Home / مافيا / في قبضة المهووس / الفصل العاشر

Share

الفصل العاشر

Author: ALANET
last update publish date: 2026-06-17 17:03:36

الفصل العاشر

‎كان المساءُ دافئًا على غير عادته، تتسلّلُ أنسامٌ عليلةٌ من النوافذ المُرتفعة، تفوحُ معها روائحُ التوابل الإيطالية العتيقة، وتتمازجُ بأصواتٍ ناعمةٍ لفرقةٍ موسيقيّةٍ تعزف في الزاوية، كأنّها تحاولُ أن تُضفي على السهرةِ طابعًا أبديًّا من الحُلم.

‎المطعمُ، بإضاءته الخافتة، وجدرانه المكسوّة بأوراقِ الذهب والرخام الأبيض، بدا وكأنه مسرحٌ صغير، تتراقصُ عليه المشاعرُ في صمت.

‎جلست فاليريا في المنتصف، وحولها التفّ الجميع؛ ماريا والدتها تبتسمُ وعيناها تلمعان، وفلورا بجوارها تهمسُ بضحكاتٍ خفيفة، أمّا الجنرال كارلو، فكان وجهه جامدًا كعادته، غير أنّه حين التفت نحو إدواردو، وضع يده على كتفه وقال بنبرةٍ عسكريةٍ هادئة:

‎ـ "عامِلها كما لو كانت وطنًا... فقلبي كلّه معلّقٌ بها."

‎ابتسم إدواردو، وردّ بتحيّةٍ رسميّةٍ تُخفي شيئًا ما في عينيه. ثم انحنى على يد فاليريا وقبّلها دون أن ينبس بكلمة.

‎ووسط ضجيج المباركات، وأصوات الكؤوس المتصادمة برفق، كانت هناك نظرتان تخرجان عن الإيقاع...

‎نظرةُ رافييل، من الطرف الآخر للطاولة، كانت طويلة، ساكنة، تُحدّق في وجه فاليريا كأنّه يقرأ كتابًا يعرفه جيدًا، لكنّه يقرأه هذه المرّة للمرة الأخيرة.

‎كانت عيناه لا تحويان الدهشة، ولا الحزن، بل شيئًا أعمق... خليطٌ من الفقد والتمرّد، كأنّه يُلقي الأسئلة في صمت: "حقًا؟ بهذا الشكل؟ وها أنا الآن... مُتأخر؟"

‎وفلورا، التي كانت تضحك مع كيفن وريان، التفتت فجأةً نحو إدواردو، نظرت إليه نظرةً سريعة، عابرة، ولكنها كالسهم، محمّلةٌ بشكٍ عميق، كأنّ في قلبها شيئًا لم يُقال بعد. كأنها كانت تهمس داخليًا: "أنت لست كما تبدو..."

‎وبين كل تلك النظرات، كان مايك يتحدث عن نكهات البيتزا التي ذاقها في جنوب نابولي، والجميع يضحك، غير مدركين تمامًا أن الطاولة التي أمامهم لم تكن مجرّد مائدة، بل رقعةُ شطرنجٍ... تحرّكت فيها القطعة الأولى للتو.

‎وُضعت الأطباقُ تباعًا، وكان كلّ شيءٍ مُتقنًا حدّ الذهول:

‎سلطة "كابريزي" مُرتّبة كلوحةٍ فنيّة، قطع الطماطم والبوفالا موزاريلا يتوسّطها ريحانٌ أخضر، وزيت زيتونٍ بكر يلمع تحت الأضواء.

‎صحون "ريزوتو بالفطر الأبيض" تفوح منها روائح الخريف، وأطباق "رافيولي السبانخ" تُذوّب الحواس.

‎ووسط كل هذا، كانت فاليريا... صامتة.

‎ترتسمُ على وجهها ابتسامةٌ مثالية، تُجيب على التهاني، تُربّت على يد والدتها، تُرسل نظرةً نحو والدها، لكنها كلّما حاولت النظر في عيني رافييل، تشعر أن الزمن يتباطأ، وأنّ قلبها يُقاوم الإيقاع الجديد.

‎أما رافييل، فرفع كأس النبيذ الأحمر ببطء، ثم قال بصوتٍ خفيض:

‎ـ "إلى الحبِّ... حتى وإن تأخّر."

‎لم يلتفت إليه أحد... إلا فاليريا

‎كان الجنرال كارلو يقفُ متأمّلًا اللوحة الزيتية المُعلّقة على الجدار، يضمّ يديه خلف ظهره كعادته، حين اقترب منه إدواردو بهدوءٍ محسوب، ثم قال:

‎ـ "سيدي الجنرال، أودّ إن سمحت لي، أن أتحدّث إليك لدقائق."

‎التفت كارلو إليه ببطء، نظر في عينيه نظرةً فاحصة، ثم أومأ برأسه:

‎ـ "تفضّل، أنا أُنصت."

‎أخذ إدواردو نفسًا عميقًا، وكأنّه يستجمع الكلمات، ثم قال:

‎ـ "كما تعلم، فاليريا تعني لي أكثر مما أستطيع أن أصف... والآن وقد وافقت على الارتباط بي، أرى أنّ من اللائق... أن نُعلن خطوبتنا رسميًّا في أقرب وقت."

‎رفع كارلو حاجبًا واحدًا، وقال بنبرةٍ هادئةٍ لا تخلو من الحزم:

‎ـ "في أقرب وقت؟

‎نحن بالكاد أنهينا العشاء، والأمر بحاجةٍ إلى وقتٍ للتخطيط والترتيب... لا تنسَ أن فاليريا هي ابنتي، وأنا لا أُسلّمها للعجلة."

‎ابتلع إدواردو ريقه، ثم اقترب خطوةً إلى الأمام:

‎ـ "أفهم تمامًا، سيّدي، لكن... الوقت لا يعمل في صالحنا. لديّ مهامّ ميدانية قريبة، وقد أُستدعى في أيّ لحظة، وأنا لا أرغب أن تظل الأمور معلّقة.

‎أرغب أن ترى روما، والعالم، أنّ فاليريا أصبحت رسميًّا لي."

‎حدّق به كارلو طويلًا، وكأنّه يُحاول أن يقرأ ما بين السطور.

‎ثم قال ببطءٍ:

‎ـ "ومتى تفكّر في إقامة الحفل؟"

‎أجاب إدواردو دون تردّد، وكأنّه كان يتدرّب على الجواب:

‎ـ "الخميس القادم، بعد أربعة أيام."

‎انعقد حاجبا الجنرال، وقال:

‎ـ "أربعة أيام؟ هذا ليس وقتًا كافيًا حتى لاختيار مكان الحفل، ناهيك عن الضيوف، واللباس، والترتيبات..."

‎قاطعه إدواردو بإصرارٍ مبطّن:

‎ـ "أعدك، سأتكفّل بكل شيء.. الأهم أن تكون فاليريا رسميًّا زوجتي المُقبلة أمام الجميع."

‎صمتَ كارلو لحظات، ثم تنفّس بعمق، وحدّق في عيني الشاب أمامه، وقال:

‎ـ "أنت مستعجل، مالديني... وأنا لا أُحبّ الاستعجال. لكن بما أنك مصرّ، وبما أن ابنتي وافقت عليك، فلا أجد مانعًا من إقامة الحفل يوم الخميس.

‎لكن تذكّر... إن خذلتها، لن يكون في هذا العالم مكانٌ تُخفي نفسك فيه."

‎ابتسم إدواردو، وانحنى قليلًا:

‎ـ "لن أُخيّبك، سيدي الجنرال. أشكرك على ثقتك."

‎ثم أدار ظهره وعاد إلى الطاولة، فيما ظلّ كارلو واقفًا في مكانه، ينظر في الفراغ... وكأنّ شيئًا ما لم يطمئن له بعد

‎عاد الجنرال كارلو إلى الطاولة، وكان الجميع ما يزال يحتفل ويضحك، فيما جلست فاليريا تُصفّق بخفّةٍ على إيقاع الأغنية الإيطالية الخافتة، ووجنتاها متوهّجتان، وعيناها تلمعان بفرحٍ محتشم.

‎همست لأمها:

‎ـ "أحتاج لحظة... أعود حالًا."

‎وقامت بخفّة وأناقة، فستانها الأحمر الطويل ينزلق كحريرٍ مشتعلٍ خلف خطواتها. عبرت بين الطاولات، وابتسامتها لا تفارق وجهها. دخلت الحمّام، وقفت أمام المرآة، خلعت خاتم الخطوبة بهدوء، وضعته على الرخام، ثم فتحت الماء وبدأت تُبلّل يديها.

‎وجهها في المرآة كان يعكس سعادةً هادئة، وشيئًا خفيًّا لا يُقال.

‎مسحت قطرات الماء عن وجهها بأطراف أصابعها، ثم همّت بالخروج. وما إن فتحت الباب، حتى توقّف الزمن للحظة.

‎كان رافييل واقفًا هناك.

‎مُسندًا ظهره إلى الجدار، يداه في جيبي سترته السوداء، وعيناه مثبتتان عليها، بعُمقٍ لا يُشبه أي شيء. لم يتكلّم فورًا. فقط نظر.

‎هي أيضًا وقفت لحظة، تُحاول أن تُخفي التوتر خلف قناع الابتسامة.

‎قال بصوته الخفيض، الذي لا يحتاج إلى رفعٍ ليصيب القلب:

‎ـ "هل... أنتِ متأكدة؟"

‎تردّدت أنفاسها، ثم ابتسمت، ونظرت إليه مباشرة:

‎ـ "أنا متأكدة، رافييل. هذا خياري... وأنا جاهزة."

‎ظلّ يحدّق فيها، بعينَين تحملان أكثر مما يُقال. اقترب خطوة واحدة فقط، حتى أصبح بينهما مسافة صمت، وقال:

‎ـ "أنا... لا أتدخّل. ولن أفعل. لكن... أردت فقط أن تعرفي شيئًا."

‎تسارعت أنفاسها قليلًا، فقال بصوتٍ منخفضٍ فيه ارتجافٌ مكبوت:

‎ـ "أنا دائمًا كنت أراكِ، فاليريا... كما أنتِ.

‎وما زلت.

‎ومهما حصل... أنا دائمًا خلفك. لا يُهمّ من أين تأتيكِ الضربات، إن سقط العالم كله، ستجدينني دائمًا هناك، خلف ظهرك."

‎شهقت أنفاسها، لكنها كتمتها. لم تُجبه. فقط نظرت إليه نظرةً عميقة، ثم تمتمت:

‎ـ "راف... شكراً."

‎ثم أمسكت بالخاتم من جيبها، وارتدته من جديد. رفعت رأسها، ابتسمت، وقالت:

‎ـ "سأعود للطاولة."

‎أومأ لها بصمت، تنحّى جانبًا لتتجاوزَه، لكنه لم يُدرِ ظهره... بقي يراقبها وهي تبتعد.

‎وفي قلبه، كانت الحرب قد بدأت

‎بعد يومين

‎📍شركة فاليريا

‎بعد يومين على إعلان الخطوبة، كانت أجواء القصر، والمدينة، وحتى البيت، تعجّ بحالةٍ من التوتّر المغلّف بالحماس.

‎التحضيرات تسير كعاصفةٍ منظمة.

‎كارلو أنتونيللي دعا عشرات الشخصيات البارزة من رجالات الدولة، السياسيين، والضباط المتقاعدين، فيما إدواردو انهمك بإرسال الدعوات إلى وجوهٍ معروفة من نخبة المجتمع، سفراء، رجال أعمال، ونواباً سابقين...

‎كل شيء بدا وكأنّه يُجهَّز لحفل ليس كباقي الحفلات. وكأنّه أكثر من خطوبة... أقرب ما يكون إلى إعلان ولاء، أو صفقة كبرى.

‎في هذه الأثناء، كانت فاليريا في الطابق العلوي من دار التصميم الخاصة بها.

‎وقفت وسط المكتب الكبير، جدرانه مكسوّة بالخشب الداكن، والنوافذ تُطلّ على سماء روما المتلبّدة.

‎كانت تحدّق في أحد الفساتين المعلّقة أمامها.

‎تصميمٌ فخم، أزرق سماوي، مصنوع من الشيفون المطرّز باليد، وأطرافه تتدلّى منها شرائط ناعمة كأنها أجنحة.

‎بينما كانت تضع اللمسات الأخيرة، وغارقة في تركيزها، انفتح باب المكتب فجأة.

‎لم تكن تتوقّع دخوله، ولا توقيت زيارته.

‎كانت واقفةً وسط المكتب، بين التصاميم والقصاصات، حين فُتح الباب بهدوء، ودخل والدها.

‎رفعت نظرها على الفور، دهشتها خفيفة، لكنها تبخّرت حين رأته.

‎الجنرال كارلو أنتونيللي... لم يكن الجنرال في تلك اللحظة، بل الأب.

Continue to read this book for free
Scan code to download App

Latest chapter

  • في قبضة المهووس    الفصل السابع عشر

    الفصل السابع عشر ‎12:45 ظهرًا – روما – مطار تشامبينو العسكري ‎حطّت الطائرة بهدوء، ‎فتح الباب الخارجي، وهبّت نسمة باردة من شتاء العاصمة الإيطالية. ‎ترجل رافـييل من الطائرة أولًا، ‎لكن ما إن وطأت قدماه الأرض، حتى رنّ هاتفه. ‎تفحّص الشاشة، ثم أجاب فورًا: ‎ـ دي فاليريو يتكلم... ‎صوت جافّ على الطرف الآخر: ‎ـ يجب أن تتوجه إلى السفارة حالًا، هناك تطوّر عاجل... ‎لم يرد، فقط أغلق الهاتف ونظر إلى فاليريا. ‎اقترب منها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: ‎ـ لن أستطيع إيصالك إلى المنزل، يجب أن أذهب مباشرة إلى السفارة. ‎ثم أشار إلى إحدى السيارات السوداء خلفه: ‎ـ المرافقة ستأخذك بأمان، لا تقلقي. ‎نظرت إليه، ملامحها تشي بالقلق، ثم تمتمت: ‎ـ انتبه على نفسك، رافـي. ‎أومأ برأسه دون أن يضيف كلمة، ‎كلٌّ منهما استدار نحو سيارته الخاصة، ‎وافترقا... ⸻ ‎في مكانٍ بعيد – موقع مجهول – الساعة 1:00 ظهرًا ‎في غرفة قاتمة الإضاءة، جلس رجلٌ بملامح غامضة، ‎أمسك هاتفًا قديم الطراز، وضغط على زر الاتصال. ‎انتظر ثانية أو اثنتين، ثم قال بصوتٍ باردٍ كالسُم: ‎ـ "حان وقت تنفيذ الخطة." ‎ثم انقطع الاتصال. ‎وفي

  • في قبضة المهووس    الفصل السادس عشر

    الفصل السادس عشر ‎– منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد ‎دخلت فاليريا القاعة الواسعة، ‎وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، ‎وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: ‎"مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." ‎أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، ‎من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، ‎يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. ‎وسط ذلك الزخم، ‎وقف رافـييل بجانبها، ‎ممسكًا بيدها برقة، ‎كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: ‎"أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." ‎سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، ‎تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، ‎مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. ‎انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، ‎توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ ‎في طريق العودة إلى الفندق ‎جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، ‎كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ‎ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... ‎التفت رافـييل إليها، متفهمًا، ‎فأكملت: ‎ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هوا

  • في قبضة المهووس    الفصل الخامس عشر

    الفصل الخامس عشر ناظرتهم الموظفة باحترام، ثم سلّمت فاليريا بطاقة معدنية ذهبية وقالت بلطف: ـ جناح 327، الطابق الثالث. نرجو لكِ إقامة هانئة. ‎مدّت فاليريا يدها وأخذت البطاقة، وعيناها لم تزل معلّقتين على رافـييل، الذي قال بهدوء: ‎ـ إن احتجتِ شيئًا، أنا في الطابق الخامس. ‎ردّت بابتسامة قصيرة، ثم التفتت نحو المصعد دون أن تنبس بكلمة. ‎في اللحظة التي أغلقت فيها أبواب المصعد خلفها، نظر رافـييل إلى أدريانو وقال بصوت خافت: ‎ـ هل لاحظتَ ذلك؟ ‎أجابه أدريانو وهو يرفع حاجبًا واحدًا: ‎ـ أن الخلل لم يكن عشوائيًا؟ نعم... لاحظت ______ ‎الساعة 10:15 مساءً – جناح 327 – ‎دخلت فاليريا جناحها بخطى هادئة. ‎الإضاءة دافئة، والجناح فخم بألوانه الكريمية والذهبية، والأرضية من الخشب المصقول تعكس صدى خطواتها الناعمة. ‎وضعت حقيبتها جانبًا، ثم اتجهت مباشرة نحو الحمام، ‎خلعت فستان السفر الطويل ودخلت تحت دوش الماء الدافئ... ‎كأنها تُزيل عن روحها تعب الرحلة وتلك اللحظة المربكة عند الاستقبال. ‎خرجت بعد دقائق، لُفّت بمنشفة بيضاء ناعمة، قطرات الماء ما زالت تتدلّى من خصلات شعرها. ‎ارتدت كنزة قطنية ناعمة ب

  • في قبضة المهووس    الفصل الرابع عشر

    الفصل الرابع عشر وقفت فاليريا تستوعب وقع هذه الكلمات، كأنها وقفت على عتبة حياة جديدة، رحلة لا تعرف مدى صعوبتها لكنها لا يمكنها إلا أن تخوضها خرجت فاليريا من مكتب رافـييل بخطوات متسارعة، والقلق يلوح في عينيها، ينبض قلبها بإيقاع متسارع كأنه يشدو لحن الوداع المؤقت. توجهت نحو مكتب إدواردو، حيث كان جالسًا يراقب النوافذ المطلة على المدينة، كأنه يحاول استيعاب لحظة ما. وقفت أمامه، ونظرت إليه بعينين تختلج فيهما مشاعر متضاربة، قالت بصوتٍ يكاد يهمس: — "رافـييل أخبرني عن الرحلة إلى إسبانيا غدًا." التفت إليها وابتسم ابتسامة دافئة، قال: — "أنا سعيد جدًّا بتقدمك، وفخور بأنك تخطين خطوات ثابتة في عملك. هذا النجاح الذي تبنينه هو مصدر فرحي الحقيقي." تنهدت ثم همست، والصوت يختلط فيه الحزن: — "لكنني أخشى أن تبعدني المسافات عنك." اقترب منها وأمسك يدها برقة، وقال: — "لا شيء يمكن أن يبعدنا، فثلاثة أيام فقط، وسيظل صوتك وصورتك رفيقاني في كل لحظة. نجاحك هو سعادتي، وتطورك شرف لي." شعرت بدفء كلماته يملأ قلبها، ابتسمت بثقة، وأجابت: — "سأجعل من كل لحظة غربة فرصة لأكون أقوى، ولأجعل حبنا يتخطى كل الحدود."

  • في قبضة المهووس    الفصل الثالث عشر

    الفصل الثالث عشر كانت القاعة... ليست مجرد قاعة، بل صرحٌ من الفخامة المفرطة، تجلّى فيه كل ما في السلطة من هيبة، وكل ما في المال من بذخ. الجدران الشاهقة كُسيت بأقمشة حريرية ذهبية، تتدلّى منها أشرطة من الكريستال النقيّ، تنثر الضوء كأنها نجومٌ تتراقص على جدران السماء. الثريات العملاقة، كأنها شموسٌ معلّقة، انسكب منها الضوء على الوجوه، فتألق السياسيون ببدلاتهم الفاخرة، والسفراء بنظراتهم المتوجسة، وأصدقاء إدواردو القدامى الذين اصطفوا، يتهامسون في زوايا الصالة، بين كأسٍ يُرفع، وابتسامةٍ مخاتلة. في نهاية الممر الطويل المفروش بسجّاد عنّابي، وقف إدواردو مالديني، بثباتٍ من يعرف تمامًا ما يريد. يرتدي بدلة سوداء ذات طابع عسكري فاخر، صدره مشدود، وكتفاه مرتفعتان بثقة، ونظرته تتقدم الممر كما لو كان يُحاصر القاعة بكاملها. وعند تلك اللحظة بالضبط... انطفأت أنوار السقف قليلًا، وسُلط الضوء على أعلى الدرج الذي يؤدي إلى قاعة الحفل. همسٌ خافت عمّ المكان، ثم توقف كل شيء. وظهرت هي... فاليريا. كأنها انبثقت من أسطورة. كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا ذا بريق معدني ثقيل، تنساب أطرافه كأنها أنهار شمسٍ صُهرت م

  • في قبضة المهووس    الفصل الثاني عشر

    الفصل الثاني عشر ‎📍قاعة الاجتماعات: ‎كانت القاعة الكبرى أشبه بغرفة عرش سياسية. مستطيلة الطول، سقفها عالٍ تتدلّى منه ثريّا زجاجية فاخرة، تلمع كأنّها أسرار معلّقة. الجدران مكسوّة بخشب الجوز المعتّق، وأعلاها لوحات زيتية تمثّل معاهدات تاريخية، وخلفية لمكتب ضخم يُشرف عليه شعار الشركة المنقوش بالذهب. ‎المقاعد مُرتّبة على طاولة مستطيلة لامعة، يتوسّطها جهاز عرض، وعلى كل مقعد لوحة اسمية صغيرة. ‎دلف الجميع تباعًا: رجالٌ ونساء، يرتدون البزّات الرسمية، وكلٌّ يحمل جهازه اللوحي أو ملفًا. ‎دخل إدواردو أخيرًا، وجلس على يسار رافييل دون أن ينظر إلى أحد. كانت ملامحه متحفّظة، ونظرته تفتّش في الوجوه. ‎ثم دخلت فاليريا، فعمّ الهمس بين البعض، ورفعت أكثر من حاجب بدهشة، وهي تتّجه إلى المقعد الخالي عند الطرف الأيمن للطاولة، دون أن تبدي ارتباكًا. ‎وقف رافييل، فعمّ الصمت، وما إن بدأ الحديث حتى خُشعت الأبصار: ‎ــ "شكراً لحضوركم السريع... ‎أود أن أُعلن قراراً إدارياً سيُطبّق بدءًا من الأسبوع المقبل. ‎الآنسة فاليريا أنتونيلّي، ستباشر عملها رسميًا كمحلّلة سياسات ومديرة مشاريع تنفيذية ضمن قسم العلاقات الدول

More Chapters
Explore and read good novels for free
Free access to a vast number of good novels on GoodNovel app. Download the books you like and read anywhere & anytime.
Read books for free on the app
SCAN CODE TO READ ON APP
DMCA.com Protection Status