LOGINالفصل 603لم يكن نوح بحاجة إلى التفكير طويلًا في الاختيار. فمنذ أن سمع كلمة «الروضة»، حسم أمره فورًا. كان يريد الذهاب إليها، تمامًا مثل أخيه زكريا، وكان واضحًا أن فكرة البقاء في المنزل بينما يذهب أخوه إلى المدرسة لم تعجبه على الإطلاق.وقبل أن تتمكن سيرين من الاعتراض أو حتى شرح مخاوفها، اندفع نوح نحو ظافر، وأحاط عنقه بذراعيه بحماس، ثم أخذ يتملقه بصوته الطفولي اللطيف:— أريد الذهاب إلى الروضة! أبي، أنت أفضل أب في العالم! هل يمكنك أن تسمح لي بالذهاب إلى الروضة نفسها التي يدرس فيها زاك؟تصلبت ملامح زكريا فور سماع ذلك.كان يحدق في أخيه بانزعاج واضح. لم يستطع أن يفهم كيف يستطيع نوح أن يكون وقحًا إلى هذا الحد، ثم يتصرف بعدها وكأنه طفل بريء لا يريد سوى تحقيق أمنيته.والأسوأ من ذلك كله...أنه لا يريد نوح في مدرسته!قال زكريا بصرامة ودون أدنى تردد:— مستحيل.التفت نوح إليه مصدومًا.كان الشقيقان متشابهين إلى حد كبير في ملامحهما، لكن شخصيتيهما كانتا مختلفتين تمامًا. فبينما كان زكريا هادئًا، حاد الطبع، ويميل إلى إخفاء مشاعره خلف وجه جامد، امتلك نوح موهبة فطرية غريبة في كسب قلوب الآخرين.كان يعرف ك
الفصل 602أصيب مالك بالذهول، وكأن الكلمات التي سمعها للتو لم تستوعبها رأسه.حدّق في زكريا للحظات، ثم قال بصدمة واضحة:— إذن... أنت أيضًا ابن عمي ظافر؟توقف زكريا عن الحركة.لم يجب.لكن صمته وحده كان كافيًا ليجعل مالك يتيقن من صحة ما استنتجه.اشتعل الغضب في عينيه، وقال بانفعال:— كيف استطعت أن تخدعني طوال هذا الوقت؟التفت زكريا إليه بهدوء، وسأله ببرود:— وبماذا خدعتك؟ازداد احمرار وجه مالك، وانقبضت قبضتاه بقوة.— ألم تقل إن طارق هو والدك؟لم يتغير تعبير زكريا، بل بدا هادئًا على نحو أثار غضب مالك أكثر.قال ببساطة:— لم أقل ذلك. أنتم من قلتم.ثم حمل حقيبته ووضعها على كتفه، قبل أن يضيف بنبرة باردة:— هل هذا كل ما أردت قوله؟تراجع مالك خطوة دون إرادة منه.لم يكن يتوقع أن يكون رد زكريا بهذه البرودة. كان ينتظر تبريرًا أو اعتذارًا أو حتى خوفًا، لكنه لم يحصل على شيء من ذلك.قال بتلعثم:— نعم... هذا كل شيء.لم ينتظر زكريا المزيد.استدار وغادر المكان، تاركًا مالك خلفه يغلي من الغضب.صرخ مالك من بين أسنانه:— تبًا لك! كيف تجرؤ على الكذب عليّ؟ كنت أعتبرك صديقي!لكن زكريا لم يلتفت.ظل مالك واقفًا م
الفصل 601قبل أن يتوجه ظافر إلى المكتب في ذلك الصباح، أوقفه نوح للحظات، ثم أخبره بأن زكريا يريد رؤيته، وطلب منه أن يأتي إلى الروضة بعد انتهاء الدوام.ساد الصمت لحظة، كما لو أن كلمات نوح حرّكت في داخله شيئًا كان ينتظره منذ وقت طويل إذ أدرك ظافر أن الوقت قد حان أخيرًا للقاء زكريا.قال بهدوء:— حسنًا، سأأتي.وبالفعل، عندما حلّ موعد الظهيرة، طلب من سائقه أن يتوجه به إلى المنزل.وما إن وصل حتى شعر بوجود سيرين ونوح في انتظاره. لم يحتج إلى أن يراهما ليعرف ذلك؛ فقد التقط أذناه أصوات خطواتهما وحركة المكان من حوله.ناداه نوح بحماس:— بابا!أجاب ظافر بهمهمة خافتة، ثم رفع رأسه قليلًا باتجاه مصدر صوت ابنه.اقتربت سيرين منه وقالت:— هيا بنا، لقد حان الوقت.كانت قد اتصلت بكوثر مسبقًا، وأخبرتها بأن سائق عائلة أرشيبالد ليس عليه أن يأتي اليوم لاصطحاب زكريا من الروضة، لأنهم سيذهبون بأنفسهم.استقل الثلاثة السيارة.لكن ما إن أُغلق الباب حتى خيّم على المكان صمت غريب.جلس نوح في المنتصف بين والديه، وأخذ يتنقل بنظراته بينهما. كان يشعر بالتوتر الواضح بينهما رغم أن أياً منهما لم يتحدث عنه.نظر نوح من النافذة إ
الفصل 600تسلل ضوء الصباح من نافذة غرفة النوم، وانعكس على أطراف الأثاث في هدوء. كانت أشعة الشمس قد بدأت تضعف شيئًا فشيئًا، ولم يبقَ في الخارج سوى بقع ذهبية ناعمة تتناثر على الأرض.وحين استيقظت سيرين، كانت معظم تلك الآثار قد اختفت.مدت يدها إلى الهاتف، ونظرت إلى الساعة.التاسعة صباحًا.تذكرت فورًا أن هذا هو اليوم الذي ستذهب فيه إلى المستشفى لإزالة الضمادات عن وجهها والاطمئنان إلى جروحها.نهضت، وأعدت نفسها بسرعة، ثم اهتمت بكل ما يحتاج إليه نوح قبل مغادرتها. وحين همّت بالخروج، شعرت بيد صغيرة تمسك يدها وتمنعها من التقدم.توقفت والتفتت إلى نوح.كان الصبي ينظر إليها بجدية غير معتادة، وقد بدا في عينيه سؤال ظل يؤرقه طويلًا.قال بصوت خافت، لكنه كان يحمل إصرارًا واضحًا:"أمي... السيد ظافر هو أبي حقًا، أليس كذلك؟"توقفت سيرين لحظة.كانت تعرف أن هذا السؤال سيأتي في النهاية.لطالما خشيت هذه اللحظة، ليس لأنها لا تعرف الإجابة، بل لأنها تعرف كم ستغيّر حياة طفليها.أخذت نفسًا عميقًا، ثم انحنت قليلًا نحوه وأومأت برأسها."نعم يا نوح."اتسعت عينا الصبي، وكأن الكلمة الواحدة فتحت أمامه عالمًا جديدًا.ثم سأ
الفصل 599بعد أن انتهى ظافر من ترتيب كل الأمور المتعلقة بعمله، قرر أن يضع حدًا ليومه الطويل ويعود إلى القصر.وحين توقفت السيارة أمام المنزل، بقي جالسًا في مكانه دون أن يتحرك.مرّت ثوانٍ، ثم دقيقة كاملة.كان ماهر ينتظر بصبر، لكنه في النهاية لم يتمكن من منع نفسه من التذكير:"يا رئيس... لقد وصلنا."ظل ظافر ساكنًا.ثم قال ماهر بحذر:"وصلنا فعلًا."عقد ظافر حاجبيه قليلًا، كمن عاد إلى الواقع للتو."أعرف."ثم فتح الباب ونزل من السيارة.---في الداخل، كانت سيرين جالسة على الأريكة، والهاتف بين يديها. كانت قد أمضت وقتًا طويلًا في تصفح الأخبار، لكن التعب غلبها في النهاية، فمال رأسها إلى جانب الوسادة وغفت دون أن تشعر.عندما دخل ظافر إلى القصر، أخبرته مدبرة المنزل أن سيرين نائمة في غرفة الجلوس.اتجه نحوها ثم وقف بجانب الأريكة ومن ثم مد يده ولمس ذراعها برفق، محاولًا إيقاظها.وفي اللحظة نفسها، تمتمت سيرين وهي غارقة في النوم:"جاسر..."تجمدت أصابع ظافر فوق ذراعها.كان الاسم كافيًا ليطفئ كل شيء في داخله.تذكرت في غفوتها ما حدث وكيف أمسك جاسر بذراعها لذلك نادت باسمه في لحظة اضطراب.سحب ظافر يده ببطء، و
الفصل 598كانت إجابة كوثر كفيلة بأن تفاجئ سيرين تمامًا. عقدت حاجبيها، وحدقت فيها بعدم تصديق، وكأنها لم تستوعب ما سمعته للتو.قالت كوثر بصوت مثقل بالغضب:"ليوناردو هو من بحث عني. جاء ليخبرني ألا أتزوج طارق."رفعت سيرين حاجبها بدهشة."وماذا كان يظن نفسه؟ هل ما زال يعتقد أن من حقه أن يقرر مستقبلك؟"تنهدت كوثر بضيق، ثم تابعت:"بالطبع لم أستمع إليه. أخبرته بوضوح أن الأمر لا يعنيه، لكنه لم يتقبل ذلك. وبينما كنا نتجادل، فقد السيطرة على نفسه وقبّلني رغماً عني."تجمدت ملامح سيرين.أما كوثر، فبدت وكأن مجرد تذكر الأمر أشعل غضبها من جديد."ولحسن الحظ... أو ربما لسوء الحظ، كان طارق قد وصل في تلك اللحظة وشاهد كل شيء."توقفت لحظة، ثم أضافت:"لم يفكر حتى. اندفع نحوه ووجه إليه لكمة مباشرة."لم تستطع سيرين منع نفسها من التنهد."وهل توقف ليوناردو عند ذلك؟"ضحكت كوثر بسخرية."طبعًا لا. أنت تعرفين شخصيته. لم يكن ليقف مكتوف اليدين ويتلقى الضربات. خلال ثوانٍ، تحول الأمر إلى شجار حقيقي بينهما."عبست سيرين، وقالت بانفعال:"ماذا يريد ليوناردو بحق السماء؟ ألم يتزوج بالفعل؟ لماذا يحاول منعك من الزواج؟ والأدهى أن
الفصل الثالث كان صوت سيرين هادئًا، خاليًا من أي مشاعر. انقبضت حدقة عين ظافر، وتوتر صوته: "ماذا قلتِ للتو؟" على مدى السنوات الثلاث الماضية، ورغم كل ما فعله، لم تلمح سيرين يومًا إلى الطلاق. كان ظافر يدرك في أعماقه أن سيرين تحبه بل تعشقه... لكن الآن، كانت عيناها اللتان اعتاد أن يرى بهما لمعة
الفصل الخامس. تابعت سيرين الأخبار وشاهدت المؤتمر الصحفي الذي عقدته مجموعة نصران... كان المؤتمر إعلانًا عن نجاح ظافر في الاستحواذ على مجموعة تهامي... ابتسمت سيرين بحزن فالآن لم تعد شركة جمال التهامي موجودة في هذا العالم... وأخذت تردد بينها وبين حالها بأن الأمور في نهاية المطاف قد أصبحت أكثر متعة با
الفصل الرابع حتى سماعات الأذن خاصة سيرين كانت ملطخة باللون الأحمر، مما أثار في نفسها موجة من القلق والانزعاج. انقبضت حدقتا عينيها، وسرعان ما أمسكت ببعض المناديل الورقية لتجفف أذنيها، ثم خلعت ملاءات السرير وغسلتها بعناية فائقة.كانت خشيتها من أن تقلق فاطمة إذا اكتشفت أن حالتها الصحية تتدهور، فبادر
الفصل1 تناثرت حبات المطر الغزيرة كدموعٍ ترفض أن تهدأ فارتفعت رائحة التراب المبتل ممتزجة بشعورٍ باردٍ يتسلل إلى العظام. عند مدخل المشفى، وقفت سيرين كتمثال نُحت من ألمٍ وصمت. جسدها النحيل يهتز ارتجافًا، ليس فقط من البرد الذي يطارد أطرافها، ولكن من زلزال داخلي يمزق قلبها... تمسك بيديها المرتعشتين







