Home / مافيا / عشيقةٌ في الظل / الفصل الثاني: صباح بعد العاصفة وظلال البراتفا

Share

الفصل الثاني: صباح بعد العاصفة وظلال البراتفا

last update publish date: 2026-11-02 04:04:41

استيقظت أنجلينا على صوت المطر الخفيف الذي لا يزال يضرب زجاج النافذة. الغرفة باردة، والملاءة ملتفةٌ حول جسدها العاري كأنها تحاول حماية ما تبقى من دفء الليلة الماضية. مدّت يدها على الجانب الآخر من السرير… فارغ. بقيت مكانه فقط رائحته. رائحة خشبٍ باهظ الثمن وجلدٍ نظيف وشيءٌ ذكوري حادٌ لا يشبه أيّ رجل مرّ من هنا من قبل.

جلست ببطء. جسدها يحتفظ بذكرى كل لمسة. على رقبتها آثارٌ خفيفة من قبلاته، وعلى خصرها إحساس أصابعه التي أمسكت به بقوة مسيطرة لكنها لم تؤذِ. أغلقت عينيها. لم تكن الليلة كغيرها. الرجال عادةً يأخذون ما يريدون ويذهبون تاركين خلفهم مالًا وشعورًا بالفراغ. أما هو… فقد ترك شيئًا أثقل. ترك فضولًا، وترك خوفًا، وترك رغبةً في أن يعود.

نهضت وارتدت روبًا رقيقًا رماديًا. جمعت المال الذي وضعه على الطاولة. كان أكثر بكثير مما يُدفع عادةً لليلةٍ واحدة. حسبته بسرعة ثم أخفته في مكان سري تحت لوح خشبي مفكوك في الأرضية. القوّاد سيأخذ معظم ما يظهر على السطح، كما يفعل دائمًا.

فتحت الباب وخرجت إلى الممر الضيق. في نهاية الممر كانت غرفة والدتها. الباب موارب. رائحة السجائر الرخيصة والمخدرات القديمة تخرج منها كالضباب.

«ناديا…» نادت بصوت هادئ.

والدتها، ناديا ألكسندروفنا، كانت مستلقية على سرير متسخ، شعرها الأشقر الباهت مبعثر، وعيناها الغائرتان تحدقان في السقف. كانت في السابعة والأربعين تبدو أكبر بعشر سنوات. جسدها النحيل يرتجف قليلاً من آثار الانسحاب. حين رأت ابنتها، ابتسمت ابتسامة مكسورة.

«عدّتِ مبكرًا اليوم»، قالت بصوت أجش. «كان الزبون ثريًا؟»

أنجلينا دخلت وأغلقت الباب خلفها. «كان… مختلفًا».

ناديا ضحكت ضحكة قصيرة مريرة. «كلهم يقولون إنهم مختلفون في البداية. ثم يصبحون مثل الباقين. أعطني المال».

أنجلينا لم تتحرك فورًا. نظرت إلى والدتها التي أنجبتها في هذا المكان نفسه قبل اثنين وعشرين عامًا، ثم باعتها للقوّاد حين تراكمت ديون المخدرات عليها. كانت تحبها بطريقة معقدة ومؤلمة. كراهية وحنان في الوقت نفسه.

«أخذتُ حصتي»، قالت بهدوء. «الباقي لسيرغي كما العادة».

وجه ناديا تغيّر. جلست على السرير بقوة مفاجئة. «لا تتجرئي. سيرغي قال إن الدين زاد هذا الشهر. أنتِ تعرفين ماذا يحدث إن لم نسدد. سيبيعكِ لواحدٍ من أولئك الوحوش في الضواحي… أو الأسوأ».

أنجلينا شعرت بالغضب يغلي في صدرها. «أنا أدفع ديونكِ منذ سبع سنوات، ناديا. جسدي يدفع. دمي يدفع. وأنتِ لا تزالين تأخذين؟»

«أنا أمكِ!» صرخت ناديا، ثم سعلت بعنف. «لو لا أنا لما وُجدتِ. هذا المكان أعطاكي سقفًا وطعامًا. لا تكوني جاحدة».

أنجلينا نظرت إليها طويلاً. الكبرياء الذي تحمله كدرعٍ بدأ يتصدّع قليلاً تحت ضغط الذنب القديم. همست أخيرًا: «سأعطيه ما يريد. لكن لا تطلبي مني المزيد اليوم».

خرجت قبل أن ترد والدتها. في الممر اصطدمت بسيرغي بتروفيتش. القوّاد البدين بوجهٍ دهني وابتسامةٍ ثابتة كالقناع. أمسك بذراعها بقوة.

«سمعتُ أن الزبون الليلي دفع كثيرًا»، قال بصوت منخفض. «أين الباقي؟»

أنجلينا انتزعت ذراعها. «على الطاولة في الغرفة. خذه كما تفعل دائمًا».

سيرغي ضحك. «ذكية. لكن لا تخفي شيئًا عني، أنجلينا. أنا أعرف كل شيء يحدث في هذا البيت. وإن حاولتِ الهرب أو الاحتفاظ بأكثر من حصتكِ الصغيرة… سأجعل أمكِ تدفع الثمن أمام عينيكِ».

لم ترد. عادت إلى غرفتها وأغلقت الباب بقوة. جلست على الأرض مستندةً إلى الحائط، ووضعت رأسها بين ركبتيها. الدموع لم تنزل. هي لا تبكي منذ سنوات. لكن الألم كان موجودًا، ثقيلًا، مألوفًا، لكنها لم تترك دمعةً واحدة تتشكّل في عينها وتنزل.

في الجهة الأخرى من المدينة، كان عالمٌ آخر يستيقظ.

إيليا إيفانوفيتش دخل مكتبه في الطابق العلوي من مبنى زجاجي أسود يسيطر عليه بالكامل في حي الأعمال. المبنى ليس مجرّد مكتب؛ هو مركز عصبه. من هنا تتحرّك الشحنات، تُغسل الأموال، تُعقد التحالفات، وتُصدر أوامر الموت بهدوء. النوافذ تطل على نهر موسكفا الرمادي، والسماء مثقلة بالغيوم.

جلس خلف مكتبه الخشبي الثقيل. أمامه ثلاثة رجال يقفون بانتظار الأوامر: مكسيم، فوري في زاكوني، رئيس العمليات وذراعه اليمنى الوفي، وشخصان آخران من المستويات الأدنى في البنية التنظيمية.

«الشحنة القادمة من الشرق تأخرت اثنتي عشرة ساعة»، قال مكسيم بصوت منخفض. «الجمارك طلبت رشوة إضافية. الضابط الجديد جشع».

إيليا لم يرفع عينيه عن التقرير. أصابعه كانت تضرب على الخشب بإيقاع بطيء. «ادفعوا ما طلب. ثم أرسلوا له رسالة بعد أسبوع. رسالة يفهمها كل من يفكر في رفع السعر مرة أخرى».

مكسيم أومأ. «والمنطقة الشمالية؟ عائلة سوروكين بدأت تتحرّك على حدودنا. يبيعون سلاحًا أرخص ويحاولون سحب زبائننا».

إيليا رفع عينيه أخيرًا. كانت رماديتين وباردتين كالجليد. «سوروكين يظن أنه يستطيع اللعب في حديقتي. أرسلوا له دعوة لحديثٍ ودي. إن رفض… اجعلوا الطريق الذي يستخدمه غير سالك. لا أريد جثثًا في الشوارع هذا الأسبوع. أريد رسالةً واضحة فقط».

الرجلان الآخران انسحبا. بقي مكسيم.

«هناك أمرٌ آخر، يا زعيم. أوستاب نيكولايفنا اتصل. يريد تأكيد موعد الزفاف مع كارينا، ويناقش تفاصيل الصفقة الحدودية. يقول إن التعاون لن يستمر إلى ما لا نهاية دون التزامٍ واضح».

إيليا استند إلى كرسيه. الخطوبة. كارينا نيكولايفنا. ابنة أحد أقوى رؤساء البراتفا في الجنوب. الزواج ليس حبًا؛ هو تحالف. حدودٌ مفتوحة، شحناتٌ تمر دون تفتيش، وسلطة مضاعفة. لكنه منذ الليلة الماضية لم يعد يفكر في كارينا بنفس الطريقة. وجه امرأة أخرى يحتل مساحته الذهنية: عيون فيروزية، ابتسامة مائلة، جسد احترق تحت يديه ثم نظر إليه بكبرياء لم ينحنِ.

«أجّل الاجتماع مع أوستاب ثلاثة أيام»، قال أخيرًا.

مكسيم رفع حاجبيه قليلًا. «زعيم… أوستاب لن يفهم التأجيل. هو رجلٌ لا يحب الانتظار».

«قل له إنني مشغول بترتيب الشحنات. وقل له أيضًا إن التحالف قائم، لكن التفاصيل تحتاج وقتًا». ثم أضاف بصوت أخفض: «وإلى ذلك الحين… أريد عيونًا على ذلك البيت في الحي القديم. الغرفة الأخيرة في الطابق الثاني. الفتاة التي اسمها أنجلينا. أريد تقريرًا يوميًا: من يدخل، من يخرج، ماذا تفعل، وهل يمسّها أحدٌ بسوء».

مكسيم نظر إليه لحظةً أطول من المعتاد، ثم أومأ وانسحب دون سؤال.

إيليا بقي وحده. فتح درجًا سريًا وأخرج زجاجة فودكا نادرة، صبّ لنفسه كأسًا صغيرًا، لكنه لم يشرب. وضع الكأس جانبًا وحدّق في المدينة الممتدة تحته. كان يسيطر على جزءٍ كبير من موسكو الليلية: نوادٍ، شحنات، حماية، ديون. الرجال يخافونه، والنساء يحاولن التقرّب منه، والمنافسون يحسبون لكل خطوة حسابًا. لكنه الليلة الماضية شعر بشيءٍ لم يشعر به منذ سنوات: فقدان السيطرة.

تلك المرأة لم تنحنِ. لم تتملّق. وضعت شروطها وهو قبلها. والآن صار طعمها عالقًا في ذاكرته، وصوتها يتردّد في رأسه بينما يصدر أوامر تقرّر مصائر رجال.

في المساء نفسه، بينما أنجلينا كانت تستقبل زبونًا جديدًا في غرفتها وتحاول أن تكون جسدًا بلا روح كما اعتادت، كان إيليا يقف في مستودعٍ مهجور على أطراف المدينة. أمامه رجلٌ مربوط إلى كرسي، وجههٌ منتفخ من الضرب. أحد رجاله كان ينتظر الإشارة.

«قلت لك لا تلمس بضاعتي»، قال إيليا بهدوء مخيف. «الشحنة التي سرقتها كانت متجهة إلى شريكٍ مهم. الآن سأدفع الثمن من جيبك».

لم يرفع يده بنفسه. اكتفى بإيماءة. الصوت الذي خرج من الرجل لم يكن صراخًا طويلًا. إيليا أشعل سيجارة وانتظر حتى انتهى الأمر، ثم قال لمكسيم:

«نظّف المكان. وغدًا أريد تقريرًا عن الفتاة».

عاد إلى سيارته. في الطريق إلى البنتهاوس الخاص به، فتح النافذة وترك الهواء البارد يضرب وجهه. موسكو كانت تضيء شيئًا فشيئًا. في رأسه صورةٌ واحدة لا تفارقه: أنجلينا واقفة أمام النافذة، الفستان الأسود يلتصق بجسدها، وعيناها ترفضان أن تنكسرا.

همس لنفسه وهو يحدق في الظلام:

«سأعود غدًا. وبعد غد. وسأظل أعود حتى تصبح هذه المدينة صغيرة جدًا عليها… وعليّ».

وفي بيت الدعارة، بعد أن غادر الزبون الأخير، جلست أنجلينا تحت الدش البارد تحاول غسل رائحة الرجل الغريب. فجأة تذكرت عيني إيليا الرماديتين، وكيف كان ينظر إليها كأنما يراها حقًا. شعرت بشيء يشبه الحنين الغريب. حنين إلى رجل لا تعرفه بعد، ورجل بدأ عالمه الإجرامي كله يدور حول فكرة واحدة: كيف يعيدها إليه.

أما سيرغي بتروفيتش فكان يعدّ المال في مكتبه الصغير، ويبتسم. لم يكن يعرف بعد أن الزبون الليلي الذي دفع كثيرًا لم يكن زبونًا عابرًا… بل عاصفة تقترب ببطءٍ من بابه.

--

نهاية الفصل الثاني.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • عشيقةٌ في الظل   الفصل الخامس: ظلال الخطوبة ورائحة الذاكرة

    كان الصباح في موسكو باردًا ورماديًا كالعادة. إيليا إيفانوفيتش وقف أمام المرآة في غرفة ملابسه الواسعة، يعقد ربطة عنقه السوداء ببطء. حركاته دقيقة، وجهه هادئ، لكن عينيه الرماديتين كانتا تحملان شيئًا جديدًا منذ ثلاث ليالٍ. شيئًا يشبه الأرق الجميل والخطير في آن واحد.في رأسه صورةٌ لا تفارقه: عيون فيروزية ترفض الانكسار، ابتسامةٌ مائلة، جسدٌ احترق تحت يديه ثم نظر إليه بكبرياء لم يطلب إذنًا. أنجلينا. الاسم صار يتردّد في داخله كنبض ثانٍ. في كل مرة يغلق فيها عينيه يشم رائحتها. في كل مرة يجلس فيها وحيدًا يتذكّر صوت أنفاسها المتسارعة حين كانت تحته.«زعيم»، جاء صوت مكسيم من الباب. «السيارة جاهزة. الاجتماع مع أوستاب نيكولايفنا بعد ساعة».إيليا أصلح سوار ساعته ولم يرد فورًا. كان يكره هذه الاجتماعات. ليس لأنه يخاف أوستاب، بل لأن كل حديث معه يذكّره بالصفقة التي تُسمى زواجًا.في السيارة السوداء التي شقّت شوارع موسكو، راح يراجع التفاصيل في ذهنه. عائلة نيكولايفنا تسيطر على الجنوب والممرات الحدودية المهمة. الزواج من كارينا يعني شحناتٌ تمر دون عوائق، وتحالفًا يحمي ظهره من العائلات الطامعة. كارينا نفسها… جم

  • عشيقةٌ في الظل   الفصل الرابع: نساء الظل وتقارير البراتفا

    كان الصباح في بيت الدعارة يشبه كل الصباحات: رائحة القهوة الرخيصة تختلط برائحة العطر الفائت والسجائر، وأصوات خطوات متعبة على الخشب القديم. أنجلينا جلست في المطبخ الصغير المشترك، ترتدي روبًا أزرق باهت اللون، وشعرها مربوطٌ بعشوائية. أمامها فنجان قهوة لم تلمسه بعد. حول الطاولة كانت ثلاث نساء أخريات: ليرا ذات الشعر الأحمر القصير، وأوكسانا السمينة دائمًا الضاحكة، وماريّا النحيلة التي لا تتكلم كثيرًا إلا حين تغضب. ليرا أشعلت سيجارة ونفثت الدخان نحو السقف المتشقق. «سمعتُ أن الزبون الليلي دفع مبلغًا يساوي شهرًا كاملًا. أنجلينا صارت نجمة الليلة الماضية». أوكسانا ضحكت ضحكة أجش. «نجمة؟ كلنا نجمات يا عزيزتي… إلى أن يتعب الرجل أو يمل. ثم نعود إلى المطبخ نشرب قهوة مُرّة ونتكلم عن الأحلام التي ماتت». ماريّا هزت رأسها بسخرية مريرة. «أحلام؟ أنا حلمي الوحيد أن أستيقظ يومًا ولا أجد سيرغي يطرق الباب. أو أن أجد مالًا يكفي لأهرب إلى مكان لا يعرف فيه أحدٌ وجهي». أنجلينا سمعت الكلام ولم ترفع عينيها عن الفنجان. ابتسمت ابتسامةً صغيرةً مائلة، تلك الابتسامة التي تخفي كل شيء. «الهروب يحتاج إلى أكثر من مال. يحت

  • عشيقةٌ في الظل   الفصل الثالث: دخان الذاكرة

    جلست أنجلينا على حافة السرير الضيّق، قرب النافذة التي لا تُفتح إلا قليلًا. الليل كان قد تمدّد على موسكو كبطانيةٍ ثقيلةٍ، وأضواء الشارع البعيدة ترتعش خلف الزجاج المتّسخ. أشعلت سيجارة، وضعتها بين شفتيها، وسحبت نفسًا عميقًا. الدخان ملأ رئتيها ثم خرج ببطء نحو السقف المنخفض. نفضت الرماد في المنفضة الصغيرة بجانب السرير، ثم أعادت السيجارة إلى فمها دون أن تنظر إليها. عيناها كانتا شاردتين، غائمتين، معلّقتين في نقطةٍ بعيدةٍ خلف الزجاج… أو خلف الزمن. سبعُ سنوات. عادت الذاكرة كأن أحدًا فتح بابًا قديمًا بعنف. كانت في الخامسة عشرة. الغرفة نفسها تقريبًا، لكن أصغر في عينيها آنذاك. والدتها، ناديا ألكسندروفنا، كانت ترتدي قميص نوم رخيصًا مبتذلًا، قصيرًا جدًا، يكشف عن ساقيها المترهلتين قليلًا. كانت تقف عند الباب تتهامس بصوت منفعل مع سيرغي، القواد. يدها تتحرك في الهواء، وجهها متوتر. فجأة التفتت ورمت نظرةً سريعةً على أنجلينا الجالسة على السرير التي تنظر إليهما دون فهم لما يحصل، ثم عادت إلى الهمس الحاد. بعد دقائق أغلق سيرغي الباب خلفه ورحل. ناديا اقتربت. جلست إلى جانبها على السرير، وضمّتها فجأة بين ذراع

  • عشيقةٌ في الظل   الفصل الثاني: صباح بعد العاصفة وظلال البراتفا

    استيقظت أنجلينا على صوت المطر الخفيف الذي لا يزال يضرب زجاج النافذة. الغرفة باردة، والملاءة ملتفةٌ حول جسدها العاري كأنها تحاول حماية ما تبقى من دفء الليلة الماضية. مدّت يدها على الجانب الآخر من السرير… فارغ. بقيت مكانه فقط رائحته. رائحة خشبٍ باهظ الثمن وجلدٍ نظيف وشيءٌ ذكوري حادٌ لا يشبه أيّ رجل مرّ من هنا من قبل. جلست ببطء. جسدها يحتفظ بذكرى كل لمسة. على رقبتها آثارٌ خفيفة من قبلاته، وعلى خصرها إحساس أصابعه التي أمسكت به بقوة مسيطرة لكنها لم تؤذِ. أغلقت عينيها. لم تكن الليلة كغيرها. الرجال عادةً يأخذون ما يريدون ويذهبون تاركين خلفهم مالًا وشعورًا بالفراغ. أما هو… فقد ترك شيئًا أثقل. ترك فضولًا، وترك خوفًا، وترك رغبةً في أن يعود. نهضت وارتدت روبًا رقيقًا رماديًا. جمعت المال الذي وضعه على الطاولة. كان أكثر بكثير مما يُدفع عادةً لليلةٍ واحدة. حسبته بسرعة ثم أخفته في مكان سري تحت لوح خشبي مفكوك في الأرضية. القوّاد سيأخذ معظم ما يظهر على السطح، كما يفعل دائمًا. فتحت الباب وخرجت إلى الممر الضيق. في نهاية الممر كانت غرفة والدتها. الباب موارب. رائحة السجائر الرخيصة والمخدرات القديمة تخرج

  • عشيقةٌ في الظل   الفصل الأول: الليلة التي غيّرت كل شيء

    كان المطر ينهمر على موسكو كأنه يحاول محو آثار الخطيئة من الشوارع، لكنه لم ينجح أبدًا. الأضواء النيونية الحمراء تنعكس على الإسفلت المبلل فتشكل بركًا من الدم الوهمي، والهواء يحمل رائحة البنزين المختلطة بعطر الليل الرخيص. إيليا إيفانوفيتش جلس في المقعد الخلفي لسيارته السوداء الفارهة، ساقيه ممدودتين، يده اليمنى تستند على ركبته، وعيناه الرماديتان تحدقان في الفراغ. كان رجلاً في السادسة والثلاثين، طويل القامة، عريض المنكبين، بملامح حادة كأنما نحتت من صخر الجبال الروسية. شعره الأسود الكثيف ممشط إلى الخلف بإتقان، ولحية خفيفة تبرز خط فكه القوي. يرتدي بدلة سوداء مصممة خصيصًا له، والقميص الأبيض مفتوح عند الرقبة بقدر يسمح برؤية بداية عضلات صدره. خاتم عائلة البراتفا يلمع على إصبعه الصغير كتهديد صامت.لم يكن يذهب إلى مثل هذه الأماكن عادة. كان يرى فيها ضعفًا وابتذالاً. لكن الاسم طارده لأيام: «أنجلينا… أشهر امرأة في موسكو الليلية». سمعه من أحد رجاله، ثم من آخر، حتى صار الفضول يأكل فيه كالنار البطيئة.السيارة توقفت أمام مبنى قديم في حي مظلم. واجهة باهتة، أبواب ثقيلة، ورائ

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status