جميع فصول : الفصل -الفصل 10

33 فصول

الفصل 1

ثلاثة أسابيع. ثلاثة أسابيع مرت منذ أن وضع خاتم الزواج في إصبعها، ومنذ أن لفّ حول كاحله سلسلة من عظام الموتى لا تُفصم. كان القصر، ذلك الحصن القاتم على أطراف المدينة، يغرق الليلة في صمت أثقل من الرصاص، لا يقطعه سوى قطرات المطر التي تنزف على زجاج النوافذ الممتد من الأرض إلى السقف، كدموع امرأة غريقة في ثوب حرير أسود. جلس إياد في غرفة المراقبة التي لا يعلم عنها أحد، في الطابق السفلي الذي تفوح منه رائحة الجلد والبارود والقهوة الباردة. أضواء الشاشات الباهتة رسمت على ملامحه الحادة أقنعة متحركة من الظلال، فأبرزت عظام وجنتيه البارزتين، وخط فكّه الذي صُنع ليكسر لا لينحني. كان بلا سترة، أكمام قميصه الأبيض مطوية حتى المرفقين، يكشف عن ساعدين توشحتهما ندوب قديمة وحكايات لم تُروَ. في يده اليمنى كأس ويسكي عتيق، لم يرشفه، فقط كان يحركه ببطء، مستمعًا لرنين مكعبات الثلج كأجراس جنائزية صغيرة. كل الشاشات أمامه كانت مطفأة، باستثناء واحدة. شاشتها، ميرال. الغرفة في الطابق العلوي كان يغمرها ضوء ليلي خافت بلون الخوخ الذابل. كانت نائمة، أو هكذا أراد أن يخدع نفسه. جسدها الصغير تَكوّر تحت الغطاء الثقيل كطيارة
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد

الفصل 2

الآن، في عتمة غرفة المراقبة، ضغط إياد بأسنانه على حافة الكأس الزجاجي بقوة جعلت عضلات فكه ترتعش. "لن أقترب منها." كم كان أحمقًا. كم كان ساذجًا حين ظن أن القسم كلمة تقال وتمضي. القسم أصبح وحشًا يسكن أضلاعه، يتغذى على كل نفس تأخذه، وكل نظرة خلسة يسرقها عبر هذه الشاشات اللعينة التي نصبها في غرفتها بحجة الأمن. قال لنفسه إنه يحرسها. قال إن عائلة "فالكوني" التي ذبحت أمير ما زالت تتربص، وإنهم لن يتوانوا عن خطف أرملة أخيه وجعلها ورقة مساومة، أو ما هو أسوأ. قال إنه فقط يضمن سلامتها. لكن الحقيقة كانت أشد بغضًا، حقيقة كان يخنقها في قفص صدره كل ليلة. الحقيقة أنه منذ اللحظة الأولى التي رآها فيها، قبل عامين في حفل زفافها على أمير، وهو يقف كشاهد، غرست ميرال شيئًا في أعماقه لم يستطع اقتلاعه. يومها، كان يراقبها ترقص مع أخيه، ضحكتها كانت كنوافير الضوء في مدينة بلا شمس، وعيناها كانتا تحملان فرحًا طفوليًا صافيًا جعله يختنق بشيء لم يعرف اسمه. دسّ ذلك الشعور في تابوت من فولاذ وأقفله بألف مفتاح. كانت لأخيه. كانت مقدسة. كانت المحرم الأبدي. والآن هي هنا، تحت سقفه. تحمل اسمه. ترتدي خاتمه. تنام على بعد خطوات م
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد

الفصل 3

تصلب إياد في مكانه، ورفع يديه ببطء ليريها أنه لا يشكل خطرًا. ضوء الليل سقط على وجهه الآن، فأظهر ملامحه المتعبة، عينيه الرماديتين اللتين تشتعلان بجحيم لا يهدأ، فكه المشدود. "ميرال... أنا إياد. أنا فقط." رمشت مرارًا، والكابوس كان لا يزال يطارد حدقتيها. "إياد؟" همست بصوت مهزوز، ثم فجأة، وكأن وعيها عاد، تسللت إلى عينيها حدة أخرى، حدة دفاع ممزوجة بشيء يشبه التحدي. "ماذا تفعل في غرفتي؟ كيف دخلت؟" نظرت إلى الباب، ثم إليه. "أنت... أقسمتَ!" الكلمة طعنته. كان يعلم أنها ستستخدمها ضده. تراجع خطوة إلى الخلف، واضعًا يديه في جيبي بنطاله بقوة، وكأنه يمنعهما من الامتداد إليها. برّر بصوت أجهد نفسه ليكون باردًا: "كنتِ تصرخين. كابوس. سمعتك حتى الطابق السفلي." كذب، ولم تهتز عينه. "جئت لأوقظك قبل أن ينهار السقف." عيناها تفحصتاه، تسللتا إلى قميصه الأبيض الذي بلا ربطة عنق، المفتوح عند الرقبة، والذي يكشف عن طرف الوشم الأسود على صدره، وشم العائلة، وشم الوحش. لاحظت أنه حافي القدمين. شيء في مظهره هذا، المتوحش والمضطرب، جعلها تسحب الغطاء أكثر، لكن ذقنها ارتفع قليلًا في كبرياء واهن. "أنا بخير. إنه مجرد حلم.
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد

الفصل 4

في الممر، كان الجحيم مفتوحًا. اثنان من حراسه ممددان في دمائهما. ثلاثة من المهاجمين بوجوه ملثمة كانوا يتقدمون. لم يضيع إياد الوقت في العد التنازلي. أطلق النار بدقة باردة، طلقة بين العينين للأول، طلقتان في صدر الثاني أسقطتاه على ظهره، أما الثالث فقفز نحوه بسكين. راوغ إياد بسرعة مفترس، التقط معصم اليد الحاملة للسكين، لوى الذراع حتى سمع صوت كسر العظام، ثم دفع السكين إلى صدر المهاجم وأسقطه عند قدميه. كل شيء حدث في أقل من عشر ثوانٍ. الدم تناثر على جدران الممر الرخامي، على قميصه الأبيض، على وجهه. وسط صمت الموت المفاجئ، سمع صوت خطوات خلفه. التفت بسرعة، ليصوب المسدس... ثم توقف قلبه. كانت ميرال. خرجت من الغرفة، في قميص نومها الممزق عند الكتف، حافية القدمين كطيف. وجهها كان كالطباشير، وعيناها مثبتتان على الدم الذي يغطيه. كانت تبحث عنه. أرادت أن تتأكد أنه ما زال حيًا. "أمرتك ألا تتحركي!" زأر، وصوته كان خليطًا من الغضب والرعب عليها. لكن خلفه، من الظل الذي أهمله، نهض المهاجم الرابع، الذي كان مختبئًا في زاوية الممر. كان مصابًا، لكن في يده مسدسًا رفعه نحو ظهر إياد. رأت ميرال الحركة قبل أن ترى ال
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد

الفصل 5

هطل المطر بغزارة على المدينة التي لم تنم، متسربًا عبر النافذة المحطمة في الممر حيث الجثث الأربع لا تزال طازجة. لكن إياد لم يعد هناك. كان في غرفته، عالمه المحرم، حيث وضع ميرال على فراشه. انسحب إلى الحمام الملحق لثوانٍ بدا أنها ساعات، تاركًا إياها تحت وطأة الصمت والدماء التي تخثرت على قميص نومها الحريري. كانت ترتجف. ليس من البرد، بل من الصور التي انطبعت في ذهنها: الجثث المتناثرة كدمى محطمة، صوت الرصاص الذي مزق الليل، والأهم، عينا إياد عندما أطلق النار. كانت عيناه في تلك اللحظة شيئًا غير بشري، مزيجًا من غضب إلهي وغريزة مفترس. لكنها رأت أيضًا كيف التقطها قبل أن تسقط. كيف ارتجفت يداه وهو يحملها. كيف همس: "أنتِ لي"، قبل أن تتجمد الكلمة في حلقه. عاد إياد من الحمام. غسل الدم عن وجهه ويديه، وارتدى قميصًا أسودًا نظيفًا بأكمام طويلة. كان وجهه لا يزال يحمل ذلك الصلابة الجرانيتية، لكن خطًا رفيعًا من التعب حفر حول عينيه الرماديتين. اقترب ببطء، وجلس على حافة السرير، على مسافة من جسدها الملتوي. كان يمكن أن يكون المشهد حميميًا. لكنه كان أشبه بمفاوضات سلام بين جنديين من جبهتين متقابلتين، جمعتهما الح
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد

الفصل 6

"لا أفهمك،" قالت أخيرًا، بصدق ممزق. "أنت تزوجتني، لكنك تتجنبني. تقسم ألا تقترب، ثم تخترق باب غرفتي. تملأ القصر بالحراس، لكن من يحرسني منك؟" كان السؤال بريئًا وجارحًا في آن. وقف إياد فجأة، وأدار ظهره لها، متجهًا نحو النافذة. وقف هناك، يحدق في أضواء المدينة البعيدة تحت المطر. كتفاه العريضان كانا متوترين، كقوس جاهز للإطلاق. قال بصوت خفيض، يكاد يكون لأنفه: "أنا لا أحرسكِ مني، ميرال. أنا أحرس نفسي منكِ." ساد صمت طويل. وقفت ميرال من السرير ببطء، ساقاها الضعيفتان تسندانها بصعوبة. تقدمت نحوه خطوة، ثم أخرى، حتى وقفت خلفه على مسافة ذراع. كانت ترى انعكاسه في زجاج النافذة، شبح رجل يغرق في صراع لا تراه. "إياد،" همست باسمه لأول مرة دون خوف، دون تردد، فقط كنداء إنسان لإنسان آخر ضائع. انتفض جسده. لم يلتفت، لكنها رأت انعكاس عينيه في الزجاج تغلقان للحظة، كمن يتلقى ضربة. "لا،" قال أخيرًا، بصوت خشن كحجر الرحى. "لا تقولي اسمي هكذا. ليس بعد. ليس الآن." استدار ليواجهها فجأة، والمسافة بينهما انكمشت حتى كاد صدره يلامس كتفيها. كانت عيناه جمرتين في وجه شاحب. "أنتِ لا تزالين في حداد. وأنا... أنا أقسمت. اللي
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد

الفصل 7

انتهى صوت الانفجار الأول مع بزوغ الفجر، لكن أصداءه بقيت ترن في أذن ميرال حتى الظهيرة. وقفت أمام النافذة الطويلة في غرفة المعيشة الخاصة بالجناح الشرقي، الذي عادت إليه مع ضوء الصباح. ارتدت فستانًا بسيطًا من الكشمير الأسود، أرسله إياد مع الخادمة، كأنه يعرف مقاسها بالضبط. كان يصل إلى ما تحت ركبتيها، محتشمًا، لكنه حدد خصرها بطريقة جعلتها تشعر أنها ترتدي شيئًا يخص امرأة أخرى، امرأة لم تعد تعيش في جلدها. المدينة في الأسفل كانت لا تزال تغط في سبات متأخر تحت سحب رمادية، لكن سحابة دخان سوداء تصاعدت من مكان ما في الميناء، من طرفها الجنوبي حيث المستودعات القديمة. رأتها ميرال، وتذكرت كلمات إياد في الليل: "سنبدأ بالرد. ليس برسالة. بل بزلزال." كانت أصابعه قد التقت حول سماعة الهاتف كما تلتقي حول عنق عدو. والآن، ذلك الدخان كان دليلاً على أن الرجل لا يمزح أبدًا. همست لأنفسها، وجبهتها مستندة إلى الزجاج البارد: "ماذا دخلتِ فيه يا ميرال؟" لم يجبها أحد. فقط انعكاس وجهها الشاحب في الزجاج، وخلفه صورة القصر الذي أصبح سجنها وملاذها في آن. في مكان آخر، تحت الأرض، كان إياد يقف في مركز العمليات. لم يكن ذلك
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد

الفصل 8

تسللت إلى الداخل. كانت الغرفة أصغر مما تخيلت، مضاءة بضوء الشاشات التي تركتها مطفأة. لم تكن تشبه أقبية التعذيب التي سمعت عنها في حكايات المافيا. كانت أشبه بدراسة رجل يعيش وحيدًا مع أشباحه. على الطاولة، رأت صورة أمير وإياد. اقتربت ببطء، رفعت الصورة بيدين مرتجفتين. كانا يضحكان. إياد الشاب، قبل أن تصقله الحروب، كان يحمل بريقًا في عينيه لم تعد تراه الآن. وأمير... أمير كان يلف ذراعه حول كتف أخيه الأصغر، وكأنه يحمي العالم كله منه. انهمرت دمعة على الصورة، مسحتها بسرعة وهي تسمع خطوات تقترب. "ماذا تفعلين هنا؟" كان صوته. لم يكن غاضبًا تمامًا، بل مرهقًا، كرجل لم ينم لليلة الثانية. وقف إياد عند عتبة الباب، كتفه يسند إطار الباب، ينظر إليها بفضول حذر. كان يرتدي سترة جلدية الآن، وعلى كتفه حقيبة صغيرة. وضعت ميرال الصورة ببطء، والتفتت إليه. "كنت أبحث عن... إجابات." "في غرفة المراقبة؟" تقدم نحوها ببطء، وعيناه تمسحان المكان وكأنه يتأكد أنها لم تلمس شيئًا خطيرًا. "في عينيك،" قالت ببساطة جعلته يتوقف. رمش. كان التعب واضحًا عليه، والجرح على وجنته لم يضمد بعد. نظر إليها طويلاً، ثم قال: "عيناي لا تحملا
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد

الفصل 9

في الغابة المحيطة، انقسم رجال إياد إلى ثلاثة فرق. طارق قاد المجموعة الأولى، وقطعوا أسلاك الكهرباء والاتصالات. المجموعة الثانية، بقيادة رجل صامت اسمه سليم، تسللت من الجانب الخلفي وزرعت عبوات صغيرة تحت السيارات الواقفة. والمجموعة الثالثة... قادها إياد بنفسه. كان يرتدي سترة واقية سوداء، ووجهه ملطخ بخطوط طلاء داكنة. في يده مسدس مزود بكاتم صوت، وفي عينيه حكم الإعدام النهائي. حين بدأ الهجوم، لم يكن هناك صافرات إنذار. فقط أصوات مكتومة: رصاصة، سقوط جسد، همسة لاسلكي، ثم رصاصة أخرى. إياد تحرك كشبح. الرجل الأول على البوابة مات قبل أن يرى شيئًا. الثاني عند المدخل الجانبي، انهار وصدره ينزف. الثالث حاول أن يصرخ، لكن سكينًا أخرسته إلى الأبد. كان إياد يتقدم، خطوة خطوة، عبر حديقة تحولت إلى مقبرة، وكل خطوة كانت تزيد من هدوئه المرعب. دخل الفيلا من الباب الخلفي. في الداخل، كانت أصوات الموسيقى الكلاسيكية تصدر من الطابق العلوي. ريناتو، في غرفة طعامه، كان يرفع كأس نبيذ إلى شفتيه حين انفتح الباب فجأة. لم يكن هناك ضجة، فقط إياد واقفًا في الإطار، مسدسه ممدودًا، ووجهه قناعًا من الموت. تساقطت كأس النبيذ م
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد

الفصل 10

وهناك، في بهو القصر الصامت، مع بزوغ أول خيوط الفجر، وقف إياد حارسًا لنومها، ملوثًا بدماء أعدائه، وفي قلبه حقيقة لم يعد يستطيع إنكارها: لقد تجاوز كل قسم قطعه. لم يعد هناك سواها. انحنى، وهمس قرب أذنها دون أن يوقظها: "عدت." ثم استقام، واستند إلى الجدار المقابل، وراقبها حتى طلع النهار. وفي مكان ما في المدينة البعيدة، كانت النيران لا تزال مشتعلة. عائلة فالكوني كانت تلملم جراحها، تخطط لثأر جديد. الحرب لم تنته. كانت قد بدأت للتو. لكن هنا، في قصر آل إياد، للحظة واحدة، ساد السلام. سلام ما قبل العاصفة.لم ينم إياد حتى بزغ النهار. حين تسللت أول خيوط الشمس الرمادية عبر نوافذ البهو، كان لا يزال واقفًا في نفس المكان، مستندًا إلى الجدار، كحارس من حجر. سترته الجلدية كانت لا تزال تغطي ميرال، التي لم تستيقظ بعد، والتي كانت أنفاسها المنتظمة ترتفع وتنخفض تحت طبقة الجلد الداكن. عند السابعة صباحًا، ظهرت الخادمة العجوز أم نادر في طرف البهو، وتوقفت فجأة حين رأت المشهد: السيد إياد، بوجه شاحب وعينين محاطتين بهالات سوداء، يحرس نوم المرأة التي كانت مستلقية على أريكته. لم تقل شيئًا، فقط انحنت قليلاً وانسحبت
last updateآخر تحديث : 2026-06-24
اقرأ المزيد
السابق
1234
امسح الكود للقراءة على التطبيق
DMCA.com Protection Status