ANMELDENعاد عمر إلى مدينة الشمال، ولم يغادر منزله طوال الشهر.كان يقضي كل يوم في المنزل الذي عاش مع نور فيه، والستائر مغلقة بإحكام، ينام وسط زجاجات الخمر، وما إن يستيقظ حتى يشرب، فإذا ثمل عاد إلى النوم.لم يكن قادرا على تقبل هذه النهاية، فلم يجد سوى الكحول ليخدر نفسه.فعلى الأقل، كان بإمكانه أن يراها في أحلامه.ويتوهم أن نور ما زالت تحبه.لكن مع مرور الوقت، اكتشف عمر برعب أن نور ربما أصبحت تكرهه إلى درجة أنها لم تعد تزوره حتى في أحلامه.حتى لم تعد تمنحه أملا زائفا.وانهار عمر تماما.حبس نفسه داخل ذكريات الماضي، ولم يعد يفعل شيئا سوى الشرب، ثم يحتضن ألبوم الصور ويقلب صفحاته صورة بعد أخرى.وكان يستعيد الماضي بلا توقف، وكأنه يعذب نفسه.وكلما كانت الذكرى أجمل، ازداد ألمه في الحاضر.امتلأت الغرفة برائحة الكحول النفاذة، ونهض عمر مترنحا، واتجه إلى المطبخ، ثم فتح الثلاجة، فوجد فيها بعض الفطائر التي أعدتها له نور.من الواضح أنها لقد تعفنت.لكنه لم يكن يريد تناولها، كان يخرج واحدة منها عندما اشتد شوقه إلى نور فقط، وكان يتذوقها ببطء شديد.ثم انحنى فوق المرحاض وتقيأ بعنف.وكان حمض المعدة يتدفق من فمه مع ا
بذل عمر كل ما في وسعه ليرضيني.ولم أتخيل يوما أن شخصا متعاليا مثله سيفعل كل هذا.بات يقيم في ممر المبنى.على أمل أن يحالفه الحظ ويراني عندما أعود إلى شقتي.وكان يركض إلى الفندق ليستأجر غرفة ويستحم فيها، خوفا من أن يفوته لقائي، ولذلك سقط مرات عديدة في الطريق، ولم تلتئم جراح ركبتيه أبدا."لا داعي."تجنبت الفطور الذي قدمه لي مرة أخرى.كان عمر مرهقا إلى درجة أنه لم يعد قادرا حتى على الكلام، وقد هزل جسده بوضوح، وصارت ملابسه فضفاضة عليه.أما معصماه الظاهران، فلم يبق فيهما سوى الجلد والعظم، وكانت عروقه بارزة بوضوح."نور… اقبليها، أرجوك…""اعتبري أنك لا تريدين إهدار الطعام فقط، وكليها، حسنا؟""دعي قلبي يرتاح قليلا، أرجوك يا نور، أنا حقا… حقا… أكاد أفقد عقلي…"ألقيت الفطور على قدميه مباشرة.ابتل سرواله بحليب الصويا، وتناثرت الفطائر على الأرض وغطاها الغبار."ألم تقل إنه لا ينبغي إهدار الطعام؟ التقطها وكلها إذن."رفع عمر عينيه إلي وقال: "إذا أكلتها، فهل ستتحدثين معي قليلا؟"لم أجب.وفجأة جلس القرفصاء، والتقط الفطائر المتسخة من الأرض، ثم وضعها في فمه مباشرة.حتى امتلأ فمه بها.انتفخت وجنتاه، وكان
لم أر عمر لعدة أيام متتالية.لا بد أن مكوثه في مستشفى ببلد غريب من دون من يعتني به لم يكن سهلا.بل كنت آمل أن يدرك مدى صعوبة الأمر ويتراجع.لكن بعد فترة قصيرة، عاد عمر يظهر أمامي من جديد، من أسفل مبنى الشركة، إلى جانب الطريق، حتى وجد منزلي في النهاية.كان يحمل سمكة طازجة بين ذراعيه، وقال إنه يريد أن يطهو لي وجبة. عدت لتوي من مناسبة عمل، وما زال الكحول يؤثر في، فلم أستطع منعه، فاستغل الفرصة ودخل إلى منزلي.وكان رأسي ثقيلا، فقررت ألا أجادله.وبدأت أصدر الأوامر له بلا شعور بالذنب."حضر لي حساء يزيل أثر الكحول.""وحضر لي ماء لغسل قدمي، وساعدني في غسلهما."أما عمر، فبدا سعيدا، وحمل قدمي بين يديه، ثم جففهما بمنشفة بعناية.في الحقيقة أن عمر كان شخصا كثير الاهتمام دائما.خلال الأيام الأولى منذ زواجنا، كنت أعود من العمل، فأجد الطعام الساخن والحساء في انتظاري.وكلما شعرت بالإرهاق، كان يضع على معصمي منشفة دافئة، ويجهز لي قناعا بخاريا يريح عيني.لكن الشخص الذي كان يمنحه كل هذا الاهتمام تبدل فيما بعد.ولو، وأقول لو فقط، لو لم يبتعد عمر عني، فربما كنت سأقضي حياتي كلها معه.لقد أحببته بعد كل شيء.وأ
في صباح عادي.ذهبت إلى الشركة كعادتي، وما إن وصلت إلى أسفل مبنى المكاتب حتى رأيت عمر.كان يجلس القرفصاء تحت شجرة الدلب على جانب الطريق.كان يرتدي معطفا أسود بسيطا، وشعره أشعث، ولحيته غير حليقة، وعيناه مغمضتان، وتحيط بهما هالات سوداء واضحة.مررت بجانبه.داست قدمي على ورقة يابسة، فاستفاق عمر فجأة.لم يختف النعاس في عينيه بعد، وما إن رآني حتى حاول الوقوف مترنحا.لكنه تعثر وسقط عدة مرات، حتى تمزق معطفه بسبب أغصان الشجرة."نور…""انتظري… انتظريني…"ثم استعاد وعيه أخيرا، وأسرع خلفي، وكان صوته مبحوحا بشدة.لم أكن أرغب في إضاعة وقتي معه.وما إن هممت بالمغادرة حتى جذبني عمر إلى حضنه بقوة.ملأت أنفي تلك الرائحة الخشبية المألوفة، الرائحة التي كانت تمنحني الأمان، لم تشعرني إلا الغثيان الآن.حاولت الإفلات منه بكل قوتي.لكن عمر تشبث بي بكل قوته، وكانت ذراعاه كالقيد الحديدي، وكأنه يريد أن يسحقني بين عظامه."اشتقت إليك… اشتقت إليك كثيرا…""بحثت عنك لمدة عامين… كنت على وشك الجنون… نور، سامحيني…""لقد أخطأت… أخطأت حقا… أقسم أنني لن أعاملك بذلك الشكل مرة أخرى… امنحيني فرصة واحدة فقط، أرجوك…""حقا لا أستط
بعد أن استرحت شهرا كاملا، بدأت العمل في شركة جديدة.كان راتبي أعلى بكثير من راتبي السابق، وبسبب خبرتي الطويلة في التصميم، عملي الرئيسي هو تدريب الموظفين الجدد.كان روتيني اليومي تدريب الموظفين الجدد، وعندما يتبقى لدي وقت، أرسم التصاميم التي أحبها، وكانت حياتي هادئة ومريحة.واعتدت تدريجيا أن أتناول الطعام وحدي، وأتسوق وحدي، وأبقى في المنزل وحدي، مستمتعة بذلك الهدوء الذي طالما افتقدته.وأصبحت أوازن بين عملي وحياتي.مرت سنتان.وباتت ذكريات الماضي تتلاشى شيئا فشيئا، كما بدأ عمر يختفي من ذاكرتي تدريجيا.وترقيت حتى أصبحت المديرة العامة.وفي يوم ترقيتي، أقامت الشركة حفلا صغيرا للاحتفال.وقفت على المنصة، وبينما كنت أستمع إلى التصفيق الحار، رفعت رأسي بفخر.أصبحت أملك عملا مستقرا، ومنزلا واسعا، وزملاء لطفاء يحيطون بي.وفي أوقات فراغي، أذهب إلى المعارض، أو أتمشى، أو أفعل كل ما أحب.ولم أعد أسهر طول الليل بسبب كلمات بلا مبالاة من أحد.ولم أعد أستنزف نفسي بسبب تحيز شخص ما.وكانت تصلني أخبار من زملائي في الوطن أحيانا.وقيل إن عمر صار يبحث عني بجنون، لكن الجميع اتفقوا على ألا يخبروه بأمر إيفادي ضمنا،
حين هبطت الطائرة، كان في منتصف الليل.سحبت حقيبتي وخرجت من صالة الوصول.كان المستقبلون يرفعون لافتات مختلفة، وهناك عشاق يتعانقون، وعائلات تلوح بابتسامات.مررت بينهم، وشعرت بوحدة لا تخفى.أرسل لي مسؤول التنسيق في الشركة رسالة يخبرني فيها بأن السكن قد جُهز، وأن المفتاح موجود في غرفة الأمن.أجبته: “تمام." ثم وقفت على جانب الطريق وأوقفت سيارة أجرة.كانت مناظر الشارع تتراجع بسرعة خلف النافذة.وامتدت أضواء النيون كشرائط ضبابية، وكل ما حولي كان غريبا.عندما وصلت إلى المنزل، اغتسلت واستلقيت على السرير استعدادا للنوم.لكنني ظللت أتقلب دون أن أستطيع النوم.لم أستطع النوم مهما حاولت.كلما أغمضت عيني، توالت أمامي مشاهد الماضي، ولم أستطع السيطرة عليها.إذا قلت إنني تجاوزت كل شيء تماما، فذلك غير واقعي.فبعد كل تلك السنوات، لم يكن أمامي سوى أن أتعلم النسيان تدريجيا، وأن أعتاد على الحياة بمفردي.لم أستطع النوم على أي حال، فنهضت، وأمسكت هاتفي، ثم دخلت إلى صفحة المحظورين لأقرأ محادثتي مع عمر.وأخذت أقرأ الرسائل واحدة تلو الأخرى."عمر، اشتريت سمكة اليوم، هل ستعود لتتناول العشاء؟""تقول النشرة الجوية إن







