LOGINأتى الصباح محملاً برائحة الأرض المبللة بعد ليلة من المطر الخفيف. في الطابق الأرضي من القصر، خلف المطبخ القديم حيث لا يذهب أحد، كان هناك باب حديدي صغير يفضي إلى سلم حلزوني ضيق. لم تكن ميرال تعرف بوجوده. لم تكن تعرف أن تحت القصر، أبعد من غرفة المراقبة، يوجد ميدان رماية خاص، بناه والد إياد قبل عقود لتدريب أبنائه على فن الموت.
هناك، في ذلك القبو الممتد، وقف إياد عند الساعة التاسعة صباحًا، مرتديًا بنطالًا أسود وقميصًا رماديًا بسيطًا، وقد وضع على طاولة معدنية أمامه مسدسين: واحد فضي ثقيل، وآخر أسود صغير، أنحف، أخف وزنًا. على بعد خطوات، وقفت ميرال. كانت ترتدي سروالاً أسود وقميصًا قطنيًا، وشعرها مشدود إلى الخلف في ذيل حصان منخفض. بدت أصغر سنًا هكذا، وأكثر هشاشة، لكن في عينيها كان هناك شيء جديد هذا الصباح. إصرار هادئ، كجمرة تحت رماد. "هذا المسدس الأسود،" قال إياد وهو يلتقطه، "خمس طلقات. ارتداده خفيف. مناسب ليدك." مدّه إليها، وقبضته إلى الأمام. "أمسكيه." ترددت. كان المسدس في يده يبدو كلعبة خطيرة. لكنها تذكرت الرصاصة التي اخترقت نافذتها، والعجز الذي شعرت به. مدت يدها وأمسكت به. كان أثقل مما تخيلت، باردًا، غريبًا في راحة يدها ككائن من عالم آخر. اقترب إياد منها. وقف خلفها تمامًا، صدره يكاد يلامس كتفيها. "ارفعيه. بكلتا يديك. اليد اليمنى على المقبض، اليسرى تدعم من الأسفل. هكذا." فعلت ما أمرها به، ويداها ترتجفان قليلاً. مدّ ذراعيه من خلفها، ويداه غطتا يديها، يصحح وضع أصابعها. كانت يداه دافئتين، خشنتين، مغطاتين بنسيج من الندوب الصغيرة. أنفاسه لمست أذنها، وصوته انخفض: "لا تقبضي بشدة. المسدس ليس عدوك. هو امتداد ليدك." أطلقت نفسًا لم تكن تعلم أنها حبسته. "وما هو عدوي إذن؟" "الخوف." أصابعه ضغطت على أصابعها برفق، موجهاً فوهة المسدس نحو الهدف الورقي في نهاية الميدان، على بعد خمسة عشر مترًا. "الخوف يجعلك ترتجفين. والارتعاش يضيع الرصاصة. أريدك أن تنظري إلى الهدف. ليس إلى المسدس. إلى الهدف فقط." نظرت إلى الدائرة السوداء في قلب الهدف الورقي. تذكرت وجه ماريو فالكوني في الصور التي أراها إياد. تذكرت اسمه: قاتل أمير. "جاهزة؟" أومأت. "اضغطي الزناد ببطء. لا تشدي. اضغطي." انطلقت الرصاصة. صوتها كان أعلى مما توقعت، رغم السماعات الواقية التي وضعها على أذنيها. ارتد المسدس في يديها، وضرب كتفها، فتراجعت خطوة إلى الخلف واصطدمت بصدر إياد. كان صلبًا كجدار، لم يتحرك. ثبتها بيديه على كتفيها. "انظري إلى الهدف." رفعت عينيها. الرصاصة اخترقت حافة الهدف الورقي، بعيدة عن المركز، لكنها أصابته. أصابته! شعرت بموجة من شيء غريب. شيء يشبه القوة. التفتت إليه، ووجهها مضيء بابتسامة صغيرة مفاجئة. "أصبته!" نظر إليها. لم تكن نظرته قاسية هذا الصباح. كان هناك شيء في عينيه يشبه الفخر، ممزوجًا بحزن غامض. "أصبته. خمس طلقات أخرى. هذه المرة، لا ترتجفي." أمضيا ساعة كاملة هناك. مع كل طلقة، أصبحت يداها أكثر ثباتًا، وارتعاشها أقل. وفي النهاية، تجمعت ثلاث طلقات من أصل ست داخل الدائرة السوداء. لم تكن قناصة، لكنها لم تعد عاجزة. بينما كانت تفرغ خزنة المسدس للمرة الأخيرة، سألت دون أن تنظر إليه: "ليلى... كيف انتهت قصتكما؟" توقف إياد عن تحميل المسدس الفضي. كان يتوقع السؤال، لكنه لم يتوقع أن يأتي الآن، في هذا المكان، تحت أضواء النيون البيضاء. نظر إلى الهدف، إلى الرصاصات التي أطلقتها ميرال، ثم قال: "كان عمري اثنين وعشرين. كانت أكبر مني بثلاث سنوات. جميلة، ذكية، وتعرف كيف تقول ما تريد سماعه." "ماذا كانت تريد سماعه؟" "أني قوي. أني سأصبح رأس العائلة. أن أمير... ليس ضروريًا." صمت. "كانت تزرع فيّ فكرة أن أخي يقف في طريقي. لم أكن أرى ذلك. كنت أظنها تحبني." التفتت ميرال إليه. "ماذا حدث؟" "أمير رآها على حقيقتها. جاءني ذات ليلة، بعد أن جمع أدلة على اتصالاتها بعائلة منافسة. قال لي: 'إما هي وإما العائلة.' اخترت العائلة." ضغط على زناد المسدس الفضي، فانطلقت رصاصة اخترقت قلب الهدف الورقي تمامًا. "لكني لم أعرف أنها كانت تخون أكثر مما ظننا. لم أعرف أنها كانت السبب في..." توقف. "في ماذا؟" "لا شيء. دعينا من الماضي."ترددت ميرال. كانت تعرف أن الكلمات التالية ستكون كالقنبلة. "قالت... إن لديها طفلاً ثالثًا. ولدته بعد أمير وقبلك. أخفته. أعطته لعائلة أخرى." وقف إياد. مشى إلى النافذة. ظهره كان متوترًا، مشدودًا، كقوس على وشك الانطلاق. "طفل ثالث،" همس. "شقيق. لا أعرفه." "نعم." "وأين هذه الرسائل الآن؟" "أخذها. الرجل الذي كان هنا. سامر. رأيته في الممر. دخل الغرفة. أخذ الصندوق." استدار إياد. كان وجهه متغيرًا. "سامر؟ النقيب سامر؟" "نعم. كان يرتدي نفس المعطف. كان لديه نفس الخاتم. الخاتم الفضي." "لكن... سامر يعمل معي منذ أسابيع. هو من ساعدنا في العثور على مخبأ ماريو. هو من أعطانا المعلومات." "إذن هو يعرف كل شيء. تحركاتك. أسرارك. نقاط ضعفك." ساد صمت. كان عقل إياد يعمل بسرعة. كان يحلل كل لقاء مع سامر، كل معلومة أعطاها له، كل سؤال طرحه. "إذا كان سامر هو من أخذ الرسائل... فهذا يعني أنه يعرف. عن الطفل الثالث. عن أمي." "أو..." توقفت ميرال. كانت هناك فكرة تراودها منذ أن رأت الخاتم. فكرة مجنونة. فكرة مستحيلة. لكنها... كانت ممكنة. "أو أنه ليس مجرد شرطي." "ماذا تعنين؟" "الطفل الثالث. لو كان حيًا.
المعطف الداكن. الطول. ثم، حين استدار الرجل لينظر إليها، رأت وجهه. كان وجهًا لم تنسه. وجه الرجل الذي رأته في الطابق الثالث قبل ساعات. وجه الرجل الذي أخذ الصندوق. "ميرال،" قال إياد، واقفًا. "ما الذي... لماذا أنتِ هنا؟ هل حدث شيء؟" لكنها لم تكن تنظر إليه. كانت تنظر إلى الرجل. إلى الرجل الذي كان يقف الآن في منتصف المكتب، ينظر إليها بدوره، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. ابتسامة باردة. ابتسامة معرفة. "من... من هذا؟" سألت ميرال، وصوتها كان متقطعًا. نظر إياد إلى الرجل، ثم إليها. كان مرتبكًا. "هذا سامر. النقيب سامر. من الشرطة." "الشرطة؟" كررت ميرال. كانت عيناها لا تزالان مثبتتين على الرجل. على الخاتم الفضي في إصبعه. خاتم على شكل ثعبان. "نعم،" قال الرجل - سامر - وصوته كان هادئًا، مثقفًا. "أنا وسيد إياد نتناقش في... تعاون محتمل. لكن يبدو أن السيدة لديها ما هو أهم." "أنت... أنت كنت في القصر اليوم." تجمد إياد. نظر إلى سامر، ثم إلى ميرال. "ماذا؟" "في الطابق الثالث،" تابعت ميرال، وصوتها كان يرتجف لكنه كان قويًا. "رأيته. كان يأخذ صندوقًا. صندوقًا فيه رسائل." تغير وجه سامر. للحظة،
كان المطر قد اشتد خلال رحلتها عبر المدينة، وتحول من رذاذ خفيف إلى وابل غزير يضرب زجاج السيارة كحصى صغير. السماء كانت قد ابتلعت آخر خيوط الضوء، تاركة المدينة تحت سقف من السحب السوداء المنخفضة. كانت الشوارع شبه خالية، والمحلات التجارية أغلقت أبوابها مبكرًا، والمشاة القلائل الذين تجرأوا على الخروج كانوا يركضون تحت مظلاتهم المقلوبة بفعل الريح. لكن ميرال لم تكن ترى شيئًا من هذا. كانت عيناها مثبتتين على الطريق أمامها، ويداها مشدودتان على حقيبتها في حجرها، وعقلها يدور كعجلة لا تتوقف. الرسائل. المرأة التي كتبتها. الطفل الثالث. الرجل ذو الخاتم الفضي. كل شيء كان يختلط في رأسها، يتراكب، يشكل صورة لم تكتمل بعد. قطعة واحدة مفقودة. قطعة واحدة كانت ستجعل كل شيء واضحًا. لكنها لم تكن تعرف ما هي. كانت تعرف فقط أنها يجب أن تخبر إياد. "أسرع،" قالت للسائق، رغم أنها كانت تعرف أنه لا يستطيع الإسراع أكثر في هذا المطر. "الطريق زلق يا سيدتي،" قال السائق، وهو رجل عجوز كان يعمل لدى العائلة منذ سنين. "لا أريد أن نتسبب في حادث." "فقط... أسرع." أومأ السائق وصمت. كان يعرف تلك النبرة في صوتها. نبرة امرأة تحمل ش
"سيدتي!" صاحت أم نادر، وكادت الصينية تسقط. "ماذا حدث؟ أنتِ شاحبة!" "أم نادر،" قالت ميرال، وصوتها كان لاهثًا. "الطابق الثالث. من كان هناك؟ قبل قليل. رجل. طويل. بمعطف داكن." رمشت أم نادر. "الطابق الثالث؟ لم يصعد أحد إلى هناك منذ سنوات. أنا... لم أرَ أحدًا." "لكنني رأيته! كان هناك!" "سيدتي، أرجوكِ اجلسي. أنتِ لا تزالين تتعافين. ربما... ربما كان خيالكِ." "لم يكن خيالي!" كان صوت ميرال مرتفعًا الآن. "كان هناك رجل. وأخذ شيئًا من الغرفة. صندوقًا. فيه رسائل." تغير وجه أم نادر. للحظة، رأت ميرال شيئًا في عينيها. ليس دهشة. بل... معرفة. "رسائل؟" همست أم نادر. "أي رسائل؟" "رسائل والدة إياد. كانت مخبأة خلف المرآة. في تجويف في الحائط." سقطت الصينية من يد أم نادر. تحطمت على الأرض، وتناثر الشاي والزجاج في كل مكان. لكن أم نادر لم تنتبه. كانت تنظر إلى ميرال بعينين واسعتين. "لقد وجدتها،" همست. "بعد كل هذه السنوات... وجدتها." "ماذا تعرفين عن هذه الرسائل؟" نظرت أم نادر حولها، كأنها تخشى أن يسمعها أحد. ثم أمسكت بذراع ميرال. "تعالي. ليس هنا." قادتها إلى المطبخ. كان المطبخ كبيرًا، دافئًا،
كانت الرسائل كلها من امرأة واحدة. من يدها. من روحها. وفي كل رسالة، كانت تكشف شيئًا جديدًا.كانت تكتب عن زوجها - والد إياد وأمير - وعن صراعاته مع العائلات الأخرى. كانت تكتب عن ولديها: أمير، الابن الأكبر، الجاد والمسؤول، وإياد، الصغير، الذي كان "نارًا في جسد طفل"، كما قالت. كانت تكتب عن خوفها عليه. "إياد يحب بعمق،" قالت في إحدى الرسائل. "وهذا ما يخيفني. في عالمنا، الحب نقطة ضعف. وأنا أخشى أن يكون حبه... سلاحًا ضده."لكن الرسالة الأخيرة كانت مختلفة.كانت أطول. وكانت موجهة إلى شخص لم تذكر اسمه. شخص كانت تثق به."سامحني لأني أضع هذا العبء عليك،" كتبت. "لكن هناك شيئًا يجب أن تعرفه. شيئًا لا يعرفه أحد. لدي طفل ثالث."تجمدت ميرال."طفل ثالث. ولدته قبل إياد بعام. لم يعرف عنه أحد. أخفيته لأني كنت خائفة. خائفة من زوجي، من العائلة، من العالم. أعطيته لعائلة أخرى لتربيه. عائلة طيبة. لكني كل يوم... أندم. وأنت الوحيد الذي يعرف. أرجوك... إذا حدث لي شيء... إذا مت... اعتنِ به. لا تخبره من هي أمه الحقيقية. فقط... احمه."كانت هناك دموع على الورقة. بقع حبر مدموغة بدموع امرأة ماتت منذ عشرين عامًا.وضعت ميرا
مرت أربعة أيام منذ عودة ميرال من قبو ماريو فالكوني. أربعة أيام كانت كفيلة بأن تقلب القصر رأسًا على عقب، ليس بالعنف، بل بالصمت. الصمت الذي أعقب الاعتراف. الصمت الذي كان أثقل من أي كلمة.كانت ميرال قد بدأت تستعيد قواها ببطء. جسدها كان يتعافى: الكدمات على معصميها تحولت من الأحمر الغاضب إلى الأزرق الباهت ثم إلى الأصفر، والجروح الصغيرة على ساقيها التئمت، والشحوب الذي كان يغطي وجهها بدأ يفسح المجال للون الحياة. كانت تأكل. كانت تنام. كانت تمشي في حديقة القصر في الصباح الباكر حين يكون الهواء نقيًا والندى لا يزال على أوراق الشجر.لكن شيئًا فيها كان قد تغير.لم تكن الضحية بعد الآن. لم تكن المرأة التي اختطفت، التي كُذب عليها، التي عاشت عمرها لا تعرف من هي. كانت شيئًا آخر. شيئًا لم تعرف اسمه بعد، لكنها شعرت به في عظامها: قوة. هادئة، عميقة، كالماء الذي ينحت الصخر.وفي ذلك الصباح، قررت أن تبدأ البحث.ليس بحثًا عن إياد. كان إياد موجودًا، قريبًا، لكنه كان بعيدًا أيضًا. منذ اعترافه، كان يتعامل معها برقة حذرة، كمن يقترب من غزالة قد تهرب. كان يأتي إلى غرفتها كل مساء، يسأل عن حالها، يطمئن. وكانت تجيبه با