويريدون التخلص من سيفك الذي يحميني ويحمي العرش. كامس أبلغ والدي رسمياً اليوم أنه يطلب يدي للزواج فور تحرك سفنك!".

اشتعلت عينا آني بالغضب، واشتدت قبضته على سيفه، لكنه نظر إلى وجه نفر الرقيق، فتحول غضبه إلى حنان جارف. رفع يده الخشنة ليمسح دمعة تمردت وسقطت على وجنتها الناعمة.

"اسمعيني جيداً يا غزالة طيبة،" قال آني بصوت منخفض وعميق هز كيانها. "لقد خضت معارك كثيرة، ولم أهب الموت يوماً لأنني لم يكن لدي ما أخسره. أما الآن، فأنا أملك أغلى ما في أرض مصر.. أملك حبكِ. اذهبي إلى كامس وتظاهري بالخضوع والموافقة، ماطلي في الوقت بقدر ما تستطيعين. هذا سيعطيكِ أماناً داخل القصر، وسيجعلهم يظنون أنهم انتصروا".

"أتريدني أن أكون لغيرك؟" سألته بنبرة عتاب حزينة.

"لن تكوني لغيري أبداً، هذا قسم أقسمه أمام الآلهة ونهر النيل الخالد،" أجابها وعيناه تلمعان باصرار مرعب. "سأذهب إلى الجنوب، سأجتاح متمردي كوش بسرعة لم يتوقعها كامس في أسوأ كوابيسه. سأعود بجيش يدين لي بالولاء التام، وعندها.. سأطهر طيبة من الخونة، وسآخذكِ أمام أعين الجميع، ولو كلفني ذلك هدم المعبد على رؤوس من فيه".

نظرت إليه نفر، وشعرت بالقوة تسري في عروقها من جديد بفضل كلماته. نسيت في تلك اللحظة وقار ابنة الكاهن، وارتمت في صدره، متمسكة بدرعه النحاسي وكأنها تحاول الاختباء من العالم بأسره داخل حضنه. استنشق آني عبق شعرها، وضامها إليه بقوة، طابعاً قبلة وداع حارة على جبينها.

فجأة، دوى صوت بوق الحرب الثالث من المرسى.. إنها إشارة التحرك الأخيرة.

انفصلا ببطء والدموع في عيون كلاهما. سحبت نفر قلادة صغيرة من الفيروز كانت تخفيها في ثوبها، ووضعتها في يد آني: "هذه تميمة الإلهة إيزيس.. لتحميك حتى تعود إليّ".

أومأ رأس آني، ووضع التميمة داخل درعه بجانب قلبه، ثم استدار دون أن ينظر خلفه حتى لا تضعف عزيمته، وانطلق بخطوات واسعة نحو السفينة القائدة حيث كان رفيقه خوفو ينتظره بقلق.

صعد آني على متن السفينة، ورفع سيفه عالياً معلناً بدء الإبحار. بدأت المجاذيف الضخمة تضرب مياه النيل، وتحركت السفن العسكرية نحو الجنوب تحت ظلال ليل طيبة الحزين. من فوق الربوة البعيدة، كانت نفر تقف تراقب السفن وهي تبتعد وتختفي وسط الضباب، مدركة أن فصلاً جديداً من الدماء والصراع قد بدأ الليلة.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عرش النيل والقلوب   114

    مع أولى تبارير الصباح وبزوغ خيوط الفجر التالية، التي بدأت تنسل برقة أثيرية بالغة لتنساب عبر النوافذ الرخامية الشاهقة، بدأت سماء العاصمة العتيقة "طيبة" تتلون رويداً رويداً باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة الشاملة. كان ذلك الضياء المنبثق أشبه بمداد إلهي يطرد بقايا ليل طويل من الخطوب الكونية والحروب الجيوسياسية الطاحنة التي كادت تعصف بأركان المعمورة. في هذا الإطار الزمني الساحر، حيث السكون يلف وادي النيل المقدس، كان الملكان العاشقان يغطان في نوم دافئ، عميق، ومفعم بالسكينة المطلقة التي لفت أركان المخدع الإمبراطوري الفسيح، بعد ليلة تلاشت فيها حسابات العروش وحل مكانها نداء القلوب والأجساد. لقد تطهر هذا المحراب الملكي العظيم بالكامل بنيران الشغف المتقد، وجمر الالتصاق الحار، والانتصار النهائي الساحق الذي بدد أوهام الفناء الجيولوجي ومكائد السحر الأسود التي حاكها الطغاة في أقاصي الأرض؛ فاستقرت أذرعهما النحاسية والخمرية متشابكة بإحكام شديد كأنه قيد زمني أبدي صِيغ في معامل الأقدار لئلا ينفصم أو يزول عبر العصور. كان العناق في نومهما تجسيداً لوحدة المصير، فالملك المحارب والملكة ال

  • عرش النيل والقلوب   115

    تقدم كبير كهنة آمون بخطوات وقورة بطيئة، تملؤها المهابة الجنائزية العتيقة والوقار الديني الصارم الذي يليق بجلال الملوك والآلهة السائرة على الأرض. كانت كل حركة من حركاته محسوبة بميزان المعابد القديمة، وصوت صنادل الجلد الفاخرة يتردد في ردهات معبد الكرنك الشاهق كأنه صدى الزمان نفسه. حمل بين يديه المرتعشتين—رعشة الخشوع والهيبة لا ريب الكبر—التاج المزدوج للإمبراطورية الفرعونية العظمى، تاج "بشينت" الشهير، رمز المشرق والمغرب، ومجمع تيجان البحار السبعة، والرمز السرمدي للسيادة المطلقة على قارات الوجود بأسره التي دانت لوادي النيل الخالد. وبجلال أسطوري حابس للأنفاس، وضعه فوق رأس الملك الباسل "آني"، الذي نُحتت بنيته النحاسية الصلبة من صخر الجسارة الفرعونية الشامخة، ليتلاحم الذهب الخالص مع كبرياء المحارب الذي صاغ النصر بنصل سيفه.ثم استدار كبير الكهنة بوقار كنسي مهيب، عاكسًا تراتيل الآلهة التي همست بها الشفاه في المحاريب المظلمة، ليتوج المليكة الفذة ولبؤة طيبة الجسورة "نفر" بتاج اللوتس الذهبي الخاص بالملكات العظميات. كان التاج مرصعًا بعيون الصقر، المنحوتة من أندر الأحجار الكريمة الكاحلة والزمرد الب

  • عرش النيل والقلوب   116

    لم تكن تبارير الضياء التي بدأت تلوح في أفق العاصمة العتيقة "طيبة" مجرد إعلانٍ عن ميلاد يومٍ جديد، بل كانت غسقاً أثيرياً يطوي تحت ظلاله الممتدة أشرس المعارك الجيوسياسية والعسكرية التي شهدها وادي النيل الخالد. في تلك الساعات الساحرة، المفعمة بعبير الانتصار السرمدي الطاغي الذي طال انتظاره، كانت قاعات البلاط الملكي وممراته الصخرية الشاهقة الصامتة تشهد تحولاً من نوع آخر؛ تحولاً ينبذ صرامة السيف والحيلة العسكرية ليعود إلى النبع الأول للوجود البشري: العاطفة الجارفة الشرسة والشبق الإمبراطوري الذي لا يقهر.لم تكن المليكة الإمبراطورية الفذة، "نفر"، في تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية، ترتدي الأثواب الرسمية الخشنة المصنوعة من حرير القرطاس الموشى بخيوط الذهب والفضة، ذلك الرداء الأسطوري الصارم الذي طالما قيد حركتها الدلالية، وحبس أنفاسها الأنثوية خلف جدران قاعات العمليات السرية، وخلال جلسات البلاط والمشاورات الحربية المعقدة مع كبار القادة والوزراء. لقد تخلت عن تلك الهيبة الظاهرية المصطنعة، واستسلمت بالكامل وجذرياً، بوجدان متقد ولوعة أنثوية طاغية، لجبروت عاطفتها الجارفة ونيران وجدها الحارق.أدركت

  • عرش النيل والقلوب   113

    لم يكن الصمت الذي خيّم على أركان المخدع الملكي العظيم سوى مقدمة أزلية لاندلاع إعصار عاطفي جارف ومكتوم طوال فصول الاغتراب الشاق ومطاردة الأعداء وراء التخوم؛ وبحركة خاطفة مشحونة بعنفوان الفاتحين، أطبق الملك الباسل "آني" ساعديه القويين، الضخام، والمفتولين—اللذين طالما سحقا قلاع أباطرة المايا والإنكا وأخرسا طبول الحرب الشاملة—حول خصرها النحيل الغض. جذب الملك جسدها الفتان الفوّاح بنعومة قاتلة نحوه، بعنفوان حارق ووحشية عاشقة ذابت وتلاشت فيها، عند تلك العتبة اللاهبة، كل قسوة الحروب الطاحنة، ومرارة الاغتراب، ووحشة المسافات الصماء التي كادت تعصف بوجدان المملكة بأسره.الجمت الأجساد الملكية المفتولة والناعمة في إلتحام وثيق وحارق؛ ليلتصق صدر المليكة "نفر" الممشوق، النابض بدقات الحب والولاء، بكامل صدره العاري الساخن، المشتعل بنيران الحمى والشهوة الخالصة الممتزجة بنوازع الامتلاك الأبدي الشامل الذي لا يرحم حصون البعاد. التفت أطرافهما الساخنة واندغمت تقاطيعهما الملوحة بوهج المشاعل في عناق أثيري شديد العمق، غامق اللوعة، أخرس لسان الكلام لشدة ما فيه من شبق قاصف واشتعال عاطفي جارف جرف وراءه كل حدود المن

  • عرش النيل والقلوب   112

    على الشرفات الشاهقة والمنيعة للقصر الملكي الأعظم في "طيبة"، تلك الشرفات الجرانيتية التي تطل بجلاء على مجرى النهر الخالد والوديان المستسلمة، كانت المليكة الفذة "نفر" تقف بكامل جلالها الأسطوري الفاخر وسحر أنوثتها الفتّانة الآسرة التي حيرت عقول وألباب أباطرة الوجود وجبابرة الأمم. فرغم الإدارة الاستخباراتية الشاقة والأعصاب المشدودة لفك شفرات المعارك الجيولوجية والفلكية الكبرى، ورغم السهر الطويل لتأمين الجبهة الداخلية للمملكة من غدر الأفاعي وسحرة الظلام، إلا أن مظهرها الساحر النادر لم تعتره ذرة من الإرهاق؛ بل كان يشع في ليل طيبة بنور البعث المقدس وظلال النصر الأبدي الخالد الذي تعمد بالدم والكتان.ارتدت المليكة رداءً ملكياً فاخراً للغاية، نُسج خصيصاً لهذه الليلة المصيرية من أنقى خيوط الكتان الشفاف الموشى بحبات الفيروز والذهب النقي؛ كان الثوب ينساب كالغسق الرقيق ويلتصق بنعومة قاتلة بمنحنيات قوامها الفرعوني المثير، ليفضح بجرأة آسرة ودلال أنثوي لاهب لا تملك قوى الأرض مقاومته سحر بشرتها الخمرية الساخنة وروعة جسدها الممشوق الأخّاذ، الذي تعافى بالكامل من مخاض الأمومة ليزداد فتنة، روعة، وإثارة وجا

  • عرش النيل والقلوب   111

    الجزء الرابع عشر: موكب النسور المظفرة وفجر السلام العالمي العظيمالفصل الأول: بشرى خوفو واستسلام التيجان العالميةمع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تلون سماء الجنوب البعيد باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة، كانت الفيالق المصرية المظفرة قد أكملت تأمين منطقة شلالات النيل بالكامل، وفرضت طوقاً دفاعياً صخرياً منيعاً لا تخترقه أفاعي الغدر، معلنةً التدمير الساحق والكامل لآخر بقايا جيوش إمبراطورية الإنكا البربرية وتحويل قلاعهم ومعداتهم إلى ركام يدفن تحت الثرى. ولكن، مع اكتمال معالم هذا النصر الجيولوجي والتكتوني الفذ وتثبيت خطوط الدفاع الطبوغرافية الأخيرة لحماية مجرى النهر الخالد، تبدلت أجواء الترقب العسكري فجأة؛ إذ تقدم العملاق الباسل "خوفو" بخطوات متزنة ومهيبة وثقيلة، وبحوزته التقرير الأمني الاستخباراتي النهائي والأكثر خطورة الموجه مباشرة إلى التاج الإمبراطوري.وبدلاً من ظهور نذر حرب جديدة أو بزوغ عدو بربري آخر من وراء حجب الأفق، حمل التقرير السري بين طياته بشرى استخباراتية إستراتيجية عظمى زلزلت قاعة القيادة بفرحة عارمة؛ حيث أعلنت كافة ممالك وإمبراطوريات المشرق والمغرب قاطبة، دون

  • عرش النيل والقلوب   98

    قوافل الموت الكنعانية والمواجهة الصامتة عند أسوار طيبة لم تكن خريطة الفلك المشفرة بالدماء التي عُثر عليها في مستنقعات البرلس مجرد إنذار عابر، بل كانت تجسيداً لأبشع طعنة إستراتيجية استهدفت إبادة العاصمة طيبة من الخلف. استغلت قوافل الجمال الكنعانية المتنكرة، المحملة بجِرار الفخار الضخمة المعبأة بغاز

  • عرش النيل والقلوب   97

    أنفاس الموت الأسود واقتحام حصن الغاز السام لم يكن تفجير القنوات النحاسية لقاذفات الموج الأتلانتية لينهي صراع الفناء العالمي؛ بل كان القشرة الخارجية لمكيدة كيميائية صامتة استهدفت إبادة عرق الفراعنة بأكمله. نجح بقايا سحرة البحار السبعة في تهريب "تابوت الإله الغارق" سراً نحو شواطئ الدلتا الطينية الوع

  • عرش النيل والقلوب   96

    عاصفة أتلانتس والموجة العظمى على ثغور الإسكندرية لم تكن الأساطير التي تداولها بحارة المشرق عن "إمبراطورية أتلانتس وسحرة البحار السبعة" مجرد خرافات تروى في الحانات، بل كانت الحقيقة الأكثر رعباً وقرباً من بوابات مصر الشمالية. كشفت الألواح الحديدية المصادرة من الفرنجة أن فلول الشمال المكسور قد استدعو

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الخامس والتسعين: محرقة النيران الزرقاء وجمر المخدع الوقائي الفاتن

    لم تكن "قاذفات الرعد النارية الخفية" التي جلبها عمالقة الفرنجة وشعوب الشمال البربري مجرد سلاح عسكري إضافي، بل كانت تجسيداً لجنون العلم الأسود المأخوذ من كهوف السحر في أقاصي الأرض؛ آلات حديدية ضخمة مصممة برافيعات هيدروليكية بدائية تقذف كرات صخرية مغلفة بالفوسفور الزيتي والمغنيسيوم، لتنفجر بنيران زرق

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status