เข้าสู่ระบบالفصل السابع
تجمّدت كلارا في مكانها، ونظرت إليها إيلا، وكانت عيناها الزرقاوان تبدوان أكثر هدوءًا تحت ضوء الليل. وقالت بهدوء: » كلارا، يبدو أنكِ أخطأتِ في فهم أمر ما. أنا لم أعتقد يومًا أنني بحاجة إلى مقارنة نفسي بأي شخص.« وتوقفت للحظة، ثم تابعت: » ولم أفكر أبدًا في أخذ مكان أي شخص.« بعدها تغيّرت ملامح كلارا قليلًا. واصلت إيلا قائلة: » إذا كان قلب رجل ما لا يمكن الحصول عليه إلا بعد أن يتنازل شخص آخر عن مكانه، فهذا المكان لا معنى له من الأساس.« وساد الصمت في الحديقة. لم يبقَ سوى صوت المياه المتدفقة من النافورة البعيدة، ونظرت كلارا إليها، وظهر الغضب في عينيها، وقالت: » من السهل عليكِ قول ذلك.وهل تعلمين كم سنة انتظرتُ ألكسندر؟... إنها منذ طفولتي وحتى الآن، كان الجميع يعتقد أننا سنكون معًا... وأنتِ فقط من ظهرتِ، ومنذ ذلك الحين تغيّر كل شيء.« ونظرت إليها إيلا، وردّت قائلة: » إذن تعتقدين أن عليّ التخلي عن زواجي فقط بسبب توقعاتكِ؟« لم تجد كلارا جوابًا للحظة، ثم قالت إيلا: » يمكنكِ ألا تحبيني. ويمكنكِ أن تظني أنني لا أستحق عائلة فون هابسبورغ.« وأضافت: » لكن عليكِ أن تفهمي شيئًا واحدًا.« ورفعت عينيها ونظرت مباشرة إلى كلارا، وأضافت: » الشخص الذي يقرر من يقف بجانب ألكسندر ليس أنتِ، ولا السيدة صوفيا. بل ألكسندر نفسه.« وأكملت: » أنا شخص يواجه الموت والحياة كل يوم. وإذا واصلتِ مضايقتي، فأنا أعرف جيدًا كيف أجعل الآخرين يدفعون الثمن.« جعلت هذه الكلمات وجه كلارا يزداد قتامة. لطالما اعتقدت أن إيلا مجرد امرأة هادئة وضعيفة، يمكن للجميع التحكم بها وترتيب حياتها كما يشاؤون.ولكن حتى اليوم، لم تدرك أن هذه المرأة ليست بالبساطة التي تخيّلتها. فخلف صمتها كان هناك حزم وقوة. لم تكن تتراجع، بل كانت ببساطة لا تهتم بالمنافسة على شيء لا ترغب في انتزاعه. ونظرت كلارا إلى إيلا، وفقدت أخيرًا آخر قناع من اللطف كانت ترتديه، وقالت ببرود: » إيلا فالنتين، هل تعتقدين حقًا أنكِ مميزة جدًا؟« وأكملت: » أنتِ مجرد طبيبة... وهل لأنكِ أنقذتِ بعض الأشخاص، ظننتِ أنكِ تستطيعين الوقوف فوق الجميع؟« ثم كرّرت إيلا الكلمة بهدوء: » طبيبة؟« ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة، وردّت قائلة: » نعم، أنا مجرد طبيبة.« وأكملت: » وأنا لا أواجه كل يوم تلك الابتسامات الزائفة في الحفلات، ولا أرى نفسي من النساء اللواتي يتنافسن من أجل مكان بجانب رجل.« وأضافت: » أنا أواجه حياة المرضى، وأواجه قلوبًا قد تتوقف عن النبض في أي لحظة، وعائلات فقدت الأمل، وأوقاتًا يكون فيها الجميع عاجزين، بينما أظل أنا الشخص الذي يجب أن يقف أمام طاولة العمليات.« ثم توقفت الرياح في الحديقة للحظة وكأنها تجمّدت، وتوقفت الأوراق عن الحركة، وحتى صوت النافورة البعيدة أصبح أكثر وضوحًا. وبدأت ملامح كلارا تتجمّد تدريجيًا. فقد كانت تعرف فقط أن هذه المرأة ذات أصل عادي، لكنها نسيت أن المرأة التي تقف أمامها ليست فقط زوجة ألكسندر فون هابسبورغ، بل أيضًا واحدة من أصغر وأفضل أطباء الجراحة في العاصمة ميرافيل. وفي تلك اللحظة كانت عينا إيلا الزرقاوان الداكنتان هادئتين للغاية تحت ضوء الليل.ولم يكن فيهما غضب، ولا استفزاز، ولا أي مشاعر زائدة، وكان صوتها لا يزال هادئًا. وأكملت قائلة: » لذلك، لا تحاولي استخدام الهوية أو المكانة لتهديدي.« وأضافت: » ولا تخبريني من هو أكثر قيمة من الآخر. لأن الشخص الموجود أمامي في غرفة العمليات لا يحمل اسم عائلة فون هابسبورغ أو عائلة دي مونتفرك، وهناك فقط إنسان يحتاج إلى الإنقاذ.« وأكملت: » لقد رأيتُ الكثير من الأشخاص الذين يظنون أنهم يسيطرون على كل شيء، فلديهم المال، والسلطة، وكل ما يحلم به الآخرون. لكن عندما يقترب الموت منهم حقًا، لا يختلفون عن أي شخص عادي.« ورفعت إيلا عينيها، وقالت: » لذلك يا كلارا، من الأفضل ألا تلمسي حدودي.« وتقدّمت خطوة نحوها، وخفضت صوتها، وقالت: » لأنني أعرف أكثر من أي شخص آخر أن هناك طرقًا كثيرة يستطيع بها شخص تدمير شخص آخر. والطبيب يعرف أكثر من غيره أين تكون نقاط ضعف جسد الإنسان.« بعدها توقفت أنفاس كلارا للحظة،وفي تلك اللحظة، أدركت للمرة الأولى أن المرأة التي أمامها لم تكن ضعيفة كما تبدو، ولم تكن بلا حدّة أو قوة. لقد اعتادت فقط على إخفاء قوتها تحت المعطف الأبيض. لم تتوقف إيلا أكثر من ذلك، واستدارت وغادرت المكان بصمت . وكانت خطوات كعبها العالي تضرب أرضية الحجارة الباردة بصوت واضح، يتردد في الحديقة الهادئة مرة بعد مرة، وكأنه يذكّر كلارا بأن تلك المرأة لم تتأثر بكلماتها على الإطلاق. وحتى اختفى ذلك الظهر النحيل والجسم المتناسق بثبات تام في المسافة البعيدة، وبقيت كلارا واقفة في مكانها. وهبّت الرياح الليلية، وحرّكت شعرها الطويل المرتب بعناية، لكنها لم تستطع تهدئة الغضب المشتعل في قلبها. وبعد لحظات، اختفى الخوف تدريجيًا من وجهها، وحلّ محله غضب لا يمكن السيطرة عليه. وخفضت رأسها ونظرت إلى يدها، بينما كانت أظافرها تغوص بعمق في راحة يدها. وهمست وهي تشدّ على أسنانها بغضب: » كيف تجرؤين على التحدث معي بهذه الطريقة؟ أنتِ مجرد طبيبة لا أكثر.« ثم رفعت رأسها، ونظرت إلى الاتجاه الذي غادرت فيه إيلا، وبدأت نظراتها تصبح أكثر قسوة وظلامًا تدريجيًا، بينما كان الظلام يبتلع الطريق الحجري أمامها. وهمست محدّثة نفسها: » أليس أكثر ما تهتمين به هو مشرطك؟ أليس هذا ما يجعلكِ تعتقدين أنكِ تستطيعين إنقاذ الآخرين بيديكِ؟« وابتسمت بسخرية، وأكملت في خاطرها: » إذن سأجعلكِ تفقدين أكثر شيء تفتخرين به... سأجعلكِ لاحقًا... غير قادرة على حمل المشرط مرة أخرى.«الفصل الثالث والثلاثون لينظر إليها بنظرة يملؤها الشجن والأسى، وقال بصوت خافت: »ليت ذلك كان حقيقة...« فلمسته بيدها الدافئة وقالت بحنوّ: »انظر، أنا معك الآن... يبدو أن لديك حمّى تجعلك تهذي هكذا!« ثم تقدّم إيريز بابتسامة حماسية وقال: »ما رأيكم يا رفاق أن نتسابق؟« وما إن أنهى كلامه حتى انطلق جاريًا بالركض.وبدأ ألكسندر يتأمله بصمت وهو يجري، ولم ينتبه لنفسه إلا عندما دفعته إيلا بخفة وهي تضحك قائلة: »هيا معنا، لتكفّ عن هذه الأقوال التي لا معنى لها!« ثم تقدّم ألكسندر وشارك في الركض برفقة إيلا، بينما سبقهما إيريز وهم يتبادلون الضحكات. وبعد مدة، جلس الثلاثة معًا وهم منهكون من التعب، بينما بقي ألكسندر يحدّق بعمق في أفق الشفق الأحمر وأشعة الشمس الأخيرة... وعندها... بدأ يسمع أصواتًا غريبة! والتفت لينظر إلى إيلا وإيريز، فبات واضحًا أنه الوحيد الذي يسمعها؛حيث كانت صرخات وبكاءً شقّ سكون المكان،ولم يعرف مصدرها أبدًا، ولا لماذا هو الوحيد الذي يستمع إليها، بينما كانا هما لا يبدوان مدركين لها، أو كأنهما لا يسمعان شيئًا على الإطلاق! لكنه جهل ما كان يُحاك في الخفاء، وتجاهل تلك الأصوا
الفصل الثاني والثلاثونوبعد ذلك اليوم، توالت الأيام، وبدأ يستعدّ تدريجيًا لتولّي منصب رئاسة العائلة. وفور عودته، كان أول ما سعت إليه خطاه هو البحث عن إيلا؛ فهي، إلى جانب إيريز، لم تغادر ذاكرته ولو لحظة واحدة، وكانا يمثّلان عائلته الوحيدة في هذا العالم الذي لم يذق فيه طعم الانتماء لأي مكان.وبعد أن وجدها، كانت وقتها تقطع الطريق وابتسامتها المشرقة تضيء وجهها وهي تلوّح لشخص ما. انذاك توقف مكانه متيبّسًا، وكاد يرفع يده ليبادلها التحية تلقائيًا، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة حين أدرك أنها لم تلاحظ وجوده قط، بل تابعت سيرها برفقة فتاة تبدو في سنّها.وبقي واقفًا مكانه، يتابع بعينين مثقلتين بالشوق مشهد رحيلها... وعلى إثر ذلك، ابتسم بمرارة وهمس لنفسه بخفوت:»إيلا... لقد عدتُ.«لكنه آثر عدم التقدّم منها؛ فقد جاءه إحباط طفيف على عدم تعرّفها به، لكنه تلاشى لأنه ليس مستعدًّا لذلك بعد، وأيضًا يعرف أنها لا تعرف ملامحه، فكيف يلومها، والخطأ خطؤه من البداية.وفي اليوم الذي تلاه، بقي داخل سيارته يراقب المكان وذهنه مشوّش، حتى لمحها تمرّ برفقة فتاة يظهر أنها زميلتها.ثم خرج حينها من السيارة، وبقي ينظر إليها
الفصل الحادي والثلاثونوعلى إثر سماع ألكسندر كلمات أمه القاسية عن إيريز ووالدته، ابتعد عنها خطوة إلى الوراء وهو ينظر إليها بالصدمة والذهول، قائلًا بصوت مهتزّ:»أمي... بجدية، كيف تفكّرين بهذه الطريقة؟!«فردّت ببرود تام:»يا ولدي، هذا كله لمصلحتنا...«عندها ردّ عليها قائلًا بقهر، وهو يضع يديه على وجهه:»كل ما تمارسينه من البداية جنون مطلق! أتدرين كم جريمة اقترفتِ حتى الآن؟! والآن... قتلتِ أمًّا وابنها اللذين ليس لهما أي ذنب!« بعد ذلك نظرت إليه ساخرة من كلمته»ليس لهما ذنب«، وضحكت باستهزاء قبل أن تكمل قائلة:»تلك المرأة أخذت فرصتي... وأخذت كل فرصي! والآن تزوجت أباك الجاحد الذي خانني معها في النهاية!«ثم قالت والدموع تتجمع في عينيها بغضب مكبوت:»يا ولدي، هي سبب معاناتي منذ البداية! لقد أخذت مني كل شيء...«حينها قاطعها ألكسندر بغضب عارم:»وما ذنب إيريز إذن؟! لم يكن هو سبب عنائك، فلماذا فعلتِ به هكذا؟!«عندها اقتربت منه بحركة بطيئة، فصاح بها محذّرًا:»قِفي مكانكِ! لا تقتربي مني!«وعلى اثر ذلك ابتسمت ببرود وقالت:»ألا ترى تأثيره عليك؟! ذلك الفتى قد غيّرك نحوي...«وأكملت قائلة بنبرة تملّك مرع
الفصل الثلاثونوبعد أن أنهى كلامه، استوقفها قوله إن هناك سيرينة استثنائية.وحدّقت به، ثم ابتسمت لأنها ببساطة تذكرت أنها سمعت هذه الكلمات من قبل!ثم قالت وهي تحدّق في عينيه مباشرة، إذ خرجت الكلمات منها تلقائيًا:»ألكسندر... أحيانًا أظن أن لدينا ماضيًا أعمق...«حينها توقف عن لمس شعرها بعد أن قالت كلماتها، وردّ قائلًا بعد أن أزاح نظره عنها:»وكيف تحسّين ذلك؟«أجابته بعد أن رجع نظره إليها:»أحسّ أن فيك هالة من ماضٍ مدفون...«وأرادت أن تُكمل سؤالًا طالما أرادت أن تسأله إياه كل مرة تراه فيها: »هل أنت بيلي؟«لكنها لم تستطع قوله، فقط نظرت إليه وقالت:»انسَ ما قلته، ربما كنتُ أتوهّم!«ثم رفعت رأسها،وعدّلت جسدها وأدارت رأسها إلى الجانب الآخر من السرير وقالت بدون أن تنظر إليه:»تصبح على خير.«أما هو فعدّل شعرها واستلقى بدون ردّ، وبقي يتأمل السقف في صمت عميق.حيث أثار قولها وسؤالها المفاجئ فيه شعورًا، وكانت الإجابة التي يريد إخراجها هي أن يخبرها أن إحساسها كان صحيحًا وكل شيء في محلّه، لكنه لم يمتلك الشجاعة لقول الحقيقة لها.وهمس لنفسه:»وما الفائدة...«وفي تلك اللحظة، استرجع ذكرى مضت وتلاشت؛ حيث ك
الفصل التاسع والعشرون ردّت مارغريت، وقد ثبتت عيناها على صوفيا بهدوء يخفي تحته صلابة لا تلين: »هذا القرار اتخذته قبل عامين من الآن، حين اتخذتم خليلةً لابنكِ غير ابنتي! وحسب فهمي، هو رجل متيّم بزوجته، لا يرى سواها.« حينها سرت في الغرفة لحظة صمت ثقيلة، لا يقطعها سوى رنين فنجان الشاي وهو يلامس صحنه.عندها نظرت إليها صوفيا ولم تتقبّل ما خرج من فمها، فارتسم على وجهها ذلك الكبرياء البارد الذي اعتادت أن تتدرّع به، وقالت: »هل تصدّقين أقوال الخدم؟ في النهاية هي عروس لم يُكشف عنها للعلن، وتشبه العشيقة لا أكثر!« عندها مالت كلارا إلى الأمام، وقد لمعت في عينيها نظرة من وجدت سندًا لها، وقالت مؤيّدة كلام صوفيا: »هذا صحيح يا أمي، فإيلا مجرد فتاة لديها وجه وجسد جميلان، ولهذا أثارت ألكسندر ليس إلا، فطبيعة الرجال هكذا في النهاية! وعندما يملّ منها، سيلتفت إلى صاحبة مكانة الزوجة الحقيقية، وهي أنا.« حينها لم يُطل دانيال البقاء بعد ذلك.ونهض من مقعده ببطء، وقد بدا عليه الإرهاق من حوار يدور حول رجل غائب وامرأة غائبة، وقال: »سوف أترككنّ تناقشن على رَوِيّة يا سيدات، أما أنا فأريد استنشاق بعض الهواء
الفصل الثامن والعشرون بعدها دخلت الفيلا واتجهت إلى الجناح بخطوات متثاقلة، وقد خيّم على الجو سكون ثقيل لا يقطعه سوى صدى أنفاسها. وما إن بلغت السرير حتى استلقت عليه، ثم رفعت كفّيها ولمست خدّيها لتستمدّ منهما شيئاً من الحرارة، علّها تبثّ الدفء في أصابعها الباردة.ولم يطل بها ذلك، إذ شعرت بألم ينبض في رأسها؛ خافتاً في أوله، ثم لم يلبث أن اشتدّ وتمدّد خلف عينيها كأنه خيط مشدود. وعلى إثر ذلك أمسكت برأسها بكلتا يديها، وبقيت مستلقية على السرير، تضغط على صدغيها كمن يحاول إسكات صوت لا يهدأ. ومرّت مدّة وهي على هذا الوضع، حتى بدأ جبينها يتصبّب عرقاً بارداً، وتلألأت حبّاته تحت الضوء الخافت.وعلى إثر ذلك، رفعت جسدها بتثاقل واتجهت نحو الحمّام لتغسل وجهها، فانهمر الماء البارد على بشرتها وأطفأ شيئاً من وهج الألم. ثم غيّرت ثيابها، وأطلقت شعرها فانسدل على كتفيها، وما زالت أنفاسها تحاول أن تستعيد انتظامها.وفي جهة معاكسة، كان ألكسندر يتلقّى اتصالات لا تنتهي من قِبل»كلارا«؛ويهتزّ الهاتف في يده ثم يسكن، ثم يعود إلى الاهتزاز من جديد،كأنه إصرار لا يعرف الكلل. وعندما عاودت الاتصال مجدداً، ضاق ذرعاً بها، فأغل







