LOGINلم يكن الفزع الهستيري الذي غرق فيه وجه شيماء مجرد خوف عابر من العودة إلى الجحيم فحسب؛ بل ترك في عقل زياد أثراً أعمق وأكثر دهاءً. لقد أضاء ذلك الانفعال الفوري مؤشراً خطيراً ، ليؤكد له صحة شكوك آسر وحدته: إن رد فعلها هذا، وتراجعها المرعوب فور تلويحه بالاتصال بحسن. ، ينسفان تماماً أسطورة "فقدان الذاكرة" التي تدعيها! فلو كانت فاقدة لذاكرتها حقاً ولا تدرك شيئاً عن هويتها أو طبيعة القصر، لما تصرفت بهذا الإدراك الفوري والواعي لخطورة الاتصال بحسن البهنساوي. حدق إليها زياد بعينين ضيقهما الشك والريبة، وثبت بصره عليها وهو يغلق شاشة هاتفه ببطء، ثم سألها بنبرة باردة ومحملة بالتحقيق: "ولماذا أنتظر يا سيدتي؟! إذا كنتِ حقاً لا تذكرين شيئاً ، ولا تعرفين من هو حسن أو ما هو ذلك القصر.. فلماذا ترتعبين هكذا من مجرد اتصال به ليأخذكِ إلى حيث تكونين آمنة؟!" توترت ملامح شيماء، وبدت وكأنها وقعت في شرك كلماتها الخاصة، فحاولت تدارك الأمر باسترخاء مصطنع ودموع تحاول كبحها: "أنا... أنا لم أتقصد شيئاً! لكن... بما أنك وجدتني في حقيبة سيارتك هاربة من هناك، فهذا يعني قطعاً أن
علت صرخات شيماء وتصاعدت أنفاسها الهستيرية فور أن فتحت عينيها؛ لتجد حولها شابين يحدقان بها بجمود، زياد وشخصاً آخر غريباً يقف بجواره بعينين كالمنجل. قفزت من فوق السرير برعب أعمى، وتراجعت للخلف حتى اصطدمت بالجدار، ثم رفعت سبابتها المرتجفة في وجههما بصوت يرتجف خوفاً وتهديداً: "ماذا تفعلون هنا؟! إياكم أن تقتربوا مني خطوة واحدة.. ابتعدوا عني!" دارت بعينيها الزائغتين في المكان، ثم استجمعت بقايا قوتها وهمّت بالركض بسرعة نحو باب الغرفة المفتوح لتنجو بجلدها، إلا أن "آسر" تقدم بخطوة خاطفة وحاسمة، ووقف كالسد المنيع أمام الباب، يسد عليها منفذ الخروج بضخامته ونظراته الشائكة. شهقت شيماء وتراجعت خطوتين إلى الخلف ، بينما انحنى آسر نحوها قليلاً وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة يملؤها التحدي والريبة، ثم قال بنبرة حادة وباردة كالصلب: "إلى أين يا آنسة؟ هل تظنين حقاً أن هذه التمثيلية الرخيصة ستنخدع بها عقولنا؟! هل تعتقدين أنني سأصدق بسهولة أنكِ فقدتِ الذاكرة فجأة بمجرد اصطدام خفيف؟!" ارتجفت حدقتا شيماء واغرورقت عينها بالدموع، وهزت رأسها بنفي متوسل وهي تمسك برأسها
في الظل الهادئ لفيلا زياد، حيث لا توجد جدران تضج بالقسوة، ولا أطياف لتسلط البهنساوي أو حركة خدم متطفلين ، تسللت السكينة لأول مرة إلى أعماق شيماء . غاصت في نوم عميق ومتقطع ، وكأن جسدها المنهك يختبر طعم الأمان بعد رحاب الرعب والجحيم الذي عاشته بين أروقة القصر. في تلك الأثناء، وصل "آسر" بخطوات سريعة وصامتة . فتح له زياد الباب بنفسه، وأدخله بحذر إلى غرفة المكتب المعتمة ذات الديكور العصري الهادئ، وأغلق الباب خلفهما بإحكام. تطلع آسر إلى زياد بنظرات حادة مشتعلة بالاستفسار والتوتر ، وقال بصوت خفيض يكاد يلامس الهمس: "ماذا سنفعل في هذا المأزق يا زياد؟! كيف تجلب فتاة هاربة من عرين البهنساوي إلى بيتك مباشرة؟! هل فقدت صوابك تماماً؟!" رفع زياد يده طالباً منه الهدوء، وأشار له بالجلوس على الأريكة الجلدية المجاورة، قبل أن يرد بجدية تامة وجمود مدروس: "اهدأ يا آسر.. واجلس مكانك واسمعني بالتفصيل لتعلم كيف جرت الأمور، فلم أخطط لهذا الأمر ولم أقم بجلبها باختياري." جلس آسر شاداً عضلات وجهه ومكتفاً ذراعيه، فتابع زياد بصوت عميق: "بينما كنا نتحدث سوياً عبر الهاتف
في فيلا البهنساوي، تحولت أروقة القصر إلى ساحة حرب يشتعل فيها غيظ حسن البهنساوي وهستيريته . وقف وسط البهو الفسيح يصيح في رئيس الحراس وأفراد أمن القصر بملامح يملؤها البطش والتصمم، وصوته يتردد كالصاعقة: "كيف تتعطل كاميرات الحديقة الخلفية والأسوار في وقت واحد أيها الأغبيـاء؟! كيف تغفلون عن مراقبة المداخل والأسوار بينما كنتم تقفون كالأصنام؟! سأطردكم جميعاً وسألقي بكم في السجن إن لم تجدوها خلال ساعات!" انحنى رئيس الحراس بوجل وارتعاد وهو يتلعثم بالاعتذار، بينما تقدمت "نور" بخطوات متوترة، وحاولت تهدئة والدها بنبرة شوبها الاستعلاء والغيرة المكتومة: "إهدأ يا أبي أرجوك.. فلتذهب هذه البنت إلى الجحيم! ما هي إلا خادمة بسيطة لا تستحق كل هذا الغضب.. نحضر لك غيرها ممن تليق بك وبمكانتك!" توقف حسن عن الحركة فجأة، والتفت إليها بنظرة حادة كالشفرة تجمدت معها الدماء في عروق نور. وبخطوة خاطفة، امتدت يده ليقبض على ذراعها بقوة جعلتها تتأوه خفية، وانخفض صوته إلى همس مرعب يحتد بالشكوك: "إياكِ.. إياكِ أن تكوني أنتِ من ساعدها على الهرب يا نور!" اتسعت حدقتا نور بذهول وذع
امتدت يدا شيماء المرتعشتان لتمسك برأسها بثقل، وراحت عيناها تجولان في جوانب الغرفة بذهول وتشتت، وكأن كل شبر حولها ينتمي إلى عالم غريب لا تدري عنه شيئاً . تقطعت أنفاسها، وصارت تنظر إلى زوايا الأثاث وإلى زياد بنظرات حائرة ومليئة بالرعب، قبل أن تهمس بصوت مبحوح يملؤه الضياع : "رأسي... رأسي يؤلمني بشدة! أنا... أنا لا أتذكر أي شيء! من أنا؟ وكيف جئت إلى هذا المكان؟ هل تعرفني أنت؟ أرجوك أخبرني من أكون!" تسمر زياد في مكانه، وشخصت عيناه عليها بنظرات يمتزج فيها الشك الشديد بالريبة؛ فهل يُعقل أن الاصطدام القوي بجدار الحقيبة عندما ضغط على المكابح قد أفقدها ذاكرتها بالفعل وأدخلها في حالة ارتجاج؟ أم أن هذه حيلة جديدة وتصنع متقن منها لتتخلص من المأزق وتمنعه من استجوابها أو تسليمها لحسن البهنساوي؟ وقف يدرس حركات عينين الزائغتين ورجفة يديها الحقيقية ، ثم اقترب منها ببطء حذر، ونبرة صوته تحمل هدوءاً استكشافياً: "أنتِ لا تتذكرين اسمكِ إطلاقاً؟ ولا تتذكرين القصر الذي خرجتِ منه ولا حسن البهنساوي؟" هزت شيماء رأسها بضعف ودموعها تتساقط بجنون : "لا أعرف حسناً هذا ولا أعرف
في سيارة زياد، ساد الصمت إلا من صوت المحرك الهادئ. تناوَل زياد هاتفه المحمول ووضعه على مكبر الصوت الخاص بالسيارة، وهو يتابع الطريق بنظرات حادة ومشتعلة بالتفكير. أتاه صوت اخيه "آسر" عبر مكبر الصوت متسائلاً بفضول واهتمام: "مرحباً يا زياد.. ماذا فعلت؟ هل ذهبتَ إلى بيت الأفعى بالفعل؟" رد زياد بنبرة يسودها التهكم والجمود: "نعم.. للتو خرجتُ من هناك. رجل غريب حقاً! طوال الوقت يدّعي الشرف والنزاهة، ويرتدي قناع الأب الحنون والملك الشريف أمام الجميع!" وقبل أن يكمل كلمته، تسرب إلى مسامعه صوت حركة مكتومة وسعلة خفيفة نابعة من خلف مقعده الخلفي... من حقيبة السيارة مباشرة! انعقد حاجبا زياد بذهول، وضغط سريعاً على فرامل السيارة لتتوقف على جانب الطريق المظلم بصوت احتكاك قوي مع الإسفلت. وقال زياد بنبرة حازمة ومفاجأة: "آسر.. أغلق الخط الآن، سأحدثك لاحقاً!" أغلق المكالمة فوراً دون أن ينتظر إجابة، ونزل من السيارة بخطوات متوثبة ومحاطة بالحذر. وفي هذه الأثناء، في فيلا حسن البهنساوي، كان الجو يغلي على جمر من نار! نزل حسن الدرج بخطوات كالهدر، وصوته يزلزل جدران القصر ا







