Se connecterالفصل الخامس: صدمة تحت الأضواء.. وكبرياء الملكة
ساد الذهول أرجاء الجناح الملكي المزين بالأنوار الداكنة لفندق «النورس» لثوانٍ معدودة حبست فيها الأنفاس. لم تكن الصدمة ناتجة عن قوة السقوط فقط، بل عن الصمت المفاجئ الذي تلا ذلك الارتطام القاسي. كانت الجدة «نور المحار» ترقد على الأرض بلا حركة، وشعرها الأبيض الفضي منسدل بحرية حول وجهها الشاحب، بينما انتشرت قطرات الدماء القليلة على حافة المنضدة الرخامية المجتزأة من جراء الصدمة.
"تييييييييتة!!"
صرخت «ليلي» بصوت مبحوح شق صمت المكان، وهي تجثو على ركبتيها فوراً فوق السجاد الفاخر، ويدها المرتجفة تمتد لتلمس وجنة جدتها الباردة. كانت دقات قلبها تتسارع كأنها طبول حرب، والدموع تنهمر من عينيها بغزارة لتتساقط على ملابس الجدة
أما «داليدا»، فقد تجمدت مكانها لثانيتين كاملتين. كان عقلا يرفض تصديق ما تراه عينها. اتسعت حدقتا عينيها العسليتين بذهول قاتل، وشعرت ببرودة تسري في أطرافها وتجعل جسدها كأنه خُدّر بالكامل. كانت تلك اللحظة التي تتهاوى فيها كل حقول القوة والكبرياء. ركضت فوراً ونزلت بجوار «ليلي»، صوت نفسها الصاعد يخرج متقطعا وخائفاً:
"تيته! ردّي عليا! تيته افتحي عينك.. عشان خاطري ما تعمليش فينا كده!"
بدأت الفتاتان بالبكاء الشديد والنحيب الصامت الذي قطع أنفاس الجميع في الغرفة. كانت «داليدا» تمسك بيد جدتها الشاحبة، تحاول تدليكها وبعث الدفء فيها، والرعب ينهش قلبها.
في هذه الأثناء، كان «أندرو» واقفاً مصدوماً ووجهه خالٍ من كل تعبير، يلتفت يميناً ويساراً كأنه لا يستوعب ما حدث للتو. صرخ بحدة ونظراته تتنقل بين العاملين في الفندق:
"هاتوا دكتور بسرعة! حد يطلب الإسعاف هنا فوراً!"
على الجانب الآخر، كانت «عليا» قد تراجعت خطوتين إلى الخلف فوراً، والتصقت بالجدار الخشبي المزخرف للجناح. غطت فمها بكفها المزين بأظافر طويلة مطلية باللون الأحمر الفاقع، وعيناها تتسعان بأسى تصنّعته بعناية. شعرت بخوف حقيقي، ليس حزناً على الجدة، بل ذعراً من العواقب والأزمة القانونية أو الإعلامية التي قد تطالها جراء طيشها واستفزازها المتواصل!
لم ينتظر «فريد النورس» ثانية واحدة؛ كان جسده الرياضي يتحرك بسرعة خاطفة ووعي حاد. اندفع نحو الجدة بلا تردد، انحنى بجسده الطويل وسحبها برفق ولين شديدين بين ذراعيه القويتين، مبتعداً عن الرخام والحواف الحادة. رُفع جسد الجدة الضئيل وكأنه ريشة بين يديه، ونظر إلى الفتاتين بصوت صارم ودافئ في آنٍ واحد ليهدئ من روعهما:
"تعالوا معايا.. المصعد جاهز! سيارة إسعاف الفندق المجهزة مستنية تحت!"
اندفعت «داليدا» و«ليلي» خلفه دون تفكير. كانت رائحة المشفى والعطور المختلطة برائحة الذعر تملأ الممر أثناء ركوضهم. نزلوا جميعاً عبر المصعد البانورامي الخاطف، والأنوار الذهبية تنعكس على الوجوه الخائفة. عند الوصول إلى البهو السفلي، كانت سيارة إسعاف الفندق الطبية الخاصة تنتظر على الباب الرئيسي، وأضواؤها الحمراء والزرقاء تومض في الظلمة لتضفي أجواءً من الشحن العصبي.
صعد «فريد» معهم داخل سيارة الإسعاف، حريصاً على متابعة حركة تنفس الجدة ونبضها مع المسعفين، بينما جلست «داليدا» و«ليلي» متلاصقتين في الزاوية، تتشبث كل منهما بالأخرى كأنهما غريقتان في بحر متلاطم.
وصلت سيارة الإسعاف بسرعة فائقة إلى المستشفى الخاص الملحق بالمنتجع. طوارئ المستشفى كانت على أتم الاستعداد؛ استقبلت الطواقم الطبية النقالة بسرعة وتم نقل الجدة «نور» فوراً إلى غرفة الفحوصات والأشعة للاطمئنان على صحتها ومستوى النزيف في رأسها.
استقرت «داليدا» و«ليلي» على المقاعد المعدنية الباردة أمام باب الغرفة المغلق. كانت رائحة المعقمات والمعقم الطبي تغمر المكان، ممتزجة بصوت الأجهزة الميكانيكية البعيدة. جلسنا بجوار بعضهما البعض، تسندان رأسيهما المتعبين وتبكيان بصوت مكتوم. كانت «ليلي» تشد على يد «داليدا» بقوة كأنها تستمد منها الأمان، بينما كانت «داليدا» تضم يد أختها بصلابة تحاول من خلالها إخفاء انهيارها الداخلي.
وقف «فريد» على بعد أمتار قليلة. كانت عيناه تتأملانهما برحمة واهتمام بالغين. كان يتمنى خطوة واحدة نحو «داليدا» لتطمينها، ووضع يده على كتفهاليقول لها إن كل شيء سيكون بخير، لكنه كان يخشى ردة فعلها العصبية الثائرة وعزتها المرتفعة، خاصة في مثل هذه الظروف العصيبة التي قد تجعلها تنفجر في وجهه.
مرت النصف ساعة وكأنها دهر من الزمن، حتى فُتح باب غرفة الفحوصات وأقبل الطبيب المسؤول مرتدياً معطفه الأبيض المعهود.
قفزت الفتاتان من مكانيهما فوراً، واندفع «فريد» بدوره نحو الطبيب.
تساءلت «داليدا» بصوت مبحوح ومرتعد:
"دكتور! طمنا أرجوك.. تيته كويسة؟"
ابتسم الطبيب ابتسامة هادئة ومطمئنة ورفع يديه ل يهدئ من روعهم:
"اهدو يا جماعة.. الحمد لله، الحالة مستقرة جداً. الخبطة كانت مفاجئة وقوية شوية وناتجة عن فقدان توازن سريع، وده أدى لإغماء بسيط وجرح سطحي في فروة الرأس.. عملنا كل الأشعة اللازمة على المخ والفقرات، وما فيش أي نزيف داخلي أو كسور. هي فاقت دلوقتي وتقدروا تدخلوا تطمنوا عليها بعد دقائق بسيطة لما الممرضة تخلص المحلول."
تنفست «ليلي» الصعداء بصوت عالٍ وهي تضع يدها على قلبها:
"الحمد لله.. يا رب لك الحمد والشكر!"
اقترب «فريد» منهما بخطوات متأنية، حاملاً بين يديه زجاجات من العصير الطبيعي البارد وبعض المشروبات والوجبات الخفيفة التي طلبها خصيصاً من إدارة المستشفى لتهدئة أعصابهما. وقف أمامهما وقال بنبرة هادئة ودافئة:
"الحمد لله إنها بخير وعافية.. أنا بجد فرحان إنكم اطمنتوا عليها."
قالت «داليدا» ببرود قاطع، دون أن ترفع عينها في وجهه مباشرة:
"شكراً على المساعدة.. كتر خيرك."
كان صوتها خافتاً وجافاً يحمل رسالة واضحة بإنهاء الحديث. أخذت «ليلي» العصير منه بلطف ووجهت إليه نظرة امتنان ممتزجة بالإنهاك:
"شكراً يا أستاذ فريد.. بجد تعبناك معانا."
وفجأة، وأثناء الوقوف في الممر الساكن، لمحت «ليلي» حركة غير مرغوب فيها عند بداية الممر. لقد رأت «أندرو» يقبل بخطوات سريعة ومن خلفه تتمشى «عليا» ببطء وبرود.
اقتربت «عليا» بنبرة تصنعت فيها اللامبالاة والشفقة، وقالت بصوت ناعم ومستفز:
"جدتكم كويسة؟ أتمنى ما أكونش أزعجتكم!"
في لحظة، انتفضت «ليلي» من مكانها ووقفت بوجه محتقن بالغضب، متناسية التعب والإنهاك:
"دي بتعمل ايه هنا؟! انتِ ليكي عين تيجي لحد هنا؟ مش انتِ السبب في كل اللي حصل ده؟!"
خطى «أندرو» خطوة للأمام ليقف كحائل بين «ليلي» و«عليا»، محاولاً حماية أخته بعصبية مكتومة، بينما تراجعت «عليا» خلف ظهره تماماً، تتصنع البراءة والرقة، وعيناها تلمعان بدموع زائفة وهي تقول بصوت متكسر:
أنا أسفة.. بجد ما كانش قصدي، الموضوع حصل غصب عني!"
تدخل «فريد» بسرعة ممسكاً بكتف «ليلي» برفق ل يهدئها:
"اهدي يا آنسة ليلي.. المكان مستشفى وما ينفعش الشد ده هنا."
لكن «ليلي» لم تستطع التوقف، بل صرخت في وجه «عليا» بصوت متصاعد:
"ما كانش قصدك إيه؟! انتِ اللي بدأتي الخناقة والغلاسة والتنمر في المطعم! كنتِ عايزاني أسكتلك ولا أعديهالك؟ لازم القرف ده كله يحصل وتيجي الضرب في تيته وأنا أطلع سليمة؟! لا وكمان فونك في إيدك جبتيه معاكي وما نسيتيهوش حتى في الهرجلة دي كلها!"
ردت «عليا» بإصبعين ملساء لتطير خصلات شعرها الأشقر الناعم إلى الخلف في حركة إيما
ء واستفزاز أنثوي مليء بالغرور البارد، دون أن ترد بكلمة مما زاد من اشتعال الموقف.
خلال كل هذا الضجيج والانفعال، كان «فريد» يسرق النظر بطرف عينه بين الحين والآخر نحو «داليدا».
كانت «داليدا» تجلس على المقعد في سكون غير طبيعي كلياً! لم تصرخ، لم تهاجم، ولم تعترض كعادتها الهجومية والعصبية المعروفة. كانت تتصرف بكبرياء وغرور ملكة تت رفع عن الخوض في الملاسنات الرخيصة. هذا الهدوء المرعب والجمود الصارم على وجهها جعل «فريد» يشعر بقلق أكبر بكثير مما لو كانت قد تشاجرت وعبرت عن غضبها!
داخل الغرفة الفاخرة المخصصة للجدة «نور»، كانت الأخيرة قد فتحت عينيها ببطء شديد. استعادت وعيها بالكامل، وتنفسها بات منتظماً. كانت الممرضة تقف بجوار السرير لضبط جهاز المحلول وتفقّد الأجهزة الطبية.
نظرت الجدة «نور» حولها باستغناء وتساءلت بصوت ضعيف ولكن ثابت:
"أنا فين؟ أنا كويسة.. حفيداتي فين؟ بناتي كويسين ما جرالهمش حاجة؟"
ابتسمت الممرضة بلطف وقالت وهي تجري فحصاً سريعاً للضغط:
"حضرتك نور هانم المحار.. ألف سلامة عليكِ. البنات بره الممر قلقانين جداً ومستنيين يدخلوا."
سمعت الجدة أصوات همهمات ومشادات خفيفة قادمة من الممر، فاستفسرت بقطب حاجبيها:
"إيه صوت الخناق ده اللي بره؟ مين ب يتخانق في المستشفى؟ لو بناتي بره خليهم يدخلوا حالاً.. أنا عايزة أشوفهم."
ردت الممرضة وهي تتجه نحو الباب:
"حاضر يا فندم، أنا هنادي للبنات وكمان هطلب الدكتور يجي يطمن عليكي.. المنتجع والفندق كله كان قلقان عليكي جداً، وداليدا هانم وليلي هانم كانوا منهارين من البكاء."
خرجت الممرضة إلى الممر القريب واقتربت من المجموعة المتوترة وقالت بصوت مسموع:
"لو سمحتي يا آنسة داليدا.. نور هانم فاقت تماماً وعايزاكم جوه. أنا رايحة أنادي الدكتور عشان المعاينة النهائية."
في تلك اللحظة، رفعت «داليدا» رأسها ببطء. كان وجهها خالياً من أي انفعال أو مشاعر، عيناها صارمتان كأنهما قدُّتا من صخر. وقفت بثبات، وأمسكت بيد «ليلي» بصوت ناشف وصارم خالٍ من أي ضعف:
"كفاية.. جدتنا فاقت. يلا بينا ندخل ونشوفها ونطمن عليها."
سارت «داليدا» بخطوات واثقة ونظرت في عين «أندرو» فقط مباشرة، متجاهلة «فريد» تماماً كأنه غير موجود في الغرفة، وقالت بنبرة حادة وباردة:
"شكراً إنك جيت يا أندرو.. بس مفيش أي داعي لوجود الأنسة هنا.. مع السلامة."
تسمّر «فريد» في مكانه. شعر بغصة وشعور بالضيق الشديد يمزق صدره عندما رأى تجاهلها التام له وشكرها الخاص لـ«أندرو». لم تمنحه حتى فرصة للنظر في عينيه أو سماع اعتذاره.
تخطت الفتاتان الجميع ودخلتا الغرفة فوراً، وإغلاق الباب خلفهما كان كأنه حد فاصل بين العالمين.
اندفعت «داليدا» و«ليلي» نحو السرير، وارتمتا في أحضان الجدة بلهفة وشوق عارم، وتدفقت المشاعر العاطفية المكتومة.
قالتا بصوت واحد ممتزج بالدموع:
"تيته! انتِ كويسة؟ كل حاجة فيكي سليمة؟ طمنينا عشان خاطر ربنا.. إحنا متنا من الخوف عليكي!"
احتضنتهما الجدة برفق ومسحت على شعريهما ب حنان الأمهات:
"اهدو يا حبيباتي.. أنا بخير وزي الفل، ضربة بسيطة وما فيش حاجة تخوف."
قالت «داليدا» بصوت مليء بالندم والمرارة وهي تخفض رأسها:
"أنا أسفة يا تيته.. كل ده حصل بسبب تسرعي وتهوري وعصبيتي وعدم قدرتي على ضبط أعصابي أمام المستفزين."
قاطعتها «ليلي» بسرعة وهي تبكي:
"لا يا تيته.. مش بسببها هي، ده بسببي أنا! أنا اللي رديت وعملت المشكلة.. سامحيني يا تيته!"
ابتسمت الجدة «نور» وقالت بحكمة ووقار:
"كفاية يا بنات.. خلاص اللي حصل حصل والحمد لله جت على قد كده. المهم إننا مع بعض وأنا بخير.. بس قوليلي يا داليدا، مين اللي شالني وجابني المستشفى هنا؟"
ردت «داليدا» ببرود وهي تتفحص إبرة المحلول في يد جدتها:
"بتسألي ليه يا تيته؟ إحنا اللي جبناكي طبعاً.. هيكون مين يعني؟"
ابتعدت «ليلي» خطوة صغيرة للورا، خائفة من نظرات «داليدا» النارية، وقالت بتلعثم وتقطع:
"هو.. هو الأستاذ فريد النورس اللي شالك بنفسه من الجناح لحد باب الفندق تحت لحد ما الإسعاف وصلت.. وكمان ركب معانا وجاب عصاير وأكل اهو هنا عشانك وكان خائف وقلقان عليكي أوي طول الوقت."
شهقت الجدة «نور» بإعجاب مكتوم وقالت وهي تبتسم برضا:
"هو فريد؟! بسم الله ما شاء الله عليه.. طول بعرض، رشيق وخفيف، أصل وذوق وسيف وأنيق وغني كمان!"
نظرت إليها «داليدا» باستنكار وقالت بحدة خفيفة:
"انتِ كويسة يا تيته فعلاً؟ أكيد دي مش هلاوس من خبطة الرأس يعني؟!"
ضحكت الجدة «نور» بصوت خفيف وقالت:
"اممم.. ماشي يا ستي. نادوا عليه خليه يدخل عشان أشكره بنفسي."
ردت «داليدا» بقسوة ومباشرة:
"هو مشي.. أنا طردته هو والناس اللي معاه."
في تلك اللحظة، فُتح الباب ودخل الطبيب ومعه الممرضة. اقترب الطبيب بابتسامته الواثقة وقال:
"مساء الخير يا نور هانم.. ما شاء الله، الوش ينور من تاني! ثواني بس أشيك على الحالة الصحية والوعي.. بصي معايا الناحية دي كدة.. تمام، والناحية دي؟ في أي وجع؟ ممتاز جداً!"
التفت الطبيب نحو الفتاتين وقال ب نبرة مرحة لتلطيف الجو:
"ما تخافوش يا بنات.. تيته ما شاء الله في عز شبابها! دي بطلة سباحة رياضية قوية! الاستجابة ممتازة جداً. أنا ستأذن دلوقتي، والممرضة هتديكي علاج بسيط، وبمجرد ما المحلول ده يخلص تقدروا تخرجوا وترجعوا للفندق عادي جداً.. إدارة الفندق والكل هناك كانوا قلقين وبيسألوا عنكِ بانتظام."
قالت الجدة بإجلال:
" ألف شكر يا دكتور على تعبك واهتمامك."
قبل أن يغادر الطبيب، التفتت الجدة للممرضة وسألتها باهتمام:
"يا حبيبتي.. هو الشاب اللي اسمه فريد اللي جابني هنا لسه واقف بره ولا مشي فعلاً؟"
نظرت «داليدا» لجدتها بغضب صامت، لكن الممرضة أجابت بعفوية:
"لا يا فندم، هو لسه موجود واقف في الممر بره ومشي الباقيين."
قالت الجدة بنبرة آمرة ولطيفة:
"طب ناديلو يابنتي خليه يدخل.. عايزه أشكره بنفسي."
ردت الممرضة ابتسامة:
"حاضر من عينيا.. أنا كده أديت العلاج المضبوط، وأول ما يخلص المحلول ده اضربوا الجرس عشان أجي أشيل السلك."
غادرت الممرضة، فالتفتت «داليدا» بنظرة لوم وقالت بصوت واطئ:
"ليه كده بس يا تيته؟ ما كانش له لزمة خالص!"
ردت «ليلي» وهي تلطف الجو:
"اهدي يا داليدا كفاية عصبية بقى.. الراجل عمل أصله ووقف معانا موقف محترم."
بعد لحظات، طُرِق الباب بدقات خفيفة ومؤدبة. ظهر «فريد» عند العتبة، وعلى وجهه مزيج من القلق والتردد، وقال بنبرة هادئة:
"ممكن أدخل؟"
اقترب بخطوات متزنة وقال بأسف صادق وهو ينظر للجدة:
"حمد الله على سلامتك يا نور هانم.. ألف سلامة عليكي. أنا أسف جداً على اللي حصل، والتصرف السيء والغبي من عليا كان غير مقصود بالمرة، وما أعرفش إزاي خرج منها."
ردت الجدة «نور» بابتسامة دافئة وترحاب:
"اتفضل يا فريد يا بني.. تعالي اقعد هنا جنبي. أنا شاكرة جداً للي عملته ومساعدتك ليا.. إحنا أهل وما فيش بيننا الكلام ده، ودي مش أول مرة أشوفك أو أعرفك فيها."
ثم صمتت الجدة وقالت بتساؤل ذكي وهي تتفحص ملامحه:
"بس قولي يا فريد.. مين عليا دي بالظبط؟"
في تلك اللحظة بالذات، رفعت «داليدا» رأسها فوراً ونظرت إلى «فريد» بنظرة ثاقبة وحادة كالسيف. كانت تتلهف لسماع إجابته؛ تتوق لمعرفة صفة «عليا» بالنسبة له، وهل هي مجرد قريبة أم خطيبة أم حبيبة يداريها عن العيون!
شعر «فريد» بثقل تلك النظرة الحارقة من «داليدا». سرق نظرة خاطفة نحو عينيها العسليتين الشاهقتين، ثم ارتبك قليلاً وصرف نظره سريعاً نحو الجدة، وقال بنبرة محاولة للتهرب والترفع:
ها.. اه.. المهم والأهم دلوقتي إن حضرتك بخير وبألف صحة وصناعة. أنا هستأذن دلوقتي وأسف تاني يا نور هانم على المشادة والخناقة اللي حصلت بره الجناح.. مع السلامة."
قالت الجدة بلطف:
"شكراً ليك تاني يا بني.. هبقى أشوفك في الفندق، ابقى تعالى زورني واطمن عليا."
ثم التفتت الجدة ونظرت لـ«داليدا» ب أمر مباشر:
"وصليه للباب يا داليدا."
ردت «داليدا» بصوت حاد يحمل تهديداً خفياً:
"اه طبعاً يا تيته.. أنا أصلاً كنت عايزاه في كلمة."
شعر «فريد» بانقباضة في قلبه وقلق تسلل إلى أحشائه من نبرة صوتها المتحفزة. التفت وقال بثبات:
" اتفضلي يا آنسة داليدا.. أنا وراكي."
خرجا معاً إلى الممر الخالي الساكن.
داخل الغرفة، مالت الجدة ب أذنها نحو الباب وقالت ب همس لـ«ليلي»:
"اسمعي من وراء الباب يا ليلي.. الشديدة دي تأكله ولا تعمل معاه مشكلة جديدة!"
ضحكت «ليلي» بصوت خفيف وقالت:
"ههههه لا متخافيش يا تيته مش للدرجة دي! تعالي بس أوريكي الأكل اللي جابه.. جايب سوشي فاخر من المحل اللي بتحبيه بالظبط ومعاه كل الصلصات والشوربة الخاصة!"
اتسعت عين الجدة «نور» بإعجاب وقالت:
"يا سلام! على جماله وذوقه العالي! هاتي بسرعة عشان أنا جعت أوي.. واحكيلي بقى وأنا باكل مين هي عليا دي كمان، وليه شفتها معاهم ومع أندرو أكتر؟"
في الممر الخارجي للمستشفى، وقف «فريد»
يديه في جيبي بنطاله، يواجه «داليدا» التي كانت تقف أمامه بثبات كالشجرة الشامخة.
قال «فريد» بنبرة أسف وجدية:
" خير يا آنسة داليدا.. كنتِ عايزاني في إيه؟ أنا عارف ومقدر إن اللي حصل في المطعم والجناح كان سيء جداً وصعب عليكي، وعارف إن أي اعتذار مش هيكفي ولا هيصلح اللي حصل."
نظر إليها ينتظر انفجارها المعهود أو صراخها العاصف، لكن «داليدا» فاجأته ببرود قاتل. نظرت إليه بعينين حادتين كالشفرة، وقالت بصوت ثلجي منخفض ولكن زلزل أركانه:
فعلاً.. اعتذارك مش هيكفي ولا هيعمل أي حاجة عندي. عشان كده أنا عندي طلب بسيط جداً ومباشر."
تطلع إليها «فريد» بحذر واستفسار:
"إيه هو الطلب ده؟"
رفعت «داليدا» رأسها بإباء وكبرياء ملكة لا تنحني، وقالت بكل حسم وثبات:
"تغلي الحفلة الشراكة اللي بين شركتكم ومجموعتنا فوراً، وتنقل كل أعمالك وفندقك لشركة تانية.. شراكتنا انتهت قبل ما تبدأ، ومش عايزة أشوف وشك ولا وش حد من عيلتك تاني!"
ساد الصمت الممر كالسكون الذي يسبق العاصفة. تجمدت
ملامح «فريد»، وتوسعت حدقتا عينيه بصدمة ذهول متكاملة.. لقد أدرك للتو أن الحرب الفعلية، وعناد الكبرياء، والمنافسة الشرسة قد بدأت رسمياً الآن!
الفصل العشرون: تراكم الجحيم وشرارة الاشتعالكان الإبهام المتردد لـ "عليا" يستقر فوق الزر الأحمر المضيء على شاشة هاتفها، والشرر يتطاير من عينيها كوحشٍ جريح محاصر. في تلك اللحظة الحرجة التي كان ينقبض فيها صدر "داليدا" برعب صامت، خطى "فريد" خطوة ثابتة إلى الأمام، متقدماً ببدنه الرياضي الصلب ليشكل درعاً حامياً وملاذاً كاملاً لداليدا خلفه.تلاقت أعينهما لكسرٍ من الثانية؛ أرسل إليها فريد بنظرة دافئة تفيض بطاقة ذكورية احتوائية حاسمة، نظرة تهمس في أذنيها بغير صوت: «ما دمتُ أنا هنا، فلن تطالكِ النار.» استمدت داليدا من عينيه سكوناً عجيباً وانسابت طاقة أنوثتها الرقيقة لتستكين لثباته، ممسكة بأطراف جاكيته بكتفين يرتجفان وشغف مكتوم يشتعل وسط الموت.وفجأة! وقبل أن تطبق عليا بإبهامها على الزر..دوى صوت ارتطامٍ حديدي هائل هز جنبات المستودع! اندفع "أندرو"—أخو عليا—كالصقر المندفع من نافذة التهوية المرتفعة، ساهماً بحبل متين، وشاهراً مسدسه الأسود في الهواء وهو يصرخ بصرامة تهز الجدران:— «عليا! ارفعي يدكِ فوراً! لا تفعلي هذا بنفسكِ وبنا!»فزعت عليا واهتزت يدها بذهول، وفي تلك اللحظة الخاطفة، انطلقت الشرارة
الفصل التاسع عشر: أشباح الميناء القديمساد الجناح الملكي صمتٌ ثقيل ومُحتدم، كأن المسافة الفاصلة بين شاشة الهاتف وناظِرَي "داليدا" و"فريد" قد استحالت برزخاً من الذعر الشفاف. كانت الحروف المضيئة على الشاشة تنبض بالوعيد: "شريف لم يمت.. الجثة التي أُخرجت من الحطام ليست جثته!"تشابكت النظرات بينهما في عتمة الصالون؛ نظرةُ داليدا المترعة بالذهول والشكوك الحارقة، ونظرةُ فريد الثابتة التي احتزمت بصرامة مفاجئة كالصلب. كانت أصابع داليدا الممسكة بالهاتف ترتجف برفق، بينما انسحبت يد فريد ببطء ليقف بشامخ قامته، ملقياً بنظرة ثاقبة نحو النافذة الزجاجية المطلة على البحر المغلق.قالت داليدا بصوتٍ خفيض، مبحوح، تهتز فيه بقايا كبريائها المنهك: — «فريد.. هل هذا يعقل؟ من كان في تلك السيارة المحترقة إذاً؟ وكيف أُخرج شريف منها قبل السقوط دون أن تلمحه عيناي عند الجرف؟!»التفت إليها فريد، وجاكسه الداكن ينمّ عن حسمٍ قاطع. خطى نحوها بثبات، وضغط بكفه الدافئة على ذراعها ليردها إلى هدوئها، ثم قال بنبرة هادئة ورزينة تحمل دفئاً ساحراً وسط هذه العاصفة: — «الخوف هو أول أسلحة العدو يا داليدا.. من أرسل هذه الرسالة يدرك تما
الفصل الثامن عشر: رماد على قمة الجرفساد سكونٌ مروع عقب انقضاء صوت الاصطدام المدوي. كان الفجر يفرش ظلاله الرمادية الباردة فوق أفق البحر، ورذاذ الماء المالح يتطاير مع نسيم الصباح ليلامس وجه "داليدا" الشاحب كالموت. وقفت عند أطراف الجرف الصخري المنهار، ويداها المرتجفتان تضغطان على شالها الأسود، وعيناها المتسعتان بذهول تتأملان حطام السيارة الرياضية المقلوبة أسفل المنحدر.كان الدخان الأسود يتصاعد بكثافة من المحرك المنفجر، يمازجه صوت هدر الموج الذي يرتطم بحديد السيارة الملتوي على الصخور الحادة. لم تكن الصدمة في منظر الدماء والحطام فحسب، بل في تلك الدوامة المرعبة التي سُحبت إليها في لحظات خاطفة: خيانةٌ عارية أطاحت بكبرياء أنثوي، ورسالةٌ مريبة تدسُّ الشك في الأوصال، ثم حادثُ سقوطٍ مفزع يعلن نهايةً دموية لرجلٍ كان حتى البارحة سنداً لعائلتها!تصلبت داليدا في مكانها، عاجزة عن الخطو أو الصراخ، وأنفسها المتقطعة تخنق صوتها في حنجرتها.وفي تلك اللحظة بالذات، شق سكون الطريق الساحلي صوتُ احتكاك إطارات حاد وقوي! توقفت سيارة سوداء ثقيلة خلف سيارتها مباشرة، ونزل منها "فريد" كالبرق. كان جاكيت بدلته مخلوعا
عادت "داليدا" إلى صالة الحفل بخطوات متزنة تثقلها حيرة حارقة، ووجه يحافظ بصعوبة بالغة على قناع الثبات والرزانة أمام عدسات المصورين ونظرات الضيوف الفضولية. كانت أنغام الموسيقى الكلاسيكية تنساب في أرجاء القاعة الكبرى ناعمة دافئة، تغسل صخب الشائعات وتغطي على ذلك الغموض الثقيل الذي يلف جدران فندق "آل المحار". تتلألأ الثريات الكريستالية فوق البلاط الرخامي الأبيض، تعكس أضواءً ذهبية تُبهر الأبصار، لكن داليدا لم تكن ترى من كل هذا البذخ سوى نفق مظلم من الشكوك المشتعلة، بسبب تلك الرسالة المريبة المحفورة في ذاكرتها، والتي قرأتها للتو على هاتف شريف.انضم إليها "شريف"، الذي بدا مفعماً بنشوة العودة إلى الضوء بعد فترة احتجازه في المشفى. كان يرتدي بدلة سهرة فاخرة تُخفي بقعة جرحه، وتعتلي وجهه ابتسامة واثقة يرغب من خلالها في إثبات كفاءته ورجولته أمام الجميع. تقدم نحو داليدا، وأمسك بكفها بابتسامة دافئة وودودة، مستأذناً إياها لمشاركته رقصة الحفل الرئيسية المخصصة للراعين الرسميين.لم تجد داليدا مجالاً للرفض أو الانسحاب أمام نظرات الحاضرين وأضواء الكاميرات المتعطشة لأي إشارة تفكك داخل العائلة؛ فانساق جسدها
الفصل السادس عشر: ظلال على جدران الزجاجساد الصمت جنبات الجناح الملكي، صمتٌ ثقيل يُشبه طنين الأذن بعد انفجارٍ مدوٍّ. لم تكن الصدمة في رصاصةٍ اخترقت جسد "شريف" فحسب، بل في تلك الحقيقة العارية التي أفرزتها تحريات الشرطة: الهدف لم يكن خطيب داليدا.. بل كان فريد!تداخلت الأسئلة في الأذهان كخطوط متشابكة لا بداية لها ولا نهاية. من يملك الجرأة ليدسّ الموت في قلب أحضان "آل المحار" وفي حرم فندقهم الفاخر؟ هل هو ثأرٌ قديم يطارد فريد من ماضٍ غامض؟ أم أنها يدٌ خفية تستهدف العائلة بأكملها عبر حلفائها؟تضاعفت الأزمة حين امتدت ألسنة الصحافة والإعلام لملاحقة الفندق. لم يعد الأمر محلياً؛ بل تحول إلى حديث شبكات التواصل والمنصات العالمية، ولا سيما في الأوساط الاستثمارية بالصين وآسيا، حيث يتتابع المستثمرون أوراق صفقاتهم بشكوكٍ متزايدة. ضربات متتالية، وحوادث مريبة تصيب كل احتفالية يُقيمها الفندق، مترافقة مع شائعات مسمومة يُغذيها أبناء عمومة الجد المقيمون في الخارج، أولئك الذين يترقبون أي هفوة لينقضوا على التركة والإدارة.ولم يكن غياب والدي "داليدا" و"عليا"—المتواجدين في رحلة استكشافية وعملية طويلة في أعمق م
الفصل الخامس عشر: غبار على جدران الزجاجكان التوتر يسري في أروقة فندق "آل المحار" كسمٍّ خفيّ ينساب في عروقِ مريض، لا يقتله فوراً، لكنه يسلبه القدرة على التنفس. لم تكن الجريمة الأخيرة مجرد طعنة في صدر "شريف"، بل كانت صفعة مجلجلة أطاحت بكل مساحيق التجميل والدعايات البراقة التي أُنفق عليها الملايين.المأساة لم تكمن فقط في الدماء التي خضبت رمال الشاطئ، بل في ذلك الشبح المرعب الذي بدأ يطوف بالمكان: حوادث القتل المريبة المتقاربة! بات الأمر كأنه لعنة شؤم تطارد هذا الصرح الفاخر؛ فما إن يُقام حفلٌ أسطوري تتردد أصداؤه في الصحف، حتى ينتهي بمهزلة وكارثة دامية تلوكها ألسنة العامة والخاصة على صفحات التواصل الاجتماعي وفي صالونات رجال الأعمال.خارج الفندق، عند أطراف الشاطئ الخصوصي، كانت شريط البلاستيك الأصفر الخاص بالشرطة يمتد على طول السور الصخري ليعلن "إغلاق المنطقة الشاطئية نهائياً حتى إشعار آخر". تلاطم الموج على الشريط الأصفر بإيقاع كئيب، بينما غطت سيارات الشرطة والإسعاف المدخل الخلفي. وعلى الرغم من حظر التجوال الشاطئي، كان الفندق في الداخل يحاول أن يحافظ على مظهره الطبيعي بصلابة متكلفة؛ فالأنوار







