Masukبقي باب الشرفة مفتوحًا بعد خروجهما. وبمجرد ابتعادهما، نهض زياد عن المجلس الأرضي، وحمل فنجان الشاي بتمهل ليتجه نحو إطار الشرفة. استند إليه باسترخاء، وتظاهر بالاستمتاع بالمناظر البعيدة، لكنه في الحقيقة كان يسترق السمع لحديثهما في الخارج.لم يغب هذا التصرف عن عيني سهيل، بل كان كالقذى في عينه، فراقبه لبرهة، وحين لم يعد يستطيع تمالك نفسه، بادره بصرامة: "هلا منحت الفتاتين قليلًا من الخصوصية يا ابن العم؟"كان كلامه واضحًا في مطالبته بالكف عن التنصت.تحولت أنظار الجميع نحو زياد بصدمة؛ فهذا السلوك يفتقر لأدنى درجات اللياقة والمروءة.إلا أن زياد لم يشعر بأي ذرة من الحرج، بل تقدم نحو سهيل بابتسامة ساخرة، وتوقف أمامه مباشرة، ثم انحنى قليلًا واقترب من أذنه ليهمس بصوت بالكاد يُسمع:"سهيل، عزيزي... أنت مثير للشفقة حقًا. أبلغ بك اليأس حدًا يجعلك تستعين بأكاذيب شقيقتك الصغرى لتستدرج حبيبتك وتخدعها بالعودة إليك؟"تغيرت ملامح سهيل في ثانية واحدة، واكتسى صوته بجفاء واضح: "ما الذي تعنيه؟""شقيقتك اعتذرت للتو لرهف في الشرفة، ويبدو أنها هي من خدعت رهف، وأوهمتها بأنك أُصبت بشلل في ساقيك، وأنك فقدت الرغبة في ا
كلمات سهيل الصادمة أصابت رهف بوخز حار في أنفها، وشعرت بحرارة في مآقيها، بينما أخذ قلبها يقرع في صدرها كطبول حرب لا تهدأ.اكفهرت وجوه كبار العائلة في لحظة واحدة.وفجأة، دوى تصفيق حار من الجد، وشق هتافه أرجاء الصمت: "أحسنت القول! ما أروع هذه الكلمات! لقد راقت لي كثيرًا، فرهف هي أول زوجة لأحد أحفادي تدخل عائلتنا، وحتى وإن لم توثقا الزواج رسميًا بعد، فهي أفضل بمئات المرات من أولئك الأحفاد والحفيدات الذين لم يكلف أحد منهم نفسه يومًا عناء إحضار شركاء حياتهم للتعرف علينا."أمام هذا الدعم المطلق والقوي من عميد العائلة، ابتلع البقية اعتراضاتهم ولم يجرؤوا على التذمر بكلمة.ومع ذلك، ظل الجو مشحونًا بتوتر هائل.تداركت أحلام الموقف بابتسامة هادئة وقالت: "سهيل، رهف... أنا أيضًا أؤيدكما من كل قلبي. وبما أن قدمك لا تزال مصابة يا سهيل، فاذهبا إلى أخيك الأكبر وامضيا بعض الوقت معه. أنتم الشباب، بينكم من الأحاديث والاهتمامات المشتركة ما يجعلكم أقدر على التفاهم.""حسنًا، سنذهب إليهم الآن." أجاب سهيل، وشد على يد رهف، ليقودها معه مستندًا إلى عكازه.لم تكن المسافة بين صالة الاستقبال وركن الاستراحة بعيدة، لذا
وما إن تخطت عتبة الباب الخشبي العريق للقصر...حتى تسارعت خفقات قلب رهف بجنون، ولولا وجود سهيل إلى جوارها، لكان الرعب قد أزهق روحها.تجلى أمام ناظريها بهو فسيح ومذهل، وتصدرت واجهته لوحة "وسام الشرف من الدرجة الأولى" معلقة بوضوح يفرض الهيبة والوقار.أضفى الطراز الكلاسيكي العريق على المكان فخامة طاغية، امتزج فيها جلال التصميم برفاهية التفاصيل، في مشهد يجمع بين الرصانة والبذخ الفاخر.اكتظت الصالة بالحضور.وانقسموا إلى مجموعتين متميزتين.مجموعة ضمت كبار العائلة، تحلقوا حول الطاولة وجلسوا على أرائك الماهوجني، يرتشفون الشاي ويتبادلون الأحاديث.أما المجموعة الأخرى، فضمت جيل الشباب، الذين اتخذوا من ركن الاستراحة بالصالة الجانبية مجلسًا لهم. هناك، وبجوار الشرفة، حيث اُفترش مجلس أرضي وثير، وامتدت إلى جانبه مكتبة جدارية ضخمة، جلسوا يستمتعون بدفء الشمس ويتصفحون الكتب، وينخرطون في أحاديث عفوية وسط أجواء من الاسترخاء.وبمجرد أن دلفت رهف وهي تسند سهيل، تحولت الأنظار بأكملها لتصوب نحوهما في آن واحد.توجها أولًا نحو صالة الاستقبال، لإلقاء التحية على الجد وكبار العائلة.كانت الغرفة تعج بالناس، فشعرت رهف
ذُعرت رهف من كلامه، لكنها تداركت الأمر بسرعة: "لا، وإياك أن تخبر أحدًا الآن. إن كنا نسيء الظن بابن عمك، فإخبارك للعائلة لن يورثه سوى مزيد من الكراهية تجاهي. وإن كان متورطًا حقًا في صفقات غير مشروعة مع تلك الشركات الفاسدة، فلا ينبغي لنا أن نثير حذره وننذره بقدومنا. يجب أن نجمع أدلة دامغة أولًا، لنوجه له ضربة قاضية ونأخذه على حين غرة.""الرأي رأيكِ." جذب سهيل اليد التي كان يطوقها نحو فخذه، وأطرق رأسه ليتأمل أصابعها البيضاء كالثلج، وراح يعبث برقة بأظافرها المطلية بلون وردي باهت وجميل، ثم أردف: "أنت أدرى بوتيرة عملك، ولكن إن واجهتك أي عقبة أو أمر استعصى عليك حله، يجب أن أكون أول من يعلم.""فهمت، وسأفعل." أراحت رهف وجهها بالقرب من تجويف ذراعه، ثم خفضت بصرها لتتأمل حركته.ظلت تراقبه بصمت وهو يعبث بأظافرها.كانت بواطن أصابعه دافئة، خشنة الملمس قليلًا، يمررها على أصابعها برقة بالغة؛ يلامس أناملها تارة، ويمرر أصابعه على أظافرها تارة أخرى، ثم يدلك مفاصلها بحنان غامر، فتبعث لمساته فيها دغدغة عذبة، وينساب إلى أطرافها شعور مريح.لم تتمالك رهف نفسها، فأفلتت ضحكة خفيفة قائلة: "هل أصابعي مسلية إلى هذا
غاصت رهف في التفكير للحظات، ثم دفعت كتفيه برفق، وانسحبت من حضنه لتبدأ في الحديث:"لدي حاليًا عدة قضايا قيد التحقيق في المكتب، وإحداها تتعلق بمصنع الكيماويات التابع لمجموعة المنصور، والذي يقوم بتصريف نفاياته السامة سرًا، مما تسبب في تلوث خطير لأراضي ومصادر مياه عشرات العائلات في القرى المجاورة."كانت نظرات سهيل حادة كشعلة نار، يراقبها بتركيز عميق وهو يصغي لكل كلمة تنطق بها.وحين صمتت فجأة وتوقفت عن الحديث، سألها بفضولٍ واهتمام: "تابعي حديثك، فأنا أصغي إليك...""إنها معركة طاحنة بين حيتان رأس المال وبين المواطنين البسطاء، ولهذا لم يجرؤ أي محامٍ على الاقتراب من هذه القضية الشائكة، لكنني قبلتها."اكتست ملامح سهيل بنظرة تفيض بالإعجاب والتقدير، وابتسم وهو يومئ برأسه مؤيدًا لشجاعتها."قبل فترة، تسللت ليلًا إلى داخل المصنع، ونجحت في سرقة عينات من المياه والتربة لتحليلها، وقد كانت الأدلة دامغة ولا تقبل الشك، لكن قبل أن أتمكن من تقديمها للجهات المختصة، سُرقت من مكتبي."عقد سهيل حاجبيه بشدة، والتمعت في عينيه نظرات تمتزج فيها الصدمة بالقلق.فالتسلل إلى مصنع كيماويات يعد حركة بالغة الخطورة!لقد فعل
"لقد تحدثنا في الأمر يوم أمس، وجواد يرفض الطلاق قطعًا، لكنني عازمة على رفع دعوى قضائية، فهل تقبلين أن تكوني محاميتي؟""أقبل، ولكن لا يوجد أي دليل ملموس يثبت خيانة جواد، وطفلك لا يزال رضيعًا، ويضف إلى ذلك رفض جواد القاطع للطلاق... في مثل هذه الحالات، من النادر جدًا أن تقضي المحكمة بالطلاق من الجلسة الأولى.""سأطالب بالطلاق مهما كلفني الأمر، وحتى لو اضطررت للاستئناف مئات المرات." جزت غيداء على أسنانها، واحمرت عيناها غضبًا.وبهذا، أُضيفت إلى جدول رهف المزدحم قضية طلاق مجانية.أما القضية الثانية...فقد أخذت التطورات في قضية التلوث البيئي لمصنع الكيماويات التابع لمجموعة المنصور تتباطأ تدريجيًا، وبعد فترة وجيزة من تداول الرأي العام للمقطع المصور عبر الإنترنت، حُذف المقطع فجأة.ولم يعد هناك أي أثر أو كلمة واحدة تُذكر عن مصنع مجموعة المنصور في الفضاء الإلكتروني بأسره.وكأن هناك قوة خفية وجبارة تتحكم في مسار الأحداث من خلف الكواليس.في أول أيام الأسبوع، وما إن عادت رهف إلى مكتب المحاماة...حتى اقتحم عمران النجار مكتبها بملامح يكسوها التوتر والقتامة، وقال: "أستاذة رهف، توقفي فورًا عن التحقيق في
تحت أنظار الجميع، مدّ سهيل يده إلى كأسه، ورفعه ثم شربه دفعةً واحدة حتى آخر قطرة.اختار أن يعاقب نفسه بشرب الخمر بدل أن يقبّل أيًّا من الحاضرات.ضحك الآخرون.رمت ميسم المنديل بضيق وقالت غاضبة: "سهيل، أنت حقًّا ممل... ممَّ تخجل؟"أطلق سهيل زفرة ثقيلة وكأنّه يهدّئ أثر الشراب.استمرت اللعبة، وبعد عدة جو
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل
شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور







