LOGINالفصل الخامس: صدمة تحت الأضواء.. وكبرياء الملكة
ساد الذهول أرجاء الجناح الملكي المزين بالأنوار الداكنة لفندق «النورس» لثوانٍ معدودة حبست فيها الأنفاس. لم تكن الصدمة ناتجة عن قوة السقوط فقط، بل عن الصمت المفاجئ الذي تلا ذلك الارتطام القاسي. كانت الجدة «نور المحار» ترقد على الأرض بلا حركة، وشعرها الأبيض الفضي منسدل بحرية حول وجهها الشاحب، بينما انتشرت قطرات الدماء القليلة على حافة المنضدة الرخامية المجتزأة من جراء الصدمة.
"تييييييييتة!!"
صرخت «ليلي» بصوت مبحوح شق صمت المكان، وهي تجثو على ركبتيها فوراً فوق السجاد الفاخر، ويدها المرتجفة تمتد لتلمس وجنة جدتها الباردة. كانت دقات قلبها تتسارع كأنها طبول حرب، والدموع تنهمر من عينيها بغزارة لتتساقط على ملابس الجدة
أما «داليدا»، فقد تجمدت مكانها لثانيتين كاملتين. كان عقلا يرفض تصديق ما تراه عينها. اتسعت حدقتا عينيها العسليتين بذهول قاتل، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها وتجعل جسدها كأنه خُدّر بالكامل. كانت تلك اللحظة التي تتهاوى فيها كل حقول القوة والكبرياء. ركضت فوراً ونزلت بجوار «ليلي»، صوت نفسها الصاعد يخرج متقطعا وخائفاً:
"تيته! ردّي عليا! تيته افتحي عينك.. عشان خاطري ما تعمليش فينا كده!"
بدأت الفتاتان بالبكاء الشديد والنحيب الصامت الذي قطع أنفاس الجميع في الغرفة. كانت «داليدا» تمسك بيد جدتها الشاحبة، تحاول تدليكها وبعث الدفء فيها، والرعب ينهش قلبها.
في هذه الأثناء، كان «أندرو» واقفاً مصدوماً ووجهه خالٍ من كل تعبير، يلتفت يميناً ويساراً كأنه لا يستوعب ما حدث للتو. صرخ بحدة ونظراته تتنقل بين العاملين في الفندق:
"هاتوا دكتور بسرعة! حد يطلب الإسعاف هنا فوراً!"
على الجانب الآخر، كانت «عليا» قد تراجعت خطوتين إلى الخلف فوراً، والتصقت بالجدار الخشبي المزخرف للجناح. غطت فمها بكفها المزين بأظافر طويلة مطلية باللون الأحمر الفاقع، وعيناها تتسعان بأسى تصنّعته بعناية. شعرت بخوف حقيقي، ليس حزناً على الجدة، بل ذعراً من العواقب والأزمة القانونية أو الإعلامية التي قد تطالها جراء طيشها واستفزازها المتواصل!
لم ينتظر «فريد النورس» ثانية واحدة؛ كان جسده الرياضي يتحرك بسرعة خاطفة ووعي حاد. اندفع نحو الجدة بلا تردد، انحنى بجسده الطويل وسحبها برفق ولين شديدين بين ذراعيه القويتين، مبتعداً عن الرخام والحواف الحادة. رُفع جسد الجدة الضئيل وكأنه ريشة بين يديه، ونظر إلى الفتاتين بصوت صارم ودافئ في آنٍ واحد ليهدئ من روعهما:
"تعالوا معايا.. المصعد جاهز! سيارة إسعاف الفندق المجهزة مستنية تحت!"
اندفعت «داليدا» و«ليلي» خلفه دون تفكير. كانت رائحة المشفى والعطور المختلطة برائحة الذعر تملأ الممر أثناء ركوضهم. نزلوا جميعاً عبر المصعد البانورامي الخاطف، والأنوار الذهبية تنعكس على الوجوه الخائفة. عند الوصول إلى البهو السفلي، كانت سيارة إسعاف الفندق الطبية الخاصة تنتظر على الباب الرئيسي، وأضواؤها الحمراء والزرقاء تومض في الظلمة لتضفي أجواءً من الشحن العصبي.
صعد «فريد» معهم داخل سيارة الإسعاف، حريصاً على متابعة حركة تنفس الجدة ونبضها مع المسعفين، بينما جلست «داليدا» و«ليلي» متلاصقتين في الزاوية، تتشبث كل منهما بالأخرى كأنهما غريقتان في بحر متلاطم.
وصلت سيارة الإسعاف بسرعة فائقة إلى المستشفى الخاص الملحق بالمنتجع. طوارئ المستشفى كانت على أتم الاستعداد؛ استقبلت الطواقم الطبية النقالة بسرعة وتم نقل الجدة «نور» فوراً إلى غرفة الفحوصات والأشعة للاطمئنان على صحتها ومستوى النزيف في رأسها.
استقرت «داليدا» و«ليلي» على المقاعد المعدنية الباردة أمام باب الغرفة المغلق. كانت رائحة المعقمات والمعقم الطبي تغمر المكان، ممتزجة بصوت الأجهزة الميكانيكية البعيدة. جلسنا بجوار بعضهما البعض، تسندان رأسيهما المتعبين وتبكيان بصوت مكتوم. كانت «ليلي» تشد على يد «داليدا» بقوة كأنها تستمد منها الأمان، بينما كانت «داليدا» تضم يد أختها بصلابة تحاول من خلالها إخفاء انهيارها الداخلي.
وقف «فريد» على بعد أمتار قليلة. كانت عيناه تتأملانهما برحمة واهتمام بالغين. كان يتمنى خطوة واحدة نحو «داليدا» لتطمينها، ووضع يده على كتفهاليقول لها إن كل شيء سيكون بخير، لكنه كان يخشى ردة فعلها العصبية الثائرة وعزتها المرتفعة، خاصة في مثل هذه الظروف العصيبة التي قد تجعلها تنفجر في وجهه.
مرت النصف ساعة وكأنها دهر من الزمن، حتى فُتح باب غرفة الفحوصات وأقبل الطبيب المسؤول مرتدياً معطفه الأبيض المعهود.
قفزت الفتاتان من مكانيهما فوراً، واندفع «فريد» بدوره نحو الطبيب.
تساءلت «داليدا» بصوت مبحوح ومرتعد:
"دكتور! طمنا أرجوك.. تيته كويسة؟"
ابتسم الطبيب ابتسامة هادئة ومطمئنة ورفع يديه ل يهدئ من روعهم:
"اهدو يا جماعة.. الحمد لله، الحالة مستقرة جداً. الخبطة كانت مفاجئة وقوية شوية وناتجة عن فقدان توازن سريع، وده أدى لإغماء بسيط وجرح سطحي في فروة الرأس.. عملنا كل الأشعة اللازمة على المخ والفقرات، وما فيش أي نزيف داخلي أو كسور. هي فاقت دلوقتي وتقدروا تدخلوا تطمنوا عليها بعد دقائق بسيطة لما الممرضة تخلص المحلول."
تنفست «ليلي» الصعداء بصوت عالٍ وهي تضع يدها على قلبها:
"الحمد لله.. يا رب لك الحمد والشكر!"
اقترب «فريد» منهما بخطوات متأنية، حاملاً بين يديه زجاجات من العصير الطبيعي البارد وبعض المشروبات والوجبات الخفيفة التي طلبها خصيصاً من إدارة المستشفى لتهدئة أعصابهما. وقف أمامهما وقال بنبرة هادئة ودافئة:
"الحمد لله إنها بخير وعافية.. أنا بجد فرحان إنكم اطمنتوا عليها."
قالت «داليدا» ببرود قاطع، دون أن ترفع عينها في وجهه مباشرة:
"شكراً على المساعدة.. كتر خيرك."
كان صوتها خافتاً وجافاً يحمل رسالة واضحة بإنهاء الحديث. أخذت «ليلي» العصير منه بلطف ووجهت إليه نظرة امتنان ممتزجة بالإنهاك:
"شكراً يا أستاذ فريد.. بجد تعبناك معانا."
وفجأة، وأثناء الوقوف في الممر الساكن، لمحت «ليلي» حركة غير مرغوب فيها عند بداية الممر. لقد رأت «أندرو» يقبل بخطوات سريعة ومن خلفه تتمشى «عليا» ببطء وبرود.
اقتربت «عليا» بنبرة تصنعت فيها اللامبالاة والشفقة، وقالت بصوت ناعم ومستفز:
"جدتكم كويسة؟ أتمنى ما أكونش أزعجتكم!"
في لحظة، انتفضت «ليلي» من مكانها ووقفت بوجه محتقن بالغضب، متناسية التعب والإنهاك:
"دي بتعمل ايه هنا؟! انتِ ليكي عين تيجي لحد هنا؟ مش انتِ السبب في كل اللي حصل ده؟!"
خطى «أندرو» خطوة للأمام ليقف كحائل بين «ليلي» و«عليا»، محاولاً حماية أخته بعصبية مكتومة، بينما تراجعت «عليا» خلف ظهره تماماً، تتصنع البراءة والرقة، وعيناها تلمعان بدموع زائفة وهي تقول بصوت متكسر:
أنا أسفة.. بجد ما كانش قصدي، الموضوع حصل غصب عني!"
تدخل «فريد» بسرعة ممسكاً بكتف «ليلي» برفق ل يهدئها:
"اهدي يا آنسة ليلي.. المكان مستشفى وما ينفعش الشد ده هنا."
لكن «ليلي» لم تستطع التوقف، بل صرخت في وجه «عليا» بصوت متصاعد:
"ما كانش قصدك إيه؟! انتِ اللي بدأتي الخناقة والغلاسة والتنمر في المطعم! كنتِ عايزاني أسكتلك ولا أعديهالك؟ لازم القرف ده كله يحصل وتيجي الضرب في تيته وأنا أطلع سليمة؟! لا وكمان فونك في إيدك جبتيه معاكي وما نسيتيهوش حتى في الهرجلة دي كلها!"
ردت «عليا» بإصبعين ملساء لتطير خصلات شعرها الأشقر الناعم إلى الخلف في حركة إيما
ء واستفزاز أنثوي مليء بالغرور البارد، دون أن ترد بكلمة مما زاد من اشتعال الموقف.
خلال كل هذا الضجيج والانفعال، كان «فريد» يسرق النظر بطرف عينه بين الحين والآخر نحو «داليدا».
كانت «داليدا» تجلس على المقعد في سكون غير طبيعي كلياً! لم تصرخ، لم تهاجم، ولم تعترض كعادتها الهجومية والعصبية المعروفة. كانت تتصرف بكبرياء وغرور ملكة تت رفع عن الخوض في الملاسنات الرخيصة. هذا الهدوء المرعب والجمود الصارم على وجهها جعل «فريد» يشعر بقلق أكبر بكثير مما لو كانت قد تشاجرت وعبرت عن غضبها!
داخل الغرفة الفاخرة المخصصة للجدة «نور»، كانت الأخيرة قد فتحت عينيها ببطء شديد. استعادت وعيها بالكامل، وتنفسها بات منتظماً. كانت الممرضة تقف بجوار السرير لضبط جهاز المحلول وتفقّد الأجهزة الطبية.
نظرت الجدة «نور» حولها باستغناء وتساءلت بصوت ضعيف ولكن ثابت:
"أنا فين؟ أنا كويسة.. حفيداتي فين؟ بناتي كويسين ما جرالهمش حاجة؟"
ابتسمت الممرضة بلطف وقالت وهي تجري فحصاً سريعاً للضغط:
"حضرتك نور هانم المحار.. ألف سلامة عليكِ. البنات بره الممر قلقانين جداً ومستنيين يدخلوا."
سمعت الجدة أصوات همهمات ومشادات خفيفة قادمة من الممر، فاستفسرت بقطب حاجبيها:
"إيه صوت الخناق ده اللي بره؟ مين ب يتخانق في المستشفى؟ لو بناتي بره خليهم يدخلوا حالاً.. أنا عايزة أشوفهم."
ردت الممرضة وهي تتجه نحو الباب:
"حاضر يا فندم، أنا هنادي للبنات وكمان هطلب الدكتور يجي يطمن عليكي.. المنتجع والفندق كله كان قلقان عليكي جداً، وداليدا هانم وليلي هانم كانوا منهارين من البكاء."
خرجت الممرضة إلى الممر القريب واقتربت من المجموعة المتوترة وقالت بصوت مسموع:
"لو سمحتي يا آنسة داليدا.. نور هانم فاقت تماماً وعايزاكم جوه. أنا رايحة أنادي الدكتور عشان المعاينة النهائية."
في تلك اللحظة، رفعت «داليدا» رأسها ببطء. كان وجهها خالياً من أي انفعال أو مشاعر، عيناها صارمتان كأنهما قدُّتا من صخر. وقفت بثبات، وأمسكت بيد «ليلي» بصوت ناشف وصارم خالٍ من أي ضعف:
"كفاية.. جدتنا فاقت. يلا بينا ندخل ونشوفها ونطمن عليها."
سارت «داليدا» بخطوات واثقة ونظرت في عين «أندرو» فقط مباشرة، متجاهلة «فريد» تماماً كأنه غير موجود في الغرفة، وقالت بنبرة حادة وباردة:
"شكراً إنك جيت يا أندرو.. بس مفيش أي داعي لوجود الأنسة هنا.. مع السلامة."
تسمّر «فريد» في مكانه. شعر بغصة وشعور بالضيق الشديد يمزق صدره عندما رأى تجاهلها التام له وشكرها الخاص لـ«أندرو». لم تمنحه حتى فرصة للنظر في عينيه أو سماع اعتذاره.
تخطت الفتاتان الجميع ودخلتا الغرفة فوراً، وإغلاق الباب خلفهما كان كأنه حد فاصل بين العالمين.
اندفعت «داليدا» و«ليلي» نحو السرير، وارتمتا في أحضان الجدة بلهفة وشوق عارم، وتدفقت المشاعر العاطفية المكتومة.
قالتا بصوت واحد ممتزج بالدموع:
"تيته! انتِ كويسة؟ كل حاجة فيكي سليمة؟ طمنينا عشان خاطر ربنا.. إحنا متنا من الخوف عليكي!"
احتضنتهما الجدة برفق ومسحت على شعريهما ب حنان الأمهات:
"اهدو يا حبيباتي.. أنا بخير وزي الفل، ضربة بسيطة وما فيش حاجة تخوف."
قالت «داليدا» بصوت مليء بالندم والمرارة وهي تخفض رأسها:
"أنا أسفة يا تيته.. كل ده حصل بسبب تسرعي وتهوري وعصبيتي وعدم قدرتي على ضبط أعصابي أمام المستفزين."
قاطعتها «ليلي» بسرعة وهي تبكي:
"لا يا تيته.. مش بسببها هي، ده بسببي أنا! أنا اللي رديت وعملت المشكلة.. سامحيني يا تيته!"
ابتسمت الجدة «نور» وقالت بحكمة ووقار:
"كفاية يا بنات.. خلاص اللي حصل حصل والحمد لله جت على قد كده. المهم إننا مع بعض وأنا بخير.. بس قوليلي يا داليدا، مين اللي شالني وجابني المستشفى هنا؟"
ردت «داليدا» ببرود وهي تتفحص إبرة المحلول في يد جدتها:
"بتسألي ليه يا تيته؟ إحنا اللي جبناكي طبعاً.. هيكون مين يعني؟"
ابتعدت «ليلي» خطوة صغيرة للورا، خائفة من نظرات «داليدا» النارية، وقالت بتلعثم وتقطع:
"هو.. هو الأستاذ فريد النورس اللي شالك بنفسه من الجناح لحد باب الفندق تحت لحد ما الإسعاف وصلت.. وكمان ركب معانا وجاب عصاير وأكل اهو هنا عشانك وكان خائف وقلقان عليكي أوي طول الوقت."
شهقت الجدة «نور» بإعجاب مكتوم وقالت وهي تبتسم برضا:
"هو فريد؟! بسم الله ما شاء الله عليه.. طول بعرض، رشيق وخفيف، أصل وذوق وسيف وأنيق وغني كمان!"
نظرت إليها «داليدا» باستنكار وقالت بحدة خفيفة:
"انتِ كويسة يا تيته فعلاً؟ أكيد دي مش هلاوس من خبطة الرأس يعني؟!"
ضحكت الجدة «نور» بصوت خفيف وقالت:
"اممم.. ماشي يا ستي. نادوا عليه خليه يدخل عشان أشكره بنفسي."
ردت «داليدا» بقسوة ومباشرة:
"هو مشي.. أنا طردته هو والناس اللي معاه."
في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخل الطبيب ومعه الممرضة. اقترب الطبيب بابتسامته الواثقة وقال:
"مساء الخير يا نور هانم.. ما شاء الله، الوش ينور من تاني! ثواني بس أشيك على الحالة الصحية والوعي.. بصي معايا الناحية دي كدة.. تمام، والناحية دي؟ في أي وجع؟ ممتاز جداً!"
التفت الطبيب نحو الفتاتين وقال ب نبرة مرحة لتلطيف الجو:
"ما تخافوش يا بنات.. تيته ما شاء الله في عز شبابها! دي بطلة سباحة رياضية قوية! الاستجابة ممتازة جداً. أنا ستأذن دلوقتي، والممرضة هتديكي علاج بسيط، وبمجرد ما المحلول ده يخلص تقدروا تخرجوا وترجعوا للفندق عادي جداً.. إدارة الفندق والكل هناك كانوا قلقين وبيسألوا عنكِ بانتظام."
قالت الجدة بإجلال:
" ألف شكر يا دكتور على تعبك واهتمامك."
قبل أن يغادر الطبيب، التفتت الجدة للممرضة وسألتها باهتمام:
"يا حبيبتي.. هو الشاب اللي اسمه فريد اللي جابني هنا لسه واقف بره ولا مشي فعلاً؟"
نظرت «داليدا» لجدتها بغضب صامت، لكن الممرضة أجابت بعفوية:
"لا يا فندم، هو لسه موجود واقف في الممر بره ومشي الباقيين."
قالت الجدة بنبرة آمرة ولطيفة:
"طب ناديلو يابنتي خليه يدخل.. عايزه أشكره بنفسي."
ردت الممرضة ابتسامة:
"حاضر من عينيا.. أنا كده أديت العلاج المضبوط، وأول ما يخلص المحلول ده اضربوا الجرس عشان أجي أشيل السلك."
غادرت الممرضة، فالتفتت «داليدا» بنظرة لوم وقالت بصوت واطئ:
"ليه كده بس يا تيته؟ ما كانش له لزمة خالص!"
ردت «ليلي» وهي تلطف الجو:
"اهدي يا داليدا كفاية عصبية بقى.. الراجل عمل أصله ووقف معانا موقف محترم."
بعد لحظات، طُرِق الباب بدقات خفيفة ومؤدبة. ظهر «فريد» عند العتبة، وعلى وجهه مزيج من القلق والتردد، وقال بنبرة هادئة:
"ممكن أدخل؟"
اقترب بخطوات متزنة وقال بأسف صادق وهو ينظر للجدة:
"حمد الله على سلامتك يا نور هانم.. ألف سلامة عليكي. أنا أسف جداً على اللي حصل، والتصرف السيء والغبي من عليا كان غير مقصود بالمرة، وما أعرفش إزاي خرج منها."
ردت الجدة «نور» بابتسامة دافئة وترحاب:
"اتفضل يا فريد يا بني.. تعالي اقعد هنا جنبي. أنا شاكرة جداً للي عملته ومساعدتك ليا.. إحنا أهل وما فيش بيننا الكلام ده، ودي مش أول مرة أشوفك أو أعرفك فيها."
ثم صمتت الجدة وقالت بتساؤل ذكي وهي تتفحص ملامحه:
"بس قولي يا فريد.. مين عليا دي بالظبط؟"
في تلك اللحظة بالذات، رفعت «داليدا» رأسها فوراً ونظرت إلى «فريد» بنظرة ثاقبة وحادة كالسيف. كانت تتلهف لسماع إجابته؛ تتوق لمعرفة صفة «عليا» بالنسبة له، وهل هي مجرد قريبة أم خطيبة أم حبيبة يداريها عن العيون!
شعر «فريد» بثقل تلك النظرة الحارقة من «داليدا». سرق نظرة خاطفة نحو عينيها العسليتين الشاهقتين، ثم ارتبك قليلاً وصرف نظره سريعاً نحو الجدة، وقال بنبرة محاولة للتهرب والترفع:
ها.. اه.. المهم والأهم دلوقتي إن حضرتك بخير وبألف صحة وصناعة. أنا هستأذن دلوقتي وأسف تاني يا نور هانم على المشادة والخناقة اللي حصلت بره الجناح.. مع السلامة."
قالت الجدة بلطف:
"شكراً ليك تاني يا بني.. هبقى أشوفك في الفندق، ابقى تعالى زورني واطمن عليا."
ثم التفتت الجدة ونظرت لـ«داليدا» ب أمر مباشر:
"وصليه للباب يا داليدا."
ردت «داليدا» بصوت حاد يحمل تهديداً خفياً:
"اه طبعاً يا تيته.. أنا أصلاً كنت عايزاه في كلمة."
شعر «فريد» بانقباضة في قلبه وقلق تسلل إلى أحشائه من نبرة صوتها المتحفزة. التفت وقال بثبات:
" اتفضلي يا آنسة داليدا.. أنا وراكي."
خرجا معاً إلى الممر الخالي الساكن.
داخل الغرفة، مالت الجدة ب أذنها نحو الباب وقالت ب همس لـ«ليلي»:
"اسمعي من وراء الباب يا ليلي.. الشديدة دي تأكله ولا تعمل معاه مشكلة جديدة!"
ضحكت «ليلي» بصوت خفيف وقالت:
"ههههه لا متخافيش يا تيته مش للدرجة دي! تعالي بس أوريكي الأكل اللي جابه.. جايب سوشي فاخر من المحل اللي بتحبيه بالظبط ومعاه كل الصلصات والشوربة الخاصة!"
اتسعت عين الجدة «نور» بإعجاب وقالت:
"يا سلام! على جماله وذوقه العالي! هاتي بسرعة عشان أنا جعت أوي.. واحكيلي بقى وأنا باكل مين هي عليا دي كمان، وليه شفتها معاهم ومع أندرو أكتر؟"
في الممر الخارجي للمستشفى، وقف «فريد»
يديه في جيبي بنطاله، يواجه «داليدا» التي كانت تقف أمامه بثبات كالشجرة الشامخة.
قال «فريد» بنبرة أسف وجدية:
" خير يا آنسة داليدا.. كنتِ عايزاني في إيه؟ أنا عارف ومقدر إن اللي حصل في المطعم والجناح كان سيء جداً وصعب عليكي، وعارف إن أي اعتذار مش هيكفي ولا هيصلح اللي حصل."
نظر إليها ينتظر انفجارها المعهود أو صراخها العاصف، لكن «داليدا» فاجأته ببرود قاتل. نظرت إليه بعينين حادتين كالشفرة، وقالت بصوت ثلجي منخفض ولكن زلزل أركانه:
فعلاً.. اعتذارك مش هيكفي ولا هيعمل أي حاجة عندي. عشان كده أنا عندي طلب بسيط جداً ومباشر."
تطلع إليها «فريد» بحذر واستفسار:
"إيه هو الطلب ده؟"
رفعت «داليدا» رأسها بإباء وكبرياء ملكة لا تنحني، وقالت بكل حسم وثبات:
"تغلي الحفلة الشراكة اللي بين شركتكم ومجموعتنا فوراً، وتنقل كل أعمالك وفندقك لشركة تانية.. شراكتنا انتهت قبل ما تبدأ، ومش عايزة أشوف وشك ولا وش حد من عيلتك تاني!"
ساد الصمت الممر كالسكون الذي يسبق العاصفة. تجمدت
ملامح «فريد»، وتوسعت حدقتا عينيه بصدمة ذهول متكاملة.. لقد أدرك للتو أن الحرب الفعلية، وعناد الكبرياء، والمنافسة الشرسة قد بدأت رسمياً الآن!
سحرُ الواحة: شمسُ سيوة ودفءُ النخيلعلى بعد مئات الكيلومترات من صخب العواصم وثرثرة العروش، امتدت واحة سيوة كرميةٍ من الزمرد الأخضر في قلب الصحراء البيضاء. كانت أشعة الشمس الذهبية تتكسر بكسل على سطح بحيرات الملح الفيروزية، بينما كان الهوى العليل المحمل برائحة شجر الزيتون والنخيل ينساب برقة عبر شرفات منتجع شالي الملكي، الذي أُغلق بالكامل وحُصن لخدمة الثنائي الأسطوري.في الفناء المفتوح المبني من أحجار "الكرشيف" العتيقة المحاطة بأقمشة الخيام المنسوجة يدوياً، كانت داليدا تستريح بدلال ساحر على أريكة عربية منخفضة مكسوة بالفراء الأبيض والوسائد المذهبة. ترتدي عباءة حريرية مطرزة بالخيوط السيوية الفضية والأرجوانية، تنسدل برقة فوق قوامها الملوكي الناعم. كان عقد "قلب بكين" يستقر عند ثغرة جِيدها النقي، يرسل وميضاً متناغماً مع زرقة البحيرات المجاورة.كان الأمير الصغير "إبراهيم" يركض بضحكات بريئة على الرمال الناعمة القريبة، يتابع فراشة ذهبية، بينما كان الجد سليم المحار يرقبه بنظرات دافئة من على بعد.أما فريد المحار، فقد يتجرد كلياً من دروع القادة وصرامة الإمبراطورية. كان يرتدي جلباباً سيوانياً أبيض م
النسور: بهجةُ الكنانةِ في الذكرى الكبرىاخترقت الطائرة النفاثة الإمبراطورية لـ آل المحار أثير السماء الصافية، متجهةً بسرعة البرق نحو أرض الكنانة القاهرة، محملة بأوسمة أوروبا ومجدها، لكن الشوق الحقيقي كان يشد خطوات العروسين نحو دفء النيل وقصر المقطم.حطت الطائرة بسلام في مطار القاهرة الدولي وسط تحية عسكرية ومرور شرفي ملوكي. انتقل الموكب عبر الطرق المزينة بالأعلام نحو قصر المقطم الذي لبس حلةً قشيبة من الأنوار الذهبية والأرجوانية، إيذاناً ببدء "الاحتفالية الكبرى لمرور عامين على تأسيس الإمبراطورية الموحدة" برعاية رسمية وكبرى من رئاسة الجمهورية.في ساحة القصر الكبرى المزينة بآلاف ورود الياسمين البلدي، كانت الأضواء تنعكس على مياه النيل والقلعة الشامخة. أطلت داليدا بثوب إمبراطوري أسطوري باللونين الذهبي والأبيض الناصع، يبرز جمال قوامها الشامخ وأنوثتها الساحرة، ويزدان صدرها بـ عقد "قلب بكين" و"درة المتوسط"، بينما كانت يدها العاجية الملساء تزدهي بخاتم العهد.أما فريد المحار، فكان يقف بجوارها كالجبل الأشم، مرتدياً بدلة الشرف العسكرية الداكنة المطرزة بالخيوط الذهبية، يفيض بالهيبة والسيادة المطلقة
وسامُ التاجِ البريطاني وعهدُ الضبابتراكم الضباب الخريفي الرقيق فوق مياه نهر التايمز، ليغلف جسور لندن العتيقة بطابع ملوكي ساحر ومهيب. كانت الطائرة النفاثة الإمبراطورية لـ آل المحار قد حطت بسلام في مطار هيثرو، لينتقل الموكب الملكي مباشرة نحو قصر باكنغهام، حيث تتأهب العائلة المالكة البريطانية لاستقبال الثنائي الأسطوري وتقديم "وسام التاج البريطاني الرفيع".في قاعة الاستقبال الملكية المذهبة بالكريستال واللوحات الزيتية التاريخية، كانت داليدا تقف كملكة متوجة تتألق بثوب أسطوري من المخمل الأسود والياقوت، يبرز رقة قوامها الشامخ وأنوثتها الساحرة. كان عقد "قلب بكين" يلتف فوق صدرها النقي، و"درة المتوسط" تتدلى بألق بجوار خاتم العهد في يدها العاجية.أما فريد المحار، فكان يقف بجوارها كالجبل الأشم، مرتدياً بدلة السهرة البريطانية الداكنة ذات الياقة المزينة بأزرار الذهب، يفيض بالهيبة والسيادة المطلقة. كان يحيط خصر داليدا بساعده القوي، ممسكاً بكفها الناعم بحنان أبوي وزوجي فائق.تقدم ملك بريطانيا وكبار اللوردات بحضور رسمي مشهود، وقدموا للثنائي الملكي "وسام التاج البريطاني الرفيع" المرصع بالماس واللؤلؤ، م
عروس المتوسط: شذا الإسكندرية ودرةُ الخزانةِ التاريخيةعانقت نسمات البحر الأبيض المتوسط المالح أسوار "قصر المنتزه" التاريخي في الإسكندرية، حيث ترجل فريد المحار وداليدا من الطائرة النفاثة الخاصة التي نقلتهما في رحلة استجمامية ساحرة برفقة الأمير الصغير "إبراهيم". كانت عروس المتوسط تتألق بحلتها الخريفية الهادئة، والشوارع العتيقة تتزين برذاذ الندى وعبق التاريخ الذي يلامس جذور عائلة روزنبرغ العريقة.في الجناح الملكي المطل مباشرة على أمواج الإسكندرية الزرقاء الصافية، كانت داليدا تجلس بدلالٍ راقٍ على الأريكة المخملية، ترتدي فستاناً صيفياً فاخرفاً من الشيفون الأبيض والترتر الأزرق الفاتح الذي يعكس لون البحر، يبرز جمال قوامها الممشوق برقة وأنوثة طاغية. كان عقد "قلب بكين" يستقر فوق صدرها النقي، يرسل بريقاً أرجوانياً دافئاً يتناغم مع خاتم العهد في يدها العاجية.أما فريد المحار، فقد تخلص من رسميات القصور، مرتدياً قميصاً كتانياً أبيض ناصعاً يبرز صلابة صدره وقوة بنيته الفولاذية. كان يجلس إلى جوارها ملاصقاً لجسدها، يحيط خصرها بساعده القوي، ويده الأخرى تطوق كفها الناعم بحنانٍ أزلي.أمامها فوق الطاولة
خاتمُ السلالة: مهرجانُ العهدِ وعرشُ الحياةتوهجت قاعة العرش الكبرى في قصر المقطم بأضواء الشموع الذهبية والثريات الكريستالية الفاخرة، لتسطع على أسرّة الورد البلدي والياسمين المصطفة على طول الممرات الرخامية. كانت ألحان الموسيقى الشرقية والكلاسيكية العذبة تنساب برقةٍ في أرجاء القصر، تعلن انطلاق مهرجان عائلي أسطوري يُخلّد تقديم "ختم السلالة الموحدة" للأمير الصغير "إبراهيم فاروق المحار".كانت داليدا تجلس كالملكة المتوجة فوق أريكة العرش الفرعونية، تتألق بثوبٍ إمبراطوري فاخر من الحرير الأسود والذهبي، يبرز جمال قوامها الشامخ وأنوثتها الطافحة بالرقة والأنوثة الساحرة. كان عقد "قلب بكين" يستقر فوق صدرها النقي بجوار قلادة حتبشبسوت، بينما كانت يدها العاجية الملساء تزدهي ببريق خاتم العهد الملوكي.أما فريد المحار، فكان يقف بجوارها كالجبل الأشم، مرتدياً بدلة السهرة السوداء المذهبة التي تعكس سيادته المطلقة وهيبته الشامخة. كان يُمسك بيده الفولاذية القوية كف داليدا الناعمة، يضغط عليها برفقٍ ودلال بين الحين والآخر، وينحنى كل بضع لحظات ليطبع قبلةً دافئة متمهلة على كتفها أو يهمس في أذنها بكلام الشغف الذي ي
حصنُ العشق: حمايةُ العرينِ ودفءُ العروشلم تتحرك في عين فريد المحار أي شرارة ذعر أمام الإنذار الخاطف المنبعث من شفرة الأقمار الصناعية؛ بل نظر إلى الشاشة المعتمة بجمودٍ بارد يُعبر عن السيادة المطلقة لمن طحن أعتى العروش تحت أقدامه. لم يعطِ الأمر أية أهمية تذكر، بل أشار بيده الفولاذية إلى القائد أندرو في الشاشة المصغرة بنبرةٍ قاطعة حاسمة:— «تعاملوا مع تلك السفينة الشبحية بحزمٍ خاطف في المياه المفتوحة ولا تتركوا أثراً لفلولهم.. لا أريد لأية همسة غريبة أن تكدّر أمان قصر المقطم أو تقلق نوم زوجتي ووريثي ليلةً واحدة.»أغلق فريد الهاتف المشفّر تماماً، وألقاه جانباً كأنه مجرد وسيلة هامة لا تستحق الاهتمام أمام مقام حبيبته وملكتِه داليدا.التفت فريد نحو داليدا الشامخة التي كانت ترقبه بابتسامةٍ عذبة تفيض بالكبرياء الشامخ والأنوثة الساحرة. تقدم نحوها بخطواتٍ ثقيلة، هادئة، يملؤها الحب والسيادة، ثم انحنى وجثا برفق على ركبتيه أمام الأريكة المخملية العريضة التي تستريح عليها.أخذ يدها العاجية الملساء المزدينة بخاتم الياقوت الأرجواني، ورفعها نحو شفتيه الحارتين ليطبع عليها قبلةً طويلة مفعمة بالتبتل والوف







