INICIAR SESIÓNدخلت ليلى مكتب أبوها بخطوات بطيئة، وقلبها بيدق بعنف وكأن فيه طبول حرب شغالة جوه صدرها. قربت وقالت بصوت متردد: – "خير يا بابا؟ قلقتني.. في حاجة حصلت؟ جدو حصله حاجة؟!" مراد كان قاعد على كرسيه الوثير، ساكت تماماً ومنكمش على نفسه، عيونها متبثمة عليها بنظرة تجمد الدم في العروق. بلعت ليلى ريقها بذعر أكبر، وقالت بصوت متبلور بالخوف وهي بتقترب منه أكتر: – "ياسين.. ياسين حصله حاجة؟! طمني يا بابا، متفضلش ساكت كده!" رد عليها مراد بنبرة باردة وناشفة تقطع القلوب: – "ياسين.. يهمك في إيه؟!" قالت باستغراب وخوف مصطنع: – "طبعاً يهمني.. ده جوزي!" ضحك مراد بسخرية مرة، ورفع عيونه المليانة شرار وقال: – "وانتِ فاكرة إنه جوزك بجد، وأنتِ قاعدة هنا في بيت أبوكي تلات شهور كاملة بترفضي ترجعي له؟!" بلعت ليلى ريقها، وحاولت تتماسك وقالت بتبرير مهزوز: – "ده خلاف بينا.. وحضرتك عارف سببه، وأنا كل ده مدياله فرصة إنه يصلح ويتحرك.." هنا، ابتسم مراد ابتسامة غامضة ومخيفة.. ومن غير مقدمات، مد إيده ببطء، سحب تلفونه، ورماه بعنف وقسوة قدامها على سطح المكتب: – "شوفي بنفسك.. جزاتك اللي مستنياكي!"
تمر ايام، وياسين غارق في دوامة من الاكتئاب الصامت. روتين يومي قاتل؛ يطلع الصبح بدري يغرق نفسه في الشغل، ويرجع بالليل على أوضته كأنه راجع مقبرة. مع ليلى، الحال كان بين بين.. ساعات ترد عليه بحب وود قديم، وساعات تقفل الموبايل ومتردش، وأحياناً تتكلم بجفاء ينشف الدم في العروق. لحد ما عدى شهرين كاملين، وياسين بطل يكلمها تماماً، سابها على جمر كبريائها. أما جوه القصر، فعلاقته بـ رانيا كانت واخدة منحنى تاني خالص؛ تجاهل تام وجمود يقطع الإيد. بطل يقعد معاها، ومبيكلش في طبق واحد أبداً، ووصل به الأمر إنه مبيكلش من أي أكل تطبخه إلا لو شافها بتبتلع قدامه أول لقمة عشان يطمن إن مفيش سم أو غدر. لحد ما جه يوم، وهما قاعدين على السفرة بياكلوا في صمت تمليه الشكوك.. بصت له رانيا وقالت بهدوء: – "ياسين.. أنا نازلة شركتي ، في شغل مهم محتاجة أقفله بنفسي قبل ما الولادة تقرب، ومحتاجة أنزل أعدي على الدنيا هناك." بصلها ياسين ببرود وقال: – "موافق.. بس الحراسة تكون حواليكي في كل خطوة." سألته رانيا بصوت متردد: – "مفيش أخبار عن ليلى؟" رد عليها بجمود: – "لا." رجعت سألته بفضول حذر: – "وعن.. حملها؟" قال ب
على آخر النهار، كانت السماء فوق القصر بدأت تتصبغ بلون الدم والمغيب. ياسين قاعد في الصالة الرئيسية، جمود الملامح مغطي وشّه، وعيونه زي الجمر المكتوم بتراقب رايح وجاي. دخل منصور بخطوات سريعة ووشه شاحب، باين عليه التعب والتوتر، وقرب من ياسين وهو بيلهث: – "جبتلك الخيط يا باشا.. مسحنا الشارع والكاميرات المجاورة كلها." رفع ياسين عيونه له بنظرة حادة من غير ما ينطق، فكمل منصور بسرعة: – "جابوا شكل العربية والسواق اللي كان مستني بره.. والأدهى من كده إن في واحد من طقم الحراسة بتاعنا خاين ومشارك في الجريمة. الكاميرات جابته واقف مع السواق قبل ما العربية توصل قدام القصر، كان مستخبي في مكان قريب واخد إشارة منه أول ما الطريق فضي!" قام ياسين وقف فجأة، وعروق رقبته نطت بغضب مكتوم: – "هاتوه قدامي دلوقتي!" بلع منصور ريقه بصعوبة وقال بصوت مهزوز: – " رنينا عليه يا باشا.. تليفونه مقفول، ومجاش الشغل النهاردة خالص من الصبح." سكت منصور وتردد، عينيه كانت بتزوغ في الأرض كأنه خايف ينطق بالباقي، لحد ما ياسين صرخ فيه بنبرة ترج المكان: – "أنطق يا منصور! في إيه تاني؟!" غمض منصور عينيه ونطق ا
عربية ياسين شقّت طريق الصحراوي راجعة من القاهرة للإسكندرية، وسرعتها كانت بتتجاوز كل الحدود، لكن السرعة الحقيقية كانت جوه دماغه؛ فكرة ورا فكرة، وشرارة بتولّع في عقل مش بيهدأ. كلام العميد عبد الحميد زهران كان بيرن في ودنه كأنه طلقات رصاص بتخبط في جمجمته من جوه: – "احذر يا ياسين.. الستات في عوالمنا مش أمان، وبالأخص رانيا الأسيوطي.. دي بنت عاصم الأسيوطي، والسم يجري في دمها، العِرق دساس ومش هينسى أصله!" الكلمات كانت بتتحفر في عقله زي السكاكين. شطحات الشك والظنون بقت تتقاطع قدامه وتعمل صورة واحدة واضحة: طارق يهرب فجأة، الهارد يتفرمت، الحراسة تضرب عِشرة في عين الكتم، وليلى تمشي فجأة.. والمعادلة كلها بتصب عند نقطة واحدة: خيانة من جوه البيت. أول ما عربية ياسين كسرت بوابات القصر ودخلت، الكتمان والرهبة دبّت في كل شبر. الحرس والخدم واقفين رؤوسهم في الأرض، والعربية صفّت بعنف قدام المدخل الرئيسي. قبل ما الباب يفتح، كانت رانيا طالعة تجري بلهفة مصطنعة، ملامحها ماليها القلق والاشتياق، وخطواتها سريعة عشان ترمي نفسها في حضنه وتتصدر المشهد وتطمن. بس قبل ما تقرب حتى خطوتين، ياسين فتح الباب و
الساعات كانت بتعدي ببُطء مرعب، وعقارب الساعة جابت تلاتة الفجر. الجو جوه القصر كان تلاجة، صمت تام مبيقطعهوش غير صوت الريح وهي بتخبط في الشبابيك كأنها بتعلن عن عاصفة جاية. باب أوضة ليلى اتفتح بهدوء من غير صوت.. دخلت رانيا، كانت لابسة عباية سوداء غامقة مبلوعة في العتمة، وملامح وشها مرسوم عليها البرود والجدية التامة. قربت من السرير وهزت كتف ليلى بخفة وهي بتقول بصوت واطي وحاد: "قومي يا ليلى.. الوقت بيجري، وساعة الصفر قربت وكل حاجة مترتبة." ليلى فتحت عيونها ببطء، عيونها كانت حمرا من كثرة التفكير والسهر. أول ما قامت، مدت إيدها التلقائية مسكت تليفونها اللي كان مرمي جنبها على الكومينو عشان تشوف الساعة.. عينيها وقعت فجأة على الشاشة، لقت مكالمة فايتة من "ياسين" من وقت ما كان في إسكندرية. قلبها دق بقوة، ولمعت في عينيها دمعة حنين وضعف مفاجئ؛ كانت على تكّة وتقول لنفسها ترن عليه بلهفة، تفتح قلبها وترمي كل الحمل ده على كتفه.. بس فجأة، صورة جوازه من رانيا والوجع اللي كسر كرامتها طفوا النار دي في ثانية. كسرت الإحساس دا بجفاء وقسوة، ورمت التليفون على السرير بعنف وهي بتقول لنفسها بصوت مكتوم: (ل
الهوا البارد كان بيدخل من الدلفة المفتوحة من شباك المكتب، ينقل معاه ريحة يود البحر ورشاش الموج اللي بياكل في الصخور برة على كورنيش إسكندرية. الإضاءة جوة المكتب كانت خافتة، متوزعة بين أبليكات خشبية عتيقة وشعاع النهار الباهت اللي جاي من الشباك. ياسين كان قاعد متسمر على الكرسي الجلد الفخم، ضهره مشدود زي وتر القوس، وصوابع إيده مضغوطة على ذراع الكرسي لحد ما عقل إيديه ابيضّت. التوتر كان حبل ممدود بينه وبين العميد، حبل لو حد حط عليه موس يقطعه. فجأة.. الخشبة العتيقة لرقبة الباب اتكت بصوت خفيف. دخل راجل متقدم في السن، لابس بدلة خادمة كحلي مقفولة للرقبة، شايل صينية فضة ثقيلة عليها فنجانين قهوة بنية غامقة بريحة مستكة طالعة منها دخنة هادية، وكاسين مية مثلجة. الراجل يتحرك بخطوات صامتة تماماً كأنه شبح اتعود يخدم الكبار من غير ما يتنفس. حط الفنجانين بحرص شديد على الخشب الأرو للمكتب، وسحب الصينية ودار بضهره وخرج، والباب اتقفل وراه بنفس الهدوء اللي دخل بيه.. كأن الدخول والخروج ده كان مجرد فاصل عشان الصدمة تاخد نفسها قبل ما تفرقع. مد العميد عبد الحميد زهران إيده ببطء، مسك فنجان القهوة الساخن، و
في الشركة، كان الجو مشحوناً بهدوء لا يطمئن. طوال اليوم، كان ياسين يمارس عمله بجدية مفرطة، متجاهلاً وجود ليلى تماماً. لم يلقِ نظرة واحدة تجاه مكتبها، وكأنها غير موجودة، وهذا التجاهل كان يحرق أعصابها أكثر من أي كلام. مع دقات ساعة "البريك"، تحرك ياسين بهدوء، أخذ معطفه واتجه نحو المصعد. ليلى، التي كا
مرّ أسبوع كامل، كان أطول أسبوع في حياة ليلى. كانت بتراقب ياسين في صمت، بتشوفه وهو بيشتغل، بتسمع إشادة الموظفين بذكائه، وكل ده كان بيزود النار جواها. كانت مستنية اللحظة اللي يغفل فيها، والفرصة جت أخيراً لما ياسين اضطر يخرج في "مأمورية خارجية" لإنهاء إجراءات صفقة في البنك. بمجرد ما باب الشركة اتقفل
ليلى كانت بتخرج من مكتب الحسابات وهي بتنهج من كتر الغيظ، وشعرها اللي كان مبلول بالمية اللي ارتدت عليها بعد ما رشّت ياسين كان لازق على وشها، ومكياجها سايح ومبهدل ملامحها. كانت لسه بتبرطم بكلام مش مفهوم عن "قلة أدبه" و"طريقة تدريبه"، وفجأة.. اتخبطت في حد كان واقف بره بيراقب اللي بيحصل جوه.رفعت راسه
القاهرة كانت بتتنفس زحمة، بس جوه شركة "العزايزي"، الهواء كان مقطوع. الساعة كانت لسه ما جابتش تسعة، والكل في حالة استنفار غير مسبوقة. مفيش موظف كان بيتحرك بره مكتبه، وكأن الشركة بقت ثكنة عسكرية.الباب الرئيسي اتفتح، ودخلت "ليلى". مكنتش ليلى اللي الموظفين يعرفوها؛ اللي بتدخل بضحكة وموبايل في إيدها.







