LOGINمرّ أسبوع كامل، كان أطول أسبوع في حياة ليلى. كانت بتراقب ياسين في صمت، بتشوفه وهو بيشتغل، بتسمع إشادة الموظفين بذكائه، وكل ده كان بيزود النار جواها. كانت مستنية اللحظة اللي يغفل فيها، والفرصة جت أخيراً لما ياسين اضطر يخرج في "مأمورية خارجية" لإنهاء إجراءات صفقة في البنك.
بمجرد ما باب الشركة اتقفل وراه، ليلى دخلت مكتبه بخطوات سريعة وقلبها بيدق بعنف. بدأت تفتش في كل ركن، قلبت الملفات الحديثة، راجعت الإيميلات، مفيش حاجة! كل ورقة كانت منظمة ومظبوطة لدرجة إنها حست بالجنون. ليلى (بتكلم نفسها بغضب مكتوم): "أنت مش ملاك يا ياسين! أكيد بتغلط، أكيد فيه خرم إبرة في حساباتك ده!" وهي في قمة إحباطها، لفت نظرها ملف قديم مغبرّ مرمي في ركن جانبي للمكتب، كأنه مكنش ملموس من فترة. فتحت الملف بلهفة، وعنيها اتسعت وهي بتقلب في أرقام وفواتير تحويلات بنكية غريبة: مبالغ ضخمة خرجت من حسابات الشركة، وبعد فترة.. رجعت تاني لنفس الحسابات، بس بطريقة ملتوية. عنيها لمعت ببريق النصر، وحست إنها أخيراً مسكت "الخيط". ليلى (بابتسامة شيطانية): "أنت قومت الدنيا عليا عشان غلطة بسيطة في التقارير، ودلوقتي طلعت مختلس يا ياسين؟ دي النهاية.. دي اللي هتنهي كل شيء!" من غير ما تفكر، أخدت الملف وخرجت بخطوات واسعة، متوجهة مباشرة لمكتب والدها. دخلت وقعدت بتوتر مستني، عيونها مابتفارقش باب المكتب، بتعد الثواني لحد ما الاجتماع يخلص.. هي مش بس عايزة تشتكي، هي عايزة تشوف ياسين وهو بيترمي بره الشركة في نفس اللحظة اللي "مراد بيه" يكتشف فيها خيانة "الموظف المثالي". مراد خرج من قاعة الاجتماعات مجهد، لقى ليلى منتظراه في مكتبه بملامح "منتصرة". قبل ما يبدأ كلامه، حطت الملف قدامه بحدة. ليلى: "بص يا بابا.. بص اللي الموظف 'المثالي' اللي أنت بتثق فيه كان بيعمله ورا ضهرك." مراد سكت تماماً، عيونه كانت بتقرأ الأرقام بدقة، وبدأ يربط بين تواريخ الصفقات الفاشلة اللي ليلى كانت طرف فيها، وبين حركات الأموال دي. مراد (بصوت مخنوق): "أنتِ فاهمة الأرقام دي إيه يا ليلى؟ ليلى (بغرور): "طبعاً، اختلاسات.. أرقام بتخرج وبترجع بشكل مريب، ده أكيد بيغسل فلوس أو بيسحبها لحسابه وبيرجعها لما يلاقي فرصة!" " طلع موبايله بإيد بتترعش من كتر الضغط والتوتر ،وطلب رقم ياسين.ليلى مراد سكت تماماً، طلع موبايله بإيد بتترعش شوية وطلب رقم ياسين. رد عليه صوت ياسين الهادي: "يا مراد بيه، أنا خلصت المأمورية وفي طريقي للشركة، نص ساعة وأكون عندك." مراد: "مستنيك يا ياسين.. تعالى على مكتبي فوراً." قفل الخط، وليلى انفجرت: "أنت هادي معاه كدة ليه يا بابا؟! ده المفروض يترمي في السجن! ده بيسرقك!" دخل ياسين المكتب بثقة، بملامح هادية كعادته، حط ملف على مكتب مراد وقال بجدية: "يا مراد بيه، دي كشوفات الفتره اللي فاتت، ودي كل الصفقات الخسرانة اللي حاولت أعالجها بالتفاوض عشان أرجع الفلوس لخزنة الشركة من غير ما نعلن إفلاس." مراد فتح الملف وهو بيراجع الأرقام، وياسين كمل وهو بيطلع "كشف حساب" رسمي من البنك: "أنا عارف إن موقفي حساس، وعارف إن التعامل بأرقام كبيرة زي دي ممكن يثير شكوك، عشان كدة جهزت كشف حسابي الشخصي؛ تقدر تراجع كل حركة دخلت أو خرجت، وهتلاقي إن مفيش مليم واحد دخل حسابي غير مرتبي، وأنا معنديش أي حسابات تانية." ليلى كانت واقفة بتبص للأوراق بصدمة، عيونها بتدور على غلطة، بس مفيش! مراد قفل الملف، وبص لليلى بنظرة "شرار"، وبعدين التفت لياسين بغضب ممزوج بالتقدير: "إزاي يا ياسين تسكت على المصايب دي كلها؟! أنت حكيتلي عن الشهرين اللي فاتوا بس، ليه خبيت باقي الكوارث اللي حصلت قبل كدة؟" ياسين اتنهد بجدية وقال: "يا فندم، أنا كنت بحاول أصلح اللي أقدر أصلحه في صمت. مكان شغلي ده ليه قيمة عندي، وكنت بحاول أحمي اسم الشركة وأحافظ على استقرارها من غير ما أسبب إزعاج لحضرتك أو لأي حد في الإدارة.. شغلي هو إني أحل المشاكل مش إني أزود ضغط حضرتك." مراد بص لليلى اللي كانت واقفة زي "التمثال" المصدوم، صوت مراد رعد في المكتب: "سمعتي يا هانم؟ دي مش اختلاسات.. دي محاولات إنقاذ للي أنتِ بوظتيه بتهورك! ده اللي كنتِ عايزة تحبسيه وتدمريه؟" ليلى حاولت تفتح بؤها عشان تبرر، بس صوتها طلع مخنوق، الهزيمة كانت كاملة، وياسين واقف قدامها "كالجبل" لا بيهزه اتهام ولا بيأثر فيه غدر. بعد العمل في هدوء فيلا العزايزي، كان مراد قاعد مع والده "الجد"، ملامحه مليانة إرهاق وخيبة أمل. بدأ يحكي له كل حاجة، من أول واقعة المية، لحد اكتشاف إن ياسين هو اللي كان بيغطي على كوارث ليلى المالية بذكاء وإخلاص. مراد (بذهول): "يا حاج، أنا مبهور بالواد ده! لولا هو، الشركة كانت هتفلس من شهور بسبب تهور ليلى، وهو كان بيصلح وراها في صمت عشان يحفظ هيبتنا. أنا مش عارف أجزيه على إيه ولا إيه." الجد كان بيسمع وهو ساكت، بيقلب عصايته في إيده بتركيز، وفجأة قطع الصمت بكلمة هزت كيان مراد: "أنا عايز راجل زي ده في حياة حفيدتي.. أنا عايز ياسين يتجوز ليلى." مراد قام من مكانه مصدوم: "ياسين؟! يا بابا أنت بتقول إيه؟ ياسين مستحيل يقبل بيها! أنت مش عارف هي عملت فيه إيه، أهانته أكتر من مرة، وآخرها اتهمته بالاختلاس وهو اللي حاميها. كرامته عنده فوق أي مصلحة، ومستحيل يوافق يربط حياته بواحدة زيه!" الجد قام ووقف بكل هيبته، وبص لمراد بحسم لا يقبل النقاش: "سيب الموضوع ده عليا. ليلى محتاجة حد يقدر يكسر الغرور اللي فيها، وياسين هو الوحيد اللي أثبت إنه يقدر يقف في وشها ويفرض احترامه. المهمة دي لازم نخلصها قريب جداً.. الشركة محتاجاك، وأنا مش هسمح إنك تفضل مقسوم نصين بين شغلك هنا وشغلك هناك. يا تتفرغ لشغلك يا نلاقي اللي يشيل الحمل مكانه." مراد وقف عاجز أمام منطق والده، لكنه كان عارف إن الجد لما بيقرر حاجة، الدنيا كلها بتتحرك عشان تنفذها. ليلى كانت مرمية على سريرها، بتشهق من كتر العياط. صوت أبوها لسه بيرن في ودانها، وإيدها لسه ملمسها بيحرق مكان القلم اللي اخدته منه في العربية وهي راجعة من الشركة. الإهانة كانت مضاعفة؛ هي اللي كانت فاكرة إنها "صيادة"، طلعت هي "الفريسة" اللي وقعت في فخ غبائها. وهي بتعيط، شريط الذكريات مر قدام عينيها كسرعة البرق. افتكرت المرات اللي ياسين كان بيحاول فيها يكلمها بجدية، ويحذرها من صفقات معينة، وهي كانت بتصدّه بكلمة: "أنت مش فاهم حاجة.. ده مجرد موظف بيتدخل في اللي ميعنوش!" دلوقتي بس، ومع كل دمعة نزلت، الحقيقة كانت بتكشف عن وشها القبيح: الأرقام الضخمة اللي شافتهم في الملف مكنوش اختلاسات ياسين.. كانوا خسائر صفقاتها هي، الخسائر اللي كان ياسين بيحاول يغطيها بذكاءه وتفاوضه عشان ينقذ "آل العزايزي" من الفضيحة. ليلى (بصوت مخنوق ومتقطع): "كل ده كان بيحاول يصلح ورايا؟.. كل ده كان بيحمي غبائي؟" بدل ما الحقيقة دي تخليها تعتذر أو تراجع نفسها، النار اللي في قلبها زادت. كبرياؤها المريض خلاها تشوف "إحسان" ياسين كأنه "استعلاء". بدأت تفكر بسواد: "هو مش بيحمي الشركة.. هو بيشتري أبويا! هو بيخليني أبقى ولا حاجة في عين الكل عشان هو اللي يبان 'البطل'.. الموظف الغلبان اللي فجأة بقى هو اللي بيحرّك الخيوط!" ليلى (بصت في المراية وهي بتمسح دموعها بقسوة، عيونها كانت بتلمع بحقد جديد): "فاكر إنك هتاخد مكاني يا ياسين؟ فاكر إنك لما تلاقي أبويا بيحبك وجدي بيعتمد عليك، إنك بقيت واحد مننا؟ لا.. أنت لسه الموظف اللي مكانه تحت رجلي، والمرة دي مش هغلط.. المرة دي أنا اللي هخلص عليك، حتى لو اضطريت أحرق الشركة كلها بيا وبك." الخزي اللي كانت حاساه في العربية اتحول لشيء أخطر بكتير: عزيمة على التدمير. ليلى قررت إنها مش هتسكت، وإنها هتستخدم كل سلاح عندها عشان تطرد ياسين من حياتها، ومن شركتهم، ومن عيون أبوها اللي بقت بتشوف فيه "الابن" اللي كانت هي بتتمناه. عدت الأيام، وليلى كانت بتراقب كل حركة لياسين، محاولاتها للترصد له كانت مستمرة، لكنها كانت بتلاقي جدار صلب من الهدوء والاحترافية. ياسين كان بيتعامل معها وكأن شيئاً لم يكن، وده كان بيستفزها أكتر. في نهاية يوم عمل طويل، كان ياسين بلملم حاجته عشان يغادر، لما سكرتير مراد بيه دخل عليه بملامح جادة: "أستاذ ياسين، الجد الأكبر طالب يشوفك في القصر فوراً بعد الشغل. قال إن الموضوع مهم وميحتملش التأجيل." ياسين اتجمدت ملامحه للحظة. هو يعرف مين هو "الجد الأكبر"؛ ده مش مجرد صاحب الشركة، ده الشخص اللي أسس إمبراطورية العزايزي بعصايته وحكمته. استدعاؤه في القصر مش زي استدعاء مراد بيه في المكتب.. ده استدعاء "سلطة". ياسين (بصوت هادي): "تمام.. هكون عنده." خرج ياسين من الشركة، وقلبه حاسس إن ورا الدعوة دي شيء أكبر بكتير من مجرد "شكر" على مجهوده. طول الطريق كان بيحاول يربط الأحداث ببعضها؛ ليه الجد دلوقتي؟ وهل ليلى ليها إيد في الموضوع؟ لما وصل للقصر، كان القصر مهيب كالعادة، بوابات ضخمة وجناين واسعة. استقبله الخدم ودخلوه للمكتب الخاص بالجد. كان الجد قاعد بيبص من الشباك على الحديقة، ولما سمع صوت خطوات ياسين، لفّ ببطء وسند على عصايته. الجد (بصوت رخيم وهيبة طاغية): "أهلاً يا ياسين.. عارف ليه بعت أطلبك؟" ياسين وقف باحترام، ووشه مكنش باين عليه أي ارتباك: "أكيد حضرتك أدرى يا فندم، أنا تحت أمرك في أي وقت." الجد ابتسم ابتسامة خفيفة، وشاور لياسين بالكرسي اللي قدامه: "لا، خليك واقف.. الكلام اللي هقولهولك دلوقتي مش كلام شغل، ولا كلام تقارير.. ده كلام في 'الأصول'." ياسين حس إن في حاجة تقيلة جاية في الطريق، وبدأ يشد أعصابه، مستني اللحظة اللي الجد هيلقي فيها "قنبلته". الجد بدأ يختبر ياسين في مواقف تخص ولاءه، وياسين أثبت بإجاباته إنه مش بس موظف، ده "رجل دولة" في نظر الجد. بعد فترة من الكلام، الجد بص لياسين بنظرة فيها تقدير: "أنا محتاج حد من أحفادي يكون زيك.. أنت من النهاردة واحد من العيلة يا ياسين." ياسين استغرب، والجد كمل: "أنا عايزك تتجوز ليلى." ياسين اتجمد مكانه، وخد نفس عميق قبل ما يرد بصدق: "يا فندم.. ده شرف ليا طبعاً، بس ليلى بتكرهني أكتر من أي حد في حياتها. لو أجبرتها على حاجة زي دي، ممكن تتجنن وتأذيني أو تأذي نفسها، وأنا مش قدها.. ده هيخرج الموضوع عن سياق الشغل اللي مراد بيه حاميني فيه، وهيدخلنا في صراعات تانية خالص." سكت ياسين شوية وكمل بمرارة: "وبعدين يا فندم، هي شايفة إني أقل منها.. وهي عندها حق، أنا أسرتي متوسطة، مش شبه مستواكم، وده واقع لازم نحترمه." الجد ابتسم بهدوء: "أنا مش بجبرك، أنا بقترح صفقة.. عقد زواج لمدة 4 سنين، في الفترة دي تعالج مشاكل الشركة وتغير من ليلى. وليك عندي عن كل سنة ٣ مليون." ياسين بلع ريقه بصدمة، وكرامته اتأبت: "يا فندم أنا مش عايز فلوس! أنا مش بحب القرش اللي بيجي بالسهل، أنا بحب أشقى في أكلي وشربي." الكلمة دي خلت الجد يقعد على كرسيه بابتسامة إعجاب، الراجل ده فعلاً مبيشتريهوش المال. الجد قاله: "سيبك من الفلوس.. بعد الـ ٤ سنين، لو قررتوا تنفصلوا، ليك عندي أسهم في الشركة دي.. تعيش منها أنت وأولادك وتأمن مستقبلك. ده أقل حق لراجل حماني وحمى عيلتي وأملاكي." ياسين، تقديراً لهيبة الجد، وافق بكلمة واحدة: "اللي تشوفه يا فندم." خرج ياسين من مكتب الجد وهو حاسس إن العالم بيلف بيه، مكنش مصدق إنه وافق على "أخطر عقد" في حياته. وصل لساحة القصر، وقبل ما ياخد خطوة واحدة.. لقى اللي كانت آخر حد يتمنى يشوفه في اللحظة دي. ليلى كانت واقفة قدامه، عيونها بتشتعل غضب، وشكلها كانت بتراقب دخوله وخروجه.. ومن نظرتها، كان واضح إنها سمعت "جزءاً" من الكلام، أو على الأقل، حست إن في "كارثة" بتتحضر لها. ليلى (بصوت يرجف من الغضب): "أنت إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي كنت بتعمله مع جدي؟" ياسين بص لها ببرود، ومن غير ما يتهز، قال جملة واحدة كانت زي الصاعقة: "أسألي جدك يا آنسة ليلى.. هو اللي عنده الخبر اليقين." المواجهة في الساحة بدأت، وليلى بدأت تربط الخيوط ببعضها! هل تتوقعي إنها هتتهور وتعمل مشكلة قدام الجد، ولا هتنسحب عشان تواجه جدها وتعرف الحقيقة؟ ليلى كانت في حالة هستيرية، دموعها اتحولت لشرار، وبدأت تصرخ في ساحة القصر والخدم بيحاولوا يداروا وشهم: "أنت جاي لحد هنا عشان تسخن جدي عليا؟! أنت فاكر نفسك إيه؟ إيه اللي جراك عشان تدخل بيتنا؟ هو بيتنا بقى مباح لكل من هب ودب يخشوا؟!" ياسين وقف مكانه، بصلها ببرود أخرس لسانها. أخد خطوة ناحيتها، والمسافة بينهم بقت مرعبة، ونبرة صوته كانت واطية بس حادة كالنصل: "يا آنسة ليلى، يا ريت تحترمي طريقة كلامك معايا. مبدئياً، جدي -عفواً، جدك- هو اللي بعت لي، هو اللي طلبني عشان عايزني في موضوع مهم، وتقدري تدخلي تسأليه بنفسك هو عايز مني إيه.. يعني 'الخبر اليقين' مش عندي، هو عنده." ليلى حاولت تقاطعه بصرخة تانية، بس ياسين كمل بصرامة أكبر: "ويا ريت ما تعاملينيش بالأسلوب ده. على فكرة، أنا متعلم ومعايا شهادة جامعية زيك بالظبط، ويمكن شهادتي وخبرتي في السوق أكتر منك بمراحل. لولا الظروف اللي مريت بيها، كان زماني في مكانة تانية خالص. ما تفتكريش إنك بفلوسك وباسم عيلتك مالكة كل حاجة، وبغبائك ده.. أنتِ مش بس بتضيعي شغلك، أنتِ بتخسري أقرب الناس ليكي." ليلى اتجمدت في مكانها، الكلمات دي كانت زي "القلم" اللي نزل على وشها، لكنه قلم معنوي كسر غرورها. ياسين مديهاش فرصة ترد، لف ضهره ومشي بخطوات ثابتة وواثقة، سابها واقفة في وسط الساحة، بتتنفس بصعوبة، وصوت كلامه لسه بيرن في ودانها زي أجراس الخطر. وهي واقفة، حست إن "الرجل الغلبان" اللي كانت بتستصغره، أصبح دلوقتي هو الوحيد اللي مش خايف منها، والوحيد اللي شايف "عريها" الحقيقي قدام نفسها. دخلت ليلى مكتب والدها وهي بتغلي، والجنون مالي عينيها، مكنتش قادرة تسيطر على أعصابها: "الزبالة ده كان جاي هنا بيعمل إيه؟! دخل القصر وقعد مع جدو، إيه اللي بيحصل؟" مراد قام من مكانه بنرفزة غير مسبوقة: "أنتِ بتقولي إيه؟! لسانك ده لو طول عليه تاني، قسماً بالله ما هتعرفي أنا ممكن أعمل فيكِ إيه!" ليلى اتراجعت لورا بخوف، ووشها اصفرّ، بس لسه بتحاول تداري: "أنا.. أنا بس بسأل ياسين كان هنا بيعمل إيه؟" مراد زعق فيها: "إنتِ لسه ما فوقتيش من القلم اللي أخدتيه؟ أنا ممكن أديكِ ٣٠ قلم زيه عشان تعقلي وتعرفي إن الراجل ده خط أحمر!" في اللحظة دي، الجد ضرب بعكازه في الأرض خبطة هزت أركان المكتب، صوته كان حازم كالسيف: "اقعدي.. واسمعي اللي هقوله، لأن الكلام اللي جاي ده قرار، مش نقاش." ليلى قعدت منكمشة، والجد كمل ببرود: "فرحك على ياسين خلال الشهر ده. الترتيبات بدأت، ويومين وهتنزلي تختاري شبكتك." ليلى وقفت وكأن حد ضربها على دماغها، صوتها طلع متهدج: "جواز؟! أتجوز واحد زي ده؟! أنت عايز توقع اسم عيلتنا يا جدو؟ ده مش مستوانا! أنت بتهدم سمعتنا!" الجد قام وقف وهبد بعكازه في الأرض بقوة أكبر، وزعق بصوت مسموع في كل أركان القصر: "احنا اللي بنوقع اسم عيلتنا؟! ولا غبائك وتصرفاتك الطايشة اللي خلت سمعة الشركة في الأرض؟ احنا اللي بنبني، وأنتِ اللي بتدوري على الهدم! يا ليلى، القرار أتاخد، ومفيش كلمة تانية بعد كلمتي." ليلى حاولت تنطق، تحاول تعترض، بس نظرة الجد كانت بتوعدها بجحيم لو فتحت بقها. الجد شاور بإيده ناحية الباب بحركة حادة: "اطلعي بره.. ومسمعش صوتك!" ليلى انكمشت في نفسها، الدموع محبوسة في عينيها من كتر الصدمة والذل، بصت لأبوها اللي كان بيبص لها نظرة "خيبة أمل" مطلقة. مفيش مفر.. خرجت تجري لأوضتها، والباب اتقفل وراها، ومعاه اتقفل باب حريتها اللي كانت فاكرة إنها بتمتلكها. ليلى كانت قاعدة على الأرض في ركن أوضتها، بتنتحب بحرقة، لكن فجأة.. سكتت. مسحت دموعها بعنف، وعينيها اللي كانت مكسورة، بدأت تلمع بنور غريب ومظلم. فكرة شيطانية بدأت تتبلور في دماغها. ليلى (بهمس حاقد): "لا.. أنا مش هسكت. لو ياسين ده ملاك في الشركة، أكيد ليه 'شيطان' في حياته الخاصة. مفيش حد كامل، وأنا لازم ألاقي الثغرة دي." قامت ليلى وقفت قدام المراية، وبدأت تمسح آثار البكاء. قررت إنها مش هتحارب ياسين في الشغل، لأنها فشلت هناك.. هي هتحاربه في "شرفه" وفي "أخلاقه". ليلى بتفكير مسموم: "أكيد ليه طريق تاني.. يا بيشرب، يا بيعرف ستات، يا ليه ماضي أسود مخبيه. لو عرفت أصور له صورة واحدة غلط، أو أقفشه في وضع مريب، الجد بنفسه هو اللي هيلغي الجوازة دي، وهطرده من القصر ومن الشركة!" بدأت تخطط في سرها: هتستعين بحد يراقب تحركاته بره الشركة، حد يتبعه في الأماكن اللي بيروحها، يصور له كل تكات حياته. ليلى (بابتسامة باردة): "كل بني آدم له تمن، وكل واحد له سر.. وأنا هعرف سرك يا ياسين، وهخلي حياتك جحيم قبل ما تفكر تلمس إيدي في الفرح." خرجت من أوضتها، مش البنت المنكسرة اللي دخلت من دقايق، دي كانت "ليلى" تانية.. ليلى اللي قررت تبيع أي شيء عشان تدمر حياة ياسين. كانت ماشية في الطرقة، وهي بترسم في خيالها مشهد سقوط ياسين القاسي، مش عارفة إنها بتلعب بالنار، وإن ياسين مش الشخص اللي ممكن "يُصاد" بالطرق الرخيصة دي. ليلى قررت خوض "حرب التشويه"! هل ستنجح في العثور على ما يدين ياسين، أم أن نقاء ياسين سيكون هو "الفخ" الذي ستسقط فيه ليلى مرة أخرى؟ المعركة أصبحت شخصية جداً! لا تنسوا (Add to Library) وشاركونا توقعاتكم في التعليقات: هل تتوقعوا إن ليلى هتلاقي "حاجة" فعلاً في حياة ياسين، ولا هتتفاجأ بنبل أخلاقه في مواقف تانيةياسين قفل السكة في وش منير زهران، ورزع التليفون في المكتب اللي جنب السرير بكل غِل، لدرجة إن الشاشة اِتشرخت. الصوت عمل دبة زلزلت جدران الأوضة. التفت ياسين بكل طوله وعرضه لـ رانيا، وعينيه الصقر كانت بتطلع شرار من كتر الغضب، وعروق رقبته وإيديه نَفَرت وبقت زي الحبال. رانيا كانت واقعه في الأرض، ساندة بضهرها على السرير وجسمها كله بيرتعش وهي كاتمة بوقها بإيديها والدموع نازلة زي الشلالات من الرعب. ياسين قرب منها بخطوات تقيلة بتهد الأرض، وقف فوق راسها وزعق بصوت جهوري رجولي زلزل الجناح كله: "أنتِ عبيطة يا رانيا؟! جاوبيني.. أنتِ مخك ده جرى له إيه؟! بقالك أيام منير زهران بيلعب بيكي ويلاوعك في التليفونات، ويهددك ويلوي في دراعك بأخوكي.. وأنتِ كاتمة في قلبك وقاعدة وسطيا ولا كأن فيه حاجة؟! فاكراني إيه يا بنت الناس؟! فاكراني عيل صغير مش هعرف أحمي أهلك؟! ولا فاكراني ماليش كلمة في السوق وهيسترجي مخلوق يدوسلي على طرف؟!" رانيا شهقت بدموع وانهيار، وحاولت تسند على السرير وتقوم تقف قصاده وهي بترتعش وهرمونات الحمل واكلاها، ونطقت بصوت متقطع ومبحوح من كتر العياط: "خوفت يا ياسين.. والله العظيم خوفت! أنت
أخيرًا.. فُتحت البوابات الحديدية الضخمة لقصر كمال السيوفي، وعادت الروح للجدران اللي غاب عنها النور لسنين. الشمس كانت بتميل للغروب، وخيوطها الحمراء بتنعكس على واجهة القصر الفخمة والرخام اللي رجع يلمع زي الألماظ بعد ما رجالة ياسين شطبوا كل صغيرة وكبيرة ليل نهار. عربيات النقل الكبيرة كانت واقفة في الممشى، والحراس ورجال ياسين شغالين زي خليه النحل؛ بينزلوا الشنط، الصناديق، والعفش الجديد اللي يليق بأول ليلة في قصر الكيان. في وسط الجنينة الواسعة، كان ياسين السيوفي واقف كأنه أسد بيرصد مملكته المستردة. لابس قميص أسود مأنتك على جسمه، ومربع دراعاته وعينيه الصقر بتابع كل تكة نفس في المكان. وعن يمينه كانت واقفة ليلى العزايزي بكبريائها وأناقتها الطاغية، وفستانها الكاجوال الراقي، وعن شماله رانيا الأسيوطي بعبايتها الهادية، وملامحها اللي بتحاول تصطنع الهدوء وتداري وراها بركان الخوف من تهديد زهران. ياسين أخد نَفَس عميق محمل بريحة الشجر والياسمين، وبص لليلى ورانيا ونطق بصوت رجولي رخيم ودافئ: "مبروك علينا يا بنات.. قصر السيوفي رجع لأصحابه، ومن النهارده، ده حصننا الكبير اللي هيلمنا سوا.. عاوز عتبة
مرت أيام والوضع في قصر العزايزي وفيلا رانيا هادي بشكل مريب، بس هو الهدوء اللي بيسبق طوفان جهنم. رانيا كتمت سر مكالمة منير زهران والمساومة القذرة في قلبها، مجابتش سيرة لأي مخلوق، ولا حتى لياسين.. الخوف على أخوها طارق من جوة السجن كان مكتفها، والبركان كان بيغلي جواها وهي بتحاول تظهر طبيعية قدام الكل عشان تحمي بيتها الصغير اللي بدأ يتبني. في ليلة من الليالي، ياسين رجع من برة بعد يوم طويل ومطحون في تكتكة صفقات السيوفي الجديدة. دخل الفيلا، لقى رانيا قاعدة في صمت وهدوء. مشى بخطواته الرزينة وقعد قصادها، عينيه الصقر كانت بتدرس ملامحها بدقة، ونطق بنبرة رجولية هادية وصريحة عشان يفتح الموضوع اللي شاغل باله وبال الجد العزايزي: "رانيا.. قصر السيوفي خلاص بيتحط فيه آخر لمسة وبقى جاهز.. قوليلي بصراحة، هل عندك مشكلة إننا نتجمع أنا وأنتِ وليلى تحت سقف واحد؟" رانيا سكتت شوية.. الكلمة هزت كبريائها كأنثى، فكرة إنها تشارك جوزها وحبيبها مع ضرتها في مكان واحد مش سهلة على أي ست، بس افتكرت كلام ياسين ليها وحمايته، واعتذارها ليه عن أيام الجامعة، وبلعت غصتها وأخدت نَفَس طويل وبصت في عينه وقالتله بهدوء:
ياسين وقف بعربيته قدام فيلا رانيا بعنف خلى الكاوتش يصرخ في الأرض. نزل من العربية وجسمه كله شاحن غضب وقلق، دخل من بوابة الفيلا بخطوات سريعة وواسعة هزت المكان. أول ما داس عتبة الصالة الكبيرة، عينه نزلت على الأرض.. شاف تليفون رانيا مرمي ومكسور ميت حتة، الشاشة متدمرة تماماً والـبوردة باينة منها. المنظر ده كان كفيل يعرفه إن البركان جوة انفجر خلاص. طلع السلم وضغط على مقبض باب أوضتها، وفتحه ودخل. رانيا كانت قاعدة على طرف السرير، لسه بعبايتها السودا، وشها شاحب وزي الأموات، وعينيها مثبتة في الفراغ.. سرحانة غرقانة في ملكوت تاني خالص وكأن روحها فارقتها ورا السلك. ياسين هدا خطواته، وقرب منها ونطق بنبرة رجولية هادية بس محملة بعتاب تقيل: "ليه روحتي يا رانيا؟ ليه مشيتي من ورايا وروحتِ السجن هناك؟" رانيا مَكنش ليها أي رد فعل، مكنش فيه حتى خضة من دخوله. لفت راسها ببطء شديد، وبصت له بعيون مكسورة ومطفية، ونطقت بصوت جاف ومبحوح: "مبقاش ليا حد يا ياسين.. ماليش حد في الدنيا دي خلاص، وحبيت أروح أطمن على أخويا.. الحتة اللي باقية ليا." ياسين أخد نَفَس عميق، وقعد جنبها على السرير ونطق وهو بيحا
الحد الفاصل مابين الحرية والأسير كان عبارة عن سلك ضيق، ريحته صديد حديد وتراب. رانيا كانت قاعدة على الكرسي الخشبي المتهالك، إيديها ساندة على التربيزة وبتفرك في بعضها برعب، ونضارتها السودا محطوطة جنبها عشان طارق يشوف عينيها.. يشوف الكسرة والخوف اللي فيها. الباب الحديدي الصغير اتفتح بدقة عالية، ودخل طارق الأسيوطي. شكله كان متبهدل، هدمة السجن زرقا ومبهدلة، شعره نكش ودقنه نبتت بغزارة، بس عينه.. عينه كانت مليانة غل وشرار يكفي يحرق القاعة كلها. أول ما قعد على الكرسي المقابل ليها، مبصش عليها بلهفة الأخ اللي غايب، بصة عينه كانت أشبه بنصل السكينة. رانيا بلعت ريقها بالعافية ونطقت بصوت مرتعش ومبحوح: "طارق.. عامل إيه يا حبيبي؟ أنا.." طارق مقاطعهاش بسلام، ضحك ضحكة ساخرة وعالية هزت السلك اللي بينهم، ونزل بجسمه لقدام ونطق بصوت حاد ومسموم: "حبيبي؟ لسه فاكرة إن ليكي أخ يا مدام ياسين السيوفي؟ ولا جاية الليلة تتطمني على الكلب اللي اترمى ورا القضبان عشان تفضي الساحة للبشمهندس؟" رانيا اتصدمت، الدم هرب من وشها تماماً وعينيها برقت برعب: "طارق.. أنت.. أنت عرفت؟" طارق ضرب بقبضة إيده على
بعد ما عربية رانيا مشيت وتحركت وراها حراسة قصر العزايزي، ساد سكون غريب في الصالة الكبيرة. ليلى وقفت لثواني، بصت للأرض وهي بتفكر في كلام رانيا اللي نزل عليها زي المية الساقعة، حست بانتصار كبريائها كأنثى بس معاه غصة وجع. من غير ما تنطق بكلمة، لفت بضهرها وتحركت بخطوات هادية، ولمت فستانها الأخضر الملكي وطلعت على السلم متجهة لجناحها في المكتب، ياسين كان لسه واقف، حاطط إيديه في جيوبه وعينيه بتابع أثر ليلى وهي طالعة. مراد العزايزي قعد ورا مكتبه، عدل نضارته وبص لجوز بنته بنظرة صقر عجوز قاري الدنيا صح، سحب نَفَس من سيجاره ونطق بصوت فخم ورزين: "ليلى اتعلمت درس قاسي قوي الفترة اللي فاتت يا ياسين.. والقرصة اللي أخدتها في عِندها كَسرت حتة الغرور اللي جواها. خليك هادي عليها الليلة." ياسين التفت لحماه، ملامحه كانت لسه قاسية والزعل باين في عينيه، بس مراد كمل بجدية وأبوة: "أنا عارف إن قلبك مقفول منها بعد اللي عملته وموضوع البيبي .. بس في الآخر ليلى دي مراتك، ومن حقها تكسبها وتلمها في حضنك تاني، وخصوصاً بعد ليلة النهاردة ووقفتها في ضهرك. ليلى لو حطتك في دماغها بعناد وجفاء، هتبوظ كل حاجة برغم
طول الأسبوع اللي سبق الفرح، كان القصر بيتحول لساحة احتفالات، بس داخل أروقة الشركة، الجو كان مختلف تماماً. مراد العزايزي كان حاسم، سحب من ليلى جزء كبير من صلاحياتها، وحطها "تحت التدريب" المباشر لياسين السيوفي. ياسين كان بيتعامل معاها بمنتهى الجدية اللي بتوصل للبرود. ماكانش بيشوفها "صاحبة شركة"، كا
جملة بسيطة، لكنها كانت زي الصاعقة اللي نزلت على ليلى. انتفضت ليلى في مكانها بتوتر واضح، ووشها اتخطف لونه، وقالت بسرعة وصوت عالي شوية: "لا.. لا، مش عايزين!" ياسين، اللي كان بيبص لصاحب المعرض، لف وشه لليلى فوراً. سكت تماماً، وبص لها بأسى واستغراب، نظرة كانت أعمق من مجرد رد فعل على إجابة، كانت نظرة
ليلى حست للحظة بضعف موقفها، وخصوصاً بعد ما شافت "الرعب" الحقيقي في عين ياسين لما اتكلم عن أمه. حست إنها محتاجة تلطف الجو عشان تضمن إن الأمور متبوظش أكتر، وبنفس الوقت حست بشوية "امتنان" متداري إنه مكنش نذل معاها قدام أبوها. ساد صمت طويل ومكهرب داخل العربية، ليلى بدأت تفرك في إيديها بتوتر، وبعد فتر
ليلى انقضت على تليفون ياسين، أصابعها بتتحرك بسرعة البرق. أول حاجة لفتت نظرها "سجل المكالمات".. رقم "ولاء" متكرر كتير، مكالمات مدتها طويلة، ربع ساعة وتلت ساعة.. حست بغيظ، مين دي اللي بيكلمها بالساعات وهو المفروض ميت في الشغل؟ بس اللي صدمها أكتر كان الملف اللي لقته متسمي باسم مشفر في آخر الجاليري.







