Se connecterالفصل الخامس والعشرونوفي جهة أخرى، كانت إيلا جالسة في زاوية هادئة، يتسلل إليها ضوء خافت يلامس حواف الصفحات ويرسم على وجهها ظلالاً رقيقة.وبين يديها كتاب تقرأه في صمت، وشفتاها تتحركان بهمس لا يُسمع،كأن الكلمات أثمن من أن تُلقى في الهواء.حينها مرّت عيناها على الأسطر واحداً تلو الآخر، حتى بلغت السطور الأخيرة من الكتاب، حيث كُتب:»الحب الحقيقي لا يحتاج إلى اعتراف، فبعض المشاعر تسكن في النظرات، وتقول ما تعجز الشفاه عن قوله. ومهما باعدت بين الحبيبين المسافات، ومهما فرّقتهما الأيام والظروف، سيجد القدر طريقه ليجمعهما من جديد… لأن ما كُتب لهما، لن تهزمه المسافات.«وحين وصلت إلى النهاية، أغلقت الكتاب ببطء، وبقيت عيناها معلقتين بالصفحة الأخيرة، وكأنها لم تكن تقرأ قصة شخصين من رواية، بل كانت تقرأ شيئاً يشبه قصتها أكثر مما ينبغي.عندها ساد الصمت من حولها، صمت ثقيل لا يقطعه سوى نبضها.حينها ارتسمت على شفتيها ابتسامة باهتة، وهمست:–»الشيء المشترك بينهما... تلك الأعين التي تشبه السحاب، لا تدري ما تخبّئه خلفها من مشاعر، وكأنها سماءٌ يستحيل قراءة ما وراء غيمها.«ثم استندت بشرود على الطاولة، ورفعت رأسها ل
الفصل الرابع والعشرونفي جهة أخرى، كانت صوفيا تحدّق في الحديقة في صمت، وتداعب عصفورًا مزيّنًا بالألوان.بعدها أشارت إلى خادمة لتتقدّم، فاقتربت وانحنت وقالت:»ماذا تريدين سيدتي؟«حينهاأجابت بابتسامة قائلة:»أحضري المقص.«وبعد أن أحضرت الخادمة المقص، شرعت صوفيا في قصّ أجنحة العصفور. حينها لاحظت استغراب الخادمة، فابتسمت وقالت بعد أن وضعت يدها على خدها تتأمل وجهها المستغرب:»هل تجدين الأمر غريبًا؟«عندها أجابت الخادمة بتوتر:»لا سيدتي، لا أجده غريبًا...«ثم تابعت بتوتر أكبر:»لكن قصّ جناحيه ربما يكون مبالغًا فيه.«بعدها ضحكت صوفيا بخفة، وردّت على استغراب الخادمة قائلة:»الطيور الجميلة هي التي تفكر بالهروب من قفصها، لهذا قصّ جناحها سيجعلها تعتقد أن ذلك القفص ملجأها الوحيد.«ثم وضعت المقص على الطاولة وأرجعت العصفور إلى قفصه والابتسامة لا تفارق محيّاها، وأكملت قائلة:»مع ذلك، هناك أشخاص لا يحبّون هذه الحقيقة المرّة.«ثم نظرت إلى الخادمة التي كانت تتأملها في صمت، ووجّهت كلامها إليها قائلة:»أليس كلامي صحيحًا؟«عندها انحنت الخادمة وأجابت:»كلامكِ صحيح سيدتي.«بعدها أكملت صوفيا قائلة:» حتى الإن
الفصل الثالث والعشرونعندها عقدت إيلا العزم على أن تناديه،حينها اقتربت من أذنه حتى كاد نفَسها يلامس وجنته، وراحت تستعيد ما درسته عن حالته؛ إنه انفصال المريض عن واقعه، وتأتي بدايته على هيئة تشتّت، وهو في حقيقته انفصال الذات عن واقعها. وإذا لم يُعالَج صاحبه، تطورت الحالة إلى سُبات عميق يتخذه الجسم ملاذاً بعد أن تُرك المرض دون علاج حتى استفحل وتقدّم.حينها شرعت في منادته، وهمست بصوتٍ خافت يشبه نسمة تتسلل إلى غرفة مغلقة:–»ألكسندر، هل تسمعني؟«لكن لم يأتِها أي استجابة. لبث الجسد ساكناً كما هو، والصمت يملأ الغرفة ثقيلاً كستارٍ سميك، فرفعت صوتها قليلاً وزادت حدّتها في الكلام، وقالت:–»يجب أن تنهض يا ألكسندر... إذا استمررتَ على هذا الوضع ستتطور حالتك أكثر، يجب أن تتغلب على عزلتك وترجع إلى واقعك!«عندها لمحت حركةً طفيفة في يده،وارتعاشةً خفيفة كأنها ومضة حياة في عتمة طويلة.ثم ابتسمت إيلا ابتسامة صغيرة، وقد استنتجت أن حالته تشبه "الكاتاتونيا" في بعض أعراضها، لكنها أعمق وأندر، وقد أدّت إلى سُباته، وأن هذا الشيء نادر الحدوث،وعندها أحسّت أن عليها أن تُخرجه من هذه الحالة، فواصلت مناداته والحديث معه
الفصل الثاني والعشرون حينها ارتبكت بعد سماع كلماته الصريحة، كون أن ما كان بينهما لم يكن... آنذاك، شعرتْ بضيقٍ، فما كان منها إلا أن ضحكتْ وقالت:»ماذا تقصد يا بيلي؟«وأكملت قائلة بضيق:»يعني أن ما جرى قبل ذلك، عليّ أن أعدّه لم يكن؟«على إثر كلامها،نظر إليها وقال بصوت متقطع:»كل ما في الأمر، انسي أن هناك شخصًا اسمه بيلي.«ثم أمسك بكتفيها حينها، فأنزلت رأسها مانعة دموعها من السقوط وقالت:»إذًا، هل انتهى كل شيء بيننا من الآن؟« إثر ذلك، قال وهو ممسك بكتفيها:»إيلا، هل تستطيعين أن تعديني بأن تنتظريني إذا أطلتُ الغياب؟« عندها رفعت رأسها وقالت:»هل أنتظر؟ سيكون طويلًا...«بعدها نظر للسماء،ورد قائلأ :»لا أعرف...«ما إن أنهى كلماته حتى ارتجف جسدها، وانكمشت كتفاها دون وعي،وردّت قائلة:»لا أستطيع أن أعدك... فمع مضيّ الأيام يتغير المرء.«عندها خفض رأسه وقال بعد أن ابتعد بمسافة معتبرة، ناظرًا للشفق الأحمر:»عندما يحين ذلك الوقت، أرجو أن تكوني بأفضل حال.«وقبل أن يغادر، ردّت إيلا قائلة:»بيلي، اعتنِ بنفسك...«آنذاك استدار، فأكملت بعد أن خفضت رأسها وقالت:»وداعًا.«ثم وقف يتأملها لثوانٍ ثم غادر
الفصل الحادي والعشرونواتجه خارج الغرفة وسار وجلس على الأريكة، أما هي في داخلها ففهمت أن كلامه جادّ ولا مزاح فيه.حينها جمعت أغراضها في صمت دون أن تفتح موضوعًا آخر معه، وبعد أن أنهت ذلك حملت الحقيبة وجرّتها إلى الخارج، وجهّزت نفسها لتخرج من الغرفة وهي تجرّها. وما إن شاهدها ألكسندر تخرج حتى نهض وتقدّم نحوها وقال:»هل انتهيتِ من جمع أغراضكِ؟«أومأت له، فتقدّم وخرجا من الشقة. وبمجرد خروجهما من العمارة ساد جوّ بارد وقارس، وعلى إثر ذلك قالت:»كان بالإمكان ترك الانتقال لغد...«عندها ردّ عليها قائلًا:»المماطلة ليست في صالحي!«ثم تقدّم وفتح باب السيارة لتدخل إيلا، وأغلق الباب خلفها.وبعدها أمسك بحقيبة ووضعها في حقيبة السيارة، وأغلقها،بعد ذلك، تقدّم ودخل إلى الداخل، وبادر بقيادة السيارة لتنطلق،مبتعدة عن العمارة، واستمر في قيادتها وهو غاطس في تفكيره.وأما إيلا فلم تسأله إلى أين يتجه أو أين يأخذها؛ لأنها كانت قد رجعت على إثر تأملها طريق الى أحداث مضت وردمت...... وبعد أن ركبت الباص انطلق، وجلست تتأمل بيلي، ذلك الفتى، وعندما انطلق الباص رفع رأسه، لكن بسبب حركة الباص لم تستطع رؤية ملامحه، وكانت فضول
الفصل العشرونعندها امتدت يدها وأمسكت به، فسار بها وخرج من المكان، ثم توقف أمام الدرج، ونظر إليها وقال:»انتظري هنا.«ثم ذهب، وبعد فترة أحضر ثيابًا ومنشفة، وقال:»خذي، غيّري ثيابكِ.«بعدها استدار ليغادر، لكن إيلا أمسكت بكتفه ثم نظرت إلى الملابس والمنشفة وقالت:»شكرًا لك.«حينها نزع يده وقال:»لم أفعل شيئًا، لتشكريني عليه.«وانصرف مبتعدًا عن المكان بهدوء،وكان هذا أول لقاء بينهما، فقد كان غريبًا بسبب دفاعه عنها، إذ إنها لا تعرفه ولا يعرف عنها شيئًا، هكذا بدا الأمر لها.وتوالت الأيام ليأتيها خبر تغيير، وبصريح العبارة، طرد مجموعة المتنمرين من الأكاديمية، فزفرت براحة. حينها أتاها خيال ذلك الفتى، وأوجس في داخلها أنه ربما كان هو السبب.ثم مرة خارج الأكاديمية، ومرة جانب محطة الباص وهي تنتظر الحافلة، وجدت خيال الفتى جالسًا،ثم دقّقت جيدًا لتجده جالسًا وقد غطّى وجهه، وأنفاسه تتسارع وهو منزل نظره إلى الأسفل. وتقدّمت نحوه وأنزلت رأسها إليه وقالت:» مرحبًا.«عندها غطّى رأسه أكثر بقلنسوته، وقال وأنفاسه متسارعة دون أن يرفع رأسه حتى لينظر إليها:»أرجو أن تبتعدي، رجاءً!«حينها لم تعرف إيلا ما به بالض







