Mag-log inفي الممر، كان الجحيم مفتوحًا. اثنان من حراسه ممددان في دمائهما. ثلاثة من المهاجمين بوجوه ملثمة كانوا يتقدمون. لم يضيع إياد الوقت في العد التنازلي. أطلق النار بدقة باردة، طلقة بين العينين للأول، طلقتان في صدر الثاني أسقطتاه على ظهره، أما الثالث فقفز نحوه بسكين. راوغ إياد بسرعة مفترس، التقط معصم اليد الحاملة للسكين، لوى الذراع حتى سمع صوت كسر العظام، ثم دفع السكين إلى صدر المهاجم وأسقطه عند قدميه. كل شيء حدث في أقل من عشر ثوانٍ. الدم تناثر على جدران الممر الرخامي، على قميصه الأبيض، على وجهه.
وسط صمت الموت المفاجئ، سمع صوت خطوات خلفه. التفت بسرعة، ليصوب المسدس... ثم توقف قلبه. كانت ميرال. خرجت من الغرفة، في قميص نومها الممزق عند الكتف، حافية القدمين كطيف. وجهها كان كالطباشير، وعيناها مثبتتان على الدم الذي يغطيه. كانت تبحث عنه. أرادت أن تتأكد أنه ما زال حيًا. "أمرتك ألا تتحركي!" زأر، وصوته كان خليطًا من الغضب والرعب عليها. لكن خلفه، من الظل الذي أهمله، نهض المهاجم الرابع، الذي كان مختبئًا في زاوية الممر. كان مصابًا، لكن في يده مسدسًا رفعه نحو ظهر إياد. رأت ميرال الحركة قبل أن ترى المهاجم، رأت فوهة المسدس في الظلام، فأطلقت صرخة تحذير: "إياد! خلفك!" استدار إياد في نفس اللحظة التي انطلقت فيها الرصاصة. لم تصبه، مرت بجانب أذنه واخترقت الجدار. في جزء من الثانية، وجه مسدسه نحو المهاجم وأفرغ طلقة واحدة في جمجمته، فتناثر الدم على الحائط خلفه كزهرة قرمزية مريعة. سقط الجسد كدمية مكسورة. ثم حل صمت رهيب. وقف إياد يلهث، وذراعه ما زالت ممدودة بالمسدس، والدخان يتصاعد من الفوهة. الدم ينزف من جرح صغير في وجنته حيث شظية زجاج. استدار ببطء ليواجه ميرال. كانت لا تزال واقفة في مدخل الممر، يداها تغطيان فمها، ترتجف من رأسها إلى أخمص قدميها، والدموع تنهمر على وجهها بلا صوت. نظرت إليه، إلى الدم الذي يغطيه، إلى الجثث المتناثرة حوله، إلى الوحش الذي تزوجته. ولكن شيئًا في نظرتها تغير. لم يكن فقط رعبًا. كان شيئًا آخر. إدراكًا. إدراك أن هذا الرجل، الذي يبدو كإله منتقم من العالم السفلي، فعل هذا كله لحمايتها. أن الرصاصة التي أخطأته كانت ستنهي حياته، وكانت ستنهي هي الأخرى بعدها، لكنها الآن، بفضله، ما زالت تتنفس. بدأت ساقاها تخونانها، انزلقت نحو الأرض. في خطوتين، كان إياد عندها. ألقى المسدس جانبًا، وانحنى ليلتقطها قبل أن تصطدم ركبتاها بالأرض. حملها بين ذراعيه كطفلة، جسدها المرتجف التصق بصدره الملطخ بالدماء، رأسها انغرس في جوف عنقه. كانت خفيفة، أشد خفة مما تخيل، وكأن أحزانها جعلتها من بخار وروح. حملها مبتعدًا عن الممر، عن الجثث، نحو جناحه هو هذه المرة. نحو غرفته التي أقسم ألا تدخلها، لكن كل الأقسام تحطمت الليلة مع الزجاج. كانت ذراعاه ترتجفان، ليس من المجهود، بل من الأدرينالين، ومن شيء آخر أعمق. من الإحساس بجسدها المضموم إليه، بدفئها ورائحتها وضحكات أنفاسها المذعورة على جلده. دخل غرفته المظلمة، وضعها برفق على سريره الضخم. كان يجب أن يتركها ويستدعي الطبيب، وينسحب. لكنه بقي منحنيًا فوقها لثوان، وجهاهما متقابلان، عيناها الغارقتان في الدموع تنظران إليه، ويده، دون وعي، مسحت خصلة شعر من على جبينها المتعرق. لمست أصابعه جلدها، لأول مرة، بلا ضرورة. كانت بشرتها حريرًا ساخنًا تحت يده الخشنة. شهقت، لكنها لم تبتعد. بل تشبثت بقميصه، بأصابع مرتجفة، كأنها تخشى أن يختفي. ثم نطق، بصوته الأجش الممزق بين الغريزة واللعنة، الكلمات التي تسربت من القفص الحديدي في أعماقه: "أنتِ... بأمان. لن يمسك أحد... أنتِ لي." تجمد في منتصف الجملة، اتسع بؤبؤ عينيه الرماديتين حين أدرك الكلمة الأخيرة التي أفلتت. حاول أن يتراجع، أن يصحح، أن يقول "تحت حمايتي"، لكن الكلمة علقت في الهواء بينهما، عارية، متوحشة، حقيقية. ميرال لم تنبس. فقط نظرت إليه، وفي عينيها خليط معقد من الصدمة والخوف... وشيء ثالث، شيء كجمرة صغيرة تحت رماد الحداد، اشتعل برغمها. انحدرت دمعة جديدة على صدغها، لكنها لم تغض البصر. أما إياد، فوقف منتصبًا، ينظر إلى هذا المخلوق الذي يرتجف على فراشه، وإلى يديه الملطختين بالدم الذي أراقه من أجلها، وشعر بثقل الحقيقة يسحق كتفيه: القسم الذي قطعه على قبر أخيه قد مات الليلة. وما حل محله كان أشد فتكًا، هوسًا لا يعرف الحدود. نظر من النافذة إلى أضواء المدينة البعيدة، التي كانت ترقد في غفلة تحت المطر، وأدرك أنه لو تطلب الأمر، فسيشعل كل حي فيها، كل شارع، كل عرش خصم، ليبقى هذا المخلوق يتنفس بين ذراعيه. الوحش الذي كان يخشاه الجميع، أصبح الآن مقيدًا بامرأة. وهذا القيد، شعر به يلتف حول روحه، ليس كأغلال حديدية، بل كجذور شجرة سامة، تخترق صدره وتزهر بنار لا تطفأ.ترددت ميرال. كانت تعرف أن الكلمات التالية ستكون كالقنبلة. "قالت... إن لديها طفلاً ثالثًا. ولدته بعد أمير وقبلك. أخفته. أعطته لعائلة أخرى." وقف إياد. مشى إلى النافذة. ظهره كان متوترًا، مشدودًا، كقوس على وشك الانطلاق. "طفل ثالث،" همس. "شقيق. لا أعرفه." "نعم." "وأين هذه الرسائل الآن؟" "أخذها. الرجل الذي كان هنا. سامر. رأيته في الممر. دخل الغرفة. أخذ الصندوق." استدار إياد. كان وجهه متغيرًا. "سامر؟ النقيب سامر؟" "نعم. كان يرتدي نفس المعطف. كان لديه نفس الخاتم. الخاتم الفضي." "لكن... سامر يعمل معي منذ أسابيع. هو من ساعدنا في العثور على مخبأ ماريو. هو من أعطانا المعلومات." "إذن هو يعرف كل شيء. تحركاتك. أسرارك. نقاط ضعفك." ساد صمت. كان عقل إياد يعمل بسرعة. كان يحلل كل لقاء مع سامر، كل معلومة أعطاها له، كل سؤال طرحه. "إذا كان سامر هو من أخذ الرسائل... فهذا يعني أنه يعرف. عن الطفل الثالث. عن أمي." "أو..." توقفت ميرال. كانت هناك فكرة تراودها منذ أن رأت الخاتم. فكرة مجنونة. فكرة مستحيلة. لكنها... كانت ممكنة. "أو أنه ليس مجرد شرطي." "ماذا تعنين؟" "الطفل الثالث. لو كان حيًا.
المعطف الداكن. الطول. ثم، حين استدار الرجل لينظر إليها، رأت وجهه. كان وجهًا لم تنسه. وجه الرجل الذي رأته في الطابق الثالث قبل ساعات. وجه الرجل الذي أخذ الصندوق. "ميرال،" قال إياد، واقفًا. "ما الذي... لماذا أنتِ هنا؟ هل حدث شيء؟" لكنها لم تكن تنظر إليه. كانت تنظر إلى الرجل. إلى الرجل الذي كان يقف الآن في منتصف المكتب، ينظر إليها بدوره، وابتسامة خفيفة ترتسم على شفتيه. ابتسامة باردة. ابتسامة معرفة. "من... من هذا؟" سألت ميرال، وصوتها كان متقطعًا. نظر إياد إلى الرجل، ثم إليها. كان مرتبكًا. "هذا سامر. النقيب سامر. من الشرطة." "الشرطة؟" كررت ميرال. كانت عيناها لا تزالان مثبتتين على الرجل. على الخاتم الفضي في إصبعه. خاتم على شكل ثعبان. "نعم،" قال الرجل - سامر - وصوته كان هادئًا، مثقفًا. "أنا وسيد إياد نتناقش في... تعاون محتمل. لكن يبدو أن السيدة لديها ما هو أهم." "أنت... أنت كنت في القصر اليوم." تجمد إياد. نظر إلى سامر، ثم إلى ميرال. "ماذا؟" "في الطابق الثالث،" تابعت ميرال، وصوتها كان يرتجف لكنه كان قويًا. "رأيته. كان يأخذ صندوقًا. صندوقًا فيه رسائل." تغير وجه سامر. للحظة،
كان المطر قد اشتد خلال رحلتها عبر المدينة، وتحول من رذاذ خفيف إلى وابل غزير يضرب زجاج السيارة كحصى صغير. السماء كانت قد ابتلعت آخر خيوط الضوء، تاركة المدينة تحت سقف من السحب السوداء المنخفضة. كانت الشوارع شبه خالية، والمحلات التجارية أغلقت أبوابها مبكرًا، والمشاة القلائل الذين تجرأوا على الخروج كانوا يركضون تحت مظلاتهم المقلوبة بفعل الريح. لكن ميرال لم تكن ترى شيئًا من هذا. كانت عيناها مثبتتين على الطريق أمامها، ويداها مشدودتان على حقيبتها في حجرها، وعقلها يدور كعجلة لا تتوقف. الرسائل. المرأة التي كتبتها. الطفل الثالث. الرجل ذو الخاتم الفضي. كل شيء كان يختلط في رأسها، يتراكب، يشكل صورة لم تكتمل بعد. قطعة واحدة مفقودة. قطعة واحدة كانت ستجعل كل شيء واضحًا. لكنها لم تكن تعرف ما هي. كانت تعرف فقط أنها يجب أن تخبر إياد. "أسرع،" قالت للسائق، رغم أنها كانت تعرف أنه لا يستطيع الإسراع أكثر في هذا المطر. "الطريق زلق يا سيدتي،" قال السائق، وهو رجل عجوز كان يعمل لدى العائلة منذ سنين. "لا أريد أن نتسبب في حادث." "فقط... أسرع." أومأ السائق وصمت. كان يعرف تلك النبرة في صوتها. نبرة امرأة تحمل ش
"سيدتي!" صاحت أم نادر، وكادت الصينية تسقط. "ماذا حدث؟ أنتِ شاحبة!" "أم نادر،" قالت ميرال، وصوتها كان لاهثًا. "الطابق الثالث. من كان هناك؟ قبل قليل. رجل. طويل. بمعطف داكن." رمشت أم نادر. "الطابق الثالث؟ لم يصعد أحد إلى هناك منذ سنوات. أنا... لم أرَ أحدًا." "لكنني رأيته! كان هناك!" "سيدتي، أرجوكِ اجلسي. أنتِ لا تزالين تتعافين. ربما... ربما كان خيالكِ." "لم يكن خيالي!" كان صوت ميرال مرتفعًا الآن. "كان هناك رجل. وأخذ شيئًا من الغرفة. صندوقًا. فيه رسائل." تغير وجه أم نادر. للحظة، رأت ميرال شيئًا في عينيها. ليس دهشة. بل... معرفة. "رسائل؟" همست أم نادر. "أي رسائل؟" "رسائل والدة إياد. كانت مخبأة خلف المرآة. في تجويف في الحائط." سقطت الصينية من يد أم نادر. تحطمت على الأرض، وتناثر الشاي والزجاج في كل مكان. لكن أم نادر لم تنتبه. كانت تنظر إلى ميرال بعينين واسعتين. "لقد وجدتها،" همست. "بعد كل هذه السنوات... وجدتها." "ماذا تعرفين عن هذه الرسائل؟" نظرت أم نادر حولها، كأنها تخشى أن يسمعها أحد. ثم أمسكت بذراع ميرال. "تعالي. ليس هنا." قادتها إلى المطبخ. كان المطبخ كبيرًا، دافئًا،
كانت الرسائل كلها من امرأة واحدة. من يدها. من روحها. وفي كل رسالة، كانت تكشف شيئًا جديدًا.كانت تكتب عن زوجها - والد إياد وأمير - وعن صراعاته مع العائلات الأخرى. كانت تكتب عن ولديها: أمير، الابن الأكبر، الجاد والمسؤول، وإياد، الصغير، الذي كان "نارًا في جسد طفل"، كما قالت. كانت تكتب عن خوفها عليه. "إياد يحب بعمق،" قالت في إحدى الرسائل. "وهذا ما يخيفني. في عالمنا، الحب نقطة ضعف. وأنا أخشى أن يكون حبه... سلاحًا ضده."لكن الرسالة الأخيرة كانت مختلفة.كانت أطول. وكانت موجهة إلى شخص لم تذكر اسمه. شخص كانت تثق به."سامحني لأني أضع هذا العبء عليك،" كتبت. "لكن هناك شيئًا يجب أن تعرفه. شيئًا لا يعرفه أحد. لدي طفل ثالث."تجمدت ميرال."طفل ثالث. ولدته قبل إياد بعام. لم يعرف عنه أحد. أخفيته لأني كنت خائفة. خائفة من زوجي، من العائلة، من العالم. أعطيته لعائلة أخرى لتربيه. عائلة طيبة. لكني كل يوم... أندم. وأنت الوحيد الذي يعرف. أرجوك... إذا حدث لي شيء... إذا مت... اعتنِ به. لا تخبره من هي أمه الحقيقية. فقط... احمه."كانت هناك دموع على الورقة. بقع حبر مدموغة بدموع امرأة ماتت منذ عشرين عامًا.وضعت ميرا
مرت أربعة أيام منذ عودة ميرال من قبو ماريو فالكوني. أربعة أيام كانت كفيلة بأن تقلب القصر رأسًا على عقب، ليس بالعنف، بل بالصمت. الصمت الذي أعقب الاعتراف. الصمت الذي كان أثقل من أي كلمة.كانت ميرال قد بدأت تستعيد قواها ببطء. جسدها كان يتعافى: الكدمات على معصميها تحولت من الأحمر الغاضب إلى الأزرق الباهت ثم إلى الأصفر، والجروح الصغيرة على ساقيها التئمت، والشحوب الذي كان يغطي وجهها بدأ يفسح المجال للون الحياة. كانت تأكل. كانت تنام. كانت تمشي في حديقة القصر في الصباح الباكر حين يكون الهواء نقيًا والندى لا يزال على أوراق الشجر.لكن شيئًا فيها كان قد تغير.لم تكن الضحية بعد الآن. لم تكن المرأة التي اختطفت، التي كُذب عليها، التي عاشت عمرها لا تعرف من هي. كانت شيئًا آخر. شيئًا لم تعرف اسمه بعد، لكنها شعرت به في عظامها: قوة. هادئة، عميقة، كالماء الذي ينحت الصخر.وفي ذلك الصباح، قررت أن تبدأ البحث.ليس بحثًا عن إياد. كان إياد موجودًا، قريبًا، لكنه كان بعيدًا أيضًا. منذ اعترافه، كان يتعامل معها برقة حذرة، كمن يقترب من غزالة قد تهرب. كان يأتي إلى غرفتها كل مساء، يسأل عن حالها، يطمئن. وكانت تجيبه با