LOGINغاصت رهف في التفكير للحظات، ثم دفعت كتفيه برفق، وانسحبت من حضنه لتبدأ في الحديث:"لدي حاليًا عدة قضايا قيد التحقيق في المكتب، وإحداها تتعلق بمصنع الكيماويات التابع لمجموعة المنصور، والذي يقوم بتصريف نفاياته السامة سرًا، مما تسبب في تلوث خطير لأراضي ومصادر مياه عشرات العائلات في القرى المجاورة."كانت نظرات سهيل حادة كشعلة نار، يراقبها بتركيز عميق وهو يصغي لكل كلمة تنطق بها.وحين صمتت فجأة وتوقفت عن الحديث، سألها بفضولٍ واهتمام: "تابعي حديثك، فأنا أصغي إليك...""إنها معركة طاحنة بين حيتان رأس المال وبين المواطنين البسطاء، ولهذا لم يجرؤ أي محامٍ على الاقتراب من هذه القضية الشائكة، لكنني قبلتها."اكتست ملامح سهيل بنظرة تفيض بالإعجاب والتقدير، وابتسم وهو يومئ برأسه مؤيدًا لشجاعتها."قبل فترة، تسللت ليلًا إلى داخل المصنع، ونجحت في سرقة عينات من المياه والتربة لتحليلها، وقد كانت الأدلة دامغة ولا تقبل الشك، لكن قبل أن أتمكن من تقديمها للجهات المختصة، سُرقت من مكتبي."عقد سهيل حاجبيه بشدة، والتمعت في عينيه نظرات تمتزج فيها الصدمة بالقلق.فالتسلل إلى مصنع كيماويات يعد حركة بالغة الخطورة!لقد فعل
"لقد تحدثنا في الأمر يوم أمس، وجواد يرفض الطلاق قطعًا، لكنني عازمة على رفع دعوى قضائية، فهل تقبلين أن تكوني محاميتي؟""أقبل، ولكن لا يوجد أي دليل ملموس يثبت خيانة جواد، وطفلك لا يزال رضيعًا، ويضف إلى ذلك رفض جواد القاطع للطلاق... في مثل هذه الحالات، من النادر جدًا أن تقضي المحكمة بالطلاق من الجلسة الأولى.""سأطالب بالطلاق مهما كلفني الأمر، وحتى لو اضطررت للاستئناف مئات المرات." جزت غيداء على أسنانها، واحمرت عيناها غضبًا.وبهذا، أُضيفت إلى جدول رهف المزدحم قضية طلاق مجانية.أما القضية الثانية...فقد أخذت التطورات في قضية التلوث البيئي لمصنع الكيماويات التابع لمجموعة المنصور تتباطأ تدريجيًا، وبعد فترة وجيزة من تداول الرأي العام للمقطع المصور عبر الإنترنت، حُذف المقطع فجأة.ولم يعد هناك أي أثر أو كلمة واحدة تُذكر عن مصنع مجموعة المنصور في الفضاء الإلكتروني بأسره.وكأن هناك قوة خفية وجبارة تتحكم في مسار الأحداث من خلف الكواليس.في أول أيام الأسبوع، وما إن عادت رهف إلى مكتب المحاماة...حتى اقتحم عمران النجار مكتبها بملامح يكسوها التوتر والقتامة، وقال: "أستاذة رهف، توقفي فورًا عن التحقيق في
بينما كان سهيل ورهف يتناولان طعام الإفطار...اندفعت غيداء، التي استيقظت للتو، راكضةً من غرفتها، وعبرت الممر بخطوات مسرعة، ثم اقتحمت غرفة المعيشة لتلفت انتباههما.استدارت رهف لترى صديقتها تحمل حقيبتها وهاتفها، وشعرها لا يزال منفوشًا ومبعثرًا، وهي تهرول نحو الباب بملامح يكسوها الهلع والاضطراب.صاحت غيداء وهي تتجه نحو المخرج: "رهف، سهيل، أنا مضطرة للرحيل الآن. شكرًا لكما على استضافتي ليلة أمس."أسندت رهف يديها إلى حافة الطاولة، وهبت واقفة لتسأل: "لِمَ كل هذه العجلة يا غيداء؟ أحدث مكروه ما؟"توقفت غيداء عن السير، والتفتت نحو رهف لترسم على شفتيها ابتسامة تفيض بمرارةٍ لاذعة، وترد: "لقد تركت طفلي ليلة أمس في عهدة جواد، فظننت أنه سيبقى في المنزل لرعايته، لكن المفاجأة أنه اصطحب الطفل وذهب إلى شقة رنا... فقط ليصلح لها عطلًا كهربائيًا! لم يعد للمنزل طوال الليل ولم يكلف نفسه عناء الاتصال بي، بل وترك طفلي في رعاية رنا. والآن، رنا تتصل بي وتأمرني بالحضور لأخذ طفلي منها."اشتعلت نيران الغضب المكتوم في صدر رهف؛ عجزت عن تخيل حجم القهر والظلم الذي يمزق قلب غيداء في هذه اللحظة."سأوصلك بسيارتي.""لا داعي
بمجرد أن اقتيدت قديرة بعيدًا، مد سهيل يديه نحو رهف.أجبرت رهف شفتيها على ابتسامة خفيفة ومفتعلة لتواري ذعرها الداخلي، ثم تقدمت بخطوات وئيدة ووضعت يديها بين كفيه.أحكم سهيل قبضته على أصابعها البيضاء الرقيقة، وراح يدلكها بحنان بالغ، رافعًا رأسه ليتأملها وهو يسأل بنبرة خفيفة رقيقة: "أتشعرين بالخوف؟""كلا." هزت رهف رأسها، ورغم نفيها، كانت ابتسامتها متصلبة ومهزوزة."بإمكاني توظيف مساعدة شخصية ترافقك باستمرار؛ تذهب معك إلى العمل وتعود بك، وتعينك في إنجاز مهامك المهنية.""لا حاجة لذلك." رفضت رهف عرضه على الفور، فلم ترغب مطلقًا أن يكتشف أحد سر مرضها—فالاكتئاب الذي ينهشها هو مرض يستنزف طاقة كل من يحيط بها— واستطردت لتبرير رفضها: "أمام عز أكثر من ثلاث سنوات قبل أن يُطلق سراحه، أليس كذلك؟ كما أن والدته بمفردها أعجز من أن تثير أي جدل أو مشكلة."اكتست نظرات سهيل بالجدية، وظل يحدق فيها لبرهة. لم يشأ الضغط عليها أكثر، فعاد ليدلك يديها بلطف وقال: "يداك باردتان كالثلج، وقدماك كذلك. لم ينبعث منك أي دفء طوال الليلة الماضية. يقولون إن النساء مخلوقات من ماء، لكنني أقسم أنك مخلوقة من جليد."أثارت كلماته ضحكة
اكتست ملامح قديرة بالذعر، لكنها تظاهرت بالثبات، وراحت تنكر وتدافع عن نفسها قائلة: "أنا لم ألاحق رهف. ولم أعلم حتى أن هذا هو منزلك. لقد مررت من هنا مصادفة، ولأن أشعة الشمس كانت حارقة، جلست أستظل تحت الأشجار على الجانب الآخر من الطريق، لذا فإن احتجازكم لي هنا يعد جريمة يعاقب عليها القانون!"صوّب سهيل نظراته الحادة نحوها، وأحاطت به هيبة صارمة لا تحتاج إلى الغضب لإثبات حضورها، ثم قال بصوت هادئ ورزين: "هذا القصر مزود بأعلى منظومة أمنية في العالم، ولا يوجد أي جار على بعد عدة كيلومترات من منزلي، فحتى لو حطت ذبابة في الجوار، فسأرصد حركتها بدقة. في المرات القليلة الماضية، كنت تستقلين سيارات أجرة لتتعقبي أثر رهف، وكنت تقفين أمام البوابة لبضع دقائق ثم ترحلين. أما الآن، فلم تعودي بحاجة إلى سيارات الأجرة، بل صرت تتربصين بها مباشرة من تحت الأشجار في الخارج. منذ السابعة من صباح الأمس وحتى هذه اللحظة وأنت تقبعين هناك، تقضين كل حوائجك وتقتاتين في الخفاء كاللصوص... أتظنين حقًا أنني غافل عن كل ذلك؟"نهش الخوف قلب قديرة بعد أن فُضح أمرها، فغلبها الغضب بعدما شعرت بالإحراج، ووضعت يديها على خصرها لتصرخ بأعلى
تأرجحت رهف في عذاب لا ينتهي بين هاتين الحالتين المروعتين؛ جسد مُخدر ومتبلد المشاعر إن تناولت الدواء، وروح مجنونة تنهشها الكآبة إن أهملته.وفي تلك اللحظات القصيرة التي غرقت فيها بترددها، تلاشت الابتسامة عن وجه سهيل وتجمدت ملامحه، ثم تظاهر باللامبالاة، ومد يده ليمسح على رأسها بخفة وهو يهمس: "عودي للنوم. طابت ليلتك."وما إن ألقى كلماته، حتى أزاح جسده ليتمدد على السرير، وسحب الغطاء ليغطي خصره، ثم أغمض عينيه.حدقت رهف في عينيه المطبقتين، ولاحظت بوضوح أن ملامحه قد اكتست بكآبة أعمق مما كانت عليه قبل لحظات.لم تبرح مكانها وظلت تتأمل وجهه وهو يتصنع النوم لبعض الوقت، ثم استدارت ومدت يدها لتطفئ المصباح المجاور للسرير.غاصت الغرفة في عتمة مفاجئة، واحتضنتها هالة من الظلام الدامس.خلعت رهف خفها المنزلي، ورفعت ساقيها لتنزلق تحت أغطية سريره، ثم تمددت بجواره كتفًا بكتف، وأغمضت عينيها هي الأخرى، لتهمس بصوت خفيض: "طابت ليلتك يا سهيل."خيم سكون مطبق على الغرفة، ولم يُسمع سوى إيقاع أنفاسهما الخفيفة والمنتظمة.ظل سهيل متصلبًا في مكانه، وبدا وكأنه قد غرق في نوم عميق بمجرد أن أغمض عينيه.لكن الحقيقة كانت أبعد
كانت السنوات الأربع التي قضتها رهف الحسيني إلى جانب سهيل الصالح أسعد وأجمل الأوقاتِ في حياتها. وبعد الانفصال...بكت خمس سنوات.لم تكن تبكي كل يوم، لكن ما إن يخطر سهيل ببالها حتى تشعر كأن مطرًا كئيبًا يهطل في قلبها، رطوبة خانقة، وضيق يلفّ صدرها، فتبتلّ عيناها بالدموع.لم يخطر لها يومًا أنها ستلتقيه م
في اليوم التالي.بعد أن أنهت رهف عملها، أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى غيداء: "غيداء، هل استيقظتِ؟""استيقظت.""كيف حالكِ مع جواد؟""تحدثنا، وقد تنازل، وسيُقام الزفاف في موعده.""آسفة يا غيداء، لديّ قضية مهمة جدًا، وربما أسافر الشهر القادم، لن أتمكن من أن أكون وصيفتك... هل يمكنكِ أن تسامحيني؟""أجمل
شعرت رهف بالخوف حقًا.في المرة الماضية، وفي فندق يعجّ بالناس، استطاع أن يتصرف معها بقسوة.والآن... في الساعة الثانية فجرًا، في ممرّ شقة هادئ خالٍ، لم تكن تعلم كيف سيتصرف معها.قالت بصوت مرتجف، وهي تلتصق بالباب كأنها مستعدة لطلب النجدة في أي لحظة: "أنا... لم أكن أعلم أنك ستأتي أيضًا... لم أقصد الظهور
في المستشفى.دفعت رهف الرسوم، وخرجت وهي تحمل الإيصال.لحق بها عز وأمسك بذراعها: "هل فكرتِ في الاقتراح الذي طرحته عليكِ سابقًا؟"نفضت رهف يده بغضب، واستدارت تحدّق فيه: "هل أنت مريض؟"اسودّ وجهه من الغضب، وشدّ فكه، ووضع يديه على خصره بتعالٍ، وكأنها تدين له بشيءٍ ما: "رهف، فقط تزوجيني، وسأتنازل عن تعوي







