Home / الرومانسية / عندما عاد حبيبي كعدوي / الفصل الرابع: كريم النجار

Share

الفصل الرابع: كريم النجار

Author: H.E.D
last update publish date: 2026-04-26 07:18:42

لم تنم لينا تلك الليلة.

لم يكن الأرق جديدًا عليها، لكنها هذه المرة لم تكن مستيقظة بسبب الحزن وحده. كان هناك شيء آخر يجلس معها في الغرفة، شيء لا تراه، لكنه يملأ الهواء حولها.

وضعت بطاقة العمل السوداء على الطاولة أمامها، وجلست تحدق بها كأنها تتوقع أن تتحرك وحدها، أو أن تعترف بما تخفيه.

كريم النجار

رئيس مجموعة النجار للاستثمار

اسم غريب. وجه غريب. رجل غريب.

لكن عينيه لم تكونا غريبتين.

رفعت لينا يدها إلى رقبتها، ولمست الخاتم الفضي المعلّق في السلسلة تحت ملابسها. خاتم زياد. الوعد الصغير الذي كان يفترض أن يبقى ذكرى ميتة، لا مفتاحًا لباب جديد من الجنون.

همست لنفسها:

"لا يمكن."

ثم قالتها مرة أخرى، كأن التكرار يستطيع أن يبني جدارًا بينها وبين الشك:

"لا يمكن."

لكن الوردة السوداء قالت عكس ذلك.

والبطاقة قالت عكس ذلك.

والنظرة قالت عكس ذلك.

نهضت من مكانها، وسارت في غرفة المعيشة بخطوات متوترة. كان بيتها هادئًا أكثر مما ينبغي. كل شيء مرتب، نظيف، فاخر، لكنه بارد. لم تستطع يومًا أن تجعل هذا البيت يشبه بيتًا حقيقيًا. كان مجرد مكان تعود إليه حين تنتهي من تمثيل القوة في الخارج.

على الأريكة المقابلة، كان حاسوبها المحمول مفتوحًا. عادت وجلست أمامه، ثم كتبت الاسم في محرك البحث:

كريم النجار

ظهرت نتائج كثيرة خلال ثوانٍ.

مقالات اقتصادية. أخبار استثمارية. صور من مؤتمرات. لقاءات قصيرة. أسماء شركات. تقارير عن صفقات ضخمة. رجل أعمال صاعد بسرعة مخيفة. مستثمر لا يظهر كثيرًا، لكنه حين يظهر، يربك السوق.

فتحت أول مقال.

كان العنوان:

كريم النجار… الاسم الذي غيّر قواعد الاستثمار في ست سنوات

ست سنوات.

ضاقت عينا لينا.

ست سنوات فقط.

قرأت المقال بتركيز. تحدّث الكاتب عن رجل أعمال عاد من الخارج، بدأ بمجموعة صغيرة، ثم توسع بسرعة في العقارات، التكنولوجيا، الخدمات اللوجستية، والاستحواذ على الشركات المتعثرة. وصفه المقال بأنه "صياد الفرص الصعبة"، وأنه لا يدخل صفقة إلا حين يكون الطرف الآخر في أضعف لحظاته.

توقفت عند هذه الجملة.

في أضعف لحظاته.

شعرت كأن المقال لا يتحدث عن السوق، بل عنها.

فتحت مقالًا ثانيًا. وثالثًا. ورابعًا.

كل شيء عنه يبدأ منذ ست سنوات تقريبًا. لا مقابلات قديمة. لا صور شبابية. لا عائلة واضحة. لا تفاصيل شخصية. لا جامعة مذكورة بوضوح. فقط رجل ظهر فجأة في عالم المال، ومعه رأس مال غامض، وذكاء قاسٍ، وصمت جعل الصحافة تحبه وتخافه في الوقت نفسه.

أغلقت لينا عينيها للحظة.

زياد اختفى قبل سبع سنوات.

وكريم ظهر قبل ست سنوات.

عام كامل بين الموت والولادة الجديدة.

لا.

لا تفكري بهذه الطريقة.

فتحت عينيها بسرعة، وكادت تغلق الحاسوب، لكن إشعارًا جديدًا ظهر أعلى الشاشة من أحد المواقع الاقتصادية.

عاجل: كريم النجار يعلن رسميًا دخول السوق المحلي بخطة توسع ضخمة

تجمدت.

ضغطت على الإشعار.

ظهرت صورة كبيرة في أعلى الخبر. الصورة لم تكن من المؤتمر الذي رأته فيه. كانت صورة رسمية، التقطت له في مكتب أو قاعة فاخرة. كان جالسًا على كرسي جلدي، يرتدي بدلة سوداء، ويداه متشابكتان أمامه. عينيه موجهتان مباشرة إلى الكاميرا، ببرود رجل لا يطلب الإذن من أحد.

كان وسيمًا بطريقة قاسية. ليس جمالًا مريحًا، بل حضورًا يفرض نفسه حتى من خلف شاشة. ملامحه أكثر نضجًا، أكثر صلابة، أكثر غموضًا. لا يبتسم. لا يلين. كأن سنوات طويلة من الألم صارت طبقة جليد فوق وجهه.

لكن لينا لم ترَ كل ذلك أولًا.

رأت فقط يده اليسرى.

كبّرت الصورة بيد مرتجفة.

على ظاهر اليد، قرب الإبهام، ظهرت الندبة.

الندبة نفسها.

شعرت كأن الغرفة انكمشت حولها.

لم تعد قادرة على التنفس جيدًا. نهضت من مكانها بسرعة، ثم عادت وجلست، كأن ساقيها لم تعرفا ماذا تفعلان. كانت الندبة واضحة. صغيرة، مائلة، بيضاء قليلًا. ندبة يعرفها قلبها قبل عينيها.

في الجامعة، كان زياد قد جرح يده بسبب قطعة زجاج مكسورة في ورشة تدريبية. كانت لينا معه يومها. وبخته لأنه لم ينتبه، ثم أخذته إلى العيادة وهي تتظاهر بالغضب. حين انتهت الممرضة من تضميد يده، قال لها وهو يبتسم:

"ستبقى الندبة، حتى لا تنسي أنكِ كنتِ خائفة عليّ."

فردت عليه:

"كنت خائفة من أن تموت بسبب غبائك."

ضحك يومها وقال:

"لن أموت. وعدتك أنني سأعود دائمًا."

غطّت لينا فمها بيدها.

"كفى."

كان صوتها مرتجفًا، ضعيفًا، لا يشبهها.

أغلقت الصورة بسرعة، لكنها لم تستطع أن تغلق ما فتحته داخلها.

رن هاتفها فجأة.

انتفضت. كان اسم نور على الشاشة.

أجابت فورًا.

"هل رأيتِ الأخبار؟" سألت نور قبل أن تقول مرحبًا.

قالت لينا بصوت منخفض:

"نعم."

"اسمه في كل مكان. كل المواقع تتحدث عنه. وكأن ظهوره اليوم لم يكن مصادفة."

نظرت لينا إلى البطاقة السوداء على الطاولة.

"لم يكن مصادفة."

ساد صمت قصير من الطرف الآخر.

ثم قالت نور:

"هل أنتِ وحدك؟"

"نعم."

"لا أريد أن أخيفك، لكن هناك أمر غريب."

أغمضت لينا عينيها.

"أغرب من رجل يشبه حبيبي الميت ويترك لي رسالة على ظهر بطاقة عمل؟"

"ربما."

فتحت لينا عينيها.

"قولي."

قالت نور بصوت أكثر جدية:

"خبر الإعلان الرسمي نُشر قبل عشر دقائق فقط، لكن بعض الصحف كانت تملك ملفًا كاملًا عنه جاهزًا. تحليلات، صور، تصريحات، توقعات. كأنه حضّر ظهوره منذ وقت طويل."

"هذا طبيعي في عالم المال."

"ليس بهذا الشكل. هناك شيء منظم جدًا. والأهم…"

توقفت نور.

شعرت لينا بانقباض في صدرها.

"الأهم ماذا؟"

"واحدة من الصحف كتبت أن أولى أهدافه الاستثمارية ستكون في الشركات العائلية التي تمر بمرحلة انتقال إداري بعد وفاة المؤسس."

لم تتكلم لينا.

لم تحتج نور أن تقول الاسم.

شركة الراشد كانت تنطبق عليها الجملة حرفيًا.

قالت نور بحذر:

"قد لا يقصدكم."

ضحكت لينا ضحكة قصيرة جافة.

"نور، في عالمنا لا توجد جمل بريئة في الأخبار الاقتصادية."

"أعرف."

وقفت لينا وسارت نحو النافذة. أزاحت الستارة، فنظرت إلى المدينة المضاءة ليلًا. في مكان ما من هذه المدينة، كان كريم النجار موجودًا. رجل حي يحمل وجه ميت. رجل يعرف اسمها دون أن يسأل. رجل كتب لها: لا تبحثي عن الموتى.

قالت بصوت خافت:

"هو يريد أن أصل إلى الخبر."

"ماذا تقصدين؟"

"الظهور اليوم. البطاقة. الرسالة. الإعلان. كل شيء مرتب. هو لا يختبئ يا نور. هو يظهر بطريقة تجعلني أراه، ثم ينكرني."

قالت نور:

"لينا، اسمعيني جيدًا. حتى لو كان يشبه زياد، حتى لو كانت الندبة نفسها، لا تقفزي إلى استنتاج واحد. ربما هناك تفسير آخر."

استدارت لينا عن النافذة.

"أي تفسير؟"

لم تجب نور بسرعة.

لأنهما كانتا تعرفان أن بعض التشابه لا يُفسَّر.

قالت نور أخيرًا:

"التفسير أنه يريدك أن تظني ذلك. ربما هو يعرف قصة زياد، ويستخدمها ضدك."

كانت الفكرة منطقية. قاسية، لكنها منطقية. لو أراد أحد أن يهزّها من الداخل، فلن يجد بابًا أسهل من زياد. فاروق يعرف ذلك. سلمى تعرف. نور تعرف. وعدد قليل من الناس في ماضيها يعرفون.

لكن كريم النجار؟

كيف عرف؟

نظرت لينا إلى الحاسوب المفتوح، إلى صورته التي ما زالت تملأ الشاشة رغم أنها كانت قد صغّرتها. كان ينظر من الصورة كأنه يسمع أفكارها، كأنه يعرف أنها تتساءل، كأنه وضع الفخ وانتظر أن تقترب.

قالت لينا:

"غدًا صباحًا أريد كل شيء عنه."

"بدأت بالفعل."

"كل شيء يا نور. الشركات، الصفقات، الشركاء، السفر، الأوراق القديمة، أي سجل قبل ست سنوات."

قالت نور:

"سأبحث. لكن لا تعديني أنك ستواجهينه وحدك."

صمتت لينا.

قالت نور بحدة:

"لينا."

"لن أعد بشيء لا أعرف إن كنت أستطيع الالتزام به."

تنهدت نور بقلق.

"هذا بالضبط ما يخيفني."

أنهت لينا المكالمة بعد دقائق، لكنها لم تتحرك من مكانها. عادت إلى الخبر وبدأت تقرأ التصريح الرسمي.

كان كريم النجار قد أعلن عن دخول مجموعته السوق المحلي عبر صندوق استثماري جديد، يستهدف "إعادة هيكلة الشركات ذات الإمكانات العالية التي تعاني من ضعف الإدارة أو اضطراب الوراثة المؤسسية."

ضعف الإدارة.

اضطراب الوراثة.

كل كلمة كانت صفعة مغلفة بلغة اقتصادية.

تابعت القراءة، ثم توقفت عند اقتباس مباشر له:

"لا أشتري الشركات لأمتلكها فقط. أشتري لحظة ضعفها، ثم أعيد تشكيلها كما يجب."

أعادت لينا قراءة الجملة أكثر من مرة.

ثم ظهر إشعار آخر.

فيديو جديد من قناة اقتصادية. مقابلة قصيرة مع كريم النجار بعد المؤتمر.

ضغطت عليه.

ظهر على الشاشة وهو يقف أمام خلفية تحمل شعار المؤتمر. حوله صحفيون، وأسئلة كثيرة. كان هادئًا بشكل مستفز. لا يرفع صوته، لا يكثر الكلام، لا يعطي أكثر مما يريد.

سألته صحفية:

"يقال إنك تستهدف شركات عائلية كبيرة في الفترة القادمة. هل يمكن أن تذكر لنا أسماء؟"

ابتسم ابتسامة خفيفة، لكنها لم تصل إلى عينيه.

"الأسماء لا تعلن قبل أن تصبح حقائق."

سأله صحفي آخر:

"هل تفضل الشراكة أم الاستحواذ؟"

أجاب:

"أفضل السيطرة حين تكون ضرورية."

شعرت لينا بقشعريرة تسري في ذراعيها.

ثم سأله صحفي ثالث:

"هناك من يراك رجلًا قاسيًا في السوق. هل هذا صحيح؟"

نظر كريم إلى الكاميرا مباشرة. لثانية غريبة، شعرت لينا أنه لا ينظر إلى الصحفي، بل إليها هي.

قال بصوت ثابت:

"القسوة كلمة يستخدمها الخاسرون لوصف من لا يسمح لهم بالكذب طويلًا."

توقفت لينا عن التنفس لحظة.

أغلقت الفيديو.

لم تستطع أن تكمل.

في الصباح التالي، كان اسم كريم النجار على كل شاشة.

حين دخلت لينا إلى الشركة، وجدت الموظفين يتحدثون عنه في الممرات. لم تكن بحاجة إلى الاقتراب لتعرف الموضوع. كانت صورته تظهر على هواتفهم، على شاشات الأخبار في بهو الشركة، وعلى صفحات الجرائد الموضوعة قرب الاستقبال.

شعرت بغضب بارد.

كيف يمكن لرجل واحد أن يدخل حياتها بهذا الحجم خلال أربع وعشرين ساعة فقط؟

مرّت قرب موظفين كانا يتحدثان بصوت منخفض، فسكتا فور رؤيتها. لكنها سمعت ما يكفي.

"يقولون إنه قد ينقذ شركة الراشد."

"أو يشتريها."

توقفت لينا للحظة، ثم تابعت طريقها دون أن تلتفت.

في المصعد، كانت صورته على شاشة الأخبار الصغيرة.

كريم النجار: المستثمر الغامض الذي ينتظره السوق

أدارت وجهها بعيدًا.

لكن حتى حين لم تنظر، ظل اسمه حاضرًا.

في الطابق الأخير، وجدت نور تنتظرها أمام المكتب. كان وجهها جادًا، وفي يدها ملف.

"وصل شيء."

سألت لينا مباشرة:

"منه؟"

هزت نور رأسها.

"لا. من مكتب إعلامي. دعوة لحضور المؤتمر الصحفي الخاص بإطلاق صندوق النجار للاستثمار مساء اليوم."

فتحت لينا الملف، فرأت الدعوة الرسمية. ورق فاخر، تصميم أسود وفضي، لغة مهذبة جدًا تخفي تحديًا واضحًا.

قالت لينا:

"لماذا يرسلونها لنا؟"

ردت نور:

"أرسلوها لكل كبار الشركات، لكن…"

"لكن ماذا؟"

أشارت نور إلى آخر الصفحة.

نظرت لينا.

كانت هناك ملاحظة صغيرة مكتوبة بخط يد، لا بطباعة.

حضورك سيجعل الليلة أكثر وضوحًا.

لم يكن هناك توقيع.

لكن لينا عرفت.

أغلقت الملف ببطء.

قالت نور:

"لا تذهبي."

رفعت لينا عينيها إليها.

"بل سأذهب."

"هذا ما يريده."

"أعرف."

"إذن لماذا تمنحينه ما يريد؟"

وضعت لينا الدعوة على مكتبها، ثم قالت بصوت هادئ:

"لأنني أريد أن أعرف لماذا يريده."

دخلت نور خلفها إلى المكتب وهي تبدو على وشك الانفجار من القلق.

"لينا، أنتِ لا تواجهين صفقة عادية. هذا الرجل يعبث بماضيك، باسم زياد، وربما بالشركة. لا يمكنك أن تذهبي إلى مؤتمر مليء بالكاميرات وتدخلي لعبة لا تعرفين قواعدها."

جلست لينا خلف المكتب، لكنها لم تلمس شيئًا. بقيت تنظر إلى الدعوة.

"ربما لا أعرف قواعده. لكنني أعرف شيئًا واحدًا."

"ما هو؟"

رفعت لينا رأسها.

"من يترك لي رسائل عن الموتى، لا يريد أن أخاف فقط. يريد أن أتذكر."

وقبل أن ترد نور، فُتح باب المكتب فجأة دون طرق.

دخل فاروق.

كان يحمل صحيفة مطوية في يده، وعلى وجهه ابتسامة لم ترتح لها لينا أبدًا.

"صباح الخير."

قالت لينا ببرود:

"صباح الخير. كان بإمكانك الطرق."

تجاهل ملاحظتها، ووضع الصحيفة على مكتبها أمامها.

كانت صورة كريم النجار تحتل نصف الصفحة الأولى.

قال فاروق:

"الرجل حديث السوق اليوم. ذكي، قوي، ويبدو أنه يعرف متى يدخل."

نظرت إليه لينا.

"ماذا تريد؟"

جلس فاروق دون إذن كعادته.

"أريد أن تكوني عاقلة. كريم النجار ليس شخصًا نرفضه لأننا لا نحب طريقته. إذا كان يريد الاستثمار، فعلينا أن نسمعه."

قالت نور:

"ومن قال إنه يريد الاستثمار فينا؟"

نظر فاروق إليها بنظرة جانبية، ثم عاد إلى لينا.

"سيأتي العرض قريبًا. وأنا أفضل ألا نبدو كمن أغلق الباب قبل أن يعرف ما خلفه."

شعرت لينا أن كلماته ليست توقعًا. كانت أقرب إلى معرفة مسبقة.

سألته بهدوء:

"هل تعرفه؟"

لمعت عينا فاروق لحظة خاطفة.

"من؟"

"كريم النجار."

ضحك بخفة.

"كل السوق يعرفه الآن."

"لم أسأل عن السوق. سألتك أنت."

تغير وجهه قليلًا، لكنه استعاد هدوءه بسرعة.

"التقيته مرة عابرة في مناسبة. رجل لا ينسى."

راقبت لينا عينيه. كان يكذب. أو يخفي جزءًا من الحقيقة على الأقل.

"ومتى كانت هذه المناسبة؟"

ضغط فاروق على الصحيفة بأصابعه.

"لا أذكر. أنتِ تعرفين أنني أحضر الكثير من اللقاءات."

قالت لينا:

"الغريب أنك لا تنسى أسماء من قد يفيدونك."

ساد صمت ثقيل.

وقف فاروق ببطء. ابتسم، لكن ابتسامته صارت أكثر برودة.

"احذري يا لينا. السوق لا يرحم الذين يخلطون بين العاطفة والقرار."

ثم نظر إلى صورة كريم في الصحيفة، وأضاف:

"وهذا الرجل تحديدًا… لا يبدو أنه يترك شيئًا دون أن يحصل عليه."

خرج فاروق كما دخل، تاركًا خلفه رائحة عطره الثقيل وشعورًا أسوأ.

قالت نور فور إغلاق الباب:

"كان يعرف."

أومأت لينا ببطء.

"نعم."

"ويخاف منه."

نظرت لينا إلى الصحيفة.

"أو يخاف مما يعرفه عنه."

اقتربت من الصفحة، وقرأت العنوان مرة أخرى. ثم انتقلت عيناها إلى الصورة. كريم كان يقف أمام مبنى زجاجي ضخم، والهواء يحرك طرف سترته. الصحفي اختار زاوية تجعله يبدو كأنه يسيطر على المكان كله.

لكن شيئًا صغيرًا في الصورة جذب انتباهها.

لم يكن وجهه. ولا الندبة. ولا النظرة.

كان شيئًا ظاهرًا عند معصمه، تحت طرف القميص الأبيض.

سوار جلدي أسود بسيط.

قلب لينا توقف.

كانت تعرف ذلك السوار.

لم يكن ثمينًا. لم يكن مميزًا في نظر أي أحد. لكنه كان مميزًا لها. اشترته لزياد في عيد ميلاده الثالث والعشرين من محل صغير، وسخرت منه لأنه قال إنه لن يخلعه أبدًا.

قال لها يومها:

"إذن لا تغضبي إذا بقي في يدي حتى أشيخ."

همست لينا دون وعي:

"لا…"

اقتربت نور منها.

"ماذا؟"

لم تجب لينا. خطفت الصحيفة بين يديها، وقرّبت الصورة من عينيها.

السوار نفسه.

أو نسخة تشبهه إلى حد مؤلم.

قالت نور بقلق:

"لينا، ما الذي رأيته؟"

رفعت لينا عينيها ببطء، وكان وجهها قد فقد لونه.

"هذا السوار…"

توقفت، لأن صوتها انكسر.

نور فهمت قبل أن تكمل.

"سوار زياد؟"

لم تستطع لينا أن تؤكد. لم تستطع أن تنفي. بقيت تنظر إلى الصورة كأنها ترى رجلًا يخرج من قبره قطعة قطعة.

وفي تلك اللحظة، رن هاتف المكتب.

ضغطت نور على زر السماعة بسرعة، ربما لأنها أرادت قطع الصمت المخيف.

جاء صوت السكرتيرة مرتبكًا:

"أستاذة لينا… هناك اتصال من مكتب مجموعة النجار للاستثمار."

نظرت لينا إلى الهاتف كأنه ثعبان.

قالت السكرتيرة:

"السيد كريم النجار يطلب موعدًا خاصًا معكِ اليوم."

بقيت لينا صامتة.

ثم جاء صوت آخر على الخط.

صوت رجولي هادئ، بارد، واضح.

لم يكن صوت السكرتيرة.

كان صوته هو.

قال كريم النجار:

"صباح الخير، آنسة الراشد. أظن أن لدينا حديثًا تأخر سبع سنوات."

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
بين الذنب والانتقام يولد الحب
لا تتاخري في تنزيل باقي الفصول
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 165: ماهر يفقد مملكته

    لم يكن ماهر الدمنهوري يحب كلمة هروب.كان يسميها إعادة تموضع.ولم يكن يحب كلمة خسارة.كان يسميها إعادة هيكلة.ولم يكن يحب كلمة جريمة.كان يسميها مخاطرة محسوبة.لذلك، عندما دخل عليه محاميه في غرفة الاحتجاز المالي وقال له إن مشروع البحر الهادئ لم يعد تحت سيطرته، لم يغضب فورًا.ابتسم.ابتسامة رجل يرفض أن يعترف بأن الأرض تحته بدأت تنسحب.قال:"لا يوجد شيء اسمه لم يعد تحت سيطرتي."قال المحامي، وهو يتجنب النظر طويلًا في عينيه:"صدر أمر تجميد شامل."قال ماهر:"صدر سابقًا."قال المحامي:"هذا مختلف."توقفت الابتسامة.قال:"ما المختلف؟"فتح المحامي الملف.كانت يده ترتجف قليلًا."الأمر الجديد لا يجمّد الحسابات فقط. يجمّد حق التصرف، حق الإدارة، حق التفويض، حق التصويت غير المباشر، وحق نقل المستفيدين المستقبليين."قال ماهر ببطء:"المستفيدين المستقبليين؟"قال المحامي:"نعم."اختفت الابتسامة.لم يكن ذلك بند

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 164: محاكمة مروان

    كانت الرسالة على الشاشة كجرح لا ينزف، لكنه لا يسمح لأحد أن ينسى وجوده.THE DOCTOR WILL SEE HIS PATIENTS NOWثم القائمة.زياد كمال.نور السيد.طارق منصور.سلمى حسام.هالة كمال.لينا حسام الراشد / حياة.ظل الاسم الأخير على الشاشة أطول من البقية.أو هكذا شعرت لينا.لم تكن مريضة مروان.لم تجلس أمامه.لم توقع موافقة.لم تسمع صوته داخل غرفة علاج.ومع ذلك كتب اسمها في قائمته.كأن حياتها كلها كانت جلسة لم تحضرها.قالت نور من الشاشة، وهي شاحبة لكن عينيها حادتان:"أنا أعترض على كلمة مرضى."قالت ريم من زاوية الغرفة:"وأنا أعترض على كلمة الطبيب."قال سامي:"وأنا أعترض على الجلسة كلها."قال فادي:"إذن لا ندخلها كما يريد."نظر الجميع إليه.كان يقف أمام الشاشة، يقرأ البيانات الواردة من الرسالة، لا بعجلة، بل بتركيز رجل يعرف أن الفخ لا يصبح أقل خطرًا إذا سميناه فخًا.قال آدم، وهو يعمل على جهازه:

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 163: نادر في القفص

    لم يكن القفص دائمًا حديدًا.أحيانًا يكون سريرًا طبيًا.إبرة في الوريد.ورقة تنتظر توقيعًا.طبيبًا يدخل بابتسامة هادئة.وحارسًا يظن أنه يحرس رجلًا، بينما الحقيقة أن أحدهم جاء ليحرس الكذبة.كان نادر مستلقيًا في وحدة الحراسة الطبية، عينه اليمنى نصف مغلقة من أثر الكدمات القديمة، ويده مقيدة بسوار أمني إلى جانب السرير.لم يكن نائمًا.الرجل الذي يحمل جريمة في صدره لا ينام بسهولة.كان ينظر إلى السقف كأنه يتوقع أن يسقط منه حكم.فتح الباب.دخل طبيب يرتدي معطفًا أبيض.نظيفًا أكثر من اللازم.في يده ملف.وفي جيبه قلم معدني.وعلى وجهه هدوء رجل يعرف أن الناس يثقون باللون الأبيض حتى بعد أن تلطخ كثيرًا.قال الطبيب:"مساء الخير يا نادر."حرّك نادر عينيه نحوه.لم يرد.ابتسم الطبيب."أعرف أنك متعب. لن أطيل."اقترب من جهاز المحاليل.مد يده نحو الوريد.نادر قال بصوت خشن:"أنت لست الطبيب المناوب."توقف الطبيب لحظة.ثم ا

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 162: إياد أمام طارق

    لم يذهب طارق فورًا.وهذا كان أول انتصار له على مروان.جلس في غرفة نور نصف ساعة كاملة.نصف ساعة من الصمت.نصف ساعة من الغضب الذي لا يجد شكلًا.نصف ساعة من يد نور القريبة من يده دون أن تضغط عليها.كانت الشاشة أمامهما تعرض إشعار الملف:IYAD MANSOUR — PRESENCE OF SON REQUIREDوجود الابن مطلوب.كأن البنوة مفتاح.كأن كل شيء في هذه الرواية لا يُفتح إلا بجسد من تضرر منه.قالت نور بصوت خافت:"لا يعجبني عنوان الملف."قال طارق:"ولا أنا."قالت:"وجود الابن مطلوب. كأنهم يستدعونك كقطعة إثبات."نظر إلى الشاشة."ربما هذا ما كنت عليه دائمًا."قالت نور فورًا:"لا."كان صوتها ضعيفًا، لكن الكلمة حادة."لا تقل جملة مروان بصوتك."التفت إليها.قالت:"أعرف أنك غاضب. أعرف أنك تشعر أن كل شيء كان مزروعًا. لكن انتبه. هذا بالضبط ما يريده. أن يجعلك تشك حتى في الشيء الوحيد الذي اخترته بصدق."قال طارق بمرارة:

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 161: سامي يشهد

    لم يربط سامي ربطة عنقه في ذلك الصباح.حاول مرة.ثم فكّها.حاول مرة ثانية.ثم تركها على الطاولة كأنها اعتراف بفشل صغير لا يريد إصلاحه.كان القميص الأبيض كافيًا.والملف الأسود في يده كافيًا.والارتجاف الذي حاول إخفاءه في أصابعه كافيًا جدًا.قالت ريم من خلفه:"الربطة لن تجعلك أكثر استعدادًا."التفت إليها.كانت واقفة عند باب غرفة الانتظار في وحدة الحماية، ترتدي معطفًا رماديًا طويلًا، وشعرها مرفوع بعجلة، وفي يدها كوب قهوة لم تشرب منه.قال:"لم أطلب رأيك."قالت:"وهذا لم يمنعني سابقًا."نظر إليها لثانيتين.ثم عاد إلى الملف."لن تدخلي معي."قالت:"لم أقل إنني سأدخل."قال:"جيد."قالت:"سأبقى في الخارج لأمنعك من الخروج وأنت تتظاهر أنك بخير."ابتسم ابتسامة قصيرة لم تصل عينيه."هذا دور رسمي؟"قالت:"لا. لكنه مفيد أكثر من أغلب الأدوار الرسمية في حياتنا."وضع سامي الملف على الطاولة.كان ع

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 160: طارق ونور

    قالت نور:"لا تنظر إليّ هكذا."طارق لم يكن يعلم أنه ينظر.كان واقفًا قرب نافذة غرفتها في وحدة الرعاية، والهاتف في يده، وشاشة المتابعة الصغيرة تعرض النقطة الحمراء التي تومض فوق مبنى الواجهة الهادئة.MARWAN SHAHIN — LICENSE TRACE ACTIVEكانت الجملة وحدها كافية لتجعل الدم يبرد.مروان.الرجل الذي جعل الذاكرة سكينًا.الرجل الذي أخذ زياد من اسمه، وأعاد إليه عدوًا يشبهه.الرجل الذي جعل طفولة سلمى بوابة خوف.الرجل الذي وضع نور داخل نظام شاهد دون أن يسألها إن كانت تريد أن تكون شاهدًا.طارق شد يده على الهاتف.قالت نور من سريرها:"قلت لا تنظر إليّ هكذا."التفت إليها."هكذا كيف؟"رفعت حاجبها."كأنك تقيس المسافة بيني وبين الباب، وتحسب كم ثانية تحتاج لتقرر أنك ستبقى معي بدل أن تذهب."لم يجب فورًا.هذا كان يؤكد أنها أصابت.قالت:"يا سلام. إذن أنا عبقرية رغم الحساء الطبي."وضع الهاتف على الطاولة."كنت أفكر."قا

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل السابع: لا أعرفكِ

    لم تكن الجملة التي قالها كريم قبل خروجه من قاعة الاجتماع مجرد تعليق عابر."احتفظي بما يخص الموتى بعيدًا عن طاولة التفاوض، آنسة الراشد."بقيت ترن في رأس لينا طوال النهار، كأنها لم تُقال بصوت رجل غريب، بل بصوت باب قديم فُتح فجأة على غرفة حاولت إغلاقها سبع سنوات.كيف عرف؟كيف استطاع أن يعرف الخاتم من

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل الثالث: الغريب في القاعة

    الفصل الثالث: الغريب في القاعةلم تكن لينا تؤمن أن الذكريات تستطيع أن تلاحق الإنسان إلى الأماكن المزدحمة.كانت تظن أن الازدحام يحميها، أن الضجيج يطرد الأصوات القديمة، وأن الوجوه الكثيرة تمنع وجهًا واحدًا من الظهور في عقلها. لكنها في ذلك الصباح، وهي تدخل قاعة المؤتمر الكبرى، شعرت أن كل شيء حولها كان

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل الثاني: ذكرى لا تموت

    قبل ساعات من أن ترى لينا تلك الندبة على يد الرجل الواقف خلف زجاج قاعة الاجتماع، كانت واقفة أمام قبر زياد.لم تكن زيارة القبور عادة تحبها. لم تكن من أولئك الذين يجدون في الصمت راحة، أو في الرخام البارد جوابًا. لكنها منذ سبع سنوات، صارت تزور هذا المكان في اليوم نفسه، في الساعة نفسها تقريبًا، وكأنها ت

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل الأول: يوم لم أتوقعه

    لم تكن لينا حسام الراشد تعرف أن ذلك الصباح سيقسم حياتها إلى ما قبل وما بعد.استيقظت قبل رنين المنبّه بدقائق، كما اعتادت منذ مات والدها. لم تعد تنام نومًا عميقًا منذ رحيله، كأن جزءًا منها ظل يقف عند باب الليل، ينتظر مصيبة جديدة. فتحت عينيها ببطء، ونظرت إلى السقف الأبيض فوقها. كان الصباح هادئًا أكثر

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status