Home / الرومانسية / على قيد الاستثناء / زلزال فى عتمة الليل

Share

زلزال فى عتمة الليل

last update publish date: 2026-08-05 06:51:24

ساد صمتٌ أثقل من الجبال في صالة المنزل عقب انتهاء المكالمة. كانت يد سهام تجمدت فوق سماعة الهاتف الثابت، ووجهها الملون باصفرار الذعر يشي بمقدار الرعب الذي حلّ بها. تراجعت خطوة للوراء وهي تنظر إلى سلمى بعينين ضيقتين تحاولان استكشاف ما خفي عنهما.

"ماذا يريد منكِ عاصم عبد الغني؟" نطقت سهام وأخيراً بصوتٍ خافت، لكنه محمل بتهديد مكتوم، مضيفة: "كيف يعرف اسمكِ؟ وما الذي بينكِ وبين هذا الرجل؟".

وقفت سلمى ثابته في مكانها، تضغط ببراجم أطرافها المرتجفة على المغلف الجلدي المخفي بين ثنايا ثوبها، وقالت بنبرة هادئة تسللت إليها شجاعة لم تعهدها: "ألم تسمعيه بنفسكِ؟ قال إنه يملك وصية من أبي. لا أعرف أكثر مما تعرفين".

اندفعت نورهان من خلف أمها، وقد تملكها الجشع والتوجس، واقتربت من سلمى بوقاحة: "أنتِ تكذبين! لابد أنكِ تواصلتِ معه دون علمنا. والدكِ لم يترك شيئاً يذكر، من أين ظهر هذا العاصم فجأة؟".

لم تجب سلمى، بل انسحبت ببطء ونظراتها معلقة بهما، حتى وصلت إلى باب غرفتها الصغيرة وتسللت داخلها، قافلة الباب خلفها بالمفتاح القديم. ألقى جسدها المجهد بنفسه على السرير الخشبي البسيط، وضمت المغلف الجلدي إلى صدرها كأنه طوق نجاة أُلقي إليها في وسط بحرٍ متلاطم. لم تنم سلمى ليلتها؛ كانت تراقب شعاع الضوء الأول الذي يتسلل من شقوق النافذة، وقلبها يتأرجح بين الأمل في الفرج والخوف مما سيحمله الصباح.

في الخارج، كانت الصالة تشهد حركة غير معتادة منذ ساعات الصباح الأولى. سهام ونورهان لم تناما أيضاً، بل أمضتا الليل في ترتيب المكان وتنظيفه بلهفة مصحوبة بالتصنع. أخرجت سهام أفضل أواني الضيافة وأمرت بمسح الأثاث، محاولة إظهار البيت بمظهر يليق بستقبل رجل بأهمية ونفوذ عاصم عبد الغني، مع حرصها الدفين على ترتيب حيلة تظهر فيها سلمى بمظهر الفتاة غير المسؤولة أمام الضيف.

في تمام الساعة العاشرة صباحاً، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام الباب الخارجي للبناية. أصدر صرير إطاراتها الهادئ إشارة بليغة إلى وصول الزائر المرتقب.

ارتجفت يد سهام وهي تفتح الباب الخارجي، لتجد أمامها رجالاً يرتدون أطقم عمل رسمية يقفون بخطوات منتظمة، وعلى رأسهم عاصم عبد الغني بنفسه.

كان عاصم يمثل الهيبة والوقار بكل تفاصيله؛ طويل القامة، بذلته الداكنة ذات التفصيل المتقن تبين جسده الرياضي المتناسق، وملامحه الوسيمة الحادة تحمل حزماً ورزانة تجبر الجميع على احترام حضورها. لم يكن يبدو عليه إرهاق السنين رغم الأربعين من عمره، بل كان يتألق بقمة الشباب والنضج.

دخَل عاصم بخطوات حازمة، ونظراته الهادئة تفحصت أرجاء البيت البسيط بنوع من العاطفة الدفينة، تخللتها حسرة خفية على رحيل صديقه وأستاذ بداياته، عبد الحميد.

تحدثت سهام بابتسامة متكلفة وصوت ناعم لا يشبه قسوتها الليلة الماضية: "أهلاً بك يا سيد عاصم.. أنرت منزل المرحوم. تفضل بالجلوس، لم نكن نعلم أن المهندس عبد الحميد ترك معارف بمقامتك".

تجاهل عاصم مجاملاتها اللطيفة ببرودٍ مهذب، ولم يجلس، بل رد بنبرة رجولية عميقة ورزينة: "شكراً لكِ. أنا هنا في مهمة خاصة تخص أمانة تركها المرحوم عبد الحميد بين يدي قبل وفاته بأسابيع قليلة، وحان وقت تنفيذها".

ثم التفت بعينيه الثاقبتين نحو الممر المؤدي للغرف، وسأل بوضوح: "أين ابنتُه سلمى؟".

خرجت سلمى من غرفتها ببطء. كانت ترتدي ثوباً بسيطاً ومرتباً، وملامحها العسلية الذابلة تحمل أثراً واضحاً للتعب والحداد، لكن عينيها كانتا تشعان ببريق من البراءة والصمود.

عندما وقعت عين عاصم عليها، ساد انطباع خاطف في صدره؛ لم يَر في عينيها طمعاً أو انكساراً مبهماً، بل رأى ملامح صديقه القديم وأمانته التي أوصاه برعايتها وحمايتها.

خطت سلمى خطوات متأنية نحو الصالة، وحين اقتربت منه، شعرت بهيبة حضوره التي تملأ المكان دفئاً وأماناً لم تعشه منذ رحيل أبيها.

استخرج عاصم من حقيبته الجلدية السوداء ملفاً رسمياً مغلقاً بختم قانوني، ثم التفت نحو سهام ونورهان اللتين وقفتا بشرقٍ وحب استطلاع، ثم أعاد نظره إلى سلمى، وقال بصوت حاسم أحدث زلزالاً في أرجاء الصالة:

"هذه هي الوصية الرسمية والأوراق المالكة لمصنع قطع الغيار القديم الذي أسسه والدكِ معي. والدكِ لم يكن مجرد موظف.. بل كان شريكاً بالنصف، وقد سجل كافة أسهمه وأرباحه المحتسبة باسمكِ أنتِ وحدكِ يا سلمى!".

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على قيد الاستثناء    حد المواجهة

    كان الصمت الذي أعقب كلمات المحامي ثقيلاً وخانقاً، كأن الهواء قد سُحب فجأة من بهو الفيلا الرئيسي. وقفت سلمى على بعد خطوات قليلة من الباب الخارجي، تتنفس بصعوبة وأصابع يدها تضغط على حقيبة أوراقها الأكاديمية حتى ابيضت مفاصلها. كان فرح النجاح الذي غمرها منذ ساعات قليلة في الجامعة يتبدد بسرعة الصدمة، ليحل محله شعور أليم بالاستباحة؛ فريدة تتجرأ على إقحام اسم والدها الراحل وحصته الصغيرة في الشركة في صراعها العاطفي والشخصي، وتحاول تجريدها من آخر خيط يربطها بشركة والدها وبوجودها الشرعي تحت هذا السقف.التفتت سلمى بعينين تتلمسان الأمان نحو عاصم. كان يقف إلى جوارها كالسد المنيع، بدلته الداكنة لم تترعد، لكن ملامحه الحادة تحولت إلى ما يشبه الصخر الجرانيتي. كانت هناك حمرة غضب مكتومة تشتعل في عينيه، ونبرة أنفاسه الصادرة من صدره تنبئ بعاصفة وشيكة ستقتلع كل من يتجرأ على تجاوز حدوده.تقدم عاصم خطوتين بطيئتين نحو الصالون الرئيسي، حيث تقف فريدة إلى جوار محاميها وأمها التي تراقبه بنظرات مترقبة. زرّر جاكيت بدلته بهدوء قاتل، ثم وجّه عينيه الحادتين نحو المحامي أولاً، ليقول بصوت خفيض ثقيل يقطع الشك باليقين: "ست

  • على قيد الاستثناء    طعنة الظلال

    بدأت الجلسة الأكاديمية في القاعة الكبرى وسط حضور غفير من الأساتذة والباحثين. كانت سلمى تقف خلف منصة العرض بثبات، وصوتها الرخيم ينساب في القاعة ليغطي تفاصيل بحثها المتقن. وفي المقعد الأمامي، كان عاصم يجلس بشموخه المعهود، عينان حادتان ترقبان كل حركة منها وتمنحانها أماناً يتجاوز أسوار الكلية.وفجأة، تحرك الباب الخلفي للقاعة بصوت مسموع. دخل طارق بملامح يغلب عليها التشفّي والمكر، ويرافقه الدكتور "ممدوح"، وهو محكم أكاديمي نافذ معروف بعلاقاته المشبوهة. تقدم ممدوح نحو المنصة دون استئذان، وقاطع عرض سلمى بنبرة حادة وصوت جهوري أربك القاعة بأكملها: "عفواً يا رئيس اللجنة.. هذا البحث لا يجوز استكمال مناقشته! لدينا أدلة قاطعة تنص على أن الباحثة اقتبست أجزاء جوهرية من أوراق علمية ملك للباحث طارق، وأن الجهد المعروض هنا مسروق بالكامل!".ساد الذهول أرجاء القاعة، وارتفعت الهمسات المتشابكة. شحب وجه سلمى وتجمدت دماء الفزع في عروقها، وهي ترى طارق يبتسم بنصر زائف في الخلف، محاولاً هدم سنوات تعبها في لحظة واحدة.وقبل أن ينطق رئيس اللجنة بكلمة، تحرك جبل الجليد من مقعده. قام عاصم بخطوات ثقيلة ورزينة تهتز لها ال

  • على قيد الاستثناء    شرارة المواقف

    خيم توتر مكتوم على أرجاء الفيلا في الصباح التالي لعودة عاصم وسلمى؛ إذ لم تعد فريدة قادرة على إخفاء خوفها واستشعارها للخطر الحقيقي الذي يتهدد استقرار مكانتها. كانت حركة عاصم الأخير بسفره الخاطف إلى دبي والعودة برفقة سلمى نقطة تحول أربكت كل حساباتها، وجعلت أمها تحثها على مواجهته ووضع حد لما أسمته "التجاهل الصريح لأصول البيت".في الصالون الفرعي، وقفت أم فريدة بجوار ابنتها تنتظران نزول عاصم من مكتبه. ما إن أطل ببدلته الأنيقة وقامته الشامخة، حتى تقدمت حماته ونادته بنبرة يغلب عليها العتاب الحاد: "عاصم.. أريد الحديث معك لدقائق قبل أن تخرج. ما جرى بالأمس وما أصبحت تفعله لأجل هذه الباحثة يتجاوز حدود العقل! أنت تهين فريدة ومكانتها كزوجة لك أمام الجميع بسفرك خلف امرأة أخرى واهتمامك العلني بها".توقف عاصم في منتصف القاعة، وألقى نظرة حادة وثقيلة نحو حماته وفريدة التي كانت تقف بملامح واجمة ومترقبة. ساد صمت حذر، ثم قال عاصم بصوت خفيض ينبض بالوقار والحسم الصارم: "أم فريدة.. أنتِ في بيتي وفي ضيافتي وكرامتكِ محفوطة، لكن حدود قراراتي وتصرفاتي الشخصية أمور لا أسمح لأحد بالتدخل فيها أو فرض وصاية عليّ بشأن

  • على قيد الاستثناء    شرارة المواقف

    خيم توتر مكتوم على أرجاء الفيلا في الصباح التالي لعودة عاصم وسلمى؛ إذ لم تعد فريدة قادرة على إخفاء خوفها واستشعارها للخطر الحقيقي الذي يتهدد استقرار مكانتها. كانت حركة عاصم الأخير بسفره الخاطف إلى دبي والعودة برفقة سلمى نقطة تحول أربكت كل حساباتها، وجعلت أمها تحثها على مواجهته ووضع حد لما أسمته "التجاهل الصريح لأصول البيت".في الصالون الفرعي، وقفت أم فريدة بجوار ابنتها تنتظران نزول عاصم من مكتبه. ما إن أطل ببدلته الأنيقة وقامته الشامخة، حتى تقدمت حماته ونادته بنبرة يغلب عليها العتاب الحاد: "عاصم.. أريد الحديث معك لدقائق قبل أن تخرج. ما جرى بالأمس وما أصبحت تفعله لأجل هذه الباحثة يتجاوز حدود العقل! أنت تهين فريدة ومكانتها كزوجة لك أمام الجميع بسفرك خلف امرأة أخرى واهتمامك العلني بها".توقف عاصم في منتصف القاعة، وألقى نظرة حادة وثقيلة نحو حماته وفريدة التي كانت تقف بملامح واجمة ومترقبة. ساد صمت حذر، ثم قال عاصم بصوت خفيض ينبض بالوقار والحسم الصارم: "أم فريدة.. أنتِ في بيتي وفي ضيافتي وكرامتكِ محفوطة، لكن حدود قراراتي وتصرفاتي الشخصية أمور لا أسمح لأحد بالتدخل فيها أو فرض وصاية عليّ بشأن

  • على قيد الاستثناء    عودة المسار

    انقضت الساعات الأخيرة في دبي كأنها لحظات خاطفة مفعمة بصفاء لم تعهده سلمى من قبل. جمعت حقائبها بقلب خفيف وروح مطمئنة، ليرافقها عاصم في طريق العودة على نفس الطائرة. لم تعد هناك مسافات تفصلهما، ولا ألقاب رسمية متكلفة تحبس نبرة الود في صدريهما.خلال الرحلة الجوية، كانت سلمى تجلس إلى جوار النافذة، تتأمل بحر السحاب الممتد عبر الأفق، بينما كان عاصم يجلس بجانبها يطالع أوراق عمله بظاهري الهدوء، لكن عينيه كانتا تلتفتان إليها بين الحين والآخر بلمحة حانية تجمع بين الوقار والدفء العميق.التفتت سلمى نحوه وقالت بصوت خفيض وناعم: "سيد عاصم.. أتمنى ألا تكون سفريتك هذه قد تسببت في تعطيل أشغالك المهمة في الشركة".التفت عاصم إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة أذابت كبرياء السنين: "ألم نلتفق على إلغاء الكلفة والرسميات يا سلمى؟ ثم إن راحة بالكِ وإبعاد أي ضيق عنكِ أهم لديّ من مائة اجتماع عمل".احمرت وجنتا سلمى خجلاً، ونكست بصرها بابتسامة شفافة تسري كالدفء في عروقها، موقنة أن رحلة العودة هذه ليست مجرد عودة إلى بيت، بل هي عبور صريح نحو مستقبل أمن ومختلف تماماً.مع هبوط الليل، توقفت سيارة عاصم أمام المدخل ا

  • على قيد الاستثناء    مفاجأة الحضور

    استيقظت سلمى في الصباح الباكر وعلى صدرها جبل ثقيل من الضيق والغيرة المكتومة. كانت أحداث مكالمة الأمس تتكرر في ذهنها بلا انقطاع؛ صوت فريدة العفوي وهي تناديه باسمه المجرد، وحديثها عن القهوة والجمعة العائلية في غيابها، جعل سلمى تشعر بضآلة مكانتها وبأنها مجرد باحثة تكفل عاصم برعايتها بدافع الشهامة ليس إلا.قررت الهروب من حصرة جناحها والمشاركة في الجولة البحرية الجماعية التي نظمتها إدارة المؤتمر للباحثين على شواطئ دبي. ارتدت فستاناً بسيطاً بالألوان الدافئة، ونزلت إلى البهو الرئيسي تنتظر الحافلة المخصصة لنقل الوفد، وعيناها ترقبان الفراغ بشرود حزين.في تلك اللحظة بالذات، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام المدخل الزجاجي للبهو. نزل منها السائق ليفتح الباب الخلفي، ليخرج منه عاصم ببدلته الداكنة ووقاره الشامخ المعهود. كانت ملامحه تحمل أثر السهر ورحلة الطيران المبكرة، غير أن عينيه الحادتين كانتا تفتشان عن وجهها بلهفة واضحة لم يستطع كبرياؤه إخفاءها هذه المرة.تسمرت سلمى في مكانها، واتسعت عيناها بذهول مطلق وكأنها تطالع طيفاً يتجسد من بين أفكارها. شعرت بقلبها يدق كالمطرقة في صدرها، وسرت رعدة دافئة في أطرا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status