LOGINأغلق "بدر" الباب خلفهما بضربة قوية، صدى صوتها تردد في أرجاء الحمام الرخامي كإعلان حرب. لم يترك يدها، بل سحبها حتى اصطدمت بظهره العاري والمثقل بالندوب والدماء. كانت حرارته تلفحها كأنها واقفة أمام فوهة بركان.
التف إليها ببطء، وعيناه العسليتان اللتان استحالتا للون القطران المشتعل تخترقان روحها. بدأ يفك أزرار قميصه الملطخ ببرود مرعب، وهو يتقدم نحوها خطوة بخطوة حتى حاصرها بين جسده وجدار الجاكوزي الدافئ.
"لماذا حاولتِ الهرب يا ناي؟" همس، وصوته كان أعمق وأكثر حدة من صوت الرصاص في الخارج. "ألم أخبركِ أن الموت يسكن خارج هذه الجدران؟ وحده حضني هو ما يضمن لكِ التنفس."
مرر يده التي لا تزال تحمل أثر دماء أعدائه على وجنتها، تاركاً خطاً أحمر قانياً كأنه وسم بملكيتها. ارتجفت ناي، ليس فقط من الرعب، بل من تلك الكهرباء التي سرت في عروقها جراء لمسته. حاولت دفعه، لكن يداها غرقتا في صدره الصلب المبلل بالعرق والدم.
"أنت وحش.. مجرم يقتل بدم بارد، وتنتظر مني الخضوع؟" صرخت بصوت مهزوز، محاولةً الحفاظ على ما تبقى من كبريائها.
ضحك بدر ضحكة خافتة وخطيرة، ثم انحنى حتى أصبح أنفه يلامس أرنبة أنفها. "أنا الوحش الذي أحرق أسطولاً كاملاً منذ دقائق لأنهم تجرأوا وفكروا في لمسكِ. أنا المجرم الذي سيجعلكِ تنسين اسمكِ ولا تذكرين سوى اسمي."
فجأة، وبحركة خاطفة، رفعها ووضعها على حافة الجاكوزي الرخامية. كانت برودة الرخام تحتها تتناقض تماماً مع نيران جسده. أمسك بفكها برقة مخملية تخفي خلفها قوة فولاذية، وأجبرها على النظر في عينيه.
"الآن.. سنزيل هذا الغبار، وهذه الدماء، وسأحرق كل ذكرى لتمردكِ."
فتح صنبور الماء، فامتلأ الجو ببخار كثيف غلف المكان بغيمة من الغموض. بدأ يزيل عنها ثوبها الذي تمزق جزء منه أثناء الانفجار، بلمسات كانت أشبه بنوتات موسيقية تعزف على أوتار جسدها. كانت ناي عاجزة عن الحركة، مسلوبة الإرادة أمام تلك السطوة التي يمارسها عليها.
وعندما غمرها الماء الدافئ، وشعرت بيديه تلامسان بشرتها لتنظيف أثر الدماء، أدركت ناي الحقيقة المرة؛ هي لم تعد خائفة من موته، بل بدأت تخاف من العيش بدونه.
لكن الصمت لم يدم طويلاً. صوت انفجار آخر، بعيد هذه المرة، هز الجزيرة. تجمد بدر، وبدت عروق رقبته نابضة بالغضب. لم يكن الأمر قد انتهى بعد.
"يبدو أنهم لم يتعلموا الدرس بعد،" همس وهو يبتعد عنها، لكنه قبل أن يخرج، التفت إليها وقال بلهجة آمرة: "ابقِ هنا. إذا عدتُ ولم أجدكِ في هذا الماء.. سأجعل من هذه الجزيرة مقبرة جماعية لكل من وطأها، وأبدأ بنفسي."
خرج وتركها وسط البخار، تتصاعد أنفاسها بجنون. ناي لم تكن تعلم هل تدعو الله أن يعود حياً، أم تدعو أن يبتلعها البحر قبل أن تغرق في هوسه أكثر.
بينما كان بدر يخرج لمواجهة الموجة الثانية من الهجوم، لمحت ناي شيئاً سقط من جيب قميصه الملقى على الأرض.. كان مفتاحاً صغيراً جداً، يحمل شعاراً لم تره من قبل، وصورة قديمة جداً لامرأة تشبهها حد الذهول.
تلاشى صوت خطواته الثقيلة، لكن صدى كلماته ظل يتردد في الحمام المليء بالبخار كأنه قيد غير مرئي. مدّت "ناي" يدها المرتجفة نحو الأرض، وسحبت تلك الصورة التي سقطت من قميص "بدر" الملطخ.
تجمدت الدماء في عروقها. لم تكن مجرد امرأة تشبهها؛ كانت نسخة طبق الأصل منها، بذات العينين المتمردتين وذات الشامة الصغيرة أسفل عنقها، لكنها كانت ترتدي ثياباً من عصر آخر، وتقف بجانب رجل يشبه "بدر" في شبابه.. رجل كان يبتسم بصدق لم تره في وجه سجانها قط.
"من هذه؟ ولماذا يطاردني هو بهذا الجنون؟" همست لنفسها، بينما كانت أصوات الرصاص في الخارج تقترب أكثر.
فجأة، انفتح الباب بعنف. لم يكن "بدر".
كان أحد المهاجمين، مقنعاً ويحمل سلاحاً آلياً. صرخت ناي وهي تتراجع داخل الماء، لكن قبل أن يضغط الغريب على الزناد، اخترقت رصاصة دقيقة جبينه من الخلف. سقط الجسد الهامد ببرود على الأرضية الرخامية، وظهر "بدر" خلفه، يلهث، والشرر يتطاير من عينيه.
لم يتحدث. اندفع نحوها، وجذبها من وسط الماء بقوة جعلت صرخاتها تخمد في صدره. رفعها بين ذراعيه وهو يشق طريقه وسط النيران والدخان المتصاعد في الرواق. كانت الجزيرة تحترق فعلياً، لكنه لم يكن ينظر للخلف؛ كان ينظر إليها هي، كأنها كنزه الوحيد في هذا الجحيم.
وصل بها إلى مهبط الطائرات الخاص، حيث كانت المروحية تنتظر والمحركات تزمجر. وضعها في الداخل، وحاصرها بجسده الصلب بينما كانت الطائرة تقلع مخلفةً وراءها النيران.
في سكون الطائرة المطبق، وبينهما المسافة التي تلاشت تماماً، أخرجت ناي الصورة المبللة ووضعتها أمام عينيه. "من هذه يا بدر؟ هل أنا مجرد بديل لظلٍّ قديم؟"
تغيرت ملامح بدر. غاب الغضب وحل محله حزن عميق، مفترس، ومظلم. أمسك بيدها التي تحمل الصورة، وضغط عليها حتى شعرت بعظامها، ثم انحنى وهمس بجانب شفتيها بصوت غلبه الهوى والجنون:
"أنتِ لستِ بديلاً.. أنتِ البعث. لقد أحرقتُ العالم مرة لأجلها، وسأحرقه الليلة لأجلكِ ألف مرة. الفرق الوحيد أنها خانتني.. أما أنتِ، فستكونين لي حتى ينقطع آخِر نَفَس في صدري."
ومع هذه الكلمات، فقدت ناي القدرة على المقاومة. لم يكن هجومه هذه المرة بالرصاص، بل كان بقبلة عنيفة، يائسة، وممتلئة برائحة البارود والندم. كانت قبلة تعلن استسلامها التامي لسلطته، واشتعال فتيل قصة لن تنتهي إلا بالرماد.
ساد الصمت داخل الطائرة المروحية إلا من أنفاسهما المتسارعة التي كانت أشد ضجيجاً من المحركات. كانت المروحية تشق عباب الغيوم متجهة نحو وجهة مجهولة، لكن بالنسبة لـ "ناي"، كان العالم كله قد تقلص ليصبح محصوراً في تلك المساحة الضيقة بين صدر "بدر" الفولاذي وظل الصورة التي كانت تقبض عليها بيدٍ مرتجفة.
تلاشت تلك القبلة العنيفة تاركةً شفاهها مدمية، لكنها لم تكن دماء ألم، بل دماء استسلامٍ لبركانٍ خامد انفجر فجأة. ابتعد بدر ببطء، عيناه كانتا تلمعان ببريقٍ مرعب، مزيج من الهوس والندم.
"من هي؟" سألت ناي، وصوتها يخرج مبحوحاً كأنها استهلكت كل طاقتها في تلك القبلة. "لماذا أرى وجهي في صورةٍ أكلها الزمن؟"
لم يلتفت بدر، بل نظر من النافذة إلى أضواء باريس التي بدأت تلوح في الأفق، لؤلؤة غارقة في السواد. "كانت تدعى 'ماريا'.. المرأة التي علمتني أن القلب مجرد نقطة ضعف، وأن الحب هو أسرع طريق للقبر. قتلتُها بيديّ هاتين حين خانت عهدي مع عدوي."
اتسعت عينا ناي رعباً، وحاولت التراجع، لكنه حاصرها بذراعيه القويتين، مقرباً وجهه من وجهها حتى شعرت بحرارة أنفاسه تحرق بشرتها.
"لا ترتعشي.. أنتِ لستِ هي. هي كانت وهماً، أما أنتِ فحقيقةٌ صرخت في وجهي وسط الدماء. هي خانت، أما أنتِ.. فستكونين وسمي الذي لا يُمحى."
هبطت المروحية فوق سطح قصرٍ منيف في قلب باريس، يطل على برج إيفل الذي بدا كأنه شاهدٌ صامت على هذه الجريمة العاطفية. سحبها بدر خلفه، لم يعد يمسكها كرهينة، بل كـ "ممتلكات خاصة" ثمينة جداً.
دلفا إلى الجناح الرئيسي، حيث كان الأثاث من المخمل الأسود والرخام الأبيض، ورائحة عطر "العود والجلود" تملأ المكان. نزع بدر قميصه تماماً، كاشفاً عن وسمٍ ضخم على ظهره: جمجمة تلتف حولها أوتار كمان.
تسمرت ناي في مكانها. "أنت.. أنت كنت تراقبني منذ زمن؟"
التف إليها، وعضلات صدره تتحرك مع كل نَفَس. "منذ أول معزوفة لكِ في فيينا.. كنتِ تعزفين نوتات ذبحي ولم تعلمي. الليلة يا ناي، سأحرق ذكراها في جسدكِ، وسأجعل هذا القصر يشهد على ولادة عازفةٍ جديدة.. عازفةٌ لا تملك كماناً، بل تملك قلباً يدق باسمي فقط."
اقترب منها، وبدأ يفك سحاب فستانها الممزق ببطءٍ قاتل، وعيناه لا تفارقان عينيها. "أخبريني يا ناي.. هل تفضلين الموت كحرّة، أم العيش كملكةٍ في جحيمي؟"
لم تجب ناي بالكلمات، بل أسندت رأسها على صدره العاري، مستسلمةً لتلك الجاذبية القاتلة. في تلك اللحظة، لم يعد "بدر" المجرم هو العدو، بل صار هو الملاذ الوحيد من عالمٍ لا يرحم.
بينما كان بدر يغرق في سحر تمردها الذي بدأ يتلاشى، رنّ هاتفه المشفر. ظهر اسمٌ واحد على الشاشة جعل وجهه يستحيل إلى حجر: "ماريا".
التفتت ناي لترى الاسم، وشعرت ببرودة الموت تجتاح المكان مجدداً. هل ماريا لا تزال حية؟ وهل كل ما حدث كان مجرد فخٍ لجذبها إلى وسط صراعٍ قديم ومميت؟
تجمدت الدماء في عروق "ناي" وهي تحدق في الشاشة الومّاضة. الاسم كان ينبض كخنجر يغرس في قلبها: "ماريا". التفتت إلى "بدر"، رأت وجهه يستحيل إلى قناع من الرخام الصلب، عروق رقبته برزت كأفعى محاصرة، والمسدس الذي كان قد وضعه جانباً عاد ليدفن نفسه في قبضته بآلية مخيفة.
"ألم تقل أنك قتلتها؟" همست ناي، وصوتها يرتجف بحدة الانكسار. "هل أنا مجرد طعم لجذب شبح من الماضي؟"
لم يجبها. سحبها من معصمها بقوة آلمتها، ودفعها خلف ساتر رخامي في الجناح، وهس بصوت أجش يقطر سماً: "ابقِ هنا. إذا تحركتِ خطوة واحدة.. سأعتبركِ خائنة مثلها، وأنتِ تعرفين جزاء الخونة عندي."
انفتح باب الجناح ببطء مستفز. دخلت امرأة تشبه ناي حد الفزع، لكن عينيها كانتا تحملان خبث السنين. كانت "ماريا" الحقيقية، حية، ومسلحة بابتسامة باردة وفوهة مسدس موجهة نحو قلب بدر.
"ظننت أن الرصاصة التي وضعتها في صدري قبل سنوات كانت النهاية يا بدر؟" قالت ماريا بضحكة مخملية. "لكنك نسيت أن الشيطان لا يموت بسهولة. والآن.. أين هي النسخة الجديدة مني؟ أين العازفة؟"
خرج بدر من خلف الساتر، وقف أمامها بصدر عارٍ يتحدى الموت، وقال بصوت هزّ أرجاء القصر: "أنتِ الماضي الذي أحرقتُه، وهي المستقبل الذي سأبني فوق رمادكِ. ناي ليست نسخة منكِ.. ناي هي الروح التي تفتقدينها."
في لحظة خاطفة، دوت صرخة رصاصة مزقت سكون باريس. ناي، التي لم تعد تحتمل دور الضحية، اندفعت من مخبئها، ليس للهرب، بل لتلقي بنفسها أمام بدر. لكن بدر كان أسرع؛ احتضنها بجسده الضخم ليكون درعها، بينما كانت رصاصته هو تخترق قلب ماريا للمرة الثانية والأخيرة.
سقطت ماريا، وساد صمت جنائزي. ارتمى بدر على ركبتيه وهو لا يزال يحتضن ناي، والدم يسيل من كتفه المظلم. نظر في عينيها، ولأول مرة، رأت ناي "دمعة" في عين الجزار.
"لماذا فعلتِ ذلك؟" همس وهو يلمس وجهها بيد ترتجف.
ابتسمت ناي وسط دموعها، ووضعت يدها فوق قلبه النابض بعنف: "لأنك أحييتَ فيّ نوتة كنتُ أظنها ماتت.. نوتة الانتماء للوحش الذي أحرق العالم لأجلي."
حملها بدر وسط دخان المعركة والرماد المتطاير، وقف على الشرفة المطلة على برج إيفل، بينما كانت سيارات الشرطة تحاصر القصر من كل جانب. نظر إلى الأفق وقال بلهجة آمرة ونهائية:
"الليلة يا ناي، سنختفي من هذا العالم. سأحرق هويتي، وثروتي، واسمي. سنكون مجرد عازفة وهارب.. في عالم لا يعرفنا فيه أحد."
انتهى المشهد بانفجار ضخم هزّ القصر بأكمله، ليظن العالم أن "بدر السيوف" قد انتهى مع عازفته. لكن في زقاق بعيد بباريس، كانت هناك سيارة سوداء تنطلق بسرعة البرق، وبداخلها رجل يمسك يد امرأة بقوة، وعازفة تضع كمانها جانباً.. لتبدأ عزف لحن جديد، لحن لا يعرف القيود، ولا يعترف إلا بـ "قُبلة المعصية".
على رمال "جزيرة الملح" الملطخة بالدماء، لم يكن هناك وقت للعناق الطويل. جثة لوكا كانت تبرد بجانبهم، لكن الأفق كان يشتعل بضوء السفينة الغامضة التي تقترب. وقف بدر، وسحب ناي من يدها بقوة وهو يتحامل على جراحه، ثم اتجه نحو مهد آريان."ناي، اسمعيني جيداً،" قال بدر ونبرته عادت حادة كالصلب، "لوكا لم يكن يملك الذكاء الكافي لاختراق سجلات 'السيوف' السرية في باريس. هناك شخص خلفه.. شخص يعرف أسرار والدي التي دُفنت معه."نظرت ناي إلى السفينة الضخمة التي تحمل شعاراً غريباً: جمجمة محاطة بأوتار كمان مكسورة. "بدر.. هذا الشعار.. لقد رأيته في مذكرات والدي القديمة قبل أن يُقتل. كانوا يسمونه 'المؤلف'."لم ينتظرا طويلاً. حمل بدر الطفل، وسحبت ناي حقيبة كمانها، واتجها نحو القارب الصغير. "إلى أين؟" سألت ناي وهي تجدف معه بكل قوتها.رد بدر وعيناه تراقب السفينة التي بدأت تطلق زوارق سريعة لمطاردتهما: "إلى المكان الوحيد الذي لا يجرؤ 'المؤلف' على دخوله.. سرداب النسيان في أعماق صقلية. هناك، توجد الحقيقة التي ستنهي هذه الحرب، أو تنهينا جميعاً."بدأت الرصاصات تخترق الماء من حولهما. ناي، في لحظة جنون وانتقام، سحبت قاذف قن
لم تذهب ناي إلى صقلية، ولم تعد إلى القصر الذي استباحه "بدر" بظله. ذهبت إلى "جزيرة الملح"؛ صخرة ناتئة في البحر الأبيض المتوسط، حيث كان الصيادون القدامى يتركون أجسادهم لتجف تحت الشمس قبل العودة للموت. هناك، في بيتٍ حجري صغير يطل على هاوية سحيقة، كانت ناي تجلس على حافة الجرف، والرياح تلاعب شعرها المصبوغ بلون الفقد.كانت تضع آريان في سلةٍ من الخوص بجانبها، وتمسك بكمانها الأسود الذي تلطخت أوتاره بدماء الليلة الماضية في باريس. كانت تعلم أن "الوحش" قادم، فبدر لم يكن يوماً رجلاً يترك خيطاً مقطوعاً دون أن يربطه حول رقبة صاحبه.مرت ثلاثة أيام من الانتظار القاتل. في الليلة الرابعة، هدأ البحر فجأة بطريقة مريبة، وصمتت طيور النورس. وقفت ناي، وشدت معطفها حول جسدها النحيل، وأشعلت فانوساً واحداً وضعته فوق صخرةٍ بارزة. كانت تلك هي "المنارة" التي دعته إليها.فجأة، شقّ عباب الماء قاربٌ أسودٌ صغير، ينسل كخنجرٍ في قلب المحيط. لم يكن هناك محرك، بل كان رجلٌ يجدف بقوةٍ خارقة، رجلٌ يبدو في الظلام كأنه جزءٌ من الصخر والملح.رسى القارب، وخطا بدر فوق الرمال الخشنة. كان يمشي ببطء، يعرج قليلاً من إصابته في باريس، ل
كانت باريس تحتضن الشتاء ببرودٍ يضاهي برود جثث المشرحة. المطر ينقر على زجاج قطار "يوروستار" السريع كأنه شفرات حادة تحاول اختراق عزلة ناي. لم تكن ناي التي تجلس في الزاوية هي ذاتها التي عرفها العالم كـ "سيدة الرماد"؛ كانت تبدو كـ "ملاك الموت"، ترتدي معطفاً طويلاً من الجلد الأسود، وشعرها الأشعث يغطي نصف وجهها الشاحب، وفي حضنها حقيبة الكمان السوداء التي لا تفارقها.. حقيبة لم تعد تحتوي على ألحان، بل على وعودٍ بالدم.تحسست ناي القلادة التي تخبئ فيها "شريحة الذاكرة" الوحيدة التي تدين لوكا، وهمست لنفسها: "إذا كان الثمن هو روحي يا بدر، سأدفعها.. لكنني لن أسمح لك بأن تصبح الوحش الذي حاولنا الهروب منه."في قلب "حي المونمارتر"، وداخل كنيسة مهجورة تحولت إلى مقر سري لمنظمة "السيوف"، كانت الأجواء تقطر هيبةً ورعباً. زعماء المافيا من مختلف بقاع الأرض يجلسون في الظلال، يترقبون "المحاكمة" التي دعا إليها الرجل الذي عاد من القبر.في المنتصف، كان هناك كرسي حديدي ضخم، وفوقه مهد آريان.. الطفل الذي كان يغط في نومٍ عميق، غير مدرك أن النصال تلمع من حوله.فجأة، انفتحت الأبواب الضخمة بصريرٍ مرعب. دخلت ناي. لم تكن
لم تكن ناي تصرخ.. كانت "تنزف" صمتاً. وقفت في منتصف الغرفة التي كانت قبل دقائق تعج بحياة طفلها، والآن لا يوجد فيها سوى فراغٍ ينهش جدران قلبها. مهد آريان الفارغ كان يترنح ببطء، وكأن يد الشبح لا تزال تهزه بسخرية.أمسكت ناي برداء بدر الذي سقط منه أثناء دفعه لها، وشممت فيه رائحة البحر، والتبغ المر، ورائحة "المطهرات الطبية". لم تكن رائحة الموت، بل رائحة رجلٍ خُيطت جراحه في الظلام وعاد لينتقم."لن تأخذه.." همست ناي، وعيناها تتحولان من انكسار الضحية إلى برود القاتلة. "لو كان عليك أن تقتلني لتأخذه، لكان أهون عليك من أن تتركني حية.. لأنني سأحرق الأرض لأجدك."خرجت ناي من القصر كالمجنونة، حافية القدمين، تحت مطر صقلية الذي بدأ يهطل بغزارة وكأنه يغسل خطايا المدينة. لم تجد سياراتها، لم تجد حراسها؛ لقد سحب "بدر" كل خيوط القوة من تحت قدميها بضربة واحدة.وصلت إلى مرسى السفن القديم، المكان الذي كانت تلتقي فيه ببدر سراً. هناك، وجدت صقر معلقاً من يديه إلى رافعة صدئة، والدماء تغطي وجهه."أين ذهب به؟" صرخت ناي وهي تحاول فك قيود صقر.رد صقر بصوتٍ متهدج: "سيدتي.. إنه ليس بدراً الذي نعرفه. إنه 'شيطان' استعار ص
استيقظت ناي في ظلام القصر الدامس، لكنه لم يكن ظلاماً عادياً؛ كان صمتاً "معدنياً" يخنق الأنفاس. حاولت إضاءة المصباح الجانبي، لكن الكهرباء كانت مقطوعة تماماً عن الجناح الملكي، وكأن القصر نفسه قد أعلن وفاته.تحسست طريقها نحو مهد آريان بقلبٍ يكاد يقفز من صدرها. طفلها كان نائماً بهدوء مريب، لكن فوق غطائه الصغير، لم تجد وردة الياسمين هذه المرة.. وجدت "ريشة كمان" قديمة، مكسورة من المنتصف، ومغموسة في حبرٍ أسودٍ لزج."لقد بدأ.. الحساب بدأ،" همست ناي بصوتٍ مخنوق، وهي تضم طفلها لصدرها وترتعد خلف باب الجناح الموصد.مع شروق شمس صقلية الباردة، لم تجد ناي جيش حراسها بانتظارها. وجدت بدلاً من ذلك "صمتاً" مطبقاً في الردهات. صقر، ذراعها الأيمن، لم يرد على اتصالاتها. وعندما فتحت شاشات المراقبة التي تعمل ببطاريات الطوارئ، رأت الفاجعة:فيديو "الخيانة" الذي هددها به لوكا لم يُنشر للعالم فحسب، بل تم إرساله لكل "رؤوس المافيا" في إيطاليا وفرنسا مع تعليقٍ واحد: "الأرملة السوداء باعت سيدها قبل أن يجف دمه."في غضون ساعات، تجمدت حساباتها البنكية في سويسرا. العقود التي وقعتها بدمها مع شركات الشحن التابعة لآل السيوف
ساد صمتٌ جنائزي ثقيل في ردهات مشرحة "أثينا" المركزية، صمتٌ لم يكن هدوءاً بل كان انسحاباً للحياة أمام هيبة الفقد. لم يكسر رتابة الموت سوى الأنين المكتوم لأجهزة التبريد التي كانت تحفظ أسرار الجثث، وصوت أنفاس ناي المتسارعة التي كانت تجاهد لخنق صرخة رعبٍ ولدت في أعماق عظامها.على الطاولة المعدنية الباردة، تحت الضوء الأبيض الشاحب الذي كشف كل قسوة، كان يرقد ما تبقى من انفجار "سانتوريني"؛ كتلة من الرماد والحطام البشري، جسدٌ نالت منه النيران حتى استحال لغزاً متفحماً، ضاعت ملامحه في سكرات اللهب ولم يتبقَ منه سوى رائحة الموت والبارود.وضع الطبيب الشرعي الملف الأحمر فوق الطاولة، ونبرته كانت تحمل حذراً مهنياً لم يطمئن قلبها: "سيدتي.. الموقف معقد كالجحيم. الجثة عُثر عليها في قلب الحريق، في القبو رقم 4، وهي ترتدي بقايا سترة الحراسة التي تحمل الرقم '7'.. لكن الحرارة كانت هائلة لدرجة أنها صهرت الأنسجة ودمرت أي فرصة للحصول على بصمات أصابع."فتحت ناي عينيها بذهولٍ ممزوج بالألم، وهمست بصوتٍ يرتجف: "والـ DNA؟ والخاتم؟ أليس هناك ما يقطع الشك؟"رد الطبيب وهو يتفادى نظراتها الجريحة: "الخاتم الذهبي وُجد بجان







