Share

على قيد الاستثناء
على قيد الاستثناء
Author: إسراء أحمد

غُبار الذاكرة

last update publish date: 2026-08-05 06:40:27

كان السكون يلف أرجاء البيت إلا من صوت قطرات ماء تتساقط بانتظام من صنبور المطبخ القديم. تجاوزت الساعة الثانية بعد منتصف الليل، وسلمى ما تزال جاثية على ركبتيها تنظف أرضية الصالة الباردة، بقطعة قماش بالية طالتها برودة الليل واعتصرت ما بقي فيها من جهد.

لم يكن التعب الجسدي وحده هو ما ينهكها، بل ذلك الشعور الثقيل على صدرها بأنها باتت غريبة في بيت بني بجهد أبيها وعرقه. رحل المهندس عبد الحميد الشناوي منذ ثلاثة أسابيع فقط، وتركها في أول الشباب، تائهة بين صدمة الفقد وقسوة زوجته سهام وجفاء ابنتها نورهان. لم تنتظر المرأتان حتى انقضاء أيام الحداد الأولى؛ بل بدأتا فوراً في التضييق عليها، ومسح كل أثر لوالدها في البيت، وكأنهما تسرعان في إلغاء وجودها هي الأخرى.

سندت سلمى جبهتها المجهدة إلى الجدار الرطب، وأغمضت عينيها العسليتين لثوانٍ. تسللت طيوف أبيها إلى ذاكرتها؛ مسحته الدافئة على رأسها، وصوته المليء بالفخر وهو يحدثها عن عمله وكفاحه. كان مهندساً عصامياً قضى سنوات طويلة في التخطيط والإشراف على المصانع الأولى لـ "مجموعة عاصم عبد الغني". تذكرت كيف كان أبيها يثني دائماً على عاصم، ويصفه بالرجل الاستثنائي الذي صمد بوجه الأزمات، وأعاد بناء شركته من الصفر دون أن يفرط بأمانة من وثقوا به أو يتخلى عن العمال القدامى. كانت تلك الأسماء بالنسبة لسلمى مجرد حكايات دافئة تستمع إليها قبل النوم، ولم تكن تتخيل يوماً أن تصبح جزءاً من واقعها.

تبددت الذكرى كالدخان حين انفتح باب الغرفة الرئيسية بعنف، لتطل منه سهام بتعاليها المعهود، تجر خلفها نورهان التي تشبهها في جفاء الطبع ونظرات الاستهانة. كانت نورهان ترتدي ثوباً أنيقاً أصلحت سلمى أطرافه في المساء، بينما ارتدت سهام ملامح القسوة التي تضعها دائماً أمام سلمى.

ألقت سهام صندوقاً كرتونياً قديماً عند قدمي سلمى، فتصاعد منه غبار كثيف وتناثرت أوراق طالها الاصفرار على السجادة البالية. ثم قالت بصوت حاد يخرق سكون الليل: "كم مرة أخبرتكِ أن تطهري المخزن العلوي من هذه الكراكيب؟ أوراق والدكِ الراحل ملأت المكان وتجلب الغبار. اجمعيها فوراً وتخلصي منها قبل أن يشرق الصباح، لا نريد أي أوراق لا فائدة منها في هذا البيت".

انحنت سلمى بكسرة نفس تجمع الأوراق المبعثرة، حريصة على ألا تتلف شيئاً من أثر أبيها الحديث. كانت أناملها المرتجفة تلمس خط يده المألوف، والتصاميم الهندسية التي طالما سهر عليها. وفي قاع الصندوق المطوي، وقعت عينها على مغلف جلدي داكن، أغلق بعناية شديدة وشمع أحمر قديم، ورسمت عليه بخط أبيها الواضح عبارة واحدة: "إلى ابنتي سلمى.. أمانة تفض عند الحاجة، بحضور عاصم".

تسمرت يد سلمى فوق المغلف، واضطربت دقات قلبها بشدة. كانت هذه أول مرة تلمح فيها وثيقة رسمية تربط اسم أبيها باسم عاصم عبد الغني بهذا الشكل الخاص. حاولت بحذر وذكاء أن تدس المغلف بين ثنايا ثوبها الفضفاض، وتغطيه بقية الأوراق العادية، لكن عيني سهام المتفحصتين كانت ترصدان كل حركة وارتباك.

اندفعت سهام بخطوات غاضبة، وضيقت عينيها بريبة وهي تقترب منها، ثم امتدت يدها تصيح: "ما الذي تحاولين إخفاءه يا فتاة؟ ألم أحذركِ من الاحتفاظ بأي شيء؟ أعطني هذا الورق فوراً لكي أراه!".

ضمت سلمى المغلف إلى صدرها بكل ما أوتيت من قوة، ولأول مرة برزت في نبرتها صلابة لم تعهدها سهام من قبل: "هذا من أثر أبي الشذخصي.. وليس لكِ حق في أخذه أو رميه".

وقفت نورهان بجانب أمها تبتسم بسخرية وهي تحرضها: "انظري يا أمي كيف تطاول لسانها بعد وفاة عمي عبد الحميد! يجب أن تأخذي منها هذا المغلف بالقوة".

وقبل أن تتقدم سهام للبطش بها أو تنشب مشاجرة بينهن، اخترق الصمت المفاجئ رنين هاتف المنزل الثابت الموضة على الطاولة المجاورة. كان صوتاً حاداً متواصلاً أربك سكون الليلة الهادئة وشل حركة الجميع.

تجمدت الحركة في الصالة، وتبادلت سهام وابنتها نظرات الشك والارتباك؛ فمن يتصل برقم ثابت في هذه الساعة المتأخرة من الليل؟

تقدمت سهام نحو الهاتف بتردد تشوبه جراءة متكلفة، ورفعت السماعة بجفاء وهي تقول: "من المتحدث في هذا الوقت؟".

ساد صمت قصير عبر الخط، قبل أن ينساب من الطرف الآخر صوت رجولي جاد، يفيض بالرزانة والصرامة، عبر أثير الهاتف ليكون مسموعاً بنبرته القوية في هدوء الصالة: "مساء الخير.. هل هذا منزل المهندس عبد الحميد الشناوي؟ أنا عاصم عبد الغني.. وأحتاج الحديث مع ابنته سلمى لأمر يخص وصية والدها التي وصلتني اليوم".

تجمدت يد سهام فوق السماعة، وانخلع قلبها ذعراً وتلون وجهها بالاصفرار، بينما وقفت سلمى شاخصة البصر، يرتجف المغلف بين يديها الضعيفتين وهي تستمع إلى الاسم الذي كان يتردد في بيتها كرمز للأمان والدعم.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • على قيد الاستثناء    حد المواجهة

    كان الصمت الذي أعقب كلمات المحامي ثقيلاً وخانقاً، كأن الهواء قد سُحب فجأة من بهو الفيلا الرئيسي. وقفت سلمى على بعد خطوات قليلة من الباب الخارجي، تتنفس بصعوبة وأصابع يدها تضغط على حقيبة أوراقها الأكاديمية حتى ابيضت مفاصلها. كان فرح النجاح الذي غمرها منذ ساعات قليلة في الجامعة يتبدد بسرعة الصدمة، ليحل محله شعور أليم بالاستباحة؛ فريدة تتجرأ على إقحام اسم والدها الراحل وحصته الصغيرة في الشركة في صراعها العاطفي والشخصي، وتحاول تجريدها من آخر خيط يربطها بشركة والدها وبوجودها الشرعي تحت هذا السقف.التفتت سلمى بعينين تتلمسان الأمان نحو عاصم. كان يقف إلى جوارها كالسد المنيع، بدلته الداكنة لم تترعد، لكن ملامحه الحادة تحولت إلى ما يشبه الصخر الجرانيتي. كانت هناك حمرة غضب مكتومة تشتعل في عينيه، ونبرة أنفاسه الصادرة من صدره تنبئ بعاصفة وشيكة ستقتلع كل من يتجرأ على تجاوز حدوده.تقدم عاصم خطوتين بطيئتين نحو الصالون الرئيسي، حيث تقف فريدة إلى جوار محاميها وأمها التي تراقبه بنظرات مترقبة. زرّر جاكيت بدلته بهدوء قاتل، ثم وجّه عينيه الحادتين نحو المحامي أولاً، ليقول بصوت خفيض ثقيل يقطع الشك باليقين: "ست

  • على قيد الاستثناء    طعنة الظلال

    بدأت الجلسة الأكاديمية في القاعة الكبرى وسط حضور غفير من الأساتذة والباحثين. كانت سلمى تقف خلف منصة العرض بثبات، وصوتها الرخيم ينساب في القاعة ليغطي تفاصيل بحثها المتقن. وفي المقعد الأمامي، كان عاصم يجلس بشموخه المعهود، عينان حادتان ترقبان كل حركة منها وتمنحانها أماناً يتجاوز أسوار الكلية.وفجأة، تحرك الباب الخلفي للقاعة بصوت مسموع. دخل طارق بملامح يغلب عليها التشفّي والمكر، ويرافقه الدكتور "ممدوح"، وهو محكم أكاديمي نافذ معروف بعلاقاته المشبوهة. تقدم ممدوح نحو المنصة دون استئذان، وقاطع عرض سلمى بنبرة حادة وصوت جهوري أربك القاعة بأكملها: "عفواً يا رئيس اللجنة.. هذا البحث لا يجوز استكمال مناقشته! لدينا أدلة قاطعة تنص على أن الباحثة اقتبست أجزاء جوهرية من أوراق علمية ملك للباحث طارق، وأن الجهد المعروض هنا مسروق بالكامل!".ساد الذهول أرجاء القاعة، وارتفعت الهمسات المتشابكة. شحب وجه سلمى وتجمدت دماء الفزع في عروقها، وهي ترى طارق يبتسم بنصر زائف في الخلف، محاولاً هدم سنوات تعبها في لحظة واحدة.وقبل أن ينطق رئيس اللجنة بكلمة، تحرك جبل الجليد من مقعده. قام عاصم بخطوات ثقيلة ورزينة تهتز لها ال

  • على قيد الاستثناء    شرارة المواقف

    خيم توتر مكتوم على أرجاء الفيلا في الصباح التالي لعودة عاصم وسلمى؛ إذ لم تعد فريدة قادرة على إخفاء خوفها واستشعارها للخطر الحقيقي الذي يتهدد استقرار مكانتها. كانت حركة عاصم الأخير بسفره الخاطف إلى دبي والعودة برفقة سلمى نقطة تحول أربكت كل حساباتها، وجعلت أمها تحثها على مواجهته ووضع حد لما أسمته "التجاهل الصريح لأصول البيت".في الصالون الفرعي، وقفت أم فريدة بجوار ابنتها تنتظران نزول عاصم من مكتبه. ما إن أطل ببدلته الأنيقة وقامته الشامخة، حتى تقدمت حماته ونادته بنبرة يغلب عليها العتاب الحاد: "عاصم.. أريد الحديث معك لدقائق قبل أن تخرج. ما جرى بالأمس وما أصبحت تفعله لأجل هذه الباحثة يتجاوز حدود العقل! أنت تهين فريدة ومكانتها كزوجة لك أمام الجميع بسفرك خلف امرأة أخرى واهتمامك العلني بها".توقف عاصم في منتصف القاعة، وألقى نظرة حادة وثقيلة نحو حماته وفريدة التي كانت تقف بملامح واجمة ومترقبة. ساد صمت حذر، ثم قال عاصم بصوت خفيض ينبض بالوقار والحسم الصارم: "أم فريدة.. أنتِ في بيتي وفي ضيافتي وكرامتكِ محفوطة، لكن حدود قراراتي وتصرفاتي الشخصية أمور لا أسمح لأحد بالتدخل فيها أو فرض وصاية عليّ بشأن

  • على قيد الاستثناء    شرارة المواقف

    خيم توتر مكتوم على أرجاء الفيلا في الصباح التالي لعودة عاصم وسلمى؛ إذ لم تعد فريدة قادرة على إخفاء خوفها واستشعارها للخطر الحقيقي الذي يتهدد استقرار مكانتها. كانت حركة عاصم الأخير بسفره الخاطف إلى دبي والعودة برفقة سلمى نقطة تحول أربكت كل حساباتها، وجعلت أمها تحثها على مواجهته ووضع حد لما أسمته "التجاهل الصريح لأصول البيت".في الصالون الفرعي، وقفت أم فريدة بجوار ابنتها تنتظران نزول عاصم من مكتبه. ما إن أطل ببدلته الأنيقة وقامته الشامخة، حتى تقدمت حماته ونادته بنبرة يغلب عليها العتاب الحاد: "عاصم.. أريد الحديث معك لدقائق قبل أن تخرج. ما جرى بالأمس وما أصبحت تفعله لأجل هذه الباحثة يتجاوز حدود العقل! أنت تهين فريدة ومكانتها كزوجة لك أمام الجميع بسفرك خلف امرأة أخرى واهتمامك العلني بها".توقف عاصم في منتصف القاعة، وألقى نظرة حادة وثقيلة نحو حماته وفريدة التي كانت تقف بملامح واجمة ومترقبة. ساد صمت حذر، ثم قال عاصم بصوت خفيض ينبض بالوقار والحسم الصارم: "أم فريدة.. أنتِ في بيتي وفي ضيافتي وكرامتكِ محفوطة، لكن حدود قراراتي وتصرفاتي الشخصية أمور لا أسمح لأحد بالتدخل فيها أو فرض وصاية عليّ بشأن

  • على قيد الاستثناء    عودة المسار

    انقضت الساعات الأخيرة في دبي كأنها لحظات خاطفة مفعمة بصفاء لم تعهده سلمى من قبل. جمعت حقائبها بقلب خفيف وروح مطمئنة، ليرافقها عاصم في طريق العودة على نفس الطائرة. لم تعد هناك مسافات تفصلهما، ولا ألقاب رسمية متكلفة تحبس نبرة الود في صدريهما.خلال الرحلة الجوية، كانت سلمى تجلس إلى جوار النافذة، تتأمل بحر السحاب الممتد عبر الأفق، بينما كان عاصم يجلس بجانبها يطالع أوراق عمله بظاهري الهدوء، لكن عينيه كانتا تلتفتان إليها بين الحين والآخر بلمحة حانية تجمع بين الوقار والدفء العميق.التفتت سلمى نحوه وقالت بصوت خفيض وناعم: "سيد عاصم.. أتمنى ألا تكون سفريتك هذه قد تسببت في تعطيل أشغالك المهمة في الشركة".التفت عاصم إليها، وارتسمت على شفتيه ابتسامة هادئة أذابت كبرياء السنين: "ألم نلتفق على إلغاء الكلفة والرسميات يا سلمى؟ ثم إن راحة بالكِ وإبعاد أي ضيق عنكِ أهم لديّ من مائة اجتماع عمل".احمرت وجنتا سلمى خجلاً، ونكست بصرها بابتسامة شفافة تسري كالدفء في عروقها، موقنة أن رحلة العودة هذه ليست مجرد عودة إلى بيت، بل هي عبور صريح نحو مستقبل أمن ومختلف تماماً.مع هبوط الليل، توقفت سيارة عاصم أمام المدخل ا

  • على قيد الاستثناء    مفاجأة الحضور

    استيقظت سلمى في الصباح الباكر وعلى صدرها جبل ثقيل من الضيق والغيرة المكتومة. كانت أحداث مكالمة الأمس تتكرر في ذهنها بلا انقطاع؛ صوت فريدة العفوي وهي تناديه باسمه المجرد، وحديثها عن القهوة والجمعة العائلية في غيابها، جعل سلمى تشعر بضآلة مكانتها وبأنها مجرد باحثة تكفل عاصم برعايتها بدافع الشهامة ليس إلا.قررت الهروب من حصرة جناحها والمشاركة في الجولة البحرية الجماعية التي نظمتها إدارة المؤتمر للباحثين على شواطئ دبي. ارتدت فستاناً بسيطاً بالألوان الدافئة، ونزلت إلى البهو الرئيسي تنتظر الحافلة المخصصة لنقل الوفد، وعيناها ترقبان الفراغ بشرود حزين.في تلك اللحظة بالذات، توقفت سيارة سوداء فاخرة أمام المدخل الزجاجي للبهو. نزل منها السائق ليفتح الباب الخلفي، ليخرج منه عاصم ببدلته الداكنة ووقاره الشامخ المعهود. كانت ملامحه تحمل أثر السهر ورحلة الطيران المبكرة، غير أن عينيه الحادتين كانتا تفتشان عن وجهها بلهفة واضحة لم يستطع كبرياؤه إخفاءها هذه المرة.تسمرت سلمى في مكانها، واتسعت عيناها بذهول مطلق وكأنها تطالع طيفاً يتجسد من بين أفكارها. شعرت بقلبها يدق كالمطرقة في صدرها، وسرت رعدة دافئة في أطرا

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status