Home / الرومانسية / عندما عاد حبيبي كعدوي / الفصل الأول: يوم لم أتوقعه

Share

عندما عاد حبيبي كعدوي
عندما عاد حبيبي كعدوي
Author: H.E.D

الفصل الأول: يوم لم أتوقعه

Author: H.E.D
last update publish date: 2026-04-24 18:07:16

لم تكن لينا حسام الراشد تعرف أن ذلك الصباح سيقسم حياتها إلى ما قبل وما بعد.

استيقظت قبل رنين المنبّه بدقائق، كما اعتادت منذ مات والدها. لم تعد تنام نومًا عميقًا منذ رحيله، كأن جزءًا منها ظل يقف عند باب الليل، ينتظر مصيبة جديدة. فتحت عينيها ببطء، ونظرت إلى السقف الأبيض فوقها. كان الصباح هادئًا أكثر مما ينبغي، وهذا وحده جعل قلبها ينقبض.

مدّت يدها إلى الهاتف الموضوع على الطاولة الصغيرة بجانب السرير. الساعة السابعة تمامًا. كانت لديها جلسة مجلس إدارة في العاشرة، واجتماع مع مستثمر جديد في الحادية عشرة، وموعد مع محامي الشركة قبل الظهر. يوم مزدحم، ثقيل، يشبه الأيام التي صارت تكرهها وتحتاجها في الوقت نفسه.

نهضت من فراشها، وسارت نحو النافذة. أزاحت الستارة قليلًا، فدخل الضوء إلى الغرفة ناعمًا وباهتًا. المدينة تحتها كانت تستيقظ، والسيارات تتحرك في الشوارع، والناس يمضون إلى أعمالهم وكأن الحياة لا تتوقف لأحد.

لكن حياة لينا توقفت مرتين.

المرة الأولى حين مات زياد.

والمرة الثانية حين مات والدها.

أغمضت عينيها للحظة، كأن الاسم الأول وحده كان كافيًا ليفتح في صدرها بابًا قديمًا حاولت إغلاقه سبع سنوات. زياد كمال. الاسم الذي لم تنطقه بصوت عالٍ منذ زمن، لكنه لم يفارقها في السر. كان موجودًا في كل شيء: في رائحة المطر، في أغنية قديمة، في دفتر جامعي بقي في صندوق مغلق، في ذلك الفراغ الغريب الذي يتركه الحب الأول حين يرحل دون وداع.

قالوا لها يومها إنه مات.

قالوا إن الحادث كان مفاجئًا.

قالوا إن لا فائدة من الأسئلة.

لكن الأسئلة لم تمت معه.

بقيت تسأل نفسها سنوات: لماذا خرج في تلك الليلة وحده؟ لماذا لم يتصل بها؟ لماذا وعدها في آخر لقاء أنه سيعود ليكمل حديثهما، ثم لم يعد؟

فتحت لينا عينيها سريعًا، كأنها انتبهت إلى خطر الانغماس في الذكرى. لا وقت للضعف اليوم. لا وقت للدموع. شركة الراشد تقف على حافة أزمة، والموظفون ينظرون إليها كأنها قبطان سفينة مثقوبة. إما أن تنقذها، أو تغرق معهم.

ابتعدت عن النافذة، ودخلت إلى الحمام. غسلت وجهها بماء بارد، لكنها لم تستطع أن تغسل التعب من عينيها. حدقت في المرآة طويلًا. امرأة في الثامنة والعشرين، بوجه هادئ أكثر مما يشعر، وعينين سوداويين تحملان أكثر مما تقولان. شعرها البني الطويل كان مربوطًا بإهمال، وملامحها التي ورثت حدتها عن والدها بدت اليوم أكثر صرامة.

قالت لنفسها بصوت خافت:

"ستمرّين بهذا اليوم، كما مررتِ بما هو أصعب."

لكنها لم تكن متأكدة.

بعد ساعة، كانت تجلس في سيارتها متجهة إلى الشركة. ارتدت بدلة سوداء أنيقة، وقميصًا أبيض بسيطًا، وحذاءً عاليًا جعل خطواتها فيما بعد تبدو أكثر ثباتًا مما كانت عليه. وضعت أحمر شفاه خفيفًا، لا للزينة، بل لتخفي شحوبها.

كانت لينا تؤمن أن المظهر في عالم الأعمال ليس رفاهية. الناس يصدقون القوي قبل أن يسمعوه. وهي احتاجت كثيرًا أن تبدو قوية، حتى في الأيام التي كانت تشعر فيها أنها لو تُركت وحدها دقيقة واحدة، لانكسرت.

وصلت إلى مبنى شركة الراشد قبل التاسعة. المبنى الزجاجي الضخم كان يلمع تحت الشمس، لكنه لم يعد يثير في قلبها الفخر كما كان في طفولتها. كان والدها يأخذها أحيانًا إلى مكتبه في الطابق الأخير، ويقول لها وهو يشير إلى المكاتب والموظفين:

"هذه ليست شركة فقط يا لينا. هذه أمانة. فيها بيوت مفتوحة، وأحلام، وتعب سنوات."

كانت تفهم كلامه بطريقة بسيطة وقتها. أما الآن، فقد صار كل حرف منه حملاً على كتفيها.

دخلت من الباب الرئيسي، فوقف موظف الاستقبال باحترام.

"صباح الخير، أستاذة لينا."

أومأت له بابتسامة صغيرة.

"صباح النور."

كانت تعرف أن الجميع يراقبها. منذ وفاة والدها، صار كل موظف في الشركة يبحث في وجهها عن جواب. هل ستبقى الشركة؟ هل ستبيع؟ هل ستفشل؟ هل ستنجح؟ كانت تكره تلك النظرات، لكنها تفهمها. الخوف يجعل الناس قساة أحيانًا دون قصد.

صعدت في المصعد إلى الطابق الأخير. كان المصعد واسعًا وهادئًا، والجدران المعدنية تعكس صورتها أكثر من مرة. رأت نفسها من زوايا مختلفة، وكل نسخة منها بدت متعبة بطريقة ما.

حين فتح الباب، كانت نور السيد تنتظرها عند الممر وهي تحمل كوبين من القهوة وملفًا كبيرًا تحت ذراعها. نور، صديقتها الأقرب، والوحيدة التي كانت تستطيع أن تقول لها الحقيقة دون أن تخاف من غضبها.

"تأخرتِ ثلاث دقائق"، قالت نور وهي تسير بجانبها.

أخذت لينا كوب القهوة منها وردت بهدوء:

"إذن ما زلت ضمن حدود الإنسانية."

ابتسمت نور ابتسامة سريعة، لكنها اختفت حين رأت وجهها.

"لم تنامي جيدًا."

"أنتِ تقولين هذا كل صباح."

"لأنكِ لا تنامين جيدًا كل ليلة."

لم تجب لينا. فتحت باب مكتبها ودخلت. كان المكتب واسعًا، مرتبًا، باردًا قليلًا. مكتب والدها القديم. لم تغيّر الأثاث، ولا اللوحات، ولا الساعة الكبيرة المعلقة خلف الكرسي. فقط أزالت صورته من فوق المكتب بعد شهرين من وفاته، لأنها لم تكن تحتمل أن يراقبها وهو صامت.

وضعت حقيبتها على الكرسي الجانبي وجلست خلف المكتب. فتحت نور الملف أمامها وقالت:

"لدينا مشكلة."

رفعت لينا عينيها إليها.

"واحدة فقط؟ هذا تطور رائع."

لم تضحك نور هذه المرة.

"البنك لم يمدد مهلة السداد. الديون قصيرة الأجل يجب تسويتها خلال ثلاثة أسابيع. وإذا لم نتحرك، سيبدأ الضغط على الأصول."

بقيت لينا صامتة. كانت تعرف ذلك، لكنها كانت تأمل أن يكون لدى نور خبر أقل قسوة. أخذت الورقة من يدها وقرأت الأرقام. كانت الأرقام لا تكذب، لكنها أحيانًا تكون أكثر وحشية من الكذب.

"وماذا عن العرض الجديد؟" سألت لينا.

ترددت نور لحظة.

"وصل عبر مكتب وسيط. المستثمر يريد شراء جزء من الديون ثم الدخول كشريك مؤثر."

شدّت لينا أصابعها حول القلم.

"اسم المستثمر؟"

"لم يذكروا الاسم في النسخة الأولى. فقط شركة استثمارية مسجلة حديثًا، لكنها مدعومة من مجموعة كبيرة."

رفعت لينا حاجبها.

"مستثمر بلا اسم يريد الدخول إلى شركتي؟"

"شركتكِ المهددة"، صححت نور بخفة حذرة.

نظرت إليها لينا نظرة جعلتها ترفع يدها مستسلمة.

"حسنًا، شركتكِ العظيمة التي تمرّ بأزمة صغيرة جدًا قد تبتلعنا جميعًا."

تنهدت لينا وألقت القلم على المكتب.

"لا أقبل عروضًا عمياء. من يريد الجلوس على طاولتي، يضع اسمه أولًا."

"أعرف أنكِ سترفضين، لكن عمكِ فاروق يرى أن نسمع منهم على الأقل."

عند ذكر اسم فاروق، تغيّر وجه لينا قليلًا. لم تكن تكره عمها، لكنها لم تكن تثق به تمامًا. فاروق الراشد كان دائمًا موجودًا في الشركة، حتى قبل وفاة والدها. رجل يعرف كل الأبواب الخلفية، كل الأسرار الصغيرة، كل التحالفات الهادئة. كان يبتسم كثيرًا، لكنه لا يعطي أحدًا شعورًا بالاطمئنان.

"فاروق يرى أشياء كثيرة حين تكون في مصلحته"، قالت لينا.

قبل أن ترد نور، رنّ هاتف المكتب. ضغطت لينا على زر السماعة.

"نعم؟"

جاء صوت السكرتيرة مرتبكًا قليلًا:

"أستاذة لينا، السيد فاروق وصل، ومعه الأستاذ سامر من القسم القانوني. يريدان الدخول قبل اجتماع المجلس."

أغلقت لينا عينيها لحظة.

"أدخليهما."

نظرت نور إليها بصمت. لم تكن بحاجة إلى قول شيء. كانت تعرف أن الصباح بدأ يتحول من صعب إلى أسوأ.

دخل فاروق الراشد أولًا، ببدلته الرمادية الفاخرة، وشعره الفضي المرتب بعناية. كان في أواخر الخمسينيات، لكن حركته كانت نشيطة، ونظرته حادة. خلفه دخل سامر، المستشار القانوني للشركة، يحمل ملفًا أزرق.

"صباح الخير يا ابنة أخي"، قال فاروق بابتسامة واسعة.

وقفت لينا احترامًا، لا ودًا.

"صباح الخير، عمي."

جلس دون أن ينتظر إذنًا، كأنه ما زال يرى المكتب مكتب أخيه، لا مكتبها. لاحظت ذلك، كما لاحظته كل مرة، لكنها لم تعلق.

قال فاروق وهو يشير إلى الملف:

"وصلني أنكِ مترددة بشأن عرض الاستثمار الجديد."

"لست مترددة. أنا رافضة حتى أعرف من يقف خلفه."

ابتسم فاروق ابتسامة صغيرة.

"في عالم الأعمال، لا نرفض المال لأنه جاء في ظرف مغلق."

ردت لينا بثبات:

"وفي عالم الأعمال أيضًا، لا نفتح الباب لشخص يخفي وجهه."

تدخل سامر بحذر:

"الحقيقة أن العرض قوي من الناحية المالية. قد يمنح الشركة وقتًا كافيًا لتجاوز أزمة السيولة."

نظرت لينا إليه.

"وقوي من الناحية القانونية؟"

تردد سامر.

"هناك بنود تحتاج إلى مراجعة."

ضحكت لينا ضحكة قصيرة بلا فرح.

"حين يقول محامٍ إن البنود تحتاج إلى مراجعة، فهذا يعني أنها فخ."

ضيق فاروق عينيه قليلًا.

"لينا، العناد لا ينقذ الشركات."

"ولا التسرع."

ساد الصمت في المكتب. كانت نور تقف قرب الباب، تشاهد المواجهة كمن يعرف أن الكلمات الظاهرة ليست المعركة الحقيقية.

انحنى فاروق قليلًا إلى الأمام وقال بصوت أكثر هدوءًا:

"أخوكِ الصغير؟ أختكِ سلمى؟ الموظفون؟ هل فكرتِ بهم؟ الشركة ليست مسرحًا لإثبات قوتك."

تجمّدت ملامح لينا. كان يعرف أين يضغط. سلمى كانت نقطة ضعفها، والموظفون أيضًا. لكنها لم تسمح لصوتها أن يرتجف.

"لهذا السبب تحديدًا لن أبيع جزءًا من الشركة لرجل لا أعرفه."

قال فاروق:

"ستعرفينه اليوم. ممثله سيحضر الاجتماع."

رفعت لينا رأسها بسرعة.

"أي اجتماع؟"

نظر فاروق إلى سامر، ثم عاد إليها.

"اجتماع الحادية عشرة. طلبوا أن يكون أول لقاء مباشرًا."

شعرت لينا أن شيئًا باردًا مرّ في صدرها.

"ومن وافق؟"

"أنا وافقت مبدئيًا. لمصلحتنا."

وقفت لينا ببطء. لم ترفع صوتها، وهذا جعل غضبها أخطر.

"هذه شركتي، عمي. أي لقاء رسمي مع مستثمر محتمل يجب أن يمر من خلالي."

ابتسم فاروق، لكن عينيه لم تبتسما.

"شركتكِ؟"

كانت الكلمة صغيرة، لكنها سقطت مثل حجر.

حدقت فيه لينا، وفهمت ما لم يقله. نعم، هي ورثت الشركة، لكنها لم ترث ولاء الجميع. هناك من كان يراها فتاة جاءت إلى الكرسي لأنها ابنة جاسم الراشد، لا لأنها تستحقه. وهناك من كان ينتظر سقوطها ليثبت ذلك.

مالت قليلًا فوق المكتب وقالت بهدوء قاطع:

"نعم، شركتي. وشركة والدي من قبلي. وإن كان لدى أحد مشكلة مع ذلك، فليقلها في اجتماع المجلس لا خلف الأبواب."

نهض فاروق ببطء. ظل ينظر إليها لحظة طويلة، ثم عدّل زر سترته.

"أتمنى أن تكوني بقوة كلماتك حين يبدأ الدائنون في الطرق على الباب."

ثم خرج، وتبعه سامر بعد أن تمتم باعتذار غير واضح.

بقيت نور في مكانها. أغلقت الباب بهدوء، ثم التفتت إلى لينا.

"كان هذا قاسيًا."

جلست لينا ببطء، وكأن قدميها لم تعودا تحملانها.

"أي جزء؟"

"الجزء الذي كاد يقول فيه إنكِ لا تستحقين الشركة."

ابتسمت لينا بمرارة.

"لم يكن يحتاج إلى قوله. سمعته جيدًا."

اقتربت نور منها ووضعت كوب القهوة أمامها.

"اسمعيني. اليوم سيكون صعبًا. لا تدخلي الاجتماع وأنتِ غاضبة. الغضب يجعلكِ تخطئين، وهم ينتظرون خطأك."

أومأت لينا، لكنها لم ترد. كانت تنظر إلى ساعة والدها المعلقة على الجدار. عقاربها تتحرك بصوت خافت. فجأة تذكرت يوم وقفت في هذا المكتب مع والدها قبل سنوات طويلة، وكانت لا تزال طالبة في الجامعة. كان زياد معها ذلك اليوم. جاء ليأخذها بعد انتهاء دوامها الصيفي في الشركة.

كان يرتدي قميصًا أزرق بسيطًا، وشعره الأسود غير مرتب كالعادة. صافح والدها بثقة زائدة قليلًا، فقال له جاسم الراشد مبتسمًا:

"هل أنت من سيخطف ابنتي كل يوم من الشركة؟"

رد زياد بلا تردد:

"إذا سمحت لي، سأخطفها من العالم كله."

احمرّ وجهها يومها، وضحك والدها بصوت عالٍ. أما زياد، فنظر إليها بتلك النظرة التي كانت تجعلها تشعر أن لا شيء في العالم يستطيع أن يؤذيها.

يا لسذاجتها.

العالم آذاها.

وزياد رحل.

ووالدها مات.

ولم يبق من تلك الضحكة إلا مكتب بارد، وشركة مهددة، وعمّ يشبه الظل.

"لينا؟"

انتبهت إلى صوت نور. رمشت بسرعة.

"نعم؟"

"أين ذهبتِ؟"

رفعت لينا كوب القهوة إلى شفتيها، لكنها لم تشرب.

"إلى مكان لا يجب أن أعود إليه."

فهمت نور. لم تضغط عليها. كانت تعرف أن اسم زياد لا يُقال بسهولة في هذا المكتب، ولا في حياة لينا كلها.

في العاشرة تمامًا بدأ اجتماع مجلس الإدارة. دخلت لينا القاعة بخطوات ثابتة، وجلست على رأس الطاولة الطويلة. حولها جلس الأعضاء، بعضهم ينظر إليها باحترام، وبعضهم بحذر، وبعضهم بتلك النظرة التي تعرفها جيدًا: انتظار الفشل.

عرضت الأرقام، تحدثت عن خطط إعادة الهيكلة، خفض المصاريف، مراجعة العقود، فتح خطوط تمويل جديدة. كان صوتها واضحًا، وملامحها هادئة، وكل كلمة محسوبة. لم تسمح لأحد أن يرى ارتجاف الداخل.

لكن فاروق لم يتركها تنهي العرض بهدوء.

قال وهو يقلب الأوراق أمامه:

"كل هذه الخطط جيدة على الورق. لكننا نحتاج إلى سيولة فورية. والعرض الموجود أمامنا قد يكون الخيار الواقعي الوحيد."

سأل أحد الأعضاء:

"هل نعرف هوية المستثمر؟"

تدخل فاروق بسرعة:

"سنعرف اليوم."

قالت لينا:

"قبل أن نعرف، لن نقرر."

رد فاروق:

"أحيانًا القرار يجب أن يسبق الراحة النفسية."

نظرت إليه لينا مباشرة.

"وأحيانًا الراحة النفسية تكون إنذارًا مبكرًا من كارثة."

ارتفعت همهمة خفيفة في القاعة. كان الصراع بينهما واضحًا للجميع الآن. لم تعد خلافات عائلية مخفية خلف المجاملات. كانت معركة سلطة.

وقبل أن يرد فاروق، فُتح باب القاعة بهدوء. دخلت السكرتيرة، واقتربت من لينا وهمست في أذنها:

"وصل ممثل المستثمر."

ضاق صدر لينا. نظرت إلى الساعة. الحادية عشرة إلا خمس دقائق. مبكر قليلًا. من يأتي إلى اجتماع مصيري قبل موعده بخمس دقائق غالبًا لا يفعل ذلك احترامًا للوقت فقط، بل لإرباك الطرف الآخر.

قالت لينا بصوت منخفض:

"دعيه ينتظر."

ترددت السكرتيرة.

"هو يقول إن لديه موعدًا مؤكدًا… وإنه لا يحب الانتظار."

ارتفع حاجب لينا ببطء.

"ومن هو؟"

قدمت السكرتيرة بطاقة صغيرة كانت في يدها.

أخذتها لينا دون اهتمام في البداية. بطاقة سوداء أنيقة، عليها حروف فضية بسيطة. لكن ما إن قرأت الاسم حتى شعرت بشيء غريب في صدرها. ليس خوفًا. ليس ألمًا. شيء أقرب إلى إنذار مجهول.

كريم النجار.

وتحت الاسم:

رئيس مجموعة النجار للاستثمار.

لم تكن تعرف الاسم. لم تسمع به من قبل. ومع ذلك، أحست أن الحبر الأسود على البطاقة يخفي شيئًا لا تراه.

همست نور، التي كانت تقف خلفها:

"هل أنتِ بخير؟"

لم تجب لينا. كانت تنظر إلى البطاقة كأنها تنظر إلى باب مغلق في آخر ممر مظلم.

ثم لاحظت شيئًا صغيرًا.

في زاوية البطاقة، أسفل الشعار، كان هناك توقيع مختصر بالحروف الأولى.

ز. ك.

تجمدت أصابعها.

ز. ك.

زياد كمال.

لا، مستحيل.

كان الأمر مجرد تشابه. حرفان لا يعنيان شيئًا. العالم مليء بأسماء تبدأ بالزاي والكاف. لكن قلبها لم يكن منطقيًا. قلبها عرف كيف يرتجف قبل عقلها.

رفعت رأسها ببطء نحو الباب الزجاجي للقاعة.

ومن خلف الزجاج، رأت ظل رجل واقف في الخارج.

طويل القامة. عريض الكتفين. يرتدي بدلة سوداء. يقف بثبات غريب، كأنه لا يدخل مكانًا لأول مرة، بل يعود إلى مكان يعرفه جيدًا.

لم ترَ وجهه كاملًا بعد.

لكنها رأت يده.

كانت يده اليسرى تستند إلى حافة الباب.

وعلى ظاهرها، قرب الإبهام، لمعت ندبة قديمة.

ندبة كانت لينا تعرفها أكثر مما تعرف خطوط يدها.

لأنها هي من ضمدتها لزياد قبل سبع سنوات.

Continue to read this book for free
Scan code to download App
Comments (1)
goodnovel comment avatar
بين الذنب والانتقام يولد الحب
احداث مشوقة الرواية جدا مشوقة
VIEW ALL COMMENTS

Latest chapter

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 175: اللمسة التي لا تطلب

    قرأ زياد رد لينا في الليلة نفسها التي عادا فيها من الأماكن القديمة.لم يخطط لذلك.كان قد قال لنفسه إنه سينتظر.سينام أولًا.سيقرأها حين يكون أكثر توازنًا.ثم ضحك بصمت على نفسه.كأن التوازن شيء يملكه الإنسان ثم يقرر متى يستخدمه.جلس على حافة السرير.الظرف الأبيض بين يديه.قرأ العبارة المكتوبة عليه مرة أخرى:إلى زياد… عندما لا يكون الجواب مطلبًالم تكن جملة.كانت شرطًا.فتح الظرف بحذر.لا لأن الورق هش.بل لأن ما بينهما أصبح هشًا.بدأ يقرأ.توقف عند كل جملة تقريبًا.ليس لأنها طويلة.بل لأنها لا تترك له مخرجًا.لن أستخدم رسالتك كي أسامحكتوقفت أنفاسه عندها.كان ينبغي أن تؤلمه.وفعلت.لكنها أراحته أيضًا.لأن الغفران السريع كان سيجعله أكثر وحشية من العقاب.تابع.أنا لم أتوقف عن حبك. لكنني توقفت عن ترك الحب يقودني وحدهوضع الورقة على ركبتيه.انحنى إلى الأمام.غطى وجهه بيديه.لم يبكِ كما يبكي الناس في المشاهد الواضحة.بل خرج منه نفس طويل مكسور.كأن جسده كان يحتفظ بسبع سنوات من سؤال واحد:هل بقي شيء؟والجواب جاء.نعم.لكن ليس لك وحدك.ليس كما تريد.ليس كما كان.رفع رأسه.قرأ حتى النهاية.وعندم

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 174: الأماكن القديمة

    قرأ زياد رسالة لينا بعد منتصف الليل.لم يقرأها في غرفة المعيشة.ولا في مكتبه.ولا قرب النافذة التي اعتاد أن يقف عندها كلما ضاق عليه اسمه.قرأها على الأرض.بجانب السرير.وظهره إلى الحائط.كأن جسده اختار مكانًا لا يسمح له بالوقوف سريعًا إن آلمته الحقيقة.فتح الظرف الأبيض ببطء.قرأ السطر الأول.ثم توقف.وصلت رسالتك متأخرة، نعم. لكنها وصلت قبل أن أدفن كل ما كنتَهأغمض عينيه.لم تكن جملة غفران.وكان ممتنًا لذلك بطريقة موجعة.لو غفرت له بسهولة، لانهار شيء عادل في العالم.قرأ الرسالة كاملة.مرة.ثم مرة ثانية.وعند الجملة التي كتبتها:أنا لم أتوقف عن حبك. لكنني توقفت عن ترك الحب يقودني وحدهوضع الورقة على صدره.لا ليجعلها رمزية.رغم أنه تذكر تحذيرها.بل لأنه، للحظة، لم يعرف أين يضع يديه.الحب الذي لم يتوقف لم يكن بابًا مفتوحًا.كان مسؤولية.وكان عليه أن يتعلم أن يتعامل مع الحب كحقيقة لا كحق.بعد ساعة، أخذ هاتفه.كتب لها:قرأتهاتوقف.كاد يضيف: ولن أشرحها الآن.ثم حذف.هي طلبت أن يخبرها فقط.فقط.أرسل الكلمة.قرأتها.بقي ينظر إلى الشاشة.لم يأتِ رد فورًا.بعد عشر دقائق، وصلته رسالة منها:حسنًا

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 173: قهوة بلا حرب

    وصلت لينا قبل الخامسة بعشرين دقيقة.لم تكن هذه عادتها.في الماضي، كانت تصل في الوقت تمامًا، وتخبر زياد أن احترام المواعيد ليس فضيلة رومانسية بل ضرورة حضارية.وكان هو يتعمد الوصول قبلها، لا لأنه أكثر التزامًا، بل لأنه كان يحب أن يراها تدخل.كان يقول لها:"أنتِ تدخلين المكان كأنكِ تراجعين هندسته."وكانت ترد:"لأن معظم الأماكن سيئة التخطيط."ثم يضحك.تذكرت ذلك وهي تقف أمام واجهة المقهى القديم.لم يتغير كثيرًا.اللافتة تبدلت.الدهان صار أهدأ.الطاولات الخارجية أُضيفت إليها نباتات صغيرة.لكن النافذة بقيت هناك.والطاولة القريبة منها بقيت في المكان نفسه تقريبًا.كأن الزمن، بكل وقاحته، لم يجرؤ على تحريكها.وقفت لينا لحظة قبل الدخول.كانت تحمل حقيبتها بيد واحدة.داخل الحقيبة، ظرف أبيض بسيط.إلى زياد… عندما لا يكون الجواب مطلبًالم تعرف إن كانت ستعطيه له اليوم.ولم تجبر نفسها على قرار.هذا أيضًا كان جديدًا.أن تذهب إلى لقاء ولا تحمل خطة كاملة.دخلت.رن الجرس الصغير فوق الباب.رفع العامل الشاب رأسه.لم يعرفها.وهذا أراحها.كانت تحتاج إلى مكان لا يهمه أنها لينا الراشد.ولا حياة.ولا وريثة قضية.و

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 172: رد لينا

    لم تبدأ لينا بالكتابة فورًا.بقي القلم بين أصابعها وقتًا طويلًا، كأنه لا يثق بورقة لم تمر عبر محكمة.كانت الورقة بيضاء.بيضاء أكثر مما ينبغي.لا ختم عليها.لا رقم ملف.لا توقيع شاهد.لا عبارة: يثبت في المحضر.ورقة فقط.وهذا أخافها أكثر من الأدلة.لأن الأدلة تقول ما حدث.أما الرسائل، فتسأل عمّا بقي.وضعت رسالة زياد القديمة إلى يسارها.كانت مطوية الآن بعناية.كأنها شيء حي يحتاج أن يُغطى بعد أن نُهك من الكلام.في الخارج، كان مكتب سامي لا يزال مضاءً.سمعت صوته مرة يتحدث مع آدم عن خزنة جاسم.وسمعت خطوات سلمى في الممر.وسمعت المدينة خلف الزجاج تتحرك ببطء، كأنها لم تعرف أن رسالة وصلت متأخرة سبع سنوات.نظرت إلى أول سطر كتبته:زياد،ثم إلى السطر الثاني:وصلت رسالتك متأخرة، نعم. لكنها وصلت قبل أن أدفن كل ما كنتَهقرأت الجملة مرة.ثم مرة ثانية.ثم لم تشطبها.لم تكن كاملة.لكنها صادقة.وهذا يكفي كبداية.كتبت:لا أعرف كيف يُفترض أن يرد الإنسان على رسالة خرجت من قبر كاذب، ومن صندوق دين، ومن يد رجلين أحباني بطريقتين لا تشبهان الرحمة.توقفت.جاسم دخل الجملة دون أن تستدعيه.كما كان يدخل كل شيء.حياتها

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 171: رسالة زياد القديمة

    لم تأخذ لينا الرسالة إلى البيت فورًا.بقيت في مكتبها الجديد القديم حتى انطفأت معظم أضواء الشركة.كانت الرسالة أمامها على الطاولة.داخل الظرف الشفاف.مختومة.موثقة.باردة مثل دليل.ومشتعلة مثل ذاكرة.على وجه الظرف القديم، بخط زياد الذي كانت تحفظ انحناءه كما يحفظ المرء ملامح يده:إلى لينا… إذا وصلني الوقت متأخرًاكان الخط وحده جريمة أخرى.لأنه لم يكن خط كريم.ولا خط رجل عاد ليحاصرها بالأرقام.ولا خط عدو وقف في قاعة الاجتماعات ليقول: في البداية، نعم، كنت سأدمرك.كان خط زياد.الشاب الذي كان يكتب اسمها على حافة الكتب.الذي كان يترك لها ملاحظات صغيرة لا معنى لها إلا عندهما.الذي كان يخطئ في ترتيب الكلمات حين يغضب، ثم يضحك لأنه يعرف أنها ستصحح له.الذي مات.ثم عاد.ثم لم يعد كما كان.وضعت لينا يدها فوق الظرف الشفاف دون أن تلمسه مباشرة.قالت لنفسها:"هذه رسالة. ليست حكمًا."لكن قلبها لم يفهم الفرق.طرق خفيف على الباب.دخلت سلمى برأسها فقط."هل ما زلتِ هنا؟"قالت لينا:"نعم."دخلت سلمى كاملًا.كانت تحمل كوبين من القهوة.وضعت أحدهما أمام لينا، ثم نظرت إلى الرسالة."لم تفتحيها.""لا.""هل تريدين

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل 170: زياد يعيد ما أخذه

    في صباح اليوم التالي، دخل زياد كمال شركة الراشد من الباب الرئيسي.لم يدخلها باسم كريم النجار.ولم يدخلها كحبيب قديم.ولم يدخلها كرجل عاد من الموت.دخلها حاملًا صندوقًا أسود.الصندوق نفسه الذي أُخرج من أرشيف الديون.وعلى غطائه ما زال الرمز باهتًا:K.N / Debt Recoveryكريم النجار / استرداد الديونكان يحمل الصندوق بكلتا يديه.لا كدليل فقط.بل كوزن.في بهو الشركة، التفت بعض الموظفين إليه.عرفوه.أو عرفوا وجهين منه.الوجه الذي اشترى ديونهم يومًا.والوجه الذي ظهر أمام الكاميرات باسم زياد كمال.لم يقل لأحد صباح الخير.لأن الجملة كانت ستكون سهلة أكثر مما يستحق.صعد إلى قاعة المجلس.هناك، كانت لينا تنتظره.لا وحدها.سامي.ميساء الخطيب.نبيه العطار.فريق التدقيق القضائي.ممثل الحارس القضائي.سلمى في الخلف، معها دفترها.ريم عند طرف الطاولة، لا بصفتها عضوًا كاملًا، بل شاهدة على تفكيك ظل فاروق.وهالة كانت على اتصال صوتي فقط.طلب زياد ذلك.قال لها:"لا أريدك أن تري كريم على الطاولة."فقالت:"سأسمع زياد وهو يرفعه عنها."أما نور، فحضرت من المستشفى عبر شاشة صغيرة.قالت إنها لا تثق باجتماع يحمل صندوقًا

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل الرابع: كريم النجار

    لم تنم لينا تلك الليلة. لم يكن الأرق جديدًا عليها، لكنها هذه المرة لم تكن مستيقظة بسبب الحزن وحده. كان هناك شيء آخر يجلس معها في الغرفة، شيء لا تراه، لكنه يملأ الهواء حولها. وضعت بطاقة العمل السوداء على الطاولة أمامها، وجلست تحدق بها كأنها تتوقع أن تتحرك وحدها، أو أن تعترف بما تخفيه. كريم النجار

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل الثالث: الغريب في القاعة

    الفصل الثالث: الغريب في القاعةلم تكن لينا تؤمن أن الذكريات تستطيع أن تلاحق الإنسان إلى الأماكن المزدحمة.كانت تظن أن الازدحام يحميها، أن الضجيج يطرد الأصوات القديمة، وأن الوجوه الكثيرة تمنع وجهًا واحدًا من الظهور في عقلها. لكنها في ذلك الصباح، وهي تدخل قاعة المؤتمر الكبرى، شعرت أن كل شيء حولها كان

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل الثاني: ذكرى لا تموت

    قبل ساعات من أن ترى لينا تلك الندبة على يد الرجل الواقف خلف زجاج قاعة الاجتماع، كانت واقفة أمام قبر زياد.لم تكن زيارة القبور عادة تحبها. لم تكن من أولئك الذين يجدون في الصمت راحة، أو في الرخام البارد جوابًا. لكنها منذ سبع سنوات، صارت تزور هذا المكان في اليوم نفسه، في الساعة نفسها تقريبًا، وكأنها ت

  • عندما عاد حبيبي كعدوي   الفصل السابع: لا أعرفكِ

    لم تكن الجملة التي قالها كريم قبل خروجه من قاعة الاجتماع مجرد تعليق عابر."احتفظي بما يخص الموتى بعيدًا عن طاولة التفاوض، آنسة الراشد."بقيت ترن في رأس لينا طوال النهار، كأنها لم تُقال بصوت رجل غريب، بل بصوت باب قديم فُتح فجأة على غرفة حاولت إغلاقها سبع سنوات.كيف عرف؟كيف استطاع أن يعرف الخاتم من

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status