FAZER LOGINالفصل الحادي عشر
لم يتفوّه بكلمة. اقترب منها بخطواتٍ بطيئة، ثم فتح ذراعيه وضمّها إليه، حضنٌ ثقيلٌ يحمل في صمته كل سنوات الحب، والخوف، والاعتزاز. هي أيضًا لم تتكلّم، فقط أراحت رأسها على كتفه، كأنها تعود إلى مكانها الأول. وبعد لحظة، أبعدها برفق، نَظر في عينيها، ثم جلس على الكرسي، وأشار لها أن تجلس قربه. فجلست. وبنبرةٍ هادئةٍ عميقة، قال: ــ "أودّ أن أطلب منكِ طلبًا، يا ابنتي... وكلّي أمل أن تُلبيهِ دون تردّد." ⸻ جلسا بهدوء، كما لو أن العالم خارج المكتب لم يعد موجودًا. لا تصاميم، لا تحضيرات، لا خطوبة... فقط أب وابنته. نظرت إليه بعينين فيهما حبّ وقلق، ثم همست: ـ "أطلب ما شئت يا أبي... ولو أردتُ عيوني، فسأسلّمها لك." ابتسم ابتسامة دافئة، وقال: ـ "لن أطلب عيونك، فاليريا... لكنني أريدك أن تخوضي معركةً من نوعٍ آخر." سكت لحظة، ثم نظر إليها بجدّية: ـ "أريدك أن تتدرّبي في شركة رافييل السياسية، وأريدك أن تبني لنفسك مستقبلًا سياسيًا حقيقيًا... باسمك أنت." شهقت بدهشة، وقالت مترددة: ـ "سياسة؟ أنا؟... أبي، أنت تعلم أنني اخترت دربًا آخر، وأن شغفي..." قاطعها برقة وحزم: ـ "أعلم يا صغيرتي، لكنني أعلم كم أنتِ قوية. لم أتعب في هذا الطريق من أجلي فقط، بل من أجل من سيأتي من بعدي." خفض عينيه، ثم قال بصوت خافتٍ يحمل عمرًا من الخبرة: ـ "ما بقي لي في هذه الحياة كثير، يا فاليريا، وأمنيتي الأثمن أن أراكِ تكملين المسيرة من بعدي، بعقلك وقوتك وشخصيتك." سكتت للحظة، ثم أدركت أن هذا الطلب ليس طموح أب فقط، بل وصية بعد لحظة صمتٍ عميقة، رفعت فاليريا رأسها ونظرت إلى والدها بعينيها المملوءتين بالعزم، ثم قالت: ـ "سأوافق على طلبك، يا أبي. وأعدك أن أبذل جهدي لأكون عند حسن ظنك." ابتسم الجنرال كارلو، وأخذ نفسًا عميقًا، ثم قال: ـ "سأخبر رافييل بالأمر فورًا، ومن غدٍ تبدأين تدريبك في السفارة، حيث ستكون لك فرصة لتتعرفي على الواقع السياسي." ⸻ في صباح اليوم التالي، جلست فاليريا إلى جانب إدواردو في السيارة، متجهين نحو مبنى السفارة. كان الجو مشحونًا بالتوتر، وكأن كل لحظة تحمل معها احتمالًا جديدًا. التفت إليها إدواردو ونظر إليها بعينين تحملان مزيجًا من الحذر والنصيحة: ـ "كوني حذرة، ولا تفتعلي المشاكل، ولا تكوني متهورة، كما أنتِ عادةً." ابتسمت له بخفّة وقالت: ـ "فهمت، لا تقلق." وصلت السيارة إلى مبنى السفارة، صرحٌ ضخمٌ يفرض هيبته وسط المدينة، محاطٌ بسياجٍ حديديّ متين، وبواباتٍ إلكترونية تُفتح بهدوء عند الاقتراب. توقفا أمام البوابة الرئيسية، التي ارتفعت ببطء لتكشف عن باحةٍ واسعة مرصوفةٍ ببلاطٍ رخامي لامع، تلتقط انعكاسات أشعة الشمس التي تخترق السماء الصافية. دخلت فاليريا برفقة إدواردو إلى المبنى، حيث استقبلتهما رائحةُ الخشب المعتّق والجلد الفاخر، ممزوجةً بنفحاتٍ خفيفةٍ من العطور الرسمية. الداخلية كانت تحفة فنية من الكلاسيكية الحديثة؛ جدرانٌ مطلية بألوانٍ دافئة بين البيج والكريمي، مزينة بلوحات زيتية ذات إطاراتٍ ذهبية تحمل مشاهدًا تاريخيةً وحضارية. السقف العالي يحتضن ثريا ضخمة من الكريستال تلمع بنورٍ مهيب، يتناثر على أرضية الرخام البيضاء اللامعة. ممراتٌ واسعة، تحتضن مقاعد جلديّة أنيقة منتشرة بأناقة على الجانبين، حيث يجلس موظفون في أزياء رسمية، ينهمكون في أعمالهم أو يتبادلون همساتٍ خافتة. صوت خطوات الأقدام على الرخام يتردد كصدى في أرجاء القاعات، مع نسماتٍ خفيفة تدخل من النوافذ الواسعة التي تطل على حديقةٍ مُنسقة بعنايةٍ، يملأها خضارٌ وأزهارٌ مزهرة. كان هناك مكتب استقبال يرتدي موظفوه بزات أنيقة، يستقبلون الزوار بابتسامات مهنية، ويهتمون بتسجيل مواعيدهم بدقة. أخذ إدواردو فاليريا في جولة سريعة عبر الممرات المضيئة، يمرّ بها على مكاتب مختلفة، بعضها يختلط فيها صوت المكالمات الهاتفية مع همسات الاجتماعات السرية. مع كل خطوة، كانت فاليريا تشعر بثقل المسؤولية يتسلل إلى صدرها، وحفيف الأوراق، وصدى الأصوات يحيطان بها كخلفية لمسيرتها القادمة. وأخيرًا، وقفت عند باب مكتب رافييل، حيث توقفت للحظة، تنظر إلى الباب بثبات، تتنفس بعمق، مستعدة للخطوة التي ستغير مجرى حياتها طرقت الباب طرقًا خافتًا. فجاءها صوتٌ من الداخل، عميقٌ وواثق: ـ "تفضّل." فتحت الباب ببطء، ودخلت بخطًى راسخة، يسبقها صوت كعبها العالي، يُوقِظ سكون المكان كأنّه إعلانٌ عن حضورٍ لا يُمكن تجاهله. ارتفعت نظرة رافييل عن شاشة الحاسوب، حين ارتطم سمعه بإيقاع تلك الخطوات، فرفع رأسه بتمهّلٍ، وسرعان ما تلاشت الجديّة عن وجهه، لتحلّ محلّها ابتسامةٌ خفيفة، دافئة، ومفعمةٌ بشيءٍ خفي. كان جالسًا خلف مكتبٍ فخمٍ من الخشب المعتّق، تلمع سطحه أضواءٌ صفراء ناعمة، تنعكس على أوراقٍ مرتّبة بعناية. إلى جانبه حاملة أقلامٍ من البرونز، وخلفه مكتبةٌ عامرةٌ بكتبٍ سياسية وفكرية، مصفوفةٍ كأنّها جنود في عرضٍ رسمي. رفعه نفسه من مجلسه بلباقة، وقال بصوته العميق: ـ "ما أشبه حضوركِ بشعاع الشمس حين يخترق غيوم الظهيرة... حللتِ أهلًا، ووطئتِ موضعًا باتَ أجمل منذ وطئته قدماكِ." لم تُجبه سوى بابتسامةٍ مهذّبة، واستقرّت على المقعد أمامه، بينما عاد هو إلى مجلسه، قائلاً: ـ "دعينا نبدأ بحديث العمل، فالوقت، كما تعلمين، لا أحبّ الانتظار." ضحكت برقة، وقالت بنبرةٍ ساخرة: ـ "وإن كنتَ تنوي أن توصيَني بألّا أكون متهوّرة... فاعلمْ أنّ إدواردو لم يترك في الوصايا شيئًا إلا ألقاه." رفع رافييل حاجبه الأيسر باستنكارٍ خافت، ثم مال بجسده قليلًا إلى الأمام، وقال بصوتٍ أقرب إلى التحدّي: ـ "مَن قال إنّي كنتُ لأوصيكِ بذلك؟ بل على النقيض تمامًا... اِفتعلي ما تشائين من الفوضى، وافعلي ما يحلو لكِ، وإن أردتِ تغيير النظام من جذوره، فافعلي، فأنا، وشركتي، ومن فيها... تحت أمرك." نظرت إليه فاليريا بدهشةٍ خافتةٍ، وسرعان ما انفرجت شفتيها عن ابتسامةٍ لم تُخفِ إعجابها بكلماته، وإنْ حملت في طيّاتها كثيرًا من الحذر وقف رافييل خلف مكتبه، وسحب من إحدى الأدراج المغلقة ملفًا بنيّ اللون، مرصوف الحواف، عليه طابعٌ أحمر كتب عليه بخطٍّ دقيق: "سري – غير معدّ للتداول". تقدّم به نحو فاليريا، ومدّه نحوها قائلاً بنبرةٍ عميقة، متّزنة، لا تخلو من الجدية: ــ "هذه مسوّدة مذكّرة تفاهم بيننا وبين لجنة حكومية محليّة، تتعلق بمشروع تعاون في المجال الدبلوماسي الثقافي. المستند يحتوي على صيغٍ قانونية وسياسية، وقد طالبت بمراجعته من طرفٍ غير تقليدي... لذا، جاء دوركِ." نظرت إليه، وقد انعكست على وجهها لمحة فضول، فتابع دون أن يترك لها مجالًا للسؤال: ــ "اقرئيه بعين ناقدة، ابحثي عن الثغرات، عن الجُمل الغامضة، عن كلّ ما قد يُفهم على غير وجهه... أريد تقريرًا مختصرًا خلال ثلاث ساعات فقط. ولا حاجة للمجاملات، بل للصدق... وأنتِ تعلمين كم أقدّر الصدق." مدّت يدها وتناولت الملف، ثم رفعت نظراتها نحوه، وقالت بابتسامةٍ واثقة: ــ "ثلاث ساعات تكفي... إن كانت الحقيقة هي المطلوب، وأعدكَ... لن أقول غير الحقيقة." هزّ رأسه برضا، ثم ضغط على زرٍ صغير إلى يمينه، وفورًا دخل أحد الموظفين، شاب أنيق المظهر، يحمل دفترًا صغيرًا، وعينين تتأرجحان بين الاحترام والتأهب. قال له رافييل دون أن ينظر إليه: ــ "أدريانو، خذ الآنسة فاليريا إلى المكتب المجاور، رتّب لها كل ما تحتاج، تأكّد أنّ لا أحد يُقاطعها طيلة المدة." انحنى أدريانو إشارةً إلى السمع والطاعة، ثم أدار جسده نحو فاليريا قائلاً بأدبٍ إيطالي الطبع: ــ "تفضّلي آنسة فاليريا، مكتبك من هذه الجهة." استدارت نحو الباب بخطى ثابتة، الملف بين يديها، كأنّها تحمل فصلًا جديدًا من قدرها، ورافـييل ظلّ يراقبها حتى غابت خلف زجاج الممر، وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة لا تُقرأ بسهولة... خليطٌ من التحدّي والإعجاب وربما... التوق مرّت ثلاث ساعات كأنّها لحظة... أو حياة كاملة. حين عادت فاليريا إلى مكتب رافييل، كانت تحمل بين يديها الملفّ وقد نُسجت عليه ملاحظاتها بخطٍّ أنيق، دقيق، يدلّ على عينٍ نافذة، وقلمٍ لا يكتب إلا بعد تمحيص. تناول رافييل الملف، وراح يقلب صفحاته بصمتٍ مُطبق، لم يُسمع فيه سوى تقليب الورق، وهمسات أنفاسه الرتيبة. وما إن انتهى، حتى أغلقه برفق، ووضعه أمامه، ثم رفع عينيه إليها. ــ "عملٌ بالغ الحرفية... لم أكن مخطئًا في حدسي." قالها بنبرةٍ أقرب إلى الاعتراف، وملامحه تُخفي اندهاشًا لم يعتد إظهاره. ثم ضغط على الزر الفضي إلى يساره، وأمر سكرتيره: ــ "أدريانو، جهّز القاعة الكبرى، اجتماع طارئ خلال عشر دقائق. جميع الموظفين التنفيذيين والمستشارين، دون استثناء." ⸻الفصل السابع عشر 12:45 ظهرًا – روما – مطار تشامبينو العسكري حطّت الطائرة بهدوء، فتح الباب الخارجي، وهبّت نسمة باردة من شتاء العاصمة الإيطالية. ترجل رافـييل من الطائرة أولًا، لكن ما إن وطأت قدماه الأرض، حتى رنّ هاتفه. تفحّص الشاشة، ثم أجاب فورًا: ـ دي فاليريو يتكلم... صوت جافّ على الطرف الآخر: ـ يجب أن تتوجه إلى السفارة حالًا، هناك تطوّر عاجل... لم يرد، فقط أغلق الهاتف ونظر إلى فاليريا. اقترب منها، وقال بصوت هادئ لكنه حازم: ـ لن أستطيع إيصالك إلى المنزل، يجب أن أذهب مباشرة إلى السفارة. ثم أشار إلى إحدى السيارات السوداء خلفه: ـ المرافقة ستأخذك بأمان، لا تقلقي. نظرت إليه، ملامحها تشي بالقلق، ثم تمتمت: ـ انتبه على نفسك، رافـي. أومأ برأسه دون أن يضيف كلمة، كلٌّ منهما استدار نحو سيارته الخاصة، وافترقا... ⸻ في مكانٍ بعيد – موقع مجهول – الساعة 1:00 ظهرًا في غرفة قاتمة الإضاءة، جلس رجلٌ بملامح غامضة، أمسك هاتفًا قديم الطراز، وضغط على زر الاتصال. انتظر ثانية أو اثنتين، ثم قال بصوتٍ باردٍ كالسُم: ـ "حان وقت تنفيذ الخطة." ثم انقطع الاتصال. وفي
الفصل السادس عشر – منتصف النهار – قاعة المؤتمر – مدريد دخلت فاليريا القاعة الواسعة، وسط أضواء الكاميرات التي تركزت عليها بشدة، وهمسات الحضور تتناقل اسمها بإعجاب: "مصممة الأزياء الشهيرة التي تحولت إلى شخصية سياسية بارزة..." أصوات الأسئلة تنهال من كل حدب وصوب، من الصحفيين، والضيوف، والمهتمين، يتساءلون عن سرّ تحوّلها، وعن رؤيتها المستقبلية. وسط ذلك الزخم، وقف رافـييل بجانبها، ممسكًا بيدها برقة، كأنه يرسل لها رسالة طمأنينة: "أنا هنا، لن تديري وجهك وحدك." سارت فاليريا بثبات أمام الحضور، تجاوبت مع الأسئلة بصوتٍ واضحٍ وواثق، مُظهرةً مزيجًا من الجمال والذكاء والصلابة. انتهى المؤتمر دون مفاجآت، وخرج الجميع إلى الهواء الطلق، توجهوا إلى السيارات التي كانت بانتظارهم. ⸻ في طريق العودة إلى الفندق جلسا في السيارة، والهدوء يلف المكان، كادت فاليريا تكسر الصمت، ثم قالت بنبرةٍ هادئة لكنها حازمة: ـ لا أشعر برغبة في العودة إلى الفندق الآن... التفت رافـييل إليها، متفهمًا، فأكملت: ـ أريد أن أتجول قليلاً في شوارع مدريد، أن أتنفس هوا
الفصل الخامس عشر ناظرتهم الموظفة باحترام، ثم سلّمت فاليريا بطاقة معدنية ذهبية وقالت بلطف: ـ جناح 327، الطابق الثالث. نرجو لكِ إقامة هانئة. مدّت فاليريا يدها وأخذت البطاقة، وعيناها لم تزل معلّقتين على رافـييل، الذي قال بهدوء: ـ إن احتجتِ شيئًا، أنا في الطابق الخامس. ردّت بابتسامة قصيرة، ثم التفتت نحو المصعد دون أن تنبس بكلمة. في اللحظة التي أغلقت فيها أبواب المصعد خلفها، نظر رافـييل إلى أدريانو وقال بصوت خافت: ـ هل لاحظتَ ذلك؟ أجابه أدريانو وهو يرفع حاجبًا واحدًا: ـ أن الخلل لم يكن عشوائيًا؟ نعم... لاحظت ______ الساعة 10:15 مساءً – جناح 327 – دخلت فاليريا جناحها بخطى هادئة. الإضاءة دافئة، والجناح فخم بألوانه الكريمية والذهبية، والأرضية من الخشب المصقول تعكس صدى خطواتها الناعمة. وضعت حقيبتها جانبًا، ثم اتجهت مباشرة نحو الحمام، خلعت فستان السفر الطويل ودخلت تحت دوش الماء الدافئ... كأنها تُزيل عن روحها تعب الرحلة وتلك اللحظة المربكة عند الاستقبال. خرجت بعد دقائق، لُفّت بمنشفة بيضاء ناعمة، قطرات الماء ما زالت تتدلّى من خصلات شعرها. ارتدت كنزة قطنية ناعمة ب
الفصل الرابع عشر وقفت فاليريا تستوعب وقع هذه الكلمات، كأنها وقفت على عتبة حياة جديدة، رحلة لا تعرف مدى صعوبتها لكنها لا يمكنها إلا أن تخوضها خرجت فاليريا من مكتب رافـييل بخطوات متسارعة، والقلق يلوح في عينيها، ينبض قلبها بإيقاع متسارع كأنه يشدو لحن الوداع المؤقت. توجهت نحو مكتب إدواردو، حيث كان جالسًا يراقب النوافذ المطلة على المدينة، كأنه يحاول استيعاب لحظة ما. وقفت أمامه، ونظرت إليه بعينين تختلج فيهما مشاعر متضاربة، قالت بصوتٍ يكاد يهمس: — "رافـييل أخبرني عن الرحلة إلى إسبانيا غدًا." التفت إليها وابتسم ابتسامة دافئة، قال: — "أنا سعيد جدًّا بتقدمك، وفخور بأنك تخطين خطوات ثابتة في عملك. هذا النجاح الذي تبنينه هو مصدر فرحي الحقيقي." تنهدت ثم همست، والصوت يختلط فيه الحزن: — "لكنني أخشى أن تبعدني المسافات عنك." اقترب منها وأمسك يدها برقة، وقال: — "لا شيء يمكن أن يبعدنا، فثلاثة أيام فقط، وسيظل صوتك وصورتك رفيقاني في كل لحظة. نجاحك هو سعادتي، وتطورك شرف لي." شعرت بدفء كلماته يملأ قلبها، ابتسمت بثقة، وأجابت: — "سأجعل من كل لحظة غربة فرصة لأكون أقوى، ولأجعل حبنا يتخطى كل الحدود."
الفصل الثالث عشر كانت القاعة... ليست مجرد قاعة، بل صرحٌ من الفخامة المفرطة، تجلّى فيه كل ما في السلطة من هيبة، وكل ما في المال من بذخ. الجدران الشاهقة كُسيت بأقمشة حريرية ذهبية، تتدلّى منها أشرطة من الكريستال النقيّ، تنثر الضوء كأنها نجومٌ تتراقص على جدران السماء. الثريات العملاقة، كأنها شموسٌ معلّقة، انسكب منها الضوء على الوجوه، فتألق السياسيون ببدلاتهم الفاخرة، والسفراء بنظراتهم المتوجسة، وأصدقاء إدواردو القدامى الذين اصطفوا، يتهامسون في زوايا الصالة، بين كأسٍ يُرفع، وابتسامةٍ مخاتلة. في نهاية الممر الطويل المفروش بسجّاد عنّابي، وقف إدواردو مالديني، بثباتٍ من يعرف تمامًا ما يريد. يرتدي بدلة سوداء ذات طابع عسكري فاخر، صدره مشدود، وكتفاه مرتفعتان بثقة، ونظرته تتقدم الممر كما لو كان يُحاصر القاعة بكاملها. وعند تلك اللحظة بالضبط... انطفأت أنوار السقف قليلًا، وسُلط الضوء على أعلى الدرج الذي يؤدي إلى قاعة الحفل. همسٌ خافت عمّ المكان، ثم توقف كل شيء. وظهرت هي... فاليريا. كأنها انبثقت من أسطورة. كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا ذا بريق معدني ثقيل، تنساب أطرافه كأنها أنهار شمسٍ صُهرت م
الفصل الثاني عشر 📍قاعة الاجتماعات: كانت القاعة الكبرى أشبه بغرفة عرش سياسية. مستطيلة الطول، سقفها عالٍ تتدلّى منه ثريّا زجاجية فاخرة، تلمع كأنّها أسرار معلّقة. الجدران مكسوّة بخشب الجوز المعتّق، وأعلاها لوحات زيتية تمثّل معاهدات تاريخية، وخلفية لمكتب ضخم يُشرف عليه شعار الشركة المنقوش بالذهب. المقاعد مُرتّبة على طاولة مستطيلة لامعة، يتوسّطها جهاز عرض، وعلى كل مقعد لوحة اسمية صغيرة. دلف الجميع تباعًا: رجالٌ ونساء، يرتدون البزّات الرسمية، وكلٌّ يحمل جهازه اللوحي أو ملفًا. دخل إدواردو أخيرًا، وجلس على يسار رافييل دون أن ينظر إلى أحد. كانت ملامحه متحفّظة، ونظرته تفتّش في الوجوه. ثم دخلت فاليريا، فعمّ الهمس بين البعض، ورفعت أكثر من حاجب بدهشة، وهي تتّجه إلى المقعد الخالي عند الطرف الأيمن للطاولة، دون أن تبدي ارتباكًا. وقف رافييل، فعمّ الصمت، وما إن بدأ الحديث حتى خُشعت الأبصار: ــ "شكراً لحضوركم السريع... أود أن أُعلن قراراً إدارياً سيُطبّق بدءًا من الأسبوع المقبل. الآنسة فاليريا أنتونيلّي، ستباشر عملها رسميًا كمحلّلة سياسات ومديرة مشاريع تنفيذية ضمن قسم العلاقات الدول