Home / التشويق / الإثارة / عرش النيل والقلوب / الفصل السادس: رمال كوش المشتعلة وفخ طيبة

Share

الفصل السادس: رمال كوش المشتعلة وفخ طيبة

Author: Ahmed Habib
last update publish date: 2026-06-04 20:59:15

كانت شمس الجنوب تحرق الوجوه بلا رحمة، والأفق الصحراوي الممتد في بلاد كوش يبدو كأنه يتراقص بفعل الحرارة الشديدة. هنا، حيث تلتقي الصخور النوبية السوداء بالرمال الذهبية الحارقة، كان الغبار يرتفع ليمتلئ به الهواء، معلنًا عن وصول الفرقة الذهبية بقيادة الشاب آني.

وقف آني فوق تل صخري مرتفع، يضع يده فوق مقبض سيفه، بينما كان وشاحه العسكري يتطاير مع الرياح الجافة. كانت ملامحه قد ازدادت قسوة، وبشرته القمحية أصبحت أكثر اسمرارًا بفعل شمس الحدود. في الأسفل، كان جنوده ينصبون الخيام العسكرية بإعياء واضح، بينما كانت سفن الإمداد ترسو بصعوبة عند الشلال الأول للنيل.

"المياه تكاد تنفد يا صديقي، ورجال الاستطلاع يرفضون التوغل أكثر في هذه الشعاب الملعونة،" قالها خوفو وهو يمسح العرق عن جبينه العريض، حاملاً درعاً جلدياً كبيراً. "كوش ليست كطيبة؛ هنا الأرض تحارب معنا أو ضدنا، والأعداء يختبئون كالأفاعي بين الصخور".

التفت آني إليه وعيناه الصقريتان تلمعان بإصرار: "هذا ما يريده الأمير كامس بالضبط يا خوفو. يريد أن ينهكنا الجوع والعطش قبل أن نرى وجه العدو. متمردو كوش ليسوا أغبياء، هم يقطعون خطوط إمدادنا بالماء بتوجيه من خائن في طيبة يمدّهم بأخبارنا. لن ننتظر هنا لنموت عطشاً.. غداً مع الفجر، سنباغت معسكرهم الرئيسي خلف المنحدر الشرقي".

أخرج آني قلادة الفيروز الصغيرة التي أهدتها له نفر من تحت درعه، ونظر إليها لثوانٍ. كانت هي دافعه الوحيد للبقاء حياً وسط هذا الجحيم. ضغط عليها بقبضته وأعادها إلى صدره، مستعداً لخوض معركة حياة أو موت في الصباح الباخر.

في هذه الأثناء، وبعيداً عن جحيم الصحراء بأميال طويلة، كانت طيبة تعيش في ترف ظاهر يخفي خلفه عفن المؤامرات. في حدائق قصر الكاهن الأكبر حور محب، كانت الفاكهة النادرة تُقدم في أطباق من الفضة، وعازفات الهارب يعزفن ألحاناً هادئة.

كانت نفر تجلس على مقعد رخامي، مرتدية ثوباً من الكتان الرفيع، لكن بالها لم يكن مع الموسيقى. كانت عيناها معلقتين بالأفق الجنوبي، وقلبها يعتصر خوفاً على آني.

قطع خلوتها دخول الأمير كامس بخطوات واثقة، تفوح منه رائحة عطر المر واللبان الفاخر. ابتسم باختيال وجلس قريباً منها قائلاً: "أتمنى أن تكوني قد أفقتِ من أوهامكِ يا نفر. لقد مرت أسابيع ولم تصلنا من الجنوب سوى أنباء الموت والرمال الحارقة. جيش فرعون يواجه حصاراً خانقاً هناك، وقائدكِ المغوار آني ربما صار طعاماً لنسور الصحراء الآن".

انقبض قلب نفر، لكنها تذكرت وصية آني لها بالتمسك بالصبر والدهاء. نظرت إلى كامس ببرود مصطنع، وقالت بنبرة هادئة: "الجيش المصري لا يُقهر بسهولة يا سمو الأمير، والقائد آني يعرف كيف يدير المعارك. أما عن أوهامي.. فأنا ابنة كاهن آمون الأكبر، وأعرف أين تكمن مصلحة المعبد ومصلحتي".

التمعت عينا كامس بالجشع والرضا، وظن أن حصارها النفسي قد بدأ يؤتي ثماره. اقترب أكثر وقال: "هذا هو الكلام الذي يسرني سماعه. والداكِ وافق على تقديم موعد زواجنا ليكون بعد أسبوع من الآن، خلال الاحتفال بعيد حورس. فرعون مريض جداً، وعندما أعتلي العرش، ستكونين أنتِ الملكة التي تجلس بجانبي على عرش مصر العظيمة. ما رأيكِ؟".

حاولت نفر كتمان غيظها وقرفها منه، واكتفت بابتسامة غامضة قائلة: "العرش يحتاج إلى القوة يا كامس، وعيد حورس لا يزال أمامه أيام. دَعنا نرى ما تخبئه لنا الآلهة".

بمجرد أن غادر كامس الحديقة، التفتت نفر نحو صديقتها ميريت التي كانت تقف خلف شجرة قريبة بملامح مضطربة. همست نفر بغضب وعينيها تفيض بالدموع: "ميريت! يجب أن نتحرك. كامس يثق بنفسه أكثر من اللازم، وهذا يعني أنه دبر مكيدة لقتل آني في المعركة القادمة بالتأكيد. يجب أن نرسل تحذيراً لـ آني فوراً، ولو اضطررت لتهريب أحد حراس القصر المخلصين!".

لكن ميريت نظرت إليها برعب وقالت بصوت يرتجف: "لقد فات الأوان يا مولاتي.. لقد سمعت حراس كامس يتحدثون قبل قليل؛ الخيانة نُفذت بالفعل، ومعركة الجنوب ستبدأ الليلة!".

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عرش النيل والقلوب   114

    مع أولى تبارير الصباح وبزوغ خيوط الفجر التالية، التي بدأت تنسل برقة أثيرية بالغة لتنساب عبر النوافذ الرخامية الشاهقة، بدأت سماء العاصمة العتيقة "طيبة" تتلون رويداً رويداً باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة الشاملة. كان ذلك الضياء المنبثق أشبه بمداد إلهي يطرد بقايا ليل طويل من الخطوب الكونية والحروب الجيوسياسية الطاحنة التي كادت تعصف بأركان المعمورة. في هذا الإطار الزمني الساحر، حيث السكون يلف وادي النيل المقدس، كان الملكان العاشقان يغطان في نوم دافئ، عميق، ومفعم بالسكينة المطلقة التي لفت أركان المخدع الإمبراطوري الفسيح، بعد ليلة تلاشت فيها حسابات العروش وحل مكانها نداء القلوب والأجساد. لقد تطهر هذا المحراب الملكي العظيم بالكامل بنيران الشغف المتقد، وجمر الالتصاق الحار، والانتصار النهائي الساحق الذي بدد أوهام الفناء الجيولوجي ومكائد السحر الأسود التي حاكها الطغاة في أقاصي الأرض؛ فاستقرت أذرعهما النحاسية والخمرية متشابكة بإحكام شديد كأنه قيد زمني أبدي صِيغ في معامل الأقدار لئلا ينفصم أو يزول عبر العصور. كان العناق في نومهما تجسيداً لوحدة المصير، فالملك المحارب والملكة ال

  • عرش النيل والقلوب   115

    تقدم كبير كهنة آمون بخطوات وقورة بطيئة، تملؤها المهابة الجنائزية العتيقة والوقار الديني الصارم الذي يليق بجلال الملوك والآلهة السائرة على الأرض. كانت كل حركة من حركاته محسوبة بميزان المعابد القديمة، وصوت صنادل الجلد الفاخرة يتردد في ردهات معبد الكرنك الشاهق كأنه صدى الزمان نفسه. حمل بين يديه المرتعشتين—رعشة الخشوع والهيبة لا ريب الكبر—التاج المزدوج للإمبراطورية الفرعونية العظمى، تاج "بشينت" الشهير، رمز المشرق والمغرب، ومجمع تيجان البحار السبعة، والرمز السرمدي للسيادة المطلقة على قارات الوجود بأسره التي دانت لوادي النيل الخالد. وبجلال أسطوري حابس للأنفاس، وضعه فوق رأس الملك الباسل "آني"، الذي نُحتت بنيته النحاسية الصلبة من صخر الجسارة الفرعونية الشامخة، ليتلاحم الذهب الخالص مع كبرياء المحارب الذي صاغ النصر بنصل سيفه.ثم استدار كبير الكهنة بوقار كنسي مهيب، عاكسًا تراتيل الآلهة التي همست بها الشفاه في المحاريب المظلمة، ليتوج المليكة الفذة ولبؤة طيبة الجسورة "نفر" بتاج اللوتس الذهبي الخاص بالملكات العظميات. كان التاج مرصعًا بعيون الصقر، المنحوتة من أندر الأحجار الكريمة الكاحلة والزمرد الب

  • عرش النيل والقلوب   116

    لم تكن تبارير الضياء التي بدأت تلوح في أفق العاصمة العتيقة "طيبة" مجرد إعلانٍ عن ميلاد يومٍ جديد، بل كانت غسقاً أثيرياً يطوي تحت ظلاله الممتدة أشرس المعارك الجيوسياسية والعسكرية التي شهدها وادي النيل الخالد. في تلك الساعات الساحرة، المفعمة بعبير الانتصار السرمدي الطاغي الذي طال انتظاره، كانت قاعات البلاط الملكي وممراته الصخرية الشاهقة الصامتة تشهد تحولاً من نوع آخر؛ تحولاً ينبذ صرامة السيف والحيلة العسكرية ليعود إلى النبع الأول للوجود البشري: العاطفة الجارفة الشرسة والشبق الإمبراطوري الذي لا يقهر.لم تكن المليكة الإمبراطورية الفذة، "نفر"، في تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية، ترتدي الأثواب الرسمية الخشنة المصنوعة من حرير القرطاس الموشى بخيوط الذهب والفضة، ذلك الرداء الأسطوري الصارم الذي طالما قيد حركتها الدلالية، وحبس أنفاسها الأنثوية خلف جدران قاعات العمليات السرية، وخلال جلسات البلاط والمشاورات الحربية المعقدة مع كبار القادة والوزراء. لقد تخلت عن تلك الهيبة الظاهرية المصطنعة، واستسلمت بالكامل وجذرياً، بوجدان متقد ولوعة أنثوية طاغية، لجبروت عاطفتها الجارفة ونيران وجدها الحارق.أدركت

  • عرش النيل والقلوب   113

    لم يكن الصمت الذي خيّم على أركان المخدع الملكي العظيم سوى مقدمة أزلية لاندلاع إعصار عاطفي جارف ومكتوم طوال فصول الاغتراب الشاق ومطاردة الأعداء وراء التخوم؛ وبحركة خاطفة مشحونة بعنفوان الفاتحين، أطبق الملك الباسل "آني" ساعديه القويين، الضخام، والمفتولين—اللذين طالما سحقا قلاع أباطرة المايا والإنكا وأخرسا طبول الحرب الشاملة—حول خصرها النحيل الغض. جذب الملك جسدها الفتان الفوّاح بنعومة قاتلة نحوه، بعنفوان حارق ووحشية عاشقة ذابت وتلاشت فيها، عند تلك العتبة اللاهبة، كل قسوة الحروب الطاحنة، ومرارة الاغتراب، ووحشة المسافات الصماء التي كادت تعصف بوجدان المملكة بأسره.الجمت الأجساد الملكية المفتولة والناعمة في إلتحام وثيق وحارق؛ ليلتصق صدر المليكة "نفر" الممشوق، النابض بدقات الحب والولاء، بكامل صدره العاري الساخن، المشتعل بنيران الحمى والشهوة الخالصة الممتزجة بنوازع الامتلاك الأبدي الشامل الذي لا يرحم حصون البعاد. التفت أطرافهما الساخنة واندغمت تقاطيعهما الملوحة بوهج المشاعل في عناق أثيري شديد العمق، غامق اللوعة، أخرس لسان الكلام لشدة ما فيه من شبق قاصف واشتعال عاطفي جارف جرف وراءه كل حدود المن

  • عرش النيل والقلوب   112

    على الشرفات الشاهقة والمنيعة للقصر الملكي الأعظم في "طيبة"، تلك الشرفات الجرانيتية التي تطل بجلاء على مجرى النهر الخالد والوديان المستسلمة، كانت المليكة الفذة "نفر" تقف بكامل جلالها الأسطوري الفاخر وسحر أنوثتها الفتّانة الآسرة التي حيرت عقول وألباب أباطرة الوجود وجبابرة الأمم. فرغم الإدارة الاستخباراتية الشاقة والأعصاب المشدودة لفك شفرات المعارك الجيولوجية والفلكية الكبرى، ورغم السهر الطويل لتأمين الجبهة الداخلية للمملكة من غدر الأفاعي وسحرة الظلام، إلا أن مظهرها الساحر النادر لم تعتره ذرة من الإرهاق؛ بل كان يشع في ليل طيبة بنور البعث المقدس وظلال النصر الأبدي الخالد الذي تعمد بالدم والكتان.ارتدت المليكة رداءً ملكياً فاخراً للغاية، نُسج خصيصاً لهذه الليلة المصيرية من أنقى خيوط الكتان الشفاف الموشى بحبات الفيروز والذهب النقي؛ كان الثوب ينساب كالغسق الرقيق ويلتصق بنعومة قاتلة بمنحنيات قوامها الفرعوني المثير، ليفضح بجرأة آسرة ودلال أنثوي لاهب لا تملك قوى الأرض مقاومته سحر بشرتها الخمرية الساخنة وروعة جسدها الممشوق الأخّاذ، الذي تعافى بالكامل من مخاض الأمومة ليزداد فتنة، روعة، وإثارة وجا

  • عرش النيل والقلوب   111

    الجزء الرابع عشر: موكب النسور المظفرة وفجر السلام العالمي العظيمالفصل الأول: بشرى خوفو واستسلام التيجان العالميةمع خيوط الفجر الأولى التي بدأت تلون سماء الجنوب البعيد باللون الذهبي القاني الممتزج بحمرة المجد والرفعة، كانت الفيالق المصرية المظفرة قد أكملت تأمين منطقة شلالات النيل بالكامل، وفرضت طوقاً دفاعياً صخرياً منيعاً لا تخترقه أفاعي الغدر، معلنةً التدمير الساحق والكامل لآخر بقايا جيوش إمبراطورية الإنكا البربرية وتحويل قلاعهم ومعداتهم إلى ركام يدفن تحت الثرى. ولكن، مع اكتمال معالم هذا النصر الجيولوجي والتكتوني الفذ وتثبيت خطوط الدفاع الطبوغرافية الأخيرة لحماية مجرى النهر الخالد، تبدلت أجواء الترقب العسكري فجأة؛ إذ تقدم العملاق الباسل "خوفو" بخطوات متزنة ومهيبة وثقيلة، وبحوزته التقرير الأمني الاستخباراتي النهائي والأكثر خطورة الموجه مباشرة إلى التاج الإمبراطوري.وبدلاً من ظهور نذر حرب جديدة أو بزوغ عدو بربري آخر من وراء حجب الأفق، حمل التقرير السري بين طياته بشرى استخباراتية إستراتيجية عظمى زلزلت قاعة القيادة بفرحة عارمة؛ حيث أعلنت كافة ممالك وإمبراطوريات المشرق والمغرب قاطبة، دون

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الرابع والأربعون: رمال التحنو الملتهبة وعناق الظلال الدافئة

    لم يكن مقدراً لتاج مصر أن يستريح فوق وسائد الحرير؛ فكلما خمدت نيران في الشرق أو الجنوب، اندلعت ألسنة اللهب من وراء أفق آخر. وجاءت الأنباء هذه المرة من الغرب البعيد، حيث رمال الصحراء الليبية الشاسعة. بدأت قبائل "التحنو" البربرية، بتحريض من أمراء حرب ليبيين طامعين في خيرات وادي النيل الدسمة، بحشد جحا

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الثالث والأربعون: ميزان العدالة ونفحات المخدع الدافئ

    ارتجفت جنبات قاعة العرش الكبرى بقصر طيبة العتيق تحت وطأة الهيبة والجلال؛ حيث احتشد أعيان الإمبراطورية، وقادة الحاميات المخلصين، وكبار الكهنة الخاضعين لمشاهدة واحدة من أخطر المحاكمات السياسية في تاريخ وادي النيل. كان الملك آني يجلس فوق كرسي العرش المذهب، مرتدياً التاج المزدوج الشامخ، ودرعه البرونزي

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الثاني والأربعون: كمين منف وفواكه السم البابلي

    تحت سماء الشمال الرطبة، حيث تلتقي تفرعات النيل بمستنقعات الدلتا الكثيفة وأحراش القصب الشاهقة حول مدينة "منف" التاريخية، كان الموت يتربص في صمت مريب. قاد العملاق خوفو فيالق النخبة من الخيالة التابعين للفرقة الذهبية عبر الممرات الطينية الوعرة بخفة تحاكي حركة الفهود. كانت الأوامر الصادرة من الملك آني

  • عرش النيل والقلوب   الفصل الحادي والأربعون: انقسام الشمال ولهيب الروابط المقدسة

    لم تكد شمس طيبة الدافئة تعلن عن نهار جديد، حتى بدأت رياح السياسة الباردة تهب على أروقة القصر العتيق من جديد، لتثبت للملك الشاب آني ومليكته نفر أن العرش إما أن يكون محميًا بالفولاذ والدهاء أو ينهار تحت ضربات الخيانة. كانت التقارير السرية التي جمعتها الفتيات المخلصات في "شبكة اللوتس الأسود" تشير إلى

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status