LOGINكانت لينا قد صعدت إلى الأعلى لتغيير ملابسها بعد الموافقة الثقيلة.
في الطرف الآخر، كانت لمى واقفة مع زين، وقد سمعت كل ما دار بين لينا وياسر. ابتسمت ابتسامة ساخرة، وهي تعقد ذراعيها. “مستشفى الشفاء؟” قالتها بتهكم واضح، ثم ضحكت بخفة. “حقًا؟ هل تظن أنها ستُقبل هناك بهذه السهولة؟” نظر زين إليها بهدوء دون أن يشاركها السخرية. لكن لمى لم تتوقف. “هي تعيش في وهم… كأن العالم ينتظرها لتدخل كطبيبة ناجحة.” “لا أحد هناك سيأخذها بجدية.” “ربما ستنجح.” التفتت إليه لمى فورًا، وقد تغيرت ملامحها. “ماذا قلت؟” رفع نظره إليها بثبات: “قلت ربما ستنجح. هي طبيبة بدرجة امتياز وذكية في النهاية.” ان فجرة لمى بغضب: “هل تدافع عنها الآن؟” “أنا لا أدافع عن أحد… أنا أقول الحقيقة.” خرجت من فمها ضحكة قصيرة ساخرة، ثم هزّت رأسها: “افعل ما تريد.” ثم التفتت لتغادر، قبل أن ترمي جملة أخيرة: “سترى بنفسك كيف ستفشل.” أما زين… فبقي واقفًا للحظة، ثم نظر نحو الدرج حيث صعدت لينا منذ قليل، وهمس بهدوء: “بالتوفيق…” وفي اللحظة نفسها… سمعت لمى كلمته، فتوقفت. التفتت إليه ببطء، وعيناها تشتعلان: “هل قلت بالتوفيق لها؟” لم يجب. لكن نظراته كانت كافية. اقتربت منه خطوة، وصوتها أصبح أكثر حدة: “أنت حقًا اهاا…” في الأعلى… اختارت ملابس بسيطة لكن أنيقة، رسمت مظهرًا يليق بطبيبة ذاهبة إلى مقابلة عمل، بعيدًا عن أي تكلّف أو مبالغة. شعرها منسدل بهدوء، وملامحها طبيعية تمامًا دون أي مساحيق تجميل، ومع ذلك كان في وجهها جمال هادئ يلفت الانتباه دون أن تحاول. جمال مختلف… هادئ، واثق، في الوقت نفسه. أخذت نفسًا عميقًا، ثم أمسكت ملفها الطبي بين يديها بإحكام. “اليوم…” همست لنفسها، “لن أكون ضعيفة.” نزلت الدرج بخطوات ثابتة، رغم أن قلبها كان ما يزال يرتجف قليلًا. وفي الأسفل… كانت لمى تقف في الردهة. وما إن رفعت نظرها ورأت لينا، حتى تجمدت ملامحها للحظة. نظرة من أعلى لأسفل. تفحص ببطء.لم تكن تتوقع أن تراها بهذه الصورة. عقدت حاجبيها بخفة، ثم ابتسمت ابتسامة باردة وهي تحاول إخفاء انزعاجها الواضح: “إلى أين بهذه الأناقة؟” توقفت لينا أمامها، لكنها لم تلتفت كثيرًا إليها “إلى مقابلة العمل.” ارتفعت زاوية فم لمى بسخرية خفيفة، لكن عينيها بقيتا عليها. “هكذا؟ دون أي شيء يلفت الانتباه؟” “حتى بدون مساحيق تجميل… ما زلتِ… مدهشة بشكل مزعج.” توقفت لحظة، وكأنها لم تكن تنوي قول ذلك بصوت عالٍ. ثم عادت لابتسامتها الساخرة بسرعة: “لا يهم… هذا لن يغيّر شيئًا.” لكن لينا لم ترد. فقط أمسكت ملفها بإحكام أكبر، وتجاوزتها بهدوء. أما لمى… فبقيت واقفة في مكانها، تتابعها بنظرة غاضبة مختلطة بشيء لا تريد الاعتراف به. وفي الخارج… نزلت لينا من باب المنزل وهي تحتضن ملفها بين يديها بإحكام، وكأنها تخشى أن يفلت منها حلمها في أي لحظة. كان الجو هادئًا، لكن قلبها لم يكن كذلك. توقفت عند البوابة، وهناك كان حسني، سائق العائلة، ينتظرها قرب السيارة. رفع رأسه ما إن رآها، ثم ابتسم لها بلطف معتاد. “صباح الخير يا آنسة لينا.” ردّت بصوت هادئ: “صباح الخير.” اقترب منها خطوة، ولاحظ التوتر في ملامحها، فقال بابتسامة خفيفة: “إلى أين اليوم؟” أخذت نفسًا عميقًا، ثم قالت بثبات حاولت أن تصنعه رغم ارتجافها: “عندي مقابلة عمل… في مستشفى الشفاء.” اتسعت ابتسامته فورًا، وبدت الفرحة واضحة على وجهه. “حقًا؟ هذا خبر جميل!” ثم أضاف بحماس صادق: “كنت دائمًا أقول إنكِ ستصلين لهذا اليوم. أنتِ تستحقين ذلك.” خفضت لينا نظرها قليلًا، وكأن كلماته لامست شيئًا حساسًا بداخلها. “شكرًا لك حسني…” فتح باب السيارة بسرعة وهو يقول: “تفضلي .” ترددت للحظة، ثم صعدت بهدوء. أغلق الباب، واتجه إلى المقعد الأمامي، ثم انطلق بالسيارة. خلال الطريق… كانت لينا تنظر من النافذة، ترى المدينة تمر أمامها، وكأنها صفحة جديدة تُفتح في حياتها. “ سوف ادعي لكِ ان يكون هذا بداية مختلفة…” همس حسني وهو يقود. ابتسمت لينا ابتسامة خفيفة “أتمنى ذلك…” واصلت السيارة طريقها عبر شوارع المدينة، وكلما اقتربت من مستشفى الشفاء، كان قلب لينا يزداد ثقلًا وخفقانًا في آنٍ واحد. شدّت على ملفها بين يديها أكثر، كأنها تستمد منه قوتها. حسني لاحظ صمتها، فقال بلطف: “لا تقلقي… أنتِ مجتهدة.” أومأت برأسها . بعد دقائق قليلة، بدأت واجهة المستشفى تظهر من بعيد… مبنى ضخم، حديث، يعكس هيبة واضحة من أول نظرة. ابتلعت لينا ريقها بصعوبة. “وصلنا يا آنسة لينا.” توقفت السيارة أمام المدخل الرئيسي، حيث كان الأطباء والموظفون يدخلون ويخرجون بثقة وهدوء، كأنهم جزء من عالم مختلف تمامًا. فتحت الباب ببطء، ونزلت وقفت للحظة أمام المبنى، ترفع نظرها إليه. “مستشفى الشفاء…” همست لنفسها، وكأنها تحاول تثبيت الاسم في داخلها. أخذت نفسًا عميقًا، ثم خطت أول خطوة نحو الداخل. كل خطوة كانت أثقل من التي قبلها. الممرات الواسعة، الإضاءة البيضاء، أصوات الأجهزة الخفيفة، والأطباء بملابسهم البيضاء… كل شيء كان يذكّرها بأنها دخلت عالمًا لا يقبل الضعف. تقدمت نحو الاستقبال، وقدمت أوراقها بابتسامة هادئة حاولت أن تخفي خلفها ارتباكها. “مقابلة لوظيفة.” نظرت الموظفة إلى الأوراق، ثم إلى لينا بإعجاب خفيف لم تستطع إخفاءه. “تفضلي، غرفة المقابلات في الطابق الثالث.” أومأت لينا برأسها، وشكرتها بصوت منخفض ناعم . ثم اتجهت نحو المصعد. وأثناء صعوده… انعكست صورتها على باب المصعد المعدني. كانت هادئة، أنيقة، جميله جداً قوية من الخارج… لكن عينيها كانتا تحكيان شيئًا آخر تمامًا. وصلت لينا إلى الطابق الثالث، وخطت نحو غرفة المقابلات. كانت الممرات أكثر هدوءًا هنا. توقفت أمام الباب، أخذت نفسًا عميقًا، ثم طرقت بخفة. “تفضلي.”نهض أحمد من مكانه بهدوء، وألقى نظرة سريعة على الجالسين، ثم قال بنبرة هادئة تخفي شيئًا من الامتعاض: عن إذنكم. يبدو أن وجودي غير مرغوب فيه، ولا أريد أن أفرض نفسي على أحد.قالت نورة: أحمد…لكنه اكتفى بابتسامة قصيرة، ثم أضاف: لا بأس يا أمي. سأترككم تتحدثون براحتكم.غادر الغرفة واتجه إلى جناحه في الطابق العلوي، وأغلق الباب خلفه. وما إن ابتعد عن أصواتهم حتى تغيرت ملامحه تمامًا.أخرج هاتفه، وانتظر لحظات قبل أن يجري اتصالًا.ما إن جاءه الرد، قال بصوت منخفض: لا تقلقا. الوضع ما زال تحت السيطرة.استمع إلى الطرف الآخر، ثم تابع: الشرطة لم تتوصل إلى أي أثر جديد حتى الآن، لذلك لا يوجد ما يدعو للقلق. أنتما في أمان.صمت قليلًا، ثم قال: سأرسل المبلغ كما اتفقنا. سيكون معكما قبل الموعد المحدد.استمع مجددًا، ثم أجاب: لا، لا ابقيا حيث أنتما، ولا تفعلا أي شيء قد يلفت الانتباه.أنهى المكالمة بعد لحظات، وظل ممسكًا بالهاتف وهو ينظر إلى الشاشة.ثم قال لنفسه بصوت خافت: طالما أن الشرطة لم تجدكما… فلا داعي للعجلة.بعد أن أنهى المكالمة، وضع هاتفه على الطاولة، ثم وقف أمام المرآة يعدّل شعره بهدوء. ظل يحدق في انعكاسه
مرت أربعة أيام ، وما زالت الشرطة تواصل البحث عن غادة ولمى دون توقف.كانت فرق التحقيق قد راجعت سجلات الرحلات التي غادرت المدينة، وتتبعت الرحلة الداخلية التي استخدمتاها بدلًا من الرحلة الدولية، ثم بدأت بمراجعة سجلات محطات القطار في المدينة التي وصلتا إليها. لكن كلما ظنوا أنهم اقتربوا من أثر واضح، اكتشفوا أن المرأتين سبقتاهما بخطوة.في مركز الشرطة، كان الضابط سامر يقف أمام لوحة كبيرة علقت عليها خرائط ومسارات وصور وتقارير السفر. أمضى ساعات طويلة في مراجعة التفاصيل نفسها، محاولًا فهم الطريقة التي تمكنت بها غادة من توقع تحركات الشرطة بهذه الدقة.دخل أحد أفراد الفريق إلى الغرفة، يحمل مجموعة من الأوراق.قال: سيدي، راجعنا تسجيلات المحطة، لكن لا يوجد شيء مؤكد حتى الآن. لدينا عدة أشخاص يشبهون لمى، لكن لا يمكننا تأكيد هويتها.أخذ سامر الأوراق منه، وقلبها واحدة تلو الأخرى.وماذا عن غادة؟لا شيء.رفع سامر عينيه إليه.ولا أي تسجيل واضح؟لا شيء يمكن الاعتماد عليه.أعاد سامر الأوراق إلى الطاولة، ثم نظر إلى الخريطة أمامه.إذن هما تتعمدان ألا تتركا وراءهما أي أثر.قال الضابط الآخر: يبدو ذلك.في منزل ياسر،
في الجهة الأخرى، كان الهدوء قد عاد إلى المنزل الصغير، لكن أياً منهما لم يكن قادرًا على تجاهل ما يحدث في الخارج. كانت لينا تجلس على طرف الأريكة، بينما وقف ريان قرب النافذة، يراقب الشارع بين لحظة وأخرى.قالت وهي تنظر إليه: هل تعتقد أن الشرطة ستجدهما؟أجاب دون أن يلتفت: ستفعل. قد يستغرق الأمر وقتًا، لكنهما لن تختفيا إلى الأبد.تنهدت لينا وأسندت رأسها إلى ظهر الأريكة. كلما فكرت في كل ما حدث، أشعر وكأنني أعيش حياة شخص آخر.التفت ريان إليها، ثم اقترب وجلس إلى جوارها.نظرت إليه وقالت: أحيانًا أتساءل كيف استطعت أن أعيش كل هذه السنوات وأنا لا أعرف الحقيقة.لأنك لم تكوني تعرفين أن هناك حقيقة مخفية أصلًا.خفضت عينيها، ثم قالت: والآن أعرف.مد ريان يده وأمسك يدها بهدوء.ولن تضطري إلى مواجهتها وحدك.رفعت عينيها إليه، وبقيت تنظر إليه لحظات قبل أن تبتسم ابتسامة صغيرة.أنت تعرف أنني ما زلت غاضبة منك، أليس كذلك؟ابتسم ريان.وأنت ما زلت تتصرف وكأن شيئًا لم يحدث.لأنني لو أخذت غضبك على محمل الجد، فسأضطر إلى الجلوس في الزاوية حتى ينتهي الأسبوع كله.ضحكت رغمًا عنها ربما هذا ما تستحقه.ربما.ثم اقترب منها قلي
في قسم الشرطة، كان الضابط سامر يجلس خلف مكتبه، بينما بقي عدد من الضباط على أهبة الاستعداد بانتظار الاتصال الذي سيؤكد هبوط الطائرة. كانت كل التفاصيل قد أُرسلت إلى السلطات المختصة، وصور غادة ولمى وبياناتهما أصبحت لديهم، ولم يبقَ سوى لحظة الوصول.كلما رن أحد الهواتف في القسم، التفتت الأنظار نحوه للحظات، ثم يعود الجميع إلى الانتظار عندما يتبين أن الاتصال لا علاقة له بالقضية.وفي منزل ياسر، كان الوقت يمر ببطء أشد.جلس ياسر في غرفة المعيشة، ولم يستطع الاستقرار في مكان واحد. تارة يقف أمام النافذة، وتارة يعود إلى مقعده، ثم ينظر إلى هاتفه وكأنه ينتظر منه أن يخبره بما لا يستطيع هو معرفته.أما زين فكان جالسًا على الأريكة، وقد أسند رأسه إلى ظهرها، وعيناه معلقتان في الفراغ. منذ أن أخبره الضابط بالتهم الموجهة إلى أمه وأخته، لم ينطق إلا كلمات قليلة.كان عقله يرفض تصديق أن المرأتين اللتين عاش معهما طوال حياته أصبحتا الآن متهمتين في قضية اختطاف وتزوير أدت إلى اعتقاد الجميع أن لينا ماتت.قال ياسر بعد صمت طويل: خمس ساعات…كان من المفترض أن يكونا قد وصلا الآن.لم يجد زين ما يجيبه به.في الجهة الأخرى، كان
كانت الطائرة تقترب من الهبوط، ولمى تراقب من النافذة الأضواء الممتدة أسفلها، بينما بقيت غادة هادئة على نحو أثار استغراب ابنتها. التفتت لمى إليها وقالت بقلق: أمي، هل أنتِ متأكدة أن الشرطة لن تصل إلينا؟ نظرت غادة إليها، ثم قالت بهدوء: بل ستصل… لكن إلى المكان الخطأ. عقدت لمى حاجبيها.ماذا تقصدين؟ أخرجت غادة هاتفها وتأكدت من شيء في الشاشة قبل أن تخفضه، ثم قالت: حجزت رحلتين. الأولى رحلة خارجية، وستكون هي الرحلة التي ستتبعها الشرطة عندما يكتشفون أننا غادرنا. حدقت لمى بها غير مصدقة.رحلة خارجية؟ أومأت غادة، ثم تابعت: سيظنون أننا تركنا البلاد وانطلقنا إلى المكان الذي حددناه في الحجز، وربما يرسلون من ينتظرنا هناك أو يتواصلون مع السلطات في تلك الدولة. ثم نظرت من النافذة إلى المدرج الذي بدأت الطائرة تقترب منه، وقالت: لكننا لسنا على تلك الرحلة. سألت لمى بسرعة: إذن أين نحن ذاهبتان؟ أجابتها غادة: نحن الآن على رحلة داخلية. سنهبط في مدينة أخرى، ومن هناك سنستقل القطار إلى مدينة ثالثة. وبعدها نكمل طريقنا حتى نصل إلى البلاد التي سنستقر فيها. اتسعت عينا لمى وهي تستوعب الخطة.إذن الرحلة ال
بدأت لينا تمسح دموعها بظهر يدها، محاولة أن تستعيد تماسكها، لكن شهقاتها كانت تفضحها في كل مرة. أخذت نفسًا عميقًا، ثم مسحت خدها مرة أخرى، وكأنها غاضبة من نفسها لأنها سمحت له بأن يرى ضعفها. راقبها ريان للحظات، ثم اقترب منها ببطء. ما إن شعرت بقربه حتى رفعت يدها محاولة إبعاده.ريان… لا. لكنه لم يتراجع هذه المرة. مد ذراعيه واحتضنها، فضربت صدره بيدها محاولة أن تبتعد عنه. قلت لك اتركني. شدها إليه، وقال بصوت مرتجف: أرجوكِ… لا تكرهيني. حاولت دفعه مرة أخرى.أنا غاضبة منك.وأنت جعلتني أشعر أن كل ما بيننا كان كذبة. أعرف… وأنا آسف. حاولت أن تفلت من ذراعيه، لكنه قال بالقرب من أذنها بصوت مكسور: لا تبعديني عنك، أرجوكِ. لا أعرف كيف أتحمل أن أخسرك مرة أخرى. توقفت يدها في منتصف محاولتها لإبعاده.ريان… أنا آسف.قالها مرة أخرى، ثم أخذ يكررها وكأن الكلمة الوحيدة التي يستطيع قولها الآن هي تلك الكلمة. آسف لأنني أخفيت عنك الحقيقة. آسف لأنني جعلتك تشعرين أنك كنت مجرد جزء من خطة. آسف لأنني جعلتك تبكين. وآسف عن كل مرة خفت فيها من الاعتراف لك بما أشعر به. بقيت لينا جامدة بين ذراعيه.لم تبادله الع







