ログインالفصل 580قال الطبيب بهدوء مطمئن:"لقد وصل في الوقت المناسب تماماً ولم يعد في خطر مباشر الآن… لكننا سنحتاج إلى إخضاعه لمزيد من الفحوصات خلال الفترة المقبلة للتأكد من عدم ظهور أي مضاعفات أو آثار جانبية ناتجة عن قضمة الصقيع."تنفست مارلين الصعداء فور سماع كلماته وكأن حملاً ثقيلاً أزيح عن صدرها.وقالت بسرعة:"حسناً... شكراً لك يا دكتور."ثم لم تنتظر أكثر، بل سارعت برفقة زايدن إلى جناح مالك للاطمئنان عليه.لكن سيرين بقيت في مكانها للحظات متوجسة فالطبيب لم يذكر نوح.لذا رفعت رأسها وسألته بقلق:"وماذا عن ابني؟ كيف حال نوح تهامي الآن؟"تغيرت ملامح الطبيب قليلاً، ثم أطلق زفرة ثقيلة قبل أن يجيب:"الطفل مصاب بسرطان الدم وقد تدهورت حالته الصحية خلال الفترة الأخيرة… في الوقت الحالي، يحتاج إلى البقاء في المستشفى تحت مراقبة دقيقة كما سيحتاج إلى الخضوع للعلاج والفحوصات بصورة منتظمة."تجمدت سيرين في مكانها شعرت وكأن الكلمات سقطت فوق رأسها دفعة واحدة.كيف استطاعت أن تكون إلى جواره طوال هذه الفترة، دون أن تدرك أن حالته وصلت إلى هذا الحد؟انخفضت عيناها، وشعرت بوخزة مؤلمة في قلبها.كانت أمّاً، ومع ذلك لم
الفصل 579انحنى ماهر قليلاً نحو ظافر، ثم همس بصوت خافت لكن كلماته كانت كفيلة بقلب المشهد كله رأساً على عقب:"نوح هو ابنك البيولوجي، سيدي… صدرت تقارير اختبار الأبوة من ثلاث جهات مختلفة، والنتائج الثلاث متطابقة تماماً."ساد الصمت.نوح... ابن ظافر.وهذا يعني أن زكريا أيضاً ابنه، لأن الطفلين توأمان.للمرة الأولى، تسللت الصدمة إلى هدوء ظافر المعتاد… لم يتحدث، ولم يتحرك، لكن ملامحه الجامدة فقدت شيئاً من ثباتها.خمس سنوات.خمس سنوات كاملة اختفت فيها سيرين مع طفليه بعيداً عنه بينما كان هو يجهل الحقيقة طوال تلك المدة.بقي صامتاً، في الوقت الذي واصل فيه الآخرون توجيه الاتهامات إلى سيرين ونوح غير مدركين أن الحقيقة قد ظهرت بالفعل.وبعد لحظات، قال ظافر بصوت ثابت:"أحضر لي تقارير اختبار الأبوة."أسرع ماهر لتنفيذ الأمر.كان وقع الخبر صاعقاً على الجميع حتى سيرين نفسها.حدقت في ظافر بدهشة، وكأنها تحاول فهم ما حدث.متى أجرى اختبار الأبوة؟لقد ظنت أنه ما دام لم يطلب إجراء الفحص في الماضي فلن يهتم بإجرائه الآن. لكنها أدركت في تلك اللحظة أن ظافر لم يكن يتصرف أبداً من دون أن يترك لنفسه باباً مفتوحاً للتأكد
الفصل 578تبدلت ملامح عدنان بوضوح ما إن سمع كلمات زايدن، ثم ألقى نظرة صارمة على سيرين وقال:"هل هذا صحيح؟"رفعت سيرين عينيها إليه ولم تهتز أمام حدته قيد أنملة… كان ثباتها كافياً ليجعل صمتها أبلغ من أي دفاع لكنها أجابت بهدوء يحمل في طياته تحدياً واضحاً:"وهل معنى ذلك أن نوح لا يستحق أن يُعامل بإنصاف لمجرد أنه ليس حفيداً من أحفاد عائلة نصران؟"ضحكت مارلين بسخرية باردة، وقالت:"كيف يمكن أن تقارني طفلاً غير شرعي أنجبتِه من رجل مجهول بمالك؟"ما إن وصلت العبارة إلى مسامع سيرين حتى تجهمت ملامحها، ثم رفعت عينيها نحو مارلين… لم تكن في نظرتها مجرد غضب بل كان فيها جمود مخيف جعل مارلين تتراجع دون وعي خطوة إلى الخلف إذ عادت إلى ذاكرتها في اللحظة نفسها صورة الركلة التي تلقتها من سيرين في وقت سابق، فابتلعت ريقها بتوتر.ومع ذلك، حاولت أن تتظاهر بالقوة وقالت بانفعال:"لماذا تنظرين إليّ هكذا؟ هل قلت شيئاً خاطئاً؟ سأجعلك أنت وابنك تدفعان حياتكما ثمناً لأي مكروه قد يصيب ابني!"تيبست أصابع سيرين، وتشددت قبضتاها حتى ابيضت مفاصلها.وقبل أن تنطق بكلمة اخترق المكان صوت عميق، هادئ، لكنه حمل من الهيبة ما جعل ال
الفصل 577بسبب حملها، اختل توازن سيرين وتراجعت إلى الخلف بعد أن دفعت مارلين بركلة وكادت أن تسقط أرضًا لولا أن أحد الحراس الشخصيين أسرع وأمسك بها في اللحظة الأخيرة.أما مارلين، فقد تجمدت لثوانٍ من شدة الصدمة… كانت تلك المرة الأولى في حياتها التي يجرؤ فيها أحد على إهانتها بهذه الطريقة، ولذلك سرعان ما تحولت دهشتها إلى غضب عارم. احمرّ وجهها، واندفعت نحو سيرين وهي تصرخ:"كيف تجرئين؟!"لكن الحراس تدخلوا في اللحظة المناسبة وأمسكوا بها ومنعوها من الوصول إلى سيرين… ورغم أن رجال زايدن لم يكونوا في مستوى مهارة حراس قصر ظافر فإن عددهم الكبير جعل من المستحيل تقريبًا على سيرين أن تشق طريقها للخروج برفقة نوح.وفي تلك اللحظة، ظهر أحد الرجال مسرعًا وهو يحمل مالك بين ذراعيه وما إن رأته مارلين حتى انحبس نفسها.كان وجه الطفل شاحبًا، وشفتاه قد ازرقتا من شدة البرد، وجسده يرتجف بعنف.صاح الرجل وهو يقترب منها:"وجدنا السيد مالك، يا سيدتي نصران! كان عالقًا داخل متاهة الحديقة!"توقفت مارلين عن التفكير في سيرين للحظة، واندفعت نحو طفلها بقلق شديد."مالك!"مدّت يديها إليه، ثم سألت بصوت مرتجف:"كيف حالك يا مالك؟
الفصل 576لم يتوقع نوح حقًا أن يبقى مالك عالقًا في متاهة الحديقة كل هذا الوقت.كان قد ظن أنه سيجد طريقه إلى الخارج بسرعة لكن يبدو أن مالك كان أكثر غباءً مما توقع.في غرفة المعيشة، كانت سيرين تحدق في مارلين بذهول عاجزة عن فهم الاتهام الموجه إليها.ومن ثم قالت بهدوء متوتر:"وكيف لنا أن نعرف أين ذهب مالك؟"لكن مارلين لم تكن مستعدة لسماع أي تبرير.تذكرت فجأة كيف كان عدنان يولي سيرين اهتمامًا خاصًا خلال الاحتفال الأخير في قصر نصران، فازدادت مرارتها تجاهها خصوصًا الآن، ومالك مفقود.تقدمت خطوة وقالت بحدة:"لقد جاء إلى هنا بعد انتهاء الروضة اليوم… زملاؤه أكدوا أنه لم يغادر هذا المكان منذ ذلك الحين… إذن، من يفترض بي أن أسأله عنه غيرك؟"عقدت سيرين حاجبيها."أنا لم أره في أي مكان."ضحكت مارلين بسخرية."وتظنين أنني سأصدقك؟"ثم التفتت إلى رجالها وأمرت بصرامة:"ابحثوا عنه! فتشوا القصر غرفةً غرفة، وإذا اضطررتم إلى تفتيش كل شبر فيه فافعلوا… أريد مالك!"انتشر الرجال في أرجاء المكان فورًا.فتحوا الأبواب، وفتشوا الغرف، وصعد بعضهم إلى الطابق العلوي، بينما ظل رجال الأمن التابعون للقصر يراقبونهم بنفاذ صبر
الفصل 575كان نوح يخرج أحيانًا للتنزه داخل القصر كلما ضاق صدره من البقاء وحيدًا في المنزل. وفي ذلك اليوم، وبينما كان يتجول في الخارج، وقعت عيناه مصادفةً على مالك، وكان يقف أمام البوابة برفقة صبيين آخرين.من الواضح أن مالك حاول دخول القصر، لكن الحراس منعوه من ذلك.وما إن لمح نوح حتى تقدم خطوة إلى الأمام، ورفع صوته متحديًا:"اخرج وواجهني إن كنت تجرؤ يا نوح!"توقف نوح ونظر إليه ثم ألقى نظرة سريعة على الصبيين الواقفين خلفه.اثنان من المساعدين.إذن، لم تكن زيارة عابرة. لم يكن نوح غبيًا. كان يعرف حدود جسده جيدًا. ففي حالته الصحية الحالية لم يكن واثقًا حتى من قدرته على التغلب على مالك في مواجهة فردية، فكيف يمكنه أن يواجه ثلاثة أطفال دفعة واحدة؟رفع حاجبه باستخفاف، وقال:"هل تتحدثون معي؟ ولماذا يفترض بي أن أستمع إليكم أصلًا؟"اشتعل الغضب في وجه مالك."كيف تجرؤ على النظر إليّ بهذه الطريقة، أيها الفتى المتوحش؟!"تغيرت ملامح نوح في اللحظة التي سمع فيها تلك العبارة.الفتى المتوحش.مرة أخرى.كان قد سمعها منه أكثر من مرة، لكنه في هذه المرة لم يبتسم ولم يسخر.تجمدت عيناه وانسحب منهما كل أثر للمرح،
الفصل الثاني نظر الجميع في الغرفة الخاصة نحو الباب، وغمر المكان صمت ثقيل... الأعين جميعها تتأمل ما سيحدث بعد تلك اللحظة المشحونة بالتوتر. كانت سيرين أول من رأت ظافر الذي يقف في وسط الغرفة، وعيناه متوهجتان بنقاء وصفاء وشعاع من الأمل يلمع فيهما، الأمر الذي بدا غريبًا مقارنة بما كان يُعتقد، وما كا
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر







