LOGIN
جوليا
تقرع قطرات المطر على زجاج المساحة المفتوحة كنداءٍ لا يكل، كتذكيرٍ أبدي بواقعٍ لا مفر منه. كل قطرة تبدو وكأنها تهمس بالكلمة ذاتها، بل تصرخ بها: لماذا، لماذا، لماذا. أحدق في شاشة حاسوبي، الأرقام ترقص أمام عينيّ كجنودٍ متمردين، تنساب من بين أصابعي دون أن يلتقطها عقلي المنهك. عالمي الآن، عالمي كله، يختصر في هذا المكتب الضئيل، في هذا الكرسي الذي يصدر صريرًا كلما تحركت، وفي المنظر الذي لا يغيب عن ناظريّ أبدًا: الباب الضخم المصنوع من خشب البلوط المعتق لمكتبه.
مكتبه. لورينزو.
لا يمر يوم دون أن تتسلل عيناي إليه، وكأنهما مرساة في بحر من الفوضى. ذلك الباب الثقيل يخفي وراءه رجلاً كان كل شيء بالنسبة لي، رجلاً تحول حبي له إلى سمٍّ يجرِي في عروقي. كل صباح، أدخل إلى هذا المكان وأنا أعلم أن اليوم سيكون نسخة من الأمس: نظراته الباردة، كلماته الجارحة، طلباته المستحيلة. ومع ذلك، لا أستطيع التوقف عن التفكير فيه. عنا. عن كل ما كان وما يمكن أن يكون.
الصوت المألوف للكعب العالي على الباركيه الرقائقي يجعلني أفزع من شرودي. إنها صوفيا، مساعدة المدير. ابتسامتها الدائمة تشبه شفرةً رفيعةً تخفي وراءها متعةً خفيةً بمشاهدة معاناتي. تقف أمام مكتبي، تنظر إليّ من علٍ، وتلقي كلماتها كحجرٍ في ماء راكد:
— روسي، السيد كونتي يطلبك. فورًا.
فمي يابس كالصحراء. أومئ برأسي فقط، لا أستطيع نطق كلمة. أنهض بحركة مفاجئة جدًا، وكأن جسدي يتحرك بإرادة غير إرادتي. أشعر بنظرات زملائي الجانبية تثقب مؤخرة رأسي، ذلك المزيج المقرف من الشفقة والفضول المريض. أنا الجديدة هنا، سدّة الفراغ، تلك المسكينة التي يبدو أن الرئيس التنفيذي يحمل لها ضغينة شخصية لا تفسير لها. هم لا يعرفون. لا يمكنهم أن يعرفوا. لا أحد يعرف الحقيقة سواي. وسواي.
الممر المؤدي إلى بابه يتحول في عينيّ إلى زقاقٍ من العار، كل خطوة فيه تخطو على شوك الماضي. أقرع الباب، ضربتين خفيفتين، كما علمتني الحياة أن أكون خفيفة، صغيرة، غير مرئية.
— ادخل.
صوته. خمس سنوات لم تغير فيه شيئًا. يخترق الخشب السميك ويصيبني في صميم روحي، ذلك المزيج المتفجر من المخمل والجليد. أمتلك أنفاسي وأدفع الباب.
لورينزو كونتي واقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة، شبحه منحوت في الضوء الرمادي لميلانو. لا يستدير إليّ فورًا. يتركني في هذا الصمت الممتد لأبتلع خوفي، لأتأمل برودة الفخامة التي تحيط بي، لألاحظ - دون أن أستطيع منع نفسي - صورة الخطوبة الموضوعة بتأنٍ على مكتبه. ضحكة كالجرس، شعر أشقر يطير في مهب الريح. كيارا.
الألم حادٌ جدًا، مفاجئ جدًا، لدرجة أن أنفاسي تنحبس في صدري. كل مرة أراها، كل مرة أتذكر أنها ستكون زوجته، أشعر بأن سكينًا تُغرز في قلبي وتُلف ببطء. ولكنني لا أستطيع الكراهية. لا أستطيع إلا أن أحب. وهذا هو أغبى شيء في الأمر.
يستدير أخيرًا. عيناه، تلك العيون البنية العميقة لدرجة أنها تكاد تكون سوداء، ترتطم بي. لم يعد هناك أثر للشاب الحالم الذي أحببته. هناك بدلاً منه هذا الرجل الذي صقله النجاح والحقد، الذي تحولت ملامحه إلى أقنعة جامدة، ونظرته إلى ميزان يزن روحك قبل أن يحكم عليك.
— روسي.
لا يناديني باسمي الأول أبدًا. دائمًا لقبي، يُلقى كتحدٍ، كإهانة، كتذكير بأنني لست سوى موظفة عابرة في حياته.
— سيد كونتي.
— تقرير النشاط الفصلي. كان يجب أن يكون على مكتبي في التاسعة. الساعة الآن التاسعة وسبع دقائق.
صوته هادئ، ولكن كل كلمة تحمل وطأة اتهام. يريدني أن أرتجف، أن أتلعثم، أن أعطيَه ما يريد من ضعف.
— لقد... لقد حمّلته على نظام الإدارة المشتركة الليلة الماضية، سيدي. كما هو متفق عليه.
يتقدم بضع خطوات، ببطء. الفراغ في الغرفة يبدو وكأنه يتقلص حوله، وكأن جدران المكان تنحني لرغبته، وكأن الأكسجين نفسه يحترم حضوره.
— قلت على مكتبي، روسي. ليس ضائعًا في متاهات خادم. أريد ورقًا. أريد أشياء ملموسة. أتظنين أن لدي وقتًا للعب ألعاب التخمين مع مهاراتك الرقمية المحدودة؟
كل كلمة معايرة بدقة لإذلالي. أخفض عينيّ، راحتيّ تتعرقان. لأجلك. كل هذا، كان لأجلك. الترتيلة تتردد في رأسي، درعٌ واهنٌ أمام وابل كلماته.
— سأطبعه فورًا.
— فات الأوان. لدي موعد. ستعيدينه. يدويًا. تحليل مقارن مع بيانات السنتين الماليتين السابقتين، ليس فقط السنة الأخيرة. أريده غدًا صباحًا، الثامنة. هنا. على مكتبي.
إنها مهمة خمس عشرة ساعة. مهمة مستحيلة. أرفع عينيّ رغمًا عني.
— لكن... أرقام السنتين الماليتين السابقتين ليست في قاعدة بياناتي، لا أملك صلاحية الوصول إليها، أنا...
— جدي وسيلة، يقاطعني بصوت جليدي. لهذا أنت هنا، أليس كذلك؟ لتجدي حلولاً للمشاكل التي تسببتِ بها أنتِ بنفسك؟
التلميح واضح. الماضي. خيانتي المزعومة. ينظر إليّ، ينتظر ردة فعل، شرارة، علامة ضعف يمكنه سحقها تحت قدميه.
أضغط على أسناني بقوة حتى يؤلمني فكي. أخفض عينيّ مجددًا، خضوعٌ تعلّمته، ضروري لبقائي على قيد الحياة في هذا الجحيم اليومي.
— حسنًا، سيد كونتي.
يسقط صمتٌ ثقيل، مثقل بكل ما لم يُقل. بالحب الذي تحول إلى سم. بالحقيقة التي تحرق لساني. يدير ظهره، ينظر إلى المدينة مجددًا، وكأنني لم أعد موجودة.
— هذا كل شيء. اخرجي.
أنفذ. الباب يغلق خلفي بنقرة خافتة، كصوت إغلاق نعش. أبقى لحظةً ساكنة في الممر، ظهري ملتصق بالجدار البارد، أحارب لأتنفس طبيعيًا. ضحكات قادمة من غرفة الاستراحة تصل إليّ مكتومة. صوتٌ مرح، مألوف، يعلو على الآخرين.
— ...متأكدة تمامًا من لون الزهور؟ أعتقد أن الفاونيا الوردية والبيضاء...
كيارا.
---
جولياأعيد الكأس على الطاولة المنخفضة. يداي تجدان ملاذاً على ركبتيّ، معصورتين الواحدة على الأخرى. لإيقاف الارتعاش. للتماسك. للارتساء.كيارا تجلس على الأرض، أمامي. تأخذ يدي في يديها. أصابعها تداعب أصابعي. بهدوء. بحنان. تنظر إلي. عيناها حمراوان، منتفختان. وجنتاها موسومتان بالدموع المجففة. إنها جميلة رغم ذلك. إنها دائماً جميلة.— جوليا، تتمتم. يجب أن تقولي لي ماذا حدث.أهز رأسي. لا. لا أستطيع. لا أستطيع أن أقول لها. ليس كل شيء. ليس الحقيقة. ليس هذه الحقيقة بالذات.— من فضلك، تلح. يجب أن أعرف. يجب أن أفهم.صوتها ينكسر على الكلمة الأخيرة. أفهم. كيف يمكنها أن تفهم؟ كيف يمكنني أن أشرح لها ما لا أفهمه أنا بنفسي؟ هذا التشويش. هذا العار. ذلك الجزء مني الذي أجاب على عنفه. ذلك الجزء مني الذي، في الرعب، شعر بشيء آخر. شيء ممنوع. شيء لا يمكن تسميته.— أنا... لا أعرف من أين أبدأ، أقول، وصوتي خيط.— من البداية. مما حدث في ذلك المكتب. قبل أن أصل.البداية. بداية ماذا؟ من هذا المشهد؟ من هذه القصة؟ من هذا الكابوس الذي يدوم منذ خمس سنوات؟آخذ شهيقاً. شهيقاً كبيراً يمزق صدري.— لقد... جعلني آتي إلى مكتبه. ل
جولياكيارا تمسكني من خصري. يدها ثابتة، ساخنة، مطمئنة. لكنها ترتعش. أشعر بأصابعها تهتز على وركي، على أضلاعي. إنها ترتعش بقدر ما أرتعش، لكنها تصمد. تحملني حرفياً عبر هذا الرواق اللامتناهي.العمارة متاهة من أضواء بيضاء وأبواب زجاجية. مكاتب في كل مكان. موظفون في كل مكان. وجوه لا أراها حقاً، تطفو في ضباب من الدموع. إنهم ينظرون إلينا ونحن نمر. أشعر بذلك. عيونهم علينا. علي. على هذه المرأة التي تبكي والتي تسندها أختها. الهمسات تبدأ وراء ظهرنا. همسات فضولية، خبيثة ربما. لا أهتم. لا أهتم بأي شيء.— من فضلك، اصمدي، تتمتم كيارا. فقط بضعة أمتار أخرى. المخرج هناك.صوتها مخنوق. هي أيضاً تبكي. أراه. وجنتاها تلمعان تحت أضواء النيون، لكنها لا تمسحهما. لا تستطيع. يداها مشغولتان بإبقائي واقفة.نعبر فضاءً مفتوحاً. عشرات الأشخاص يرفعون رؤوسهم. رؤوس تلتفت نحونا كرأس واحد. أفواه تتوقف عن الكلام. نظرات تتجمد. أرى امرأة ترفع يدها إلى فمها. رجلاً يتبادل نظرة مع جاره. متدربة شابة تخفض عينيها، محرجة.لقد أصبحت مشهداً. الأخت المذلة. الضحية التي تُساق بعيداً. الفتاة المسكينة.ساقاي ترتخيان. كيارا تضمني بقوة أكبر.
لورينزوالباب يغلق بقوة.الصوت يرتد في الغرفة الفارغة، في رأسي الفارغ، في صدري الفارغ. أنا وحيد.وحيد مع حطام الصينية. وحيد مع رائحة القهوة الباردة. وحيد مع ذكرى شفتيها تحت شفتيّ. وحيد مع علامة أسنانها على شفتي. وحيد مع رؤية عينيها المليئتين بالدموع، بالرعب، بذلك الشيء الآخر الذي لا أجرؤ على تسميته.أسقط على ركبتيّ.ليس طوعياً. ساقاي تنهاران. كل شيء ينهار. الأرض تصعد لمقابلتي في حركة بطيئة، غير حقيقية. يداي تلمسان قطع الخزف. واحدة منها تجرحني. أشعر بالألم، غامض، بعيد. أنظر إلى الدم يتفصد على راحتي. أحمر. ساخن. حي.أنا حي.لماذا؟لماذا أنا لا أزال حياً بينما قتلت للتو كل ما كان يهم؟ حب كيارا. ثقة جوليا. احترامي لذاتي. إنسانيتي.أبقى هناك، على ركبتيّ في القهوة والزجاج المكسور، وأعيش من جديد كل ثانية. كل إيماءة. كل كلمة.أرأيت؟ هذا هو، نحن. ألم. كراهية.كلماتي. أفعالي. أسمعها، أراها، ولا أتعرف على الرجل الذي نطق بها، الذي ارتكبها. هذا ليس أنا. لا يمكن أن يكون أنا.لكنه أنا.لقد قبلتها بالقوة. لقد أمسكتها على هذا المكتب. لقد تركت علامتي على عنقها. لقد استمتعت بخوفها، بثورتها، بجسدها الذي
جولياليس دموعاً صامتة وكريمة. لا. نشيجات صاخبة، قبيحة، تهزني بالكامل. حازوقات تخنقني. دموع ساخنة تسيل على وجنتيّ، تسيل في عنقي، تسيل في كل مكان. أبكي على نفسي. عليها. علينا جميعاً. على ما حدث. على ما لا يمكن أبداً إصلاحه.— جوليا! يا إلهي، جوليا!كيارا تندفع نحوي. تمسكني من كتفيّ. يداها ناعمتان، ساخنتان، حيتان. مختلفتان جداً عن يديه. مختلفتان جداً.تنظر إلي عن قرب الآن. ترى الكارثة عن قرب. العلامات. الآثار. حالة فستاني. شفتاي. عنقي. ترى.عيناها تمتلئان بالدموع بدورهما. لكنها ليست دموع حزن. إنها دموع حنق. غضب. خيانة.— لقد لمسك، تتمتم. لقد... أجبرك؟السؤال يطفو بيننا. ولا أستطيع الإجابة. لأنه معقد. لأنه ضبابي. لأنني لا أعرف بنفسي ماذا حدث. أعرف فقط ما شعرت به. وما شعرت به يخجلني.صمتي هو جواب.كيارا تنتصب ببطء. يداها تتركان كتفيّ. تلتفت نحو لورينزو.تنظر إليه. طويلاً. بثبات. وفي هذه النظرة، أرى شيئاً يموت. الحب، ربما. الثقة، بالتأكيد. وهم معرفة الرجل الذي كانت ستتزوجه.— أنت وحش، تقول.صوتها هادئ. هادئ جداً. إنه الهدوء الذي يسبق العاصفة. هدوء شخص قرر بالفعل أن يدمر ويأخذ وقته في التصو
جولياأبقى هناك، على المكتب، غير قادرة على التحرك. ساقاي ترفضان حملي. يداي ترتعشان. جسدي كله يرتعش. الخشب بارد على ظهري، لكن هذا لا شيء مقارنة بالبرد الذي يغزو صدري. فراغ جليدي يستبدل كل ما كان يجعل قلبي يخفق قبل بضع دقائق.شفتاي تحترقان. عنقي يحترق في المكان الذي عض فيه. أمرر أصابعي على العلامة، آلياً، وأشعر باللحم الطري، المنتفخ قليلاً. دليل. دليل ملموس على أن كل هذا حقيقي. أنني لا أعيش كابوساً في اليقظة.أنظر إليه.إنه هناك، على بعد أمتار قليلة مني، بلا حراك كتمثال. وجهه شاحب. عيناه... عيناه لم تعدا تراني. تنظران إلى داخل نفسه، وما تريانه يرعبه. أراه. أرى الرعب الذي يشوه ملامحه. بعد فوات الأوان. بعد فوات الأوان له. بعد فوات الأوان لي.— أنا...صوته يتشقق. صوت أجش، مخنوق. يمرر يداً على وجهه، يفرك فمه، كما لو كان يريد محو طعمي. كما لو كان هذا ممكناً.— لم أكن أريد...لا ينهي جملته. لا يستطيع. لأنها كذبة. كان يريد. كان يريد كل ثانية. كل إيماءة. كل إذلال. وأنا... أنا أيضاً، جزء مني كان يريد. هذا هو الأسوأ. هذا ما يؤلمني أكثر. ذلك الجزء المظلم فيّ الذي أجاب على عنفه، الذي ارتعش تحت أصاب
جولياأضرب كتفه بقبضتيّ المشدودتين. ضربات ضعيفة، سخيفة.— توقف... لورينزو، توقف... أيها الوغد! أيها الطاغية!الإهانات تختنق في قبلتنا، تصبح أنات مكتومة. يشربها. يتذوقها. كل إهانة تبدو أنها تجعله أكثر افتراساً. شفتاه تتركان شفتيّ، محرقتين، لتتجولا على خدي، على فكي. تستقران على عنقي، في المكان حيث ينبض نبضي بعنف. ويعض. ليس بما يكفي لتمزيق الجلد. بما يكفي ليعلم. ليترك بصمة. أجفل، صرخة مخنوقة في حنجرتي.— أرأيت؟ يتمتم، الشفتان ملتصقتان بالجلد الموجوع. هذا هو، نحن. ألم. كراهية.يرفع رأسه. عيناه تغوصان في عينيّ. أنا مغمورة بدموع صامتة. الكراهية تحترق فيها، نعم. لكن أيضاً الرعب. والأسوأ، الأسوأ بكثير: افتتان مقرف، دوار أمام هذه الهاوية حيث نسقط معاً.في عينيه هو، أرى شيئاً يتزعزع. الغضب النقي يتعكر. أرى انعكاسي، مدمراً، مذلاً، مقدماً. أرى، لأول مرة، بريق رعب. رعب ما يفعله. ما أصبحه.يداه ترتخيان. يتراجع خطوة، فجأة، كما لو أن بشرتي تحرقه. برد الهواء الذي يندفع بين جسدينا يجعلني أرتعش. أبقى منهارة على المكتب، الساقان رخوتان، الفستان متجعد وملطخ، الشفتان ملتهبتان، العنق موسوم. ألهث، كل شهيق سكي







