Home / الرومانسية / غرام راشد / الفصل الثاني عشر: ظل من الماضي

Share

الفصل الثاني عشر: ظل من الماضي

last update Petsa ng paglalathala: 2026-09-06 20:30:42

لم يستطع راشد أن ينسى كلمات عايض التي زرعت في قلبه بذرة شك وأمل معاً، وقضى الأيام التالية للزيارة العائلية غارقاً في تفكير عميق، يعيد ترتيب كل ما يعرفه عن تلك الليلة المشؤومة قبل عامين، محاولاً أن يجد خيطاً منسياً أو تفصيلة أُهملت وسط فوضى الحزن والصدمة التي سيطرت على الجميع آنذاك. استدعى فارس إلى مجلسه الخاص في مساء أحد الأيام، وأغلق الباب خلفه بحرص شديد قبل أن يبدأ الحديث.

قال راشد بصوت خافت متوتر: "يا فارس، أخبرني بصراحة تامة، هل تتذكر أي شيء غريب من تلك الليلة، أي شيء لم ننتبه له آنذاك بسبب هول الصدمة؟" فكّر فارس طويلاً، وتجهّم وجهه وهو يستعيد تلك الذكريات المؤلمة. قال أخيراً بحذر: "في الحقيقة، أتذكر الآن أمراً غريباً لم أعطه اهتماماً كافياً وقتها. رأيت رجلاً من رجالنا نحن، لا من آل ناصر، يقف في مكان غير معتاد له، على تلة صغيرة تطل على ساحة النساء، بينما كان يفترض به أن يكون بين صفوف الرجال المطلقين للنار احتفالاً."

اتسعت عينا راشد بدهشة حقيقية: "من كان هذا الرجل؟ هل تتذكر ملامحه؟" حاول فارس أن يستحضر الصورة بوضوح أكبر، وقال بتردد: "لم أرَ وجهه بوضوح كافٍ، المسافة كانت بعيدة والزحام كثيفاً، لكنني أتذكر أنه كان يرتدي عباءة داكنة مختلفة عن عباءات معظم رجالنا في ذلك اليوم، وأنه اختفى بسرعة بعد سماع الصراخ، قبل أن يصل أحد إلى مكانه للتحقق." شعر راشد بقشعريرة تسري في جسده كله، وقال بصوت متهدج: "لماذا لم تخبرني بهذا من قبل يا فارس؟" أجاب صديقه بأسى صادق: "نسيت الأمر تماماً وسط هول تلك الليلة يا راشد، لم يخطر ببالي أبداً أن يكون له علاقة بما حدث، كنا جميعاً نبحث عن القاتل بين صفوف آل ناصر فقط، لم يفكر أحد منا في احتمال أن يكون الفاعل من صفوفنا نحن."

جلس راشد صامتاً طويلاً، يعيد التفكير في كل الرجال الذين كانوا حاضرين في ذلك العرس من قبيلته، محاولاً أن يتذكر من كان يرتدي عباءة داكنة مختلفة، ومن كان له سبب محتمل لإرادة إيذاء نورة أو زرع الفتنة بين القبيلتين. سأل فارس فجأة: "هل تظن أن أحداً من بني حارث كان يريد إشعال حرب مع آل ناصر لسبب ما؟ من كان سيستفيد من هذا؟" فكّر فارس بجدية، ثم قال بحذر شديد: "هناك اسم واحد يخطر ببالي، وإن كنت أكره أن أفكر في هذا الاحتمال أصلاً: مقبل بن سالم، ابن عمك الذي كان دائماً يطمح لمكانتك، ويشعر بالغيرة من أنك أنت من ورث مشيخة القبيلة عن والدك رغم أنه الأكبر سناً بينكما."

تجمّد راشد في مكانه للحظة، ثم هزّ رأسه ببطء وكأنه يستعيد ذكريات قديمة كانت مدفونة في أعماقه. قال بصوت خافت: "مقبل كان دائماً يشعر بالمرارة تجاهي، لكنني لم أتخيل يوماً أنه قد يذهب إلى هذا الحد، أن يؤذي امرأة بريئة فقط ليخلق أزمة تُضعف موقفي كشيخ للقبيلة." قال فارس بحذر أكبر: "لا نملك دليلاً قاطعاً بعد يا راشد، مجرد شكوك وذكريات غامضة قد تكون خاطئة تماماً. يجب أن نتحرك بحذر شديد قبل أن نتهم أحداً، خاصة إن كان من العائلة، فهذا قد يشعل فتنة داخلية لا تقل خطورة عن الفتنة بين القبيلتين."

في الأيام التالية، بدأ راشد وفارس تحقيقاً سرياً حذراً، يسألان بعض الرجال الموثوقين الذين كانوا حاضرين في ذلك العرس عن ذكرياتهم من تلك الليلة، دون أن يكشفا هدفهما الحقيقي أو الاسم الذي يشتبهان به. تحدثا مع رجل عجوز كان يقف قريباً من صفوف الرماة في تلك الليلة، فتذكر هو أيضاً رجلاً غريب التصرف يقف بمعزل عن البقية، لكنه لم يستطع تأكيد هويته بيقين تام. أخذت القطع المتناثرة تتجمع ببطء شديد، دون أن تشكل بعد صورة كاملة واضحة تكفي لاتهام أحد بيقين.

في تلك الأثناء، لاحظت سلمى أن راشد أصبح أكثر شروداً وقلقاً في الأيام الأخيرة، فسألته ذات مساء تحت شجرة النخيل بقلق واضح: "ما بك يا راشد؟ تبدو مشغول البال كثيراً منذ زيارة أهلي، هل قلت لك أمي شيئاً أزعجك؟" تردد راشد قليلاً قبل أن يقرر أن يشاركها ما يدور في ذهنه، فقد بدأ يثق بحكمتها وصدق مشاعرها تجاهه. قال بصوت خافت: "والدك أخبرني بشيء يتعلق بموت نورة، احتمال أن يكون القاتل الحقيقي ليس من آل ناصر كما ظننّا جميعاً طوال عامين كاملين."

شعرت سلمى بصدمة حقيقية عند سماع هذا، وقالت بقلق: "وهل توصلت لشيء؟ من تشك فيه؟" حكى لها راشد بحذر ما دار بينه وبين فارس، واسم مقبل الذي بدأ يطارد أفكاره ليلاً ونهاراً. استمعت سلمى بانتباه كامل، ثم قالت بحكمة تفوق سنها: "يجب أن تتصرف بحذر شديد يا راشد، فإن كان الأمر صحيحاً، فهذا سيُحدث زلزالاً حقيقياً في قبيلتك كلها، وإن كان خاطئاً، فقد تُدمّر علاقتك بابن عمك دون داعٍ حقيقي. ربما تحتاج دليلاً أقوى قبل أن تتخذ أي خطوة." أومأ راشد موافقاً بحكمة كلامها، وقال: "هذا بالضبط ما كنت أفكر فيه، لكنني لا أستطيع أن أتجاهل هذا الاحتمال بعد أن عرفته، فنورة تستحق أن تُعرف الحقيقة كاملة، مهما كلّف ذلك."

وضعت سلمى يدها بلطف على يده، في لفتة عفوية لم تفكر فيها كثيراً، وقالت بصدق: "سأساندك في هذا مهما حدث يا راشد، ومهما كانت الحقيقة التي ستكتشفها. لست وحدك في هذا العبء بعد الآن." شعر راشد بدفء حقيقي يسري في قلبه من هذا الدعم غير المشروط، ونظر إليها بامتنان عميق: "لا أعرف كيف كان يمكن أن أتحمل كل هذا لو لم تكوني موجودة بجانبي يا سلمى، أصبحتِ فعلاً سنداً حقيقياً لي في هذه الأيام الصعبة."

سألته سلمى بفضول حذر بعد صمت قصير: "وماذا عن مقبل نفسه؟ كيف هو كرجل، وكيف علاقتك به عادة؟ ربما تفاصيل صغيرة عن طبيعته وطباعه تساعدنا على فهم الصورة أكثر." فكّر راشد قليلاً قبل أن يجيب: "مقبل رجل عصبي المزاج منذ صغره، سريع الغضب، وكان دائماً يشعر أن العالم يظلمه بطريقة أو بأخرى، رغم أنه لم ينقصه شيء حقيقي في حياته. حين توفي والدي وآلت المشيخة إلي، رغم أنني كنت أصغر منه بسنوات، شعر بإهانة عميقة لم يستطع تجاوزها أبداً، وإن كان قد أخفى مرارته خلف ابتسامات مجاملة طوال هذه السنوات." قالت سلمى بتأمل: "الغضب المكتوم لسنوات طويلة قد يتحول إلى شيء خطير جداً حين يجد الفرصة المناسبة، هذا ما تعلمته من ملاحظة الناس في قبيلتي أيضاً."

في تلك الأثناء، لاحظت هيفاء أيضاً أن راشد أصبح يقضي وقتاً أطول مع فارس في اجتماعات مغلقة غير معتادة، فسألت سلمى بفضول بريء وهما تعملان معاً في الحديقة ذات صباح: "هل هناك شيء يشغل بال راشد مؤخراً؟ يبدو مختلفاً منذ أيام." ترددت سلمى قليلاً، غير متأكدة إن كان من المناسب مشاركة السر مع هيفاء في هذه المرحلة المبكرة من التحقيق، فقالت بحذر: "بعض أمور القبيلة تشغله، لا شيء يستدعي القلق الآن، لكنه سيخبر الجميع في الوقت المناسب حين تتضح الأمور بشكل كامل." تفهمت هيفاء ذلك، واحترمت حذر سلمى دون إلحاح إضافي، فقد أصبحت تثق بها ثقة كاملة منذ حادثة الحديقة الأولى بينهما.

في اليوم التالي، ذهب راشد بنفسه لزيارة الرجل العجوز الذي كان يقف قريباً من صفوف الرماة تلك الليلة، وجلس معه طويلاً يستعيد معه تفاصيل تلك الليلة المشؤومة قطعة قطعة، محاولاً أن ينتزع من ذاكرته المتعبة أي تفصيلة أخرى منسية. تذكر العجوز أخيراً، بعد جهد كبير من التركيز، أنه رأى ذلك الرجل الغريب يحمل بندقية تختلف قليلاً في شكلها عن بنادق معظم رجال القبيلة المعتادة، بندقية ذات مقبض مزخرف بنقوش فضية دقيقة. شعر راشد بقشعريرة تسري في جسده، فقد كان يعرف تلك البندقية جيداً: كانت هدية قديمة أهداها والده لمقبل في مناسبة عائلية قبل سنوات طويلة، بندقية فريدة لا يمتلك مثلها أحد آخر في القبيلة كلها.

عاد راشد إلى بيته مثقلاً بهذا الدليل الجديد الذي كاد يحسم الأمر تماماً في ذهنه، لكنه ظل مصراً على عدم التسرع في اتخاذ أي إجراء نهائي قبل أن يتحدث مع مقبل نفسه مباشرة وجهاً لوجه، فالعدالة الحقيقية تتطلب مواجهة صريحة، لا اتهاماً مبنياً على ذكريات غامضة ودلائل ظرفية فقط، مهما بدت قوية ومقنعة. جلس تلك الليلة مع سلمى، وشاركها هذا الاكتشاف الجديد، فقالت بحزم هادئ: "أعتقد أن الوقت حان لمواجهته يا راشد، لكن بحكمة وهدوء، امنحه فرصة ليعترف بنفسه أولاً، فربما يخفف هذا من ثقل الأمر على الجميع."

أضافت سلمى بتفكير عميق: "وفكّر أيضاً كيف ستتعامل مع الأمر إن اعترف فعلاً. هل ستُخبر القبيلتين كلتيهما بالحقيقة كاملة، أم تفضل حلاً أكثر هدوءاً بعيداً عن الأضواء العامة؟ فكلا الخيارين له عواقبه الخاصة." فكّر راشد طويلاً في هذا السؤال المهم، وقال بصدق: "لا أعرف بعد يا سلمى، لكنني أعتقد أن آل ناصر يستحقون أن تُبرَّأ ساحتهم علناً أمام الجميع، بعد عامين كاملين من حمل تهمة ظالمة لم يرتكبوها. لكن كيفية إعلان ذلك، وما سيحدث لمقبل بعدها، أمور تحتاج تفكيراً أعمق وحكمة أكبر مما أملكه الآن." أومأت سلمى موافقة، وقالت: "خذ وقتك في التفكير يا راشد، فالعدالة لا تحتاج تسرعاً، بل حكمة وصبراً يوازيان خطورة الأمر نفسه." شعر راشد بامتنان عميق لوجود امرأة بحكمة سلمى بجانبه في مثل هذا الموقف الحساس والمعقد.

قبل أن تنام تلك الليلة، أخذت سلمى تفكر في نورة نفسها، المرأة التي لم تلتقِ بها يوماً لكنها أصبحت حاضرة في كل زاوية من حياتها الجديدة. تساءلت في سرها كيف ستشعر نورة، لو كانت حية، وهي ترى أن قاتلها الحقيقي كان من عائلتها هي نفسها، لا من عائلة سلمى كما ظن الجميع. شعرت بحزن عميق تجاه هذه المرأة الغريبة عنها، وقررت في تلك اللحظة أنها ستطلب من راشد لاحقاً أن يزورا قبرها معاً، لتضع باقة من زهور حديقتها احتراماً لذكراها ووفاءً لحق امرأة عاشت حياة قصيرة مليئة بالحب قبل أن تنتهي بمأساة ظالمة.

قرر الاثنان أن يواصلا التحقيق بهدوء وصبر، دون تسرع قد يؤدي إلى نتائج كارثية غير محسوبة، بينما ظل شبح مقبل بن سالم يخيّم على أفكار راشد في كل لحظة صمت، سؤالاً معلقاً بلا إجابة كاملة بعد: هل كان ابن عمه فعلاً هو من أطلق تلك الرصاصة اللعينة التي غيّرت مجرى حياته بأكملها؟ أم أن الذاكرة الغامضة لفارس مجرد وهم بشري خدعته الظروف القاسية لتلك الليلة المأساوية؟

❖ ❖ ❖

Patuloy na basahin ang aklat na ito nang libre
I-scan ang code upang i-download ang App

Pinakabagong kabanata

  • غرام راشد   الفصل الخامس والعشرون: ثمرة السنين

    مرت الأشهر بسرعة هادئة بعد مصالحة مقبل الكاملة مع القبيلة، وبدأت ديار بني حارث تشهد فترة استقرار وازدهار لم تعرفها منذ زمن طويل. انتهت أزمة القحط تدريجياً مع عودة الأمطار الموسمية، وترسخ التحالف الجديد مع قبيلة الروضان أكثر فأكثر، حتى أصبحت الزيارات المتبادلة بين القبيلتين أمراً معتاداً يحدث بانتظام، لا مجرد استثناء نادر كما كان في السابق. أثمرت صداقة هيفاء وسلطان أيضاً عن تقدم جميل، إذ تقدم سلطان رسمياً لخطبتها بعد أشهر من التقارب المحتشم، ووافق والداها بفرح على هذا الاتحاد الذي يرمز لسلام حقيقي بين القبيلتين.احتفلت الديار بعرس هيفاء وسلطان في مناسبة كبيرة جمعت أهالي القبيلتين معاً بفرح عارم، واعتبر الجميع هذا الزواج تتويجاً رمزياً لكل الجهود التي بذلت لتحويل العداوة القديمة إلى صداقة حقيقية. وقفت سلمى بجانب هيفاء يوم عرسها، تساعدها في تجهيزاتها الأخيرة كصديقة مقربة حقيقية، وقالت بعاطفة صادقة: "أتذكر حين كنتِ أول من رحّب بي في هذا البيت بصدق يا هيفاء، سعيدة جداً أنني أرد لك بعضاً من ذلك الود اليوم." ضمتها هيفاء بحب: "أنتِ أكثر من صديقة لي يا سلمى، أنتِ أخت اخترتها الحياة لي."في تلك

  • غرام راشد   الفصل الرابع والعشرون: عودة الابن الضال

    مع اقتراب موعد إتمام تركي لعامه الكامل من الخدمة في الديار البعيدة، بدأ راشد يفكر جدياً في كيفية التعامل مع عودته المرتقبة. استدعى فارس ليستشيره في الأمر، وقال بتفكير عميق: "مرّ عام كامل يا فارس، وكل الأخبار التي وصلتنا عن تركي تشير إلى تغير حقيقي في شخصيته. أظن أن الوقت حان لنفي بوعدنا ونمنحه فرصة العودة والتواصل مع والديه المنفيين." وافقه فارس، لكنه أضاف بحذر: "يجب أن نبقى يقظين مع ذلك يا راشد، فالتغيير الحقيقي يحتاج وقتاً ليثبت نفسه بشكل كامل، لا نريد أن نتسرع في منحه ثقة كاملة قبل أن يستحقها فعلياً."أرسل راشد رسالة إلى الديار البعيدة التي كان يعمل فيها تركي، يطلب منه العودة لمقابلته شخصياً قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأن مستقبله. وصل تركي بعد أسابيع قليلة، وقد تغيرت ملامحه بشكل واضح، جسده أكثر نحافة من العمل الشاق، لكن عينيه حملتا نظرة أكثر نضجاً وهدوءاً مما كانتا عليه قبل عام كامل. جلس أمام راشد بتواضع حقيقي، وقال بصوت هادئ: "شكراً لك على هذه الفرصة يا راشد، لم أكن أستحقها، لكنني حاولت أن أستفيد منها بأفضل ما أستطيع."سأله راشد بصدق: "أخبرني بصراحة يا تركي، ماذا تعلمت خلال هذا العا

  • غرام راشد   الفصل الثالث والعشرون: دبلوماسية الصحراء

    بدأ تنفيذ اتفاق تقاسم المياه بين بني حارث والروضان بحذر شديد من الطرفين، وعُيّن من كل قبيلة رجال موثوقون للإشراف على تطبيق بنود الاتفاق بدقة، تجنباً لأي سوء تفاهم قد يهدد هذا السلام الهش الذي بُني بصعوبة بالغة. في الأسابيع الأولى، سارت الأمور بشكل جيد نسبياً، مع بعض الاحتكاكات الطفيفة التي أمكن حلها بالحوار الهادئ بدلاً من التصعيد، مما منح الطرفين ثقة متزايدة تدريجياً في جدوى هذا التعاون الجديد.اقترح راشد على شيخ الروضان أن يقيما اجتماعاً أوسع يضم نساء القبيلتين أيضاً، مدركاً أن بناء علاقات اجتماعية حقيقية بين الأسر قد يعزز السلام بشكل أعمق من مجرد اتفاقيات رسمية بين الرجال فقط. تردد الشيخ ناصر في البداية، فهذا لم يكن تقليداً معتاداً بين القبيلتين، لكنه وافق أخيراً بعد إلحاح لطيف من راشد الذي أوضح له فوائد هذا التقارب الاجتماعي في ترسيخ السلام على المدى الطويل.جاء يوم اللقاء الكبير، واستضافت ديار بني حارث وفداً من نساء قبيلة الروضان لأول مرة منذ سنوات طويلة من القطيعة. استقبلت سلمى الوفد بحفاوة بالغة، حريصة على أن يشعر ضيوفها بالترحاب الصادق رغم تاريخ التوتر بين القبيلتين. من بين ال

  • غرام راشد   الفصل الثاني والعشرون: سحابة القحط

    مع اقتراب سالم من عامه الأول، بدأت علامات مقلقة تظهر في سماء الديار: أشهر متتالية دون أمطار تُذكر، وآبار بدأت مناسيب مياهها تنخفض تدريجياً بشكل يثير قلق الجميع. جلس راشد مع كبار القبيلة في مجلس طارئ، وقال أحد الرعاة المخضرمين بقلق واضح: "لم نشهد قحطاً بهذه الشدة منذ عشرين عاماً يا شيخ راشد، إن لم تهطل الأمطار قريباً، ستتأثر قطعاننا بشكل خطير، وقد نضطر للترحال بحثاً عن مراعٍ أفضل." شعر راشد بثقل هذه المسؤولية الجديدة، فقد كان القحط تهديداً حقيقياً يمس كل بيت في القبيلة، لا مجرد أزمة عابرة يمكن التعامل معها ببساطة.بدأ راشد يجول بنفسه على أطراف الديار، يتفقد حال الآبار والمراعي المتبقية، ويستمع لمخاوف الرعاة وأصحاب الماشية الذين بدأ القلق يظهر بوضوح على وجوههم. عاد إلى البيت مساءً مثقلاً بالهموم، فلاحظت سلمى ذلك فوراً، وسألته بحنان: "ما الذي يثقل كاهلك يا راشد؟ أرى القلق واضحاً على وجهك منذ أيام." شاركها بصدق مخاوفه بشأن القحط المتفاقم، وقال: "أخشى أن نواجه أزمة حقيقية إن لم تتحسن الأمور قريباً، وأشعر بثقل مسؤولية كل هذه الأرواح التي تعتمد على حكمة قراراتي."فكرت سلمى قليلاً، ثم قالت با

  • غرام راشد   الفصل الحادي والعشرون: أيام الأمومة

    مرت الأسابيع الأولى بعد ولادة سالم بسرعة غريبة، كأن الزمن نفسه تسارع احتفاءً بهذا القادم الجديد إلى الحياة. تكيفت سلمى ببطء مع إيقاع الأمومة الجديد، الليالي القصيرة والنوم المتقطع، لكنها كانت تشعر بسعادة عميقة تفوق أي تعب جسدي، سعادة كانت تتجدد كل صباح حين ترى وجه ابنها الصغير النائم بسلام بين ذراعيها. جلست ذات صباح في الحديقة، تُرضع سالم تحت ظل شجرة النخيل المعتادة، بينما راقبها راشد من بعيد بابتسامة لا تفارق شفتيه، مندهشاً من عمق السعادة التي غمرت حياته منذ قدوم هذا الطفل الصغير.اعتاد راشد أن يخصص وقتاً كل مساء، مهما كانت مشاغل القبيلة كثيرة، ليجلس مع سالم بنفسه، يحمله بحذر شديد ويتحدث إليه بصوت خافت حنون، وكأنه يشارك ابنه الصغير كل أفكاره وهمومه اليومية. قالت له مضاوي ذات مرة وهي تراقب هذا المشهد بعينين مغرورقتين بالدموع: "لم أرك بهذا القدر من السعادة منذ زمن طويل جداً يا بني، هذا الطفل أعاد الحياة إلى قلبك وإلى هذا البيت كله." ابتسم راشد بصدق: "سالم منحني معنى جديداً للحياة يا أمي، معنى لم أعرفه حتى في أسعد أيامي السابقة."في تلك الأثناء، لم ينسَ راشد أمر فهد، الشاب الذي شارك في

  • غرام راشد   الفصل العشرون: النصر والسكينة

    وصل الرسول إلى راشد في منتصف الليل تقريباً، وهو في ديار القبيلة المجاورة، فأيقظه فوراً من نومه القلق أصلاً. حين سمع الخبر، شعر بصدمة هائلة تجمد قلبه للحظات، خوف عميق يفوق أي شعور اختبره من قبل، حتى تذكر كلمات الرسول المطمئنة أن سلمى بخير تماماً. لم ينتظر طويلاً، بل استيقظ رجاله فوراً، واعتذر بإيجاز لمضيفه عن ضرورة المغادرة العاجلة بسبب أمر عائلي طارئ، وانطلق في رحلة عودة محمومة طوال الليل، لا يتوقف إلا لإراحة الخيول لدقائق معدودة قبل أن يواصل الطريق بسرعة قصوى.وصل راشد إلى الديار في ساعات الفجر الأولى، متعباً منهكاً من رحلة السفر السريعة، لكن قلقه على سلمى منحه طاقة تفوق أي تعب جسدي. أسرع نحو غرفتها فور وصوله، ووجدها مستيقظة تنتظره، فقد لم تستطع النوم طوال الليل من هول ما حدث وقلقها عليه هو أيضاً أثناء رحلة عودته المتسرعة. حين رآها، احتضنها بقوة، وشعر بدموع الارتياح تتجمع في عينيه، وقال بصوت متهدج: "الحمد لله أنك بخير يا سلمى، خفت عليك وعلى طفلنا خوفاً لم أعرفه من قبل في حياتي."بكت سلمى في حضنه، تشعر أخيراً بالأمان الكامل بعد ليلة طويلة من الخوف والقلق، وقالت: "كنت خائفة جداً يا راش

Higit pang Kabanata
Galugarin at basahin ang magagandang nobela
Libreng basahin ang magagandang nobela sa GoodNovel app. I-download ang mga librong gusto mo at basahin kahit saan at anumang oras.
Libreng basahin ang mga aklat sa app
I-scan ang code para mabasa sa App
DMCA.com Protection Status