LOGINمرّ أسبوع كامل، كان أطول أسبوع في حياة ليلى. كانت بتراقب ياسين في صمت، بتشوفه وهو بيشتغل، بتسمع إشادة الموظفين بذكائه، وكل ده كان بيزود النار جواها. كانت مستنية اللحظة اللي يغفل فيها، والفرصة جت أخيراً لما ياسين اضطر يخرج في "مأمورية خارجية" لإنهاء إجراءات صفقة في البنك.
بمجرد ما باب الشركة اتقفل وراه، ليلى دخلت مكتبه بخطوات سريعة وقلبها بيدق بعنف. بدأت تفتش في كل ركن، قلبت الملفات الحديثة، راجعت الإيميلات، مفيش حاجة! كل ورقة كانت منظمة ومظبوطة لدرجة إنها حست بالجنون. ليلى (بتكلم نفسها بغضب مكتوم): "أنت مش ملاك يا ياسين! أكيد بتغلط، أكيد فيه خرم إبرة في حساباتك ده!" وهي في قمة إحباطها، لفت نظرها ملف قديم مغبرّ مرمي في ركن جانبي للمكتب، كأنه مكنش ملموس من فترة. فتحت الملف بلهفة، وعنيها اتسعت وهي بتقلب في أرقام وفواتير تحويلات بنكية غريبة: مبالغ ضخمة خرجت من حسابات الشركة، وبعد فترة.. رجعت تاني لنفس الحسابات، بس بطريقة ملتوية. عنيها لمعت ببريق النصر، وحست إنها أخيراً مسكت "الخيط". ليلى (بابتسامة شيطانية): "أنت قومت الدنيا عليا عشان غلطة بسيطة في التقارير، ودلوقتي طلعت مختلس يا ياسين؟ دي النهاية.. دي اللي هتنهي كل شيء!" من غير ما تفكر، أخدت الملف وخرجت بخطوات واسعة، متوجهة مباشرة لمكتب والدها. دخلت وقعدت بتوتر مستني، عيونها مابتفارقش باب المكتب، بتعد الثواني لحد ما الاجتماع يخلص.. هي مش بس عايزة تشتكي، هي عايزة تشوف ياسين وهو بيترمي بره الشركة في نفس اللحظة اللي "مراد بيه" يكتشف فيها خيانة "الموظف المثالي". مراد خرج من قاعة الاجتماعات مجهد، لقى ليلى منتظراه في مكتبه بملامح "منتصرة". قبل ما يبدأ كلامه، حطت الملف قدامه بحدة. ليلى: "بص يا بابا.. بص اللي الموظف 'المثالي' اللي أنت بتثق فيه كان بيعمله ورا ضهرك." مراد سكت تماماً، عيونه كانت بتقرأ الأرقام بدقة، وبدأ يربط بين تواريخ الصفقات الفاشلة اللي ليلى كانت طرف فيها، وبين حركات الأموال دي. مراد (بصوت مخنوق): "أنتِ فاهمة الأرقام دي إيه يا ليلى؟ ليلى (بغرور): "طبعاً، اختلاسات.. أرقام بتخرج وبترجع بشكل مريب، ده أكيد بيغسل فلوس أو بيسحبها لحسابه وبيرجعها لما يلاقي فرصة!" " طلع موبايله بإيد بتترعش من كتر الضغط والتوتر ،وطلب رقم ياسين.ليلى مراد سكت تماماً، طلع موبايله بإيد بتترعش شوية وطلب رقم ياسين. رد عليه صوت ياسين الهادي: "يا مراد بيه، أنا خلصت المأمورية وفي طريقي للشركة، نص ساعة وأكون عندك." مراد: "مستنيك يا ياسين.. تعالى على مكتبي فوراً." قفل الخط، وليلى انفجرت: "أنت هادي معاه كدة ليه يا بابا؟! ده المفروض يترمي في السجن! ده بيسرقك!" دخل ياسين المكتب بثقة، بملامح هادية كعادته، حط ملف على مكتب مراد وقال بجدية: "يا مراد بيه، دي كشوفات الفتره اللي فاتت، ودي كل الصفقات الخسرانة اللي حاولت أعالجها بالتفاوض عشان أرجع الفلوس لخزنة الشركة من غير ما نعلن إفلاس." مراد فتح الملف وهو بيراجع الأرقام، وياسين كمل وهو بيطلع "كشف حساب" رسمي من البنك: "أنا عارف إن موقفي حساس، وعارف إن التعامل بأرقام كبيرة زي دي ممكن يثير شكوك، عشان كدة جهزت كشف حسابي الشخصي؛ تقدر تراجع كل حركة دخلت أو خرجت، وهتلاقي إن مفيش مليم واحد دخل حسابي غير مرتبي، وأنا معنديش أي حسابات تانية." ليلى كانت واقفة بتبص للأوراق بصدمة، عيونها بتدور على غلطة، بس مفيش! مراد قفل الملف، وبص لليلى بنظرة "شرار"، وبعدين التفت لياسين بغضب ممزوج بالتقدير: "إزاي يا ياسين تسكت على المصايب دي كلها؟! أنت حكيتلي عن الشهرين اللي فاتوا بس، ليه خبيت باقي الكوارث اللي حصلت قبل كدة؟" ياسين اتنهد بجدية وقال: "يا فندم، أنا كنت بحاول أصلح اللي أقدر أصلحه في صمت. مكان شغلي ده ليه قيمة عندي، وكنت بحاول أحمي اسم الشركة وأحافظ على استقرارها من غير ما أسبب إزعاج لحضرتك أو لأي حد في الإدارة.. شغلي هو إني أحل المشاكل مش إني أزود ضغط حضرتك." مراد بص لليلى اللي كانت واقفة زي "التمثال" المصدوم، صوت مراد رعد في المكتب: "سمعتي يا هانم؟ دي مش اختلاسات.. دي محاولات إنقاذ للي أنتِ بوظتيه بتهورك! ده اللي كنتِ عايزة تحبسيه وتدمريه؟" ليلى حاولت تفتح بؤها عشان تبرر، بس صوتها طلع مخنوق، الهزيمة كانت كاملة، وياسين واقف قدامها "كالجبل" لا بيهزه اتهام ولا بيأثر فيه غدر. بعد العمل في هدوء فيلا العزايزي، كان مراد قاعد مع والده "الجد"، ملامحه مليانة إرهاق وخيبة أمل. بدأ يحكي له كل حاجة، من أول واقعة المية، لحد اكتشاف إن ياسين هو اللي كان بيغطي على كوارث ليلى المالية بذكاء وإخلاص. مراد (بذهول): "يا حاج، أنا مبهور بالواد ده! لولا هو، الشركة كانت هتفلس من شهور بسبب تهور ليلى، وهو كان بيصلح وراها في صمت عشان يحفظ هيبتنا. أنا مش عارف أجزيه على إيه ولا إيه." الجد كان بيسمع وهو ساكت، بيقلب عصايته في إيده بتركيز، وفجأة قطع الصمت بكلمة هزت كيان مراد: "أنا عايز راجل زي ده في حياة حفيدتي.. أنا عايز ياسين يتجوز ليلى." مراد قام من مكانه مصدوم: "ياسين؟! يا بابا أنت بتقول إيه؟ ياسين مستحيل يقبل بيها! أنت مش عارف هي عملت فيه إيه، أهانته أكتر من مرة، وآخرها اتهمته بالاختلاس وهو اللي حاميها. كرامته عنده فوق أي مصلحة، ومستحيل يوافق يربط حياته بواحدة زيه!" الجد قام ووقف بكل هيبته، وبص لمراد بحسم لا يقبل النقاش: "سيب الموضوع ده عليا. ليلى محتاجة حد يقدر يكسر الغرور اللي فيها، وياسين هو الوحيد اللي أثبت إنه يقدر يقف في وشها ويفرض احترامه. المهمة دي لازم نخلصها قريب جداً.. الشركة محتاجاك، وأنا مش هسمح إنك تفضل مقسوم نصين بين شغلك هنا وشغلك هناك. يا تتفرغ لشغلك يا نلاقي اللي يشيل الحمل مكانه." مراد وقف عاجز أمام منطق والده، لكنه كان عارف إن الجد لما بيقرر حاجة، الدنيا كلها بتتحرك عشان تنفذها. ليلى كانت مرمية على سريرها، بتشهق من كتر العياط. صوت أبوها لسه بيرن في ودانها، وإيدها لسه ملمسها بيحرق مكان القلم اللي اخدته منه في العربية وهي راجعة من الشركة. الإهانة كانت مضاعفة؛ هي اللي كانت فاكرة إنها "صيادة"، طلعت هي "الفريسة" اللي وقعت في فخ غبائها. وهي بتعيط، شريط الذكريات مر قدام عينيها كسرعة البرق. افتكرت المرات اللي ياسين كان بيحاول فيها يكلمها بجدية، ويحذرها من صفقات معينة، وهي كانت بتصدّه بكلمة: "أنت مش فاهم حاجة.. ده مجرد موظف بيتدخل في اللي ميعنوش!" دلوقتي بس، ومع كل دمعة نزلت، الحقيقة كانت بتكشف عن وشها القبيح: الأرقام الضخمة اللي شافتهم في الملف مكنوش اختلاسات ياسين.. كانوا خسائر صفقاتها هي، الخسائر اللي كان ياسين بيحاول يغطيها بذكاءه وتفاوضه عشان ينقذ "آل العزايزي" من الفضيحة. ليلى (بصوت مخنوق ومتقطع): "كل ده كان بيحاول يصلح ورايا؟.. كل ده كان بيحمي غبائي؟" بدل ما الحقيقة دي تخليها تعتذر أو تراجع نفسها، النار اللي في قلبها زادت. كبرياؤها المريض خلاها تشوف "إحسان" ياسين كأنه "استعلاء". بدأت تفكر بسواد: "هو مش بيحمي الشركة.. هو بيشتري أبويا! هو بيخليني أبقى ولا حاجة في عين الكل عشان هو اللي يبان 'البطل'.. الموظف الغلبان اللي فجأة بقى هو اللي بيحرّك الخيوط!" ليلى (بصت في المراية وهي بتمسح دموعها بقسوة، عيونها كانت بتلمع بحقد جديد): "فاكر إنك هتاخد مكاني يا ياسين؟ فاكر إنك لما تلاقي أبويا بيحبك وجدي بيعتمد عليك، إنك بقيت واحد مننا؟ لا.. أنت لسه الموظف اللي مكانه تحت رجلي، والمرة دي مش هغلط.. المرة دي أنا اللي هخلص عليك، حتى لو اضطريت أحرق الشركة كلها بيا وبك." الخزي اللي كانت حاساه في العربية اتحول لشيء أخطر بكتير: عزيمة على التدمير. ليلى قررت إنها مش هتسكت، وإنها هتستخدم كل سلاح عندها عشان تطرد ياسين من حياتها، ومن شركتهم، ومن عيون أبوها اللي بقت بتشوف فيه "الابن" اللي كانت هي بتتمناه. عدت الأيام، وليلى كانت بتراقب كل حركة لياسين، محاولاتها للترصد له كانت مستمرة، لكنها كانت بتلاقي جدار صلب من الهدوء والاحترافية. ياسين كان بيتعامل معها وكأن شيئاً لم يكن، وده كان بيستفزها أكتر. في نهاية يوم عمل طويل، كان ياسين بلملم حاجته عشان يغادر، لما سكرتير مراد بيه دخل عليه بملامح جادة: "أستاذ ياسين، الجد الأكبر طالب يشوفك في القصر فوراً بعد الشغل. قال إن الموضوع مهم وميحتملش التأجيل." ياسين اتجمدت ملامحه للحظة. هو يعرف مين هو "الجد الأكبر"؛ ده مش مجرد صاحب الشركة، ده الشخص اللي أسس إمبراطورية العزايزي بعصايته وحكمته. استدعاؤه في القصر مش زي استدعاء مراد بيه في المكتب.. ده استدعاء "سلطة". ياسين (بصوت هادي): "تمام.. هكون عنده." خرج ياسين من الشركة، وقلبه حاسس إن ورا الدعوة دي شيء أكبر بكتير من مجرد "شكر" على مجهوده. طول الطريق كان بيحاول يربط الأحداث ببعضها؛ ليه الجد دلوقتي؟ وهل ليلى ليها إيد في الموضوع؟ لما وصل للقصر، كان القصر مهيب كالعادة، بوابات ضخمة وجناين واسعة. استقبله الخدم ودخلوه للمكتب الخاص بالجد. كان الجد قاعد بيبص من الشباك على الحديقة، ولما سمع صوت خطوات ياسين، لفّ ببطء وسند على عصايته. الجد (بصوت رخيم وهيبة طاغية): "أهلاً يا ياسين.. عارف ليه بعت أطلبك؟" ياسين وقف باحترام، ووشه مكنش باين عليه أي ارتباك: "أكيد حضرتك أدرى يا فندم، أنا تحت أمرك في أي وقت." الجد ابتسم ابتسامة خفيفة، وشاور لياسين بالكرسي اللي قدامه: "لا، خليك واقف.. الكلام اللي هقولهولك دلوقتي مش كلام شغل، ولا كلام تقارير.. ده كلام في 'الأصول'." ياسين حس إن في حاجة تقيلة جاية في الطريق، وبدأ يشد أعصابه، مستني اللحظة اللي الجد هيلقي فيها "قنبلته". الجد بدأ يختبر ياسين في مواقف تخص ولاءه، وياسين أثبت بإجاباته إنه مش بس موظف، ده "رجل دولة" في نظر الجد. بعد فترة من الكلام، الجد بص لياسين بنظرة فيها تقدير: "أنا محتاج حد من أحفادي يكون زيك.. أنت من النهاردة واحد من العيلة يا ياسين." ياسين استغرب، والجد كمل: "أنا عايزك تتجوز ليلى." ياسين اتجمد مكانه، وخد نفس عميق قبل ما يرد بصدق: "يا فندم.. ده شرف ليا طبعاً، بس ليلى بتكرهني أكتر من أي حد في حياتها. لو أجبرتها على حاجة زي دي، ممكن تتجنن وتأذيني أو تأذي نفسها، وأنا مش قدها.. ده هيخرج الموضوع عن سياق الشغل اللي مراد بيه حاميني فيه، وهيدخلنا في صراعات تانية خالص." سكت ياسين شوية وكمل بمرارة: "وبعدين يا فندم، هي شايفة إني أقل منها.. وهي عندها حق، أنا أسرتي متوسطة، مش شبه مستواكم، وده واقع لازم نحترمه." الجد ابتسم بهدوء: "أنا مش بجبرك، أنا بقترح صفقة.. عقد زواج لمدة 4 سنين، في الفترة دي تعالج مشاكل الشركة وتغير من ليلى. وليك عندي عن كل سنة ٣ مليون." ياسين بلع ريقه بصدمة، وكرامته اتأبت: "يا فندم أنا مش عايز فلوس! أنا مش بحب القرش اللي بيجي بالسهل، أنا بحب أشقى في أكلي وشربي." الكلمة دي خلت الجد يقعد على كرسيه بابتسامة إعجاب، الراجل ده فعلاً مبيشتريهوش المال. الجد قاله: "سيبك من الفلوس.. بعد الـ ٤ سنين، لو قررتوا تنفصلوا، ليك عندي أسهم في الشركة دي.. تعيش منها أنت وأولادك وتأمن مستقبلك. ده أقل حق لراجل حماني وحمى عيلتي وأملاكي." ياسين، تقديراً لهيبة الجد، وافق بكلمة واحدة: "اللي تشوفه يا فندم." خرج ياسين من مكتب الجد وهو حاسس إن العالم بيلف بيه، مكنش مصدق إنه وافق على "أخطر عقد" في حياته. وصل لساحة القصر، وقبل ما ياخد خطوة واحدة.. لقى اللي كانت آخر حد يتمنى يشوفه في اللحظة دي. ليلى كانت واقفة قدامه، عيونها بتشتعل غضب، وشكلها كانت بتراقب دخوله وخروجه.. ومن نظرتها، كان واضح إنها سمعت "جزءاً" من الكلام، أو على الأقل، حست إن في "كارثة" بتتحضر لها. ليلى (بصوت يرجف من الغضب): "أنت إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي كنت بتعمله مع جدي؟" ياسين بص لها ببرود، ومن غير ما يتهز، قال جملة واحدة كانت زي الصاعقة: "أسألي جدك يا آنسة ليلى.. هو اللي عنده الخبر اليقين." المواجهة في الساحة بدأت، وليلى بدأت تربط الخيوط ببعضها! هل تتوقعي إنها هتتهور وتعمل مشكلة قدام الجد، ولا هتنسحب عشان تواجه جدها وتعرف الحقيقة؟ ليلى كانت في حالة هستيرية، دموعها اتحولت لشرار، وبدأت تصرخ في ساحة القصر والخدم بيحاولوا يداروا وشهم: "أنت جاي لحد هنا عشان تسخن جدي عليا؟! أنت فاكر نفسك إيه؟ إيه اللي جراك عشان تدخل بيتنا؟ هو بيتنا بقى مباح لكل من هب ودب يخشوا؟!" ياسين وقف مكانه، بصلها ببرود أخرس لسانها. أخد خطوة ناحيتها، والمسافة بينهم بقت مرعبة، ونبرة صوته كانت واطية بس حادة كالنصل: "يا آنسة ليلى، يا ريت تحترمي طريقة كلامك معايا. مبدئياً، جدي -عفواً، جدك- هو اللي بعت لي، هو اللي طلبني عشان عايزني في موضوع مهم، وتقدري تدخلي تسأليه بنفسك هو عايز مني إيه.. يعني 'الخبر اليقين' مش عندي، هو عنده." ليلى حاولت تقاطعه بصرخة تانية، بس ياسين كمل بصرامة أكبر: "ويا ريت ما تعاملينيش بالأسلوب ده. على فكرة، أنا متعلم ومعايا شهادة جامعية زيك بالظبط، ويمكن شهادتي وخبرتي في السوق أكتر منك بمراحل. لولا الظروف اللي مريت بيها، كان زماني في مكانة تانية خالص. ما تفتكريش إنك بفلوسك وباسم عيلتك مالكة كل حاجة، وبغبائك ده.. أنتِ مش بس بتضيعي شغلك، أنتِ بتخسري أقرب الناس ليكي." ليلى اتجمدت في مكانها، الكلمات دي كانت زي "القلم" اللي نزل على وشها، لكنه قلم معنوي كسر غرورها. ياسين مديهاش فرصة ترد، لف ضهره ومشي بخطوات ثابتة وواثقة، سابها واقفة في وسط الساحة، بتتنفس بصعوبة، وصوت كلامه لسه بيرن في ودانها زي أجراس الخطر. وهي واقفة، حست إن "الرجل الغلبان" اللي كانت بتستصغره، أصبح دلوقتي هو الوحيد اللي مش خايف منها، والوحيد اللي شايف "عريها" الحقيقي قدام نفسها. دخلت ليلى مكتب والدها وهي بتغلي، والجنون مالي عينيها، مكنتش قادرة تسيطر على أعصابها: "الزبالة ده كان جاي هنا بيعمل إيه؟! دخل القصر وقعد مع جدو، إيه اللي بيحصل؟" مراد قام من مكانه بنرفزة غير مسبوقة: "أنتِ بتقولي إيه؟! لسانك ده لو طول عليه تاني، قسماً بالله ما هتعرفي أنا ممكن أعمل فيكِ إيه!" ليلى اتراجعت لورا بخوف، ووشها اصفرّ، بس لسه بتحاول تداري: "أنا.. أنا بس بسأل ياسين كان هنا بيعمل إيه؟" مراد زعق فيها: "إنتِ لسه ما فوقتيش من القلم اللي أخدتيه؟ أنا ممكن أديكِ ٣٠ قلم زيه عشان تعقلي وتعرفي إن الراجل ده خط أحمر!" في اللحظة دي، الجد ضرب بعكازه في الأرض خبطة هزت أركان المكتب، صوته كان حازم كالسيف: "اقعدي.. واسمعي اللي هقوله، لأن الكلام اللي جاي ده قرار، مش نقاش." ليلى قعدت منكمشة، والجد كمل ببرود: "فرحك على ياسين خلال الشهر ده. الترتيبات بدأت، ويومين وهتنزلي تختاري شبكتك." ليلى وقفت وكأن حد ضربها على دماغها، صوتها طلع متهدج: "جواز؟! أتجوز واحد زي ده؟! أنت عايز توقع اسم عيلتنا يا جدو؟ ده مش مستوانا! أنت بتهدم سمعتنا!" الجد قام وقف وهبد بعكازه في الأرض بقوة أكبر، وزعق بصوت مسموع في كل أركان القصر: "احنا اللي بنوقع اسم عيلتنا؟! ولا غبائك وتصرفاتك الطايشة اللي خلت سمعة الشركة في الأرض؟ احنا اللي بنبني، وأنتِ اللي بتدوري على الهدم! يا ليلى، القرار أتاخد، ومفيش كلمة تانية بعد كلمتي." ليلى حاولت تنطق، تحاول تعترض، بس نظرة الجد كانت بتوعدها بجحيم لو فتحت بقها. الجد شاور بإيده ناحية الباب بحركة حادة: "اطلعي بره.. ومسمعش صوتك!" ليلى انكمشت في نفسها، الدموع محبوسة في عينيها من كتر الصدمة والذل، بصت لأبوها اللي كان بيبص لها نظرة "خيبة أمل" مطلقة. مفيش مفر.. خرجت تجري لأوضتها، والباب اتقفل وراها، ومعاه اتقفل باب حريتها اللي كانت فاكرة إنها بتمتلكها. ليلى كانت قاعدة على الأرض في ركن أوضتها، بتنتحب بحرقة، لكن فجأة.. سكتت. مسحت دموعها بعنف، وعينيها اللي كانت مكسورة، بدأت تلمع بنور غريب ومظلم. فكرة شيطانية بدأت تتبلور في دماغها. ليلى (بهمس حاقد): "لا.. أنا مش هسكت. لو ياسين ده ملاك في الشركة، أكيد ليه 'شيطان' في حياته الخاصة. مفيش حد كامل، وأنا لازم ألاقي الثغرة دي." قامت ليلى وقفت قدام المراية، وبدأت تمسح آثار البكاء. قررت إنها مش هتحارب ياسين في الشغل، لأنها فشلت هناك.. هي هتحاربه في "شرفه" وفي "أخلاقه". ليلى بتفكير مسموم: "أكيد ليه طريق تاني.. يا بيشرب، يا بيعرف ستات، يا ليه ماضي أسود مخبيه. لو عرفت أصور له صورة واحدة غلط، أو أقفشه في وضع مريب، الجد بنفسه هو اللي هيلغي الجوازة دي، وهطرده من القصر ومن الشركة!" بدأت تخطط في سرها: هتستعين بحد يراقب تحركاته بره الشركة، حد يتبعه في الأماكن اللي بيروحها، يصور له كل تكات حياته. ليلى (بابتسامة باردة): "كل بني آدم له تمن، وكل واحد له سر.. وأنا هعرف سرك يا ياسين، وهخلي حياتك جحيم قبل ما تفكر تلمس إيدي في الفرح." خرجت من أوضتها، مش البنت المنكسرة اللي دخلت من دقايق، دي كانت "ليلى" تانية.. ليلى اللي قررت تبيع أي شيء عشان تدمر حياة ياسين. كانت ماشية في الطرقة، وهي بترسم في خيالها مشهد سقوط ياسين القاسي، مش عارفة إنها بتلعب بالنار، وإن ياسين مش الشخص اللي ممكن "يُصاد" بالطرق الرخيصة دي. ليلى قررت خوض "حرب التشويه"! هل ستنجح في العثور على ما يدين ياسين، أم أن نقاء ياسين سيكون هو "الفخ" الذي ستسقط فيه ليلى مرة أخرى؟ المعركة أصبحت شخصية جداً! لا تنسوا (Add to Library) وشاركونا توقعاتكم في التعليقات: هل تتوقعوا إن ليلى هتلاقي "حاجة" فعلاً في حياة ياسين، ولا هتتفاجأ بنبل أخلاقه في مواقف تانيةشروق الفجر بدأ يتسلل بخيوط فضية باهتة من بين شيش الشبابيك الخشبية للأوضة الأرضية. الضوء الهادي نزل على الجسدين المتعانقين في استرخاء تام؛ رانيا كانت نايمة على صدر ياسين العريض، إيدها نازلة بدلال على بطنها المنتفخة، وشعرها الأسود مفرود على المخدة بعد ليلة جارفة ذوبت كل المقاومة جواها. فتحت رانيا عينيها ببطء شديد، حست بحرارة جسم ياسين وبثقل دراعه القوي الملفوف حوالين ضهرها. قامت ببطء شديد وسحبت نفسها من تحته عشان ما تقلقوش، لبست روبها الحرير الأسود، وخرجت بتتسحب على أطراف صوابعها طلعت للمطبخ الرئيسي تجيب مية. المطبخ كان ساكت، وفي الضلمة الخفيفة للمكان، لمحت ليلى قاعدة ببرنس النوم الأبيض ماسكة كباية ينسون دافي وعيونها معلقة على الفراغ بتفكر. ليلى رفعت راسها، وبصت لـ رانيا بصة ضرة فاهمة ومستوعبة.. ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت بنبرة هادية: "صباح الخير يا عروسة.. شكل سي السيد روّقك الليلة وما سابكيش تتنفسي." رانيا وشها جاب ألوان، وقربت جمعت الروب على رقبتها بكسوف ورقة وقالت بنبرة متلخبطة: "ليلى.. بلاش الكلام ده، أنتِ عارفة الظروف اللي بيننا.." سكتتها ليلى بحركة من إيدها، ونزلت الك
صوت الموتور كان بيهدر في الشارع الهادي وهو راكن تحت العمارة الشيك اللي سكنوا فيها زمان.. العمارة اللي لجأوا ليها واأجروا فيها شقة بعد ما اتصفوا واتسرقوا وخرجوا من عزهم بالهدوم اللي عليهم، أيام ما كانت الضربة لسه سخنة وكل الأبواب مقفولة في وشهم. نزل ياسين وقفل الباب، وبص لمدخل العمارة بـ بصة فيها مرار وذكريات قاسية.. أيام ما كان أبوه بيقعد في الصالة المكسور بيموت بـ بطء من الحسرة وقلة الحيلة بعد ما كل حاجة راحت منه. طلع السلم لحد الشقة، وقف قدام الباب، وسحب المفتاح الصغير من ميداليته. لف المفتاح تكتين، وزق الباب اللي أصدر صرير خفيف. دخل ياسين ورزع الباب وراه.. ريحة الكتمة والتراب والزمن القديم كانت مالية المكان. الشقة كانت بسيطة ومستورة، عفش هادي متغطي بـ ملايات بيضا عشان التراب. مشي بـ خطوات ثقيلة ناحية الأوضة الجوانية.. أوضة أبوه المرحوم. فتح الدولاب الخشب، وإيده راحت لـ الرف الأخير تحت الكراكيب والأوراق القديمة. سحب علبة قديمة ملفوفة بـ حبل تيل. فك الحبل بـ هدوء، وفتح العلبة.. جوة كان فيه أجندتين سلك، وشوية أوراق ومستندات مربوطة بـ أستك دايب. قعد ياسين على حرف السر
في الصالون الهادي، بعد ما ياسين خرج ورزع الباب وراه، كان السكون أتقل من الحجر. ليلى ورانيا قاعدين قصاد بعض، كاسات العصير على الترابيزة محدش قرب لها. عيونهم كانت سرحانة في نقطة فراغ، لحد ما رانيا سحبت نفس مهدود، وبصت لـ ليلى ونطقت بـ صوت هادي فيه حسرة: "كنا أصحاب جداً في الجامعة يا ليلى.. واتحولنا لأعداء بعد ما اتخرجنا، ورجعنا النهاردة أهو أصحاب تاني بس بشكل مختلف شويه .. بس وإحنا على ذمة راجل واحد." ليلى رفعت عينها، وبصت لها بـ رزانة مكسورة وقالت: "أنتِ أذيتيني زمان يا رانيا.. عشان كده كرهتك." رانيا ابتسمت ابتسامة باهتة وقالت: "أنا غلطت وقتها في حقك، مش هنكر.. منعت أخويا إنه يتجوزك، وخليته يبعد عنك وأنا ما كانش بيني وبينك حاجة، بل بالعكس كنا أصحاب.. أنتِ وقتها شوفتي إني طعنتك، وللنهاردة ما كنتيش عارفة السبب." سكتت رانيا ثواني، ورجعت بـ ظهرها لورا وهي بتفتكر وجع القديم، وكملت: "بسبب وفاة أمي.. طلعت أنا وطارق سوا في الدنيا، بقيت بغير عليه منك، حسيت إنك هتاخديه مني ومن البيت.. بس حبّي لـ طارق ما كانش نفس حبه ليا.. أنا كنت أفديه بـ روحي، إنما هو باع روحي وكان عايز يقت
الشمس بدأت تفرش دهبها على ساحة قصر السيوفي، ونسمة الصبح الدافي بتطير ستائر الصالون الكبير المعشوق بـ الزجاج الملون. حركة الخدم كانت زي الساعة، صواني الفطار الفاخرة طالعة نازلة من المطبخ الرئيسي، ريحة العيش الفينو الصابح والقهوة العربي المركزة بتملى المكان، والأجواء برة القصر كانت هادية، بس هدوء يخلي الشعر يقف من كتر الحذر. على السلم الرخام العريض، نزل ياسين السيوفي بـ خطواته الثقيلة اللي لها رنة تحفظها حيطان القصر. كان لابس قميص أبيض كاجوال مفتوح أول زراير منه، وبنطلون كحلي أنيق، وشه فيه رواقة هادية ونصر صافي بعد ليلة طويلة ما كانتش سهلة.. ليلة حسم فيها المعركة في الميناء، ولمّ فيها شمل بيته في الجناح الرئيسي. جنبه كانت ماشية ليلى العزايزي.. ليلى الصبح كانت حاجة تانية خالص. لابسة جلابية حرير أسود مطرزة بـ الدهبي عند الرقبة، شعرها الأسود المفرود نازل على ضهرها بـ انسيابية، وعلى وشها مسحة خجل ناعمة ووردية اتخلقت بعد العاصفة والشغف اللي عاشتهم في حضن ياسين. عيونها الكحيلة كانت كل شوية تتسرق وتبص لـ ياسين بـ إعجاب وخضوع أنثوي مطلق.. المرأة المغرورة العنيدة راحت، وحل محلها ست عاشقة بتم
كانت السكتة كابسة على الجناح الرئيسي في قصر السيوفي، نسيـم الفجر البارد بيدخل من بين ستائر البلكونة العالية، وجو الأوضة مكسي بـ هدوء تقيل يسبق أي عاصفة. ياسين السيوفي كان قاعد على الكنبة الجلد العريضة، فادد كتافه بـ هيبة وراحة بعد ما المعركة التجارية في الميناء انطوت لـ صالحه، وجنبه ليلى واقفة بكل رزانة بتعدل ياقة قميصه بـ صوابعها الناعمة وتلقي عليه نظرات دهشة وإعجاب بقوته ونفوذه. رانيا كانت قاعدة في الناحية التانية، ساندة ظهرها على مخاد الحرير ومادة رجليها بتعب، إيدها مابتفارقش بطنها المشدودة من الحمل، وعينيها رايحة جاية بين ياسين وليلى، جواها خليط مرعب من القلق على أخوها طارق المحبوس تحت، والخوف من إنها تخسر مكانتها قدام جوزها. فجأة، خبط الباب الخشبي الضخم بـ ثلاث دقات محسوبة وموزونة. ياسين رفع رأسه بـ نبرة آمرة هزت المكان: "ادخل يا منصور." اتفتح الباب بـ ثقل، ودخل منصور، كبير حراس القصر، بطوله وعرضه، لابس بدله الحراسة السودا وسلاحه الجانبي في جرابه. وقف انتباه على بعد خطوات، ونزل رأسه خفيف بـ احترام شديد ورجولة: "صباح الخير يا سيوفي باشا.. التمام كله تمام في الساح
ظلمات الليل كانت لسه كابسة على الطرقات، وساعة الفجر بتقرب ببطء وسط شبورة باردة نازلة تغطي الأسفلت الممتد. أربع عربيات دفع رباعي سوداء ومصفحة كانت بتشق الطريق بسرعة ثابته وهدوء مرعب، من غير سرينات ولا أنوار عالية، كأنها موكب للموت بيتحرك في الصمت. جوة العربية الرئيسية، ياسين السيوفي كان قاعد في الكنبة الوراانية، ساند ركبته ولابس جاكت جلد أسود ثقيل فوق قميصه، وعينيه الصقر بتبص على الطريق الصحراوي من ورا القزاز الفاميه. السكون جوة العربية كان يقطع بالموس، مفيش غير صوت الموتور الجبار اللي بيصرخ تحت الكابوت. جنبه كان قاعد مراد العزايزي، ماسك تليفونه المشفر وبيتابع حركة الحراس والعيون اللي زرعها في الميناء، وشه كان مشدود والعروق نافرة في رقبته من كتر التوتر والغل اللي جواه من أفعال منير زهران. مراد التفت لـ ياسين ونطق بصوت حاد ومكتوم: "ياسين.. العيون بلغوني إن رجالة زهران بداوا يتحركوا حوالين الرصيف رقم 7 في الميناء! المحامي بتاعه نازل بـ ورق رسمي مزور عشان يوقف الشحنة، وفيه حركة مش مظبوطة بين رجالة التفريغ هناك.. الكلب ناوي يولع في البضاعة أو يثبت عليها مخالفات جمركية تخلي الدولة
طول الأسبوع اللي سبق الفرح، كان القصر بيتحول لساحة احتفالات، بس داخل أروقة الشركة، الجو كان مختلف تماماً. مراد العزايزي كان حاسم، سحب من ليلى جزء كبير من صلاحياتها، وحطها "تحت التدريب" المباشر لياسين السيوفي. ياسين كان بيتعامل معاها بمنتهى الجدية اللي بتوصل للبرود. ماكانش بيشوفها "صاحبة شركة"، كا
جملة بسيطة، لكنها كانت زي الصاعقة اللي نزلت على ليلى. انتفضت ليلى في مكانها بتوتر واضح، ووشها اتخطف لونه، وقالت بسرعة وصوت عالي شوية: "لا.. لا، مش عايزين!" ياسين، اللي كان بيبص لصاحب المعرض، لف وشه لليلى فوراً. سكت تماماً، وبص لها بأسى واستغراب، نظرة كانت أعمق من مجرد رد فعل على إجابة، كانت نظرة
ليلى حست للحظة بضعف موقفها، وخصوصاً بعد ما شافت "الرعب" الحقيقي في عين ياسين لما اتكلم عن أمه. حست إنها محتاجة تلطف الجو عشان تضمن إن الأمور متبوظش أكتر، وبنفس الوقت حست بشوية "امتنان" متداري إنه مكنش نذل معاها قدام أبوها. ساد صمت طويل ومكهرب داخل العربية، ليلى بدأت تفرك في إيديها بتوتر، وبعد فتر
ليلى انقضت على تليفون ياسين، أصابعها بتتحرك بسرعة البرق. أول حاجة لفتت نظرها "سجل المكالمات".. رقم "ولاء" متكرر كتير، مكالمات مدتها طويلة، ربع ساعة وتلت ساعة.. حست بغيظ، مين دي اللي بيكلمها بالساعات وهو المفروض ميت في الشغل؟ بس اللي صدمها أكتر كان الملف اللي لقته متسمي باسم مشفر في آخر الجاليري.







