Masukالقاهرة كانت بتتنفس زحمة، بس جوه شركة "العزايزي"، الهواء كان مقطوع. الساعة كانت لسه ما جابتش تسعة، والكل في حالة استنفار غير مسبوقة. مفيش موظف كان بيتحرك بره مكتبه، وكأن الشركة بقت ثكنة عسكرية.
الباب الرئيسي اتفتح، ودخلت "ليلى". مكنتش ليلى اللي الموظفين يعرفوها؛ اللي بتدخل بضحكة وموبايل في إيدها. النهارده، كانت داخلة بهيبة مرعبة، لابسة "بدلة" سوداء مفصلة، وشعرها مشدود لورا كأنها بتشد أعصابها معاه. وراها كان أبوها، "مراد بيه"، اللي كان ماشي وراها زي الظل، عينه على كل حركاتها، وكأنه بيراقب قنبلة موقوتة. ليلى وقفت في نص "الصالة الكبيرة" (الريسبشن)، بصت يمين وشمال بنظرة فاحصة، وكأنها بتقيم المكان كأنها غريبة عنه. الموظفين نزلوا راسهم للأرض، والهدوء كان لدرجة إن صوت الكعب بتاعها وهو بيخبط في الرخام كان بيتردد في الأركان زي طلقات الرصاص. دخلت مكتبها، رميت الشنطة على المكتب، ووقفت عند الشباك القزاز اللي بيكشف مكتب "ياسين". كان قاعد ببروده المعتاد، بيشرب قهوته، وموش مهتم بضجيج دخولها. ليلى حسّت بحرارة بتطلع من صدرها، مسكت التليفون الداخلي (الإنتركم)، وطلبت رقمه. ليلى (بصوت هادي لدرجة السم): "ياسين.. سيب كل اللي في إيدك وتعالى مكتبي فوراً. قدامك دقيقة واحدة، عايزة أراجع ملفات التقرير المالي للشركة في الـ ٥ سنين اللي فاتوا، وعايزاهم متحللين ورقة ورقة.. مفهوم؟" ياسين كان بيسمعها، لا قام ولا اتحرك، فضل ساند ضهره لورا ومربع إيديه. ياسين (ببرود مستفز): "٥ سنين؟ ده طلب كبير أوي يا آنسة ليلى، ومحتاج مجهود ووقت." ليلى (بحدة): "أنا مش بسألك محتاج وقت ولا لأ، أنا بديك أمر مباشر. نفذ!" ياسين (بهدوء شديد): "أنا آسف.. بس معنديش وقت. الجد كان واضح جداً في تعليماته امبارح، وأنا دلوقتي مشغول في مراجعة صفقاتك الأخيرة اللي كادت تودي الشركة في داهية. وبعدين، قانونياً وإدارياً، أنا حالياً تحت إشراف 'مراد بيه'، فأي شغل جديد أو تكليفات خارج نطاق الحسابات المباشرة، لازم تاخدي إذن منه أولاً.. عشان ميبقاش فيه تعارض بين اللي هو طالبه مني وبين اللي أنتِ عايزاه." ليلى وشها جاب ألوان من الغيظ، قبضتها على التليفون زادت لدرجة إن مفاصل صوابعها ابيضت. "أنت بتلوي دراعي يا ياسين؟ أنت عارف إن أنا..." ياسين (قاطعها ببرود أشد): "أنا مش بلوي دراع حد، أنا بس بشتغل بنظام.. النظام اللي جدي طلب نطبقه عشان نصلح أخطاءك. استأذني من مراد بيه، ولو هو وافق، أنا تحت أمرك.. عن إذنك، ورايا شغل كتير." طووووووط.. طووووووط.. قفل السكة في وشها! ليلى وقفت مذهولة، التليفون لسه في إيدها، والصمت في المكتب كان مطبق. ياسين قفل السكة؟ هو بجد قفل السكة في وش ليلى العزايزي؟ رمت التليفون على المكتب بجنون، وبصت ناحية الباب، كانت مستعدة تخرج وتقتحمه في مكتبه، بس وقفت لما شافت أبوها "مراد" واقف عند باب مكتبها، بيبص لها بنظرة تحذير.. نظرة بتقول لها: "أنا سامع كل حاجة، وما تحاوليش." ليلى قعدت على الكرسي، وطلعت نفس طويل، الغضب كان محبوس جوه صدرها زي بركان، وبدأت تدرك إنها مش بس في حرب، هي في سجن.. ياسين هو السجان، وأبوها هو الحارس، وجدها هو اللي رامي المفتاح بعيد. بعد ساعة من "المشادة التليفونية"، صوت أجراس الاجتماعات رن في الشركة كلها. الكل اتجه لغرفة الاجتماعات الكبرى. "مراد بيه" دخل وهو في إيده ملف الصفقة الجديدة، ووراه ليلى اللي كانت بتحاول تبان طبيعية، بس عينيها كانت بتراقب كل حركة لياسين اللي دخل وقعد في مكانه بهدوء. مراد بدأ الاجتماع بلهجة حازمة: "الشركة محتاجة دفعة قوية، والصفقة دي هي طوق النجاة. عايز أفكار عملية، مش مجرد خطط على ورق." بدأ الموظفون يعرضوا أفكارهم، وليلى كانت بتعرض فكرتها "الجرئية" اللي كانت شايفاها عبقرية. خلصت كلامها وهي بتبص لأبوها بانتظار نظرة الرضا، بس مراد هز راسه بضيق: "الفكرة مكلفة ومخاطرتها عالية، ليلى.. إحنا مش في مرحلة تجارب دلوقتي." ليلى حست بدمها بيغلي، بصت لياسين ولقيته بيبتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه كان متوقع رد فعل أبوها. مراد لف وشه لياسين: "أنت يا ياسين.. شايف إيه في الصفقة دي؟" ياسين اتعدل في قعدته، وفتح اللاب توب بتاعه وبدأ يعرض "تحليل دقيق" للأرقام والأسواق، كان حل عبقري، بيضمن ربح مضمون بأقل تكلفة ومخاطرة. الشرح كان منظم، مقنع، ومبهر لدرجة إن مراد فضل باصص للورق بانبهار. مراد قفل الملف بابتسامة لأول مرة تظهر على وشه: "ده اللي كنت بدور عليه.. أرقام حقيقية وحلول ذكية." بص لياسين بنظرة فيها تقدير كبير: "أنا مستغرب يا ياسين.. أنت ليه حريص أوي كدة؟ المجهود اللي بتبذله، والولاء اللي بتظهره، كأن الشركة دي بتاعتك أنت شخصياً.. كأنك واحد من العيله مش مجرد موظف." الصالة سكتت تماماً، وليلى كانت بتعصر إيدها تحت الطرابيزة، بانتظار "رد الموظف" اللي هيتغر بالكلمة دي. ياسين بص في عين مراد بثبات، ومن غير أي تكلف، قال بصوت مسموع للكل: "يا مراد بيه، المكان ده هو اللي بياكلني وبيشربني، هو اللي بيخليني أعيش بكرامتي. الولاء مش للعيلة، الولاء لأكل العيش.. لأني مؤمن إن اللي مبيخافش على رزقه، رزقه مبيخافش عليه." الجملة كانت بمثابة صفعة على وجه ليلى. ياسين ما حبش يمتدح العيلة، هو حب يمتدح "العمل". ليلى مقدرتش تتحمل أكتر، قاطعت بحدة وهي بتبص لياسين بتحدي: "كلام جميل يا ياسين.. بس الكلام سهل، التنفيذ هو اللي بيبين المعادن!" مراد خبط بإيده على الطرابيزة: "كفاية يا ليلى! اتعلمي منه الأصول بدل ما تحاولي تطلعي فيه العيوب." ليلى حست إن الأرض بتضيق عليها. خرجت من الاجتماع وهي بتنهج، حاسة بمرارة الفشل، والكلمات اللي سمعتها من أبوها كانت بتمزق كبريائها حتة حتة. وقفت في الممر، ولقيت ياسين خارج وراها، قرب منها وبصوت واطي مسمعهاش غير هي بس قال: "الرزق بيحب اللي يخاف عليه يا آنسة ليلى.. حاولي تفهمي الجملة دي، يمكن تتغيري." ومشي، تاركها واقفة في الممر، نار الحقد في عينيها وصلت لمرحلة الغليان كان ياسين واقفاً في الأسانسير، مستني الباب يقفل عشان ينزل ياخد استراحته، وفجأة، إيد ليلى اتمدت من بره تمنع الباب من إنه يقفل. دخلت بوقفة متصلبة، عيونها بتلمع بشر، وبمجرد ما الباب اتحرك، بدأت ليلى "وصلة التوبيخ". ليلى (بصوت حاد ونظرة احتقار): "فاكر نفسك بطل النهاردة عشان والدي مدحك؟ أنت مجرد موظف، ياسين. وجودك هنا منة مننا، ومكانتك مش هتتخطى أبداً كرسيك في مكتب الحسابات. كفاية تمثيل دور 'ابن الأصول' اللي متمسك برزقه، لأنك في نظري وفي نظر أي حد بيفهم، مش أكتر من واحد عايز يترقى على حساب أسياده." ياسين كان واقف ساند ضهره، ساكت، بيسمع إهاناتها اللي بتنزل عليه زي الرصاص. ملامحه كانت صخرة صماء. ليلى (زادت في تعاليها): "أنا اللي هخليك تستقيل يا ياسين، وهوريك إن الفلوس والسلطة اللي في إيدي دي، هي اللي بتحدد قيمتك، واللي مش بيعجبني، بمشيه بكلمة." ياسين اتنفس بعمق، وبص لها بنظرة هادية فيها وجع مكتوم، لكن صوته كان قوي ورزين: "الفلوس والسلطة اللي أنتِ فرحانة بيهم دول.. ما يسووش مليم قصاد عزة نفس البني آدم. إحنا كلنا فقراء لله يا آنسة ليلى، ومحدش فينا واخد منها حاجة. بلاش الكلام الجارح ده، لأن الدنيا دوارة، ومحدش عارف بكرة مخبي إيه." قبل ما ليلى ترد، حصلت الكارثة. رعشة خفيفة هزت الأسانسير، وفجأة.. الدنيا أظلمت تماماً. الموتور سكت، وصوت "الزنة" المعتادة اختفى، وحل سكون مرعب. ليلى (بصرخة مكتومة): "إيه ده؟! أسانسير؟ افتح.. افتح يا ياسين!" بدأت ليلى تضغط على كل الأزرار بجنون، بس مفيش فايدة. الظلام كان مطبق، والجو جوه الأسانسير بدأ يضيق. ليلى اللي كانت لسه من لحظات بتتعالى عليه، بدأت أنفاسها تتسارع، صوت "شهقاتها" بدأ يعلى، والرهاب من الأماكن الضيقة والمظلمة (Claustrophobia) سيطر عليها. ليلى (بصوت بيرتجف وبكاء مفاجئ): "أنا.. أنا مش قادرة أتنفس.. ياسين.. افتح الباب.. أرجوك.." نزلت على الأرض، ضمت ركبتيها لصدرها، وبدأت تتنفس بصعوبة. ياسين، اللي كان لسه بيسمع إهاناتها، شاف "انهيارها" قدامه. نسي كل اللي قالته، ونسي كرامته اللي اتجرحت. قرب منها بالراحة في الظلام، ونزل لمستواها على الأرض: "ليلى.. بصي لي. اهدِي، أنا معاكي. الأسانسير معلق، بس الأكسجين موجود. ركزي معايا.. اطلعي النفس ببطء." ليلى في لحظة ضعفها، من غير ما تحس، مسكت في كم قميصه بقوة، وكأنها بتمسك في طوق نجاة: "أنا.. أنا بموت هنا.. ياسين، أنا خايفة!" ياسين حط إيده في جيبه، طلع كشاف الموبايل الصغير، ونوره هدى الموقف شوية. بص لليلى اللي كانت دموعها مغرقة وشها، والغرور اللي كانت لابسه زي الدرع اتكسر تماماً، وبانت قدامه.. فتاة خائفة، مكسورة، ومحتاجة لأمان ليلى كانت قاعدة بتضم ركبتيها، أنفاسها بدأت تنتظم شوية بفضل وجود ياسين، بس كان لسه جواها شكوك بتمزقها. بصت له في ضوء كشاف الموبايل الخافت، وقالت بصوت مكسور: ليلى: "أنت.. أنت أكيد بتعمل كل ده عشان توصل لأهلي.. عشان تاخد ثقتهم وتتقرب منهم وتوصل لمكانة في العيلة دي، صح؟ أنت لابس وش الموظف المثالي، بس أنا عارفة إن وراه حاجة تانية.. أنت زي أي حد عايز يوصل على كتافنا." ياسين اتنهد بمرارة، وبص قدامه في الظلام، مكنش متفاجئ من تفكيرها، بس كان مستغرب ضيق أفقها. ياسين (بصوت هادي وواقعي): "أنتِ ليه دايماً شايفة إن العالم بيدور حول مطامعكم؟ ليه مش قادرة تتخيلي إن ممكن يكون فيه حد بيحب شغله بجد؟ ليه مش شايفة إني ببساطة عايز مصلحة الشركة؟" سكت لحظة، وكمل بنبرة حادة شوية بس من غير عصبية: ياسين: "فكري فيها بعقلك يا ليلى.. لو الشركة دي وقعت، أنا هروح فين؟ أنا كمان هخسر أكل عيشي، هخسر المكان اللي بقضي فيه أكتر من تلت يومي. ولائي للشركة مش ولائي ليكم أنتم كأشخاص، ولائي هو لكيان أنا بنيت فيه عمري ومجهودي. لو المركب غرقت، أنا أول واحد هيغرق معاكم.. ليه مش قادرة تستوعبي إن مصلحتي هي هي مصلحتكم؟" ليلى سكتت، الكلمات نزلت عليها كأنها مية ساقعة. كانت متعودة إن الكل بينافقها عشان خاطر اسمها، بس ياسين كان بيتكلم بمنطق "الموظف اللي بيخاف على بيته"، منطق بعيد تماماً عن عالم المصالح اللي هي عايشة فيه. ياسين كمل: "أنا مش محتاج ألبس وش يا ليلى، ولا محتاج أوصل لعيلتك عشان أعيش. أنا بشتغل عشان أروح آخر الشهر راضي عن نفسي وعن اللي قدمته، مش أكتر من كدة." في اللحظة دي، الكهرباء رجعت فجأة.. الإضاءة القوية في الأسانسير نورت فجأة وكشفت ملامحهم لبعض. الأسانسير اتحرك بسلاسة وبدأ يكمل طلوعه، واللحظة الإنسانية اللي جمعتهم في الظلام انتهت، ورجع كل واحد فيهم لمكانه.. بس نظرة ليلى لياسين كانت اتغيرت، وبدأت تحس إنها كانت بتحارب "عدو" طلع في الآخر هو "أصدق" واحد في شركتها. بعد ساعات من انتهاء يوم العمل، كان القصر في حالة سكون تام. الجد "عز الدين" كان يجلس في شرفته المطلة على الحديقة، يرتشف قهوته بهدوء، حين اقترب منه ابنه "مراد" بخطوات ثقيلة، ملامحه كانت تحمل مزيجاً من الحيرة والإعجاب. عز الدين (بهدوء): "قلقان يا مراد؟ وشك مش مريحني." مراد (جلس على الكرسي المجاور): "مش قلقان يا والدي.. أنا مبهور. مبهور باللي حصل النهاردة في الشركة. أنت كان عندك حق في كل كلمة قولتها، ياسين مش مجرد موظف.. ياسين ده مكسب حقيقي." الجد رفع حاجبيه باهتمام، ومراد بدأ يسرد كل التفاصيل، بدءاً من أسلوبه في تحليل الصفقات اللي عجز كبار المديرين عن فهمها، وصولاً لموقفه الإنساني مع ليلى في الأسانسير، وإصراره على كرامته وشغله بعيداً عن ألاعيب السلطة. مراد (بنبرة فخر): "ياسين حقق في يوم واحد اللي ليلى مكنتش قادرة تحققه في شهور. أنا كنت فاكره طماع أو مستني فرصة عشان يتقرب مننا، بس اتفاجئت إنه بيتعامل بمنطق 'ابن الأصول' اللي بيخاف على رزقه. ليلى حاولت تستفزه بكل الطرق، وهو فضل ثابت، هادي، ومحترم.. لا اتكسر ولا نزل لمستواها." الجد اتكأ بظهره لورا وابتسم ابتسامة خفيفة، وكأنه كان متوقع ده من البداية: "أنا مكنتش هختاره وأحطه في طريق ليلى من فراغ يا مراد. كنت عارف إن اللي يربي نفسه في ظروف صعبة، ويحترم أكل عيشه، هو الوحيد اللي يقدر يكسر الغرور اللي عند بنتك." مراد: "أنا بجد شايفه الموظف المثالي اللي عليه العين. حتى ليلى، رغم عنادها، بدأت نظرتها ليه تتغير، خصوصاً بعد موقف الأسانسير. أنا بدأت أفكر.. لو ياسين ده فضل معانا بالطريقة دي، ممكن جداً يكون هو الجسر اللي نعدي بيه بالشركة لبر الأمان، بل وممكن يكون شريك نجاح مش مجرد موظف." عز الدين (بصوت حازم): "ياسين عنده مبادئ، والمبادئ دي في زمننا بقت عملة نادرة. المهم دلوقتي يا مراد، إننا نحميه من شرور ليلى، وفي نفس الوقت نختبره أكتر.. الراجل اللي مبيغرهوش منصب ولا بيذله احتياج، هو اللي يستحق يشيل المسؤولية." صمت الجد قليلاً، وعيونه كانت بتلمع بخطة جديدة: "سيبه هو وليلَى، خلي النار اللي بينهم دي تنضجهم.. ليلى محتاجة تتربى، وياسين محتاج يثبت إنه قد المسؤولية اللي أنا ناوي أرميها على كتفه." في مكتب الجد، كانت الكلمات تتردد كأنها حكم قضائي. مراد كان يقلب في تقارير اليوم، ثم نظر إلى والده بجدية تامة. مراد: "يا والدي، ليلى عندها ذكاء، بس ناقصها الخبرة والواقعية اللي عند ياسين. إيه رأيك لو ياسين يكون هو المسؤول عن تدريبها الفترة الجاية؟ هو اللي يراجع شغلها، هو اللي يوجهها، وهو اللي يعلمها إزاي تفكر بمنطق أصحاب الشركات، مش بمنطق المراهقين." الجد "عز الدين" سكت للحظات، يراقب وجه ابنه، ثم أومأ برأسه ببطء. عز الدين: "اقتراح جريء.. أنت عارف إن ليلى ممكن تحرق المكتب لو سمعت الكلام ده." مراد (بابتسامة واثقة): "دي الطريقة الوحيدة يا والدي. ليلى محتاجة حد مبيخافش منها، وحد يواجهها بأخطائها بكل برود.. وياسين أثبت إنه الشخص ده." في صباح اليوم التالي، ليلى دخلت مكتب والدها بملامح واثقة، متوقعة تكليفاً جديداً يخص صفقة كبيرة، لكنها صُدمت بوجود "ياسين" واقفاً بجانب مكتب والدها، يمسك بملف تدريبي. مراد (بصوت حازم): "ليلى، من النهاردة، ياسين هيكون مشرف على كل أعمالك. أي خطوة، أي قرار، وأي فكرة.. لازم تعرضيها عليه، وهو اللي هيقيمها ويقولك هي صح ولا غلط." الصمت خيّم على الغرفة. ليلى حست إن الأكسجين سُحب من المكان، بصت لوالدها بذهول، وبعدين بصت لياسين اللي كان واقف بملامح جامدة ومحايدة تماماً. ليلى (بصوت يرتجف من الغضب): "أنت بتهزر يا بابا؟ ده؟ ده اللي هيدربني؟ أنا اللي دافعة في الشركة دي ومتربية في أروقتها.. هتعلم على إيد موظف؟" ياسين، من غير ما يهتز، فتح الملف اللي في إيده وحطه على المكتب قدام ليلى. ياسين (بصوت هادئ ومستفز): "الموضوع مش مين يعلم مين يا آنسة ليلى. الموضوع إن الشركة محتاجة نتائج، ومراد بيه شايف إن طريقتك محتاجة.. 'تعديل'. أنا جاهز للبدء فوراً، وعندي جدول أعمال مضغوط للتدريب. ياريت ننسى المشاكل الشخصية ونركز في اللي يفيد الشركة." ليلى بصت لياسين، عيونها كانت بتطلع شرار، وكانت مستعدة ترفض وتقلب الطرابيزة، لكنها لمحت نظرة والدها "الحازمة" التي تمنع أي اعتراض. ليلى (بين أسنانها): "ماشي يا بابا.. مفيش مشكلة. بس يا ترى 'المعلم' ياسين جاهز للدروس اللي هديها له؟" ياسين ابتسم ابتسامة خفيفة، ابتسامة "واثق" عارف إنها لسه مراهقة بتحاول تثبت قوتها. ياسين: "أنا جاهز لأي شيء.. يالا بينا نبدأ، قدامنا شغل كتير." كان مكتب الحسابات "جحيمًا" صغيرًا بالنسبة لليلى. الضجيج، أصوات الكيبوردات، زحمة الورق، وكرسي خشبي بسيط لا يقارن بكرسيها الجلد المريح في مكتبها. ياسين رما كومة من الملفات قدامها بكل برود وقال: "راجعي فواتير الموردين للأسبوع اللي فات، واكتشفي فين الغلطة اللي خلت الشركة تخسر ٥٪ من أرباحها." ليلى بصت للملفات بقرف، ورمت القلم على المكتب وقالت بلهجة متعالية: "أنت اتجننت؟ أنا مديرة الشركة، مش محاسبة تافهة تراجع فواتير! هات حد من الموظفين يعمل ده، أنا وقتي أغلى من الورق ده." ياسين اتعدل في قعدته، وبص لها ببرود قاتل، وقال بصوت واطي بس كان مسموع لكل اللي في المكتب: "المدير اللي ميعرفش القرش بيطلع منين وبيدخل فين، ميعرفش يدير شركة يا آنسة ليلى. قدامك ساعتين.. ولو مخلصتيش، اعتبري إن تدريبك فشل." ليلى وشها احمرّ من الإهانة، حاولت تجمّع كل كبريائها عشان "تتنك" عليه وتصغر من شأنه، بس ياسين قاطعها بابتسامة صفراء وقال: "سبحان الله.. نفس البنت المتعالية دي، هي هي نفس الشخص اللي كان ميت من الرعب إمبارح، وبتبكي زي الأطفال واحنا عطلانين في الأسانسير، وبتترجاني أفتح لها الباب عشان تخرج.. الدنيا بتغير الوشوش بسرعة أوي، مش كدة؟" الكلمات كانت كالسهم في قلب ليلى. افتكرت ضعفها، افتكرت "ياسين" وهو بيواسيها، وبدأ الغيظ يوصل لمرحلة الانفجار. مفيش رد في دماغها يقدر يكسر بروده ده، مفيش إهانة تقدر توجع "ياسين" أكتر ما هو وجع كرامتها. في لحظة طيش، ومن غير ما تفكر، مسكت كوباية المية اللي كانت على مكتبه ورشتها في وشه بكل قوتها! الصمت خيّم على مكتب الحسابات كله. ياسين فضل ثابت في مكانه، المية بتنزل من على وشه وعلى قميصه، بس ملامحه ما اتغيرتش.. فضل باصص لها بنظرة هادية ومرعبة. ليلى سابت كوباية المية في مكانها، واتحركت بخطوات سريعة ناحية الباب وهي بتنفخ من كتر الغيظ، مش حاسة ولا واخدة بالها إن "مراد بيه" (أبوها) كان واقف عند باب المكتب التاني، بيراقب المشهد كله من أوله لآخره.. وعينيه كانت بتتحول لشرار من منظر اللي بنته عملته في ياسين . يتبع.. ياسين قفل السكة في وش منير زهران، ورزع التليفون في المكتب اللي جنب السرير بكل غِل، لدرجة إن الشاشة اِتشرخت. الصوت عمل دبة زلزلت جدران الأوضة. التفت ياسين بكل طوله وعرضه لـ رانيا، وعينيه الصقر كانت بتطلع شرار من كتر الغضب، وعروق رقبته وإيديه نَفَرت وبقت زي الحبال. رانيا كانت واقعه في الأرض، ساندة بضهرها على السرير وجسمها كله بيرتعش وهي كاتمة بوقها بإيديها والدموع نازلة زي الشلالات من الرعب. ياسين قرب منها بخطوات تقيلة بتهد الأرض، وقف فوق راسها وزعق بصوت جهوري رجولي زلزل الجناح كله: "أنتِ عبيطة يا رانيا؟! جاوبيني.. أنتِ مخك ده جرى له إيه؟! بقالك أيام منير زهران بيلعب بيكي ويلاوعك في التليفونات، ويهددك ويلوي في دراعك بأخوكي.. وأنتِ كاتمة في قلبك وقاعدة وسطيا ولا كأن فيه حاجة؟! فاكراني إيه يا بنت الناس؟! فاكراني عيل صغير مش هعرف أحمي أهلك؟! ولا فاكراني ماليش كلمة في السوق وهيسترجي مخلوق يدوسلي على طرف؟!" رانيا شهقت بدموع وانهيار، وحاولت تسند على السرير وتقوم تقف قصاده وهي بترتعش وهرمونات الحمل واكلاها، ونطقت بصوت متقطع ومبحوح من كتر العياط: "خوفت يا ياسين.. والله العظيم خوفت! أنت
أخيرًا.. فُتحت البوابات الحديدية الضخمة لقصر كمال السيوفي، وعادت الروح للجدران اللي غاب عنها النور لسنين. الشمس كانت بتميل للغروب، وخيوطها الحمراء بتنعكس على واجهة القصر الفخمة والرخام اللي رجع يلمع زي الألماظ بعد ما رجالة ياسين شطبوا كل صغيرة وكبيرة ليل نهار. عربيات النقل الكبيرة كانت واقفة في الممشى، والحراس ورجال ياسين شغالين زي خليه النحل؛ بينزلوا الشنط، الصناديق، والعفش الجديد اللي يليق بأول ليلة في قصر الكيان. في وسط الجنينة الواسعة، كان ياسين السيوفي واقف كأنه أسد بيرصد مملكته المستردة. لابس قميص أسود مأنتك على جسمه، ومربع دراعاته وعينيه الصقر بتابع كل تكة نفس في المكان. وعن يمينه كانت واقفة ليلى العزايزي بكبريائها وأناقتها الطاغية، وفستانها الكاجوال الراقي، وعن شماله رانيا الأسيوطي بعبايتها الهادية، وملامحها اللي بتحاول تصطنع الهدوء وتداري وراها بركان الخوف من تهديد زهران. ياسين أخد نَفَس عميق محمل بريحة الشجر والياسمين، وبص لليلى ورانيا ونطق بصوت رجولي رخيم ودافئ: "مبروك علينا يا بنات.. قصر السيوفي رجع لأصحابه، ومن النهارده، ده حصننا الكبير اللي هيلمنا سوا.. عاوز عتبة
مرت أيام والوضع في قصر العزايزي وفيلا رانيا هادي بشكل مريب، بس هو الهدوء اللي بيسبق طوفان جهنم. رانيا كتمت سر مكالمة منير زهران والمساومة القذرة في قلبها، مجابتش سيرة لأي مخلوق، ولا حتى لياسين.. الخوف على أخوها طارق من جوة السجن كان مكتفها، والبركان كان بيغلي جواها وهي بتحاول تظهر طبيعية قدام الكل عشان تحمي بيتها الصغير اللي بدأ يتبني. في ليلة من الليالي، ياسين رجع من برة بعد يوم طويل ومطحون في تكتكة صفقات السيوفي الجديدة. دخل الفيلا، لقى رانيا قاعدة في صمت وهدوء. مشى بخطواته الرزينة وقعد قصادها، عينيه الصقر كانت بتدرس ملامحها بدقة، ونطق بنبرة رجولية هادية وصريحة عشان يفتح الموضوع اللي شاغل باله وبال الجد العزايزي: "رانيا.. قصر السيوفي خلاص بيتحط فيه آخر لمسة وبقى جاهز.. قوليلي بصراحة، هل عندك مشكلة إننا نتجمع أنا وأنتِ وليلى تحت سقف واحد؟" رانيا سكتت شوية.. الكلمة هزت كبريائها كأنثى، فكرة إنها تشارك جوزها وحبيبها مع ضرتها في مكان واحد مش سهلة على أي ست، بس افتكرت كلام ياسين ليها وحمايته، واعتذارها ليه عن أيام الجامعة، وبلعت غصتها وأخدت نَفَس طويل وبصت في عينه وقالتله بهدوء:
ياسين وقف بعربيته قدام فيلا رانيا بعنف خلى الكاوتش يصرخ في الأرض. نزل من العربية وجسمه كله شاحن غضب وقلق، دخل من بوابة الفيلا بخطوات سريعة وواسعة هزت المكان. أول ما داس عتبة الصالة الكبيرة، عينه نزلت على الأرض.. شاف تليفون رانيا مرمي ومكسور ميت حتة، الشاشة متدمرة تماماً والـبوردة باينة منها. المنظر ده كان كفيل يعرفه إن البركان جوة انفجر خلاص. طلع السلم وضغط على مقبض باب أوضتها، وفتحه ودخل. رانيا كانت قاعدة على طرف السرير، لسه بعبايتها السودا، وشها شاحب وزي الأموات، وعينيها مثبتة في الفراغ.. سرحانة غرقانة في ملكوت تاني خالص وكأن روحها فارقتها ورا السلك. ياسين هدا خطواته، وقرب منها ونطق بنبرة رجولية هادية بس محملة بعتاب تقيل: "ليه روحتي يا رانيا؟ ليه مشيتي من ورايا وروحتِ السجن هناك؟" رانيا مَكنش ليها أي رد فعل، مكنش فيه حتى خضة من دخوله. لفت راسها ببطء شديد، وبصت له بعيون مكسورة ومطفية، ونطقت بصوت جاف ومبحوح: "مبقاش ليا حد يا ياسين.. ماليش حد في الدنيا دي خلاص، وحبيت أروح أطمن على أخويا.. الحتة اللي باقية ليا." ياسين أخد نَفَس عميق، وقعد جنبها على السرير ونطق وهو بيحا
الحد الفاصل مابين الحرية والأسير كان عبارة عن سلك ضيق، ريحته صديد حديد وتراب. رانيا كانت قاعدة على الكرسي الخشبي المتهالك، إيديها ساندة على التربيزة وبتفرك في بعضها برعب، ونضارتها السودا محطوطة جنبها عشان طارق يشوف عينيها.. يشوف الكسرة والخوف اللي فيها. الباب الحديدي الصغير اتفتح بدقة عالية، ودخل طارق الأسيوطي. شكله كان متبهدل، هدمة السجن زرقا ومبهدلة، شعره نكش ودقنه نبتت بغزارة، بس عينه.. عينه كانت مليانة غل وشرار يكفي يحرق القاعة كلها. أول ما قعد على الكرسي المقابل ليها، مبصش عليها بلهفة الأخ اللي غايب، بصة عينه كانت أشبه بنصل السكينة. رانيا بلعت ريقها بالعافية ونطقت بصوت مرتعش ومبحوح: "طارق.. عامل إيه يا حبيبي؟ أنا.." طارق مقاطعهاش بسلام، ضحك ضحكة ساخرة وعالية هزت السلك اللي بينهم، ونزل بجسمه لقدام ونطق بصوت حاد ومسموم: "حبيبي؟ لسه فاكرة إن ليكي أخ يا مدام ياسين السيوفي؟ ولا جاية الليلة تتطمني على الكلب اللي اترمى ورا القضبان عشان تفضي الساحة للبشمهندس؟" رانيا اتصدمت، الدم هرب من وشها تماماً وعينيها برقت برعب: "طارق.. أنت.. أنت عرفت؟" طارق ضرب بقبضة إيده على
بعد ما عربية رانيا مشيت وتحركت وراها حراسة قصر العزايزي، ساد سكون غريب في الصالة الكبيرة. ليلى وقفت لثواني، بصت للأرض وهي بتفكر في كلام رانيا اللي نزل عليها زي المية الساقعة، حست بانتصار كبريائها كأنثى بس معاه غصة وجع. من غير ما تنطق بكلمة، لفت بضهرها وتحركت بخطوات هادية، ولمت فستانها الأخضر الملكي وطلعت على السلم متجهة لجناحها في المكتب، ياسين كان لسه واقف، حاطط إيديه في جيوبه وعينيه بتابع أثر ليلى وهي طالعة. مراد العزايزي قعد ورا مكتبه، عدل نضارته وبص لجوز بنته بنظرة صقر عجوز قاري الدنيا صح، سحب نَفَس من سيجاره ونطق بصوت فخم ورزين: "ليلى اتعلمت درس قاسي قوي الفترة اللي فاتت يا ياسين.. والقرصة اللي أخدتها في عِندها كَسرت حتة الغرور اللي جواها. خليك هادي عليها الليلة." ياسين التفت لحماه، ملامحه كانت لسه قاسية والزعل باين في عينيه، بس مراد كمل بجدية وأبوة: "أنا عارف إن قلبك مقفول منها بعد اللي عملته وموضوع البيبي .. بس في الآخر ليلى دي مراتك، ومن حقها تكسبها وتلمها في حضنك تاني، وخصوصاً بعد ليلة النهاردة ووقفتها في ضهرك. ليلى لو حطتك في دماغها بعناد وجفاء، هتبوظ كل حاجة برغم
طول الأسبوع اللي سبق الفرح، كان القصر بيتحول لساحة احتفالات، بس داخل أروقة الشركة، الجو كان مختلف تماماً. مراد العزايزي كان حاسم، سحب من ليلى جزء كبير من صلاحياتها، وحطها "تحت التدريب" المباشر لياسين السيوفي. ياسين كان بيتعامل معاها بمنتهى الجدية اللي بتوصل للبرود. ماكانش بيشوفها "صاحبة شركة"، كا
جملة بسيطة، لكنها كانت زي الصاعقة اللي نزلت على ليلى. انتفضت ليلى في مكانها بتوتر واضح، ووشها اتخطف لونه، وقالت بسرعة وصوت عالي شوية: "لا.. لا، مش عايزين!" ياسين، اللي كان بيبص لصاحب المعرض، لف وشه لليلى فوراً. سكت تماماً، وبص لها بأسى واستغراب، نظرة كانت أعمق من مجرد رد فعل على إجابة، كانت نظرة
ليلى حست للحظة بضعف موقفها، وخصوصاً بعد ما شافت "الرعب" الحقيقي في عين ياسين لما اتكلم عن أمه. حست إنها محتاجة تلطف الجو عشان تضمن إن الأمور متبوظش أكتر، وبنفس الوقت حست بشوية "امتنان" متداري إنه مكنش نذل معاها قدام أبوها. ساد صمت طويل ومكهرب داخل العربية، ليلى بدأت تفرك في إيديها بتوتر، وبعد فتر
ليلى انقضت على تليفون ياسين، أصابعها بتتحرك بسرعة البرق. أول حاجة لفتت نظرها "سجل المكالمات".. رقم "ولاء" متكرر كتير، مكالمات مدتها طويلة، ربع ساعة وتلت ساعة.. حست بغيظ، مين دي اللي بيكلمها بالساعات وهو المفروض ميت في الشغل؟ بس اللي صدمها أكتر كان الملف اللي لقته متسمي باسم مشفر في آخر الجاليري.







